الأخلاق الإسلامية (صلاح الدين بسيوني رسلان)

• الخَلْق والخُلُق في الأصلِ واحد كالشَرْب والشُرب ولكن خُص الخَلْق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخُص الخُلُق بالقوى والسجايا المدرجة بالبصيرة. (الراغب الأصفهاني)
• الخُلُق عبارة عن هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بيسر وسهولة من غير حاجة إلى فكرٍ وروية. (الغزالي)
• الأخلاقُ هي علم أعمال الإنسان الإرادية الصادرة عن تفكيرٍ وروية. (الغزالي)

▬ اعتمد مسكويه في وضع مذهبه الأخلاقي على تجاربه الخاصة، والأخذ من مختلف المذاهب الفلسفية خاصةً عند أفلاطن وأرسطوا وجالينوس إلى جانب اهتمامه البالغ بالشريعة الإسلامية، ومحاولته التوفيق بين الفلسفة والشريعة حيث يهدفان إلى صلاح الإنسان وسعادته. وغرض مسكويه في مذهبه عملي ألا وهو تحصيل خُلُق تصدر به الأفعال كلها جميلة وسهلة تحقق السعادة لنفسه، ولمن يسعده جده بالأخذ به. ويؤكد مسكويه على اتفاق العقول في جميع الأزمان والأمم على مسائل عامة تشغلهم مثل أصول الحكم، والفضائل والرذائل الأخلاقية، ومحاربة الشهوات والانفعالات التي تنأى بالإنسان عن السعادة، غاية الأخلاقية العلمية عنده. صــ 206

▬ يُسمي الغزالي السعادة بالخير الأعلى، ويتطلب بلوغ السعادة (الخير الأعلى أو الأقصى) توفر خيرات (فضائل) دنيوية، ليس شيء منها هو السعادة. وهذه الخيرات (الفضائل) الدنيوية ترجع إلى أربعة أنواع:- 1- خيرات النفس: ونعني بها العلم، والحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة. 2- الخيرات البدنية: وهي الصحة، والقوة، والجمال، وطول العمر. 3- الخيرات الخارجية: وهي المال، والأهل، والعزة، وكرم الأرومة (العشيرة). 4- الخيرات التوفيقية: وهي هداية الله، ورشده، وتسديده وتأيده.
 هذه الخيرات أو الفضائل يحتاج بعضها إلى بعض، وهي ضرورية لبلوغ السعادة الحقيقية الأخروية التي هي بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لا جهل معه، وغنى لا فقر يخالطه. صــ 216


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلسفة الرياضيات والعلوم الطبيعية (إسماعيل عبد العزيز)

• حينما يبدأ العالِم في معالجة موضوعاته، فإن اللغة الكيفية لابد لها أن تتحول إلى لغة كمية، حتى يمكن للعلم أن يسير على طريقه المنهجي الدقيق، وذلك بترجمة المطلوب ترجمة عددية.
• إنَّ أهم ما يميز التفكير العلمي هو قدرته على الوصول إلى قوانين عامة يتم على ضوئها فهم الوقائع الجزئية.
• إن تاريخ البشرية ليس مجرد تاريخ عواطف وأهواء وديانات وفلسفات لا عقلية وفن ودين فحسب، بل هو في الحقيقة تاريخ عقل وتاريخ علم. (كارل بوبر)
• تتكون المقدمات التي يبدأ منها المنهج الإستدلالي من عدة أنواع منها ما يُسمى بالتعريفات ومنها ما يُسمى بالمسلمات سواء كانت من نوع البديهيات أو من نوع المصادرات. وعادة ما يُطلق على هذه المجموعة من المقدمات كلها ما يُسمى بنسق البديهيات axiomatic system.
• على الرغم من أنه في الواقع الحسي ما يقابل بعض المفاهيم الرياضياتية إلا أن هذا لا يعني أن أصلها تجريبي.. فبماذا نفسر أن بعض هذه المفاهيم لا يمت للواقعِ بصلة، كالعددِ السالب والكسور والعدد التخيلي.. كما أن نتائج الرياضيات لا تراعي أي مقياس واقعي. ص50
• العقلاينة العلمية لم تعد تتشكل في إطار وعي مستقل عن الواقع، لأن الواقعَ العلمي أصبح واقعًأ يتدخل العقل في تحويله وتصحيحه.
• الواقع العلمي ليس واقعًا مُعطى عن طريق الحواس، بل هو واقع مبني بناء عقليًا خالصًا، وهو ما يعني أن الواقع يوجد في قبضة العقل وأن بناءات العقل وبراهينه لا تتم بمعزلٍ عن الاختبارات والتجارب العلمية.

▬ لقد تميز القرن السابع عشر بميزة هامة لا نكاد تجدها في سائر القرون الأخرى وهي عناية المفكرين بالمنهج أو الطريقة الواجب اتباعها في البحوث. حيث كان معظم مفكري هذا العصر مؤمنين بفائدة المنهج وأثره في العلوم وفي الحياة بدلًا من الاعتماد على الحظوظ  والمصادفات دون وجود خطة مرسومة أو منهج معين ينبغي اتباعه، ولهذا يُقال "الناس مسوقون برغبة في الإستطلاع عمياء، حتى أنهم يوجهون أذهانهم غالب الأمر في طرقٍ مجهولة لا تحقيقًا لأملٍ صائب بل لكي يجربوا إذا كان ما يبحثون عنه شيئًا حقا؛ مثلهم في ذلك مثل رجلٍ استولت عليه رغبة جنونية في أن يكتشف كنزًا ما فتراه يقضي وقته متجولًا منقبًا في كلٍ مكان، ليرى لعل أحد السائحين أو العابرين قد تركَ كنزًا". كذلك يكون أيضًا حال الكثيرين من المشتغلين بالدراسات والعلوم، فالإنسان إذًا من قبل لم يكن لديه منهج يسير على قواعده ولم يصل إلى الحق إلا مصادفة ولم يدرك التوفيق إلا بالحظ والمصادفة، ولهذا يقول ديكارت "خير للإنسان أن يعدل عن التماس الحقيقة من أن يحاول ذلكَ من غيرِ منهج". صــ 22

▬ إذا حاولنا الآن تحديد المقصود بالعلم وجدنا أمامنا سبيلان، فإما أن نعرفه على أساس موضوعه، وإما على أساس منهجه. إلا أنه، مع ذلك، فإن الاعتماد على الموضوع وحده ليس كافيًا للوصول إلى تحديد المقصود بالعلم، إذ أننا لا نقبل التنجيم في مصاف العلوم، على الرغم من أن التنجيم يقوم على دراسة الحقائق، حيث أنه يراقب مواقع النجوم ومختلف حوادث الحياة، ثم يحاول الربط بين هذه وتلك. ولهذا فإن السبب الذي يجعلنا نرفضه كعلم لا يمت للموضوع بصلة، وإنما يرجع إلى أننا نعتبر أن المناهج الذي يلجأ إليها المنجمون بعيدة كل البعد عن العلم. فالعلم حين يرفض تقبل فرع من المعرفة داخل إطاره، فإنما يفعل ذلك دائمًا بسبب منهج ذلك الفرع. ولهذا السبب تستخدم كلمة العلم للدلالة على مجمل المعرفة، التي نصل إلى جمعا بواسطة منهج محدد يُطلق عليه عادةً المنهج العلمي. ومع ذلك فإنه على الرغم من أهمية المنهج في تحديد المقصود بالعلم، فإن موضوع العلم هو الذي يقسم العلم إلى فروع. صـ 26

▬ تختلف فلسفة الرياضيات عن الرياضيات في طريقة السير، فعلى حين تهتم الرياضيات بالتركيبات التي تزداد تعقيدًا كلما تقدمنا بها، فإن فلسفة الرياضيات تهتم بالبحث والتحليل والسؤال عن المباديء التي تقوم عليها الرياضيات. فإذا كانت الرياضيات يُنَظرُ إليها بوصفها علمًا، فإنه يمكن النظر إلى فلسفة الرياضيات كفرع من فلسفة العلم، بجانب تخصصات أخرى مثل فلسفة الفيزياء، وفلسفة البيولوجيا.. صــ 36

▬ تعرف البديهية وفقًا للمنطق القديم بأنها الفكرة الواضحة بذاتها والتي لا تحتاج إلى برهان أو دليل على صحتها إلا أن هذا الأمر قد تغير مع المناطقة الوضعيين والمحدثين بوجه عام الذين اعتبرو أن الوضوح ليس صفة مطلقة بل أن الأمر يتوقف على مدى إدراك الذهن للفكرة وبالتالي انتهوا إلى أن الوضوح أمر نسبي يتوقف على علمنا السابق إضافة إلى قدرتنا العقلية. ولهذا أصبحت البديهية عند المحدثين مجرد فكرة أو تصور نسلم بصحتها على مستوى علم من العلوم طالما أن هناك علمًا آخر أسبق منه وأعم يوضحها ويعرفها ومن ثم تكون البديهية واضحة بدون تعريف على مستوى أي علم تدخل في أحد أنساقه طالما أن علمًا آخر أشمل وأعم قد تكفل بتعريفها. وكما لم تعد البديهية توصف بالوضوح الذاتي، فهي لم تعد كذلك صادقة بالضرورة، بل يكفي فيها مجرد افتراض الصدق. ولهذا عادةً ما تعرف في الرياضيات الحديثة بأنها القضية الأولية التي يُفترض فيها الصدق، على أساس أن افتراض صدق بديهية يعتمد أساسًا على علوم سابقة، وليس على وضوحها الذاتي ولا على مطابقتها للواقع الخارجي.. أما إذا افترض علم معين فروضًا من عنده يطالبنا بالتسليم بصدقها فإنه يتكون إلى جانب البديهيات حينئذ قائمة من المسلمات الأساسية التي يبني عليها العلم نظرياته كلها وعندئذٍ تسمى هذه بالمصادرات وبالتالي فإن الفرق بين المصادرات والبديهيات هو أن المصادرة يُستخدَم في تركيبها ألفاظ جديدة لم تستخدمها العلوم السابقة سواء أكانت معرفة أو لا معرفة في داخل هذا العلم. ومعنى هذا أن المصادرة هي مجرد افتراض يفترضه العلم ويسلم بصحته على مستوى العلم الذي يبحث فيه. ونظرًا لأن هذه المصادرات كلها مجرد افتراضات يفترض العالِم صحتها فمعنى هذا أن العالِمَ لا يكون مطالبًا بالبرهنة عليها، كما أنه لا يلتزم بضرورة مطابقتها للواقع. بل إن كل ما هنالك هو أنه يسلم بصحتها ويرتب عليها ما يشاء من نتائج في داخل النسق الرياضياتي الخاص به، شريطة ألا تكون متناقضة مع بقية المقدمات الأخرى الواردة في النسق، فلا تتناقض مع التعريفات ولا مع البديهيات كما يجب أن تكون المصادرات مستقلة بعضها عن بعض بحيث لا يمكن اشتقاق مصادرة من مصادرة أخرى. صــ 40، 41

▬ إن المدرسة الصورية في الرياضيات تختلف عن المدرسة المنطقية في نواحٍ مختلفة من حيث المبدأ والهدف والبرامج، نظرًا لرفضها إخضاع الأفكار والأصول الرياضياتية إلى المنطق، وذلك لأنها تنظر إلى الرياضيات باعتبارها علم التراكيب والأشكال، ولهذا لا يهتم عالِم الرياضيات بالأفكار قدر اهتمامه بالرموز وعلاقتها للتعرف على خصائصها الصورية، والتعبير عنها صوريًا على هيئة نسق أكسيومي. كما يوضح هِلبرت موقفه الفلسفي من أساس الرياضيات، حيث يرى أنه من الضروري لكل تفكير علمي أن يبدأ بالرمز، ولهذا يقول "إن هذا هو الحد الأدنى، الذي يجب افتراضه سلفًا، لأنه ليس هناك فكر علمي يمكنه الاستغناء عنه، ولذلك يجب على كل فرد أن يحافظ عليه بوعي أو بغير وعي". كما يميز هلبرت بين نوعين من الرموز، رموز ليس لها معنى وأخرى لها معنى بما تؤديه من وظيفة لنقل الحقائق والأفكار، وهو ما يظهر بوضوح من خلال عرضه لنظرية الأعداد البسيطة حيث يشير هلبرت إلى أهمية الرموز في بناء النظرية الرياضياتية. حيث يرى أن موضوع الرياضيات هو الرموز المحسوسة والتي تدرك مباشرةً بالحدس نتيجة لوضوحها وضوحًا مباشرًا. صــ 96، 97

▬ جودل وعدم القابلية للبت: لقد أخذت مشكلة البت في دراسات جودل شكلًا أكثر عمومية، حيث أوضح جودل عام 1931 أنه سوف يوجد دائمًأ داخل أي فرع مفترض من الرياضيات بعض القضايا التي لا يمكن إثبات كونها صادقة أو كاذبة باستخدم قواعد وبديهيات ذلك الفرع الرياضياتي ذاته، نظرًا لخضوع الصورية لحدود يصعب عليها أن تتجاوزها، ولذلك فإنه بتتبع جودل لبرهان هلبرت لاتساق النسق الرياضياتي المثالي اكتشف عدة أمور أدت في النهاية إلى تبدد الهدف الذي سعى إليه هلبرت إلى الأبد سواء بالنسبة للرياضيات أو لكل الأنساق الصورية بما فيها المنطق حيث أوضح جودل أن الصورية لن توجد ولا يمكن أن توجد داخل النسق، حيث أثبت أنه إذا كان النسق الصوري متسقًا فإنه لابد وأن يكون غير مكتمل، بينما إذا كان مكتملًا فإنه لابد وأن يكون غير متسق أو متناقض. صــ 106، 107

▬ لقد أدى التطور العلمي المعاصر إلى تعديل واضح للمنهج التجريبي التقليدي، حيث أظهر التطور أن المنهج الإستقرائي التجريبي بصورته التقليدية ليس هو المنهج الأمثل في تطبيقه لموضوعات العلم الحديث خاصةً وأن كثيرًا من الظواهر العلمية الحديثة ليست مما يخضع للملاحظة المباشرة ولهذا انتهى عدد كبير من الباحثين إلى أن المنهج التجريبي التقليدي لا يمكنه أن يفي وظيفة العلوم الحديثة، بل أنه أصبح عاجزًا عن استيفاء متطلبات العلم الحديث. كما أدى التطور العلمي أيضًا بالعلماء إلى إعادة النظر في المنهج الإستنباطي الرياضياتي حيث اتضح لهم أنه لابد من استخدام هذا المنهج في العلوم التجريبية بجانب المنهج الإستقرائي التجريبي. وكان من نتيجة ذلك ظهور المنهج العلمي المعاصر الذي يجمع بين منهج الإستقراء ومنهج الاستنباط. ولهذا كان من الطبيعي أن يتغير مفهوم المنهج العلمي عما كان عليه أيام بيكون ومِل، حيث طرأت على المنهج التقليدي تغيرات أهمها تغيير ترتيب خطوات هذا المنهج. بمعنى أنه إذا كان المنهج التقليدي يبدأ بالملاحظة ثم فرض الفروض، فإن المنهج العلمي المعاصر يُنكر هذه الأولوية للملاحظة بصورة يكاد معها يختفي هذا العنصر من البحث العلمي. ويمكننا بوجه عام إيجاز الملامح العامة للمنهج العلمي المعاصر فيما يلي: 1- البدء بفرض صوري. 2- ترتيب النتائج المترتبة على هذا الفرض باستخدام المنهج الاستنباطي. 3-التحقق من صحة هذه النتائج عن طريق الملاحظة والتجربة. صــ 141

▬ يتضمن التجريب العلمي إعمالًا حقيقيًا للفكر وللعقل من أجل استفزاز الطبيعة وإرغامها على البوح بأسرارها، في حين تظل التجربة بمعناها العام تقبلًا لما يحدث لنا ويؤثر فينا من واقع خارجي. ولهذا تجعل التجربة الإنسان في موقف منفعل، بينما يجعله التجريب في موقف الفاعل. وعلاوة على ذلك، فإن التجربة تقف عند حدود ما هو مُعطى وظاهري، في حين يستنطق التجريب الظواهر ويبني بصدده معرفة جديدة وعميقة لا يمكن الوصول إليها عن طريق التجربة العامية المباشرة. وتبعًا لهذا فالتجربة بمفهومها العلمي الحديث هي عبارة عن استنطاق ومسائلة للواقع وليست مجرد إنصات وملاحظة له، إنها إرغام للطبيعة على البوح بأسرارها وعلى الكشف عن ما تخفيه من قوانين وعلاقات وليست مجرد مراقبة وتتبع لما تفصح عنه من ظواهر ومعطيات. وبالتالي لم يعد العالِم، كما يقول كانط، مجرد تلميذ يتعلم من الطبيعة وإنما قاضيًا يرغمها على الإجابة عن أسئلة يحددها هو بنفسه، واعتمادًا على طرق يختارها هو بنفسه أيضا. فطبيعة السطح، ودرجة ميلانه، وكذا الكرات ووزنها، كل ذلك اختاره "جاليليو" بنفسه حينما أراد معرفة القانون الذي يحكم السقوط الحر للأجسام. صــ 144، 145

▬ إذا كان التجريب، حسب التصور التقليدي، هو معيار للتحق من الفرضية، فإن روني طوم يرى أنه لا يمكن الحديث عن فرضية علمية غير مؤسسة على نظرية سابقة. فكل نظرية تتضمن في نظره كيانات خيالية يتم التسليم بوجودها، مما يعني أن لعنصر الخيال العقلي دور كبير في التجريب العلمي. هكذا اعتبر روني طوم أنه من الوهم الاعتقاد مع أنصار النزعة التجريبية التقليدية، بأن التجربة هي وحدها التي تمكننا من فهم العلاقات السببية بين الظواهر الطبيعية. فالتجريبُ لا يكفي وحده لفهم الظواهر الطبيعية وأسبابها، بل لابد من إقحام عنصر الخيال العقلي الذي يعتبر تجربة ذهنية مكملة للتجربة التي تتم بواسطة ما هو واقعي تجريبي من جهة، وما هو خيالي عقلي من جهةٍ أخرى. إذا لا يمكن للتجريب العلمي الاستغناء عن التفكير العقلي الذي يعد عملية معقدة ومتشابكة يصعب ضبطها من خلال منهج محدد. صــ 145

▬ [خرافةً الإستقراء]: قدم كارل بوبر نظرية هامة في فلسفة العلم تبدأ بنقد منهج الإستقراء الذي يقوم في صورته المبسطة على ملاحظة العناصر المشتركة بين الأمثلة الواقعية وصياغة قاعدة عامة وصفية بناء على تلك المشتركات. حيث يرى بوبر أن ملاحظة الواقع ليست بسيطة، وذلك لأنه حين ترى شيئًا فإنك لا تستعمل عينك فقط، نظرًا لأن العين مجرد أداة لنقل المشهد الخارجي إلى منصة فرز وتنصيف في داخل عقلك. وهذه المنصة هي أداة فهم للأشياء تتشكل على ضوء ثقافتك السابقة وتوقعاتك وفهمك لنفسك لمحيطك. ولهذا فإن الوصف الذي تعطيه لذلك الشيء يتضمن - بصورة صريحة أو ضمنية - حُكمًا عليه. ومن هنا فإن ما قرره الباحث أنه عنصر اشتراك بين الأشياء هو في حقيقة الأمر حكمه الخاص عليها، وهو حكم قد يحكي الواقع وقد يجافيه. ولهذا تعتبر فلسفة كارل بوبر فلسفة ضد الإستقراء. ولعل هذا هو سبب الخلاف مع التجريبيين، الذين يؤكدون على أن الملاحظة الحسية تمثل نقطة البدء التي توصلنا إلى فروض. وهو الأمر الذي يرفضه بوبر، على أساس أن الفروض تسبق الملاحظة، نظرًا لتكون الفرضية في ذهن العالِم قبل إجراء عملية الملاحظة. فضلاً عن أن البدء بالملاحظة الخالصة فقط وتعميم نتائج الملاحظة للوصول إلى نظريات علمية من غير أي تصميم ذهني مُسبق هو من بابِ المستحيل. صــ 154

▬ يُشكل معيار القابلية للتكذيب الذي اقترحه كارل بوبر أحد المعايير التي حاولت ترسيخ مبادئه في نسق العلم. حيث انتهى بوبر بعد نقده للوضعيين، إلى أن النظرية لا تستحق في نظره صفة العلمية بمجرد خضوعها للتجربة، وإنما بقاليتها للتكذيب، ولذلك فإن العالِم ملزم بتقديم الاحتمالات الممكنة لتكذيب نظريته وإبراز إمكانيات هدمها وتجاوزها لأنه لا توجد نظرية علمية مطلقة. وبعبارة أخرى لا تكون النظرية علمية إلا إذا كانت فروضها قابلة للتفنيد والدحض، وإلا فإن "النظرية التي لا تتوخى اكتشاف العيب فيها هي نظرية غير قابلة للإختبار العلمي، ولهذا يقول بوبر: "لا يعتبر أي نسق نظري نسقًا اختباريًا إلا إذا كان قابًلا للخضوع للإختبارات التجريبية... إن قابلية التكذيب (أو قابلية الإختبار) وليست قابلية التحقق هي التي ينبغي أن نتخذها معيارًا للفصلِ بين ما هو علمي ما ليس علميًا. صــ 158، 159

▬ إنّ العلمَ في نظر توماس كون يتقلب بين مرحلتين، أحدهما "العلم المستقر" أو الإعتيادي، والأخرى مرحلة "الأزمة". فالعلم المستقر هو الممارسات الرتيبة التي يجريها العلماء داخل بنية نظرية راسخة (باراديم/نموذج) والتي تؤدي إلى تراكم نتائج، لا تضع الأسس النظرية للبنية موضع الشك، وإذا تم أحيانًا ظهور نتائج شاذة أو غير مألوفة، فعادةً ما يتم إرجاعها إلى أخطاء وقع فيها العلماء، وهذا ما يعتبره "كون" برهانًا على أن العلم المستقر لا يسعى إلى التجديد والإبتكار. ولكن بمرور الوقت، تتراكم النتائج الشاذة بحيث تؤدي إلى ما يعرف بمرحلة الأزمة. وحينها يتم صياغة نظرية جديدة بدلًا من القديمة، ويتم التسليم بهذه البنية في النهاية، وعندئذٍ يأخذ العلم المستقر مجراه، إلى حين ظهور نتائج شاذة جديدة. صــ 170، 171

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

إتجاهات الفلسفة الأوروبية المعاصرة (غادة الإمام)

▬ يقول كارناب: "إن الفيلسوف الميتافيزيقي هو فريسة سهلة لوهمٍ بالغ، لأنه يصوغ عباراته في قالب منطقي، محاولًا أن يقيمها على أسس برهانية، فيتوهم أن أداته هي العقل والتفكير، لا الخيال والعاطفة بينما الصحيح أن تأملاته كلها لا تخرج عن كونها أحلام شاعرٍ ضل سبيله". ويضيف كارناب أيضًا: "إن موضوع أبحاث مدرسة فيينا، هو العالم، سواء باعتباره واحدًا أو فروعًا مختلفة. ويتعلق الأمر هنا بالمفاهيم والقضايا والبراهين والنظريات التي تلعب فيه دورًا ما، مع العناية بالناحية المنطقية، أكثر من الاهتمام باعتبارات التطور التاريخي أو الشروط التطبيقية السوسيولوجية والسيكولوجية. إن هذا الميدان من البحث لم يحظ لحد الآن باسمٍ خاص بهـ وبالإمكان تمييزه أن نطلق عليه اسم نظرية العلم. وبعبارة أخرى أدق منطق العلم ونعني بالعلم هنا، مجموعة العبارات المعروفة، ليس فقط التي يصوغها العلماء، بل أيضًا تلك التي نصادفها في الحياة الجارية، لأنه من غير الممكن فصل هذه عن تلك بوضع حدود دقيقة بينهما... إن المنطق، منطق العلم، قد أصبح ناضجًا لكي يتحرر من الفلسفة ويتفرد بميدان علمي منضبط، يركز العمل فيه على منهج علمي صارم يسد الباب نهائيًا في وجه البحث عن معرفة أكثر عمقًا أو أكثر سموًا.. وسيكون هذا في تقديري آخر عصن ينتزع من الجذع. ذلك أنه ماذا سيبقى بعد الفلسفة؟ لن يبقى لديها إلا تلك المشاكل العزيزة على الميتافيزيقيين، مثل: ما السبب الأول للعالم؟ وماهية العدم؟ ولكن هذه ليست سوى مشاكل زائفة خالية من كل محتوى علمي". صــ 34، 35

▬ في عام 1913 نشر هوسرل كتابه باسم "أفكار حول الفينومينولوجيا الخالصة" حيث كان بحثًا عن بدايات أولى؛ إذ تريد الفينومينولوجيا أن تبدأ مما تركه العلم بلا توضيح، أي مما ينظر إليه العلم على أنه وقائع جاهزة؛ وبديهيات واضحة بذاتها، تتأسس فوقها حقائق ومعارف. إنها تريد أن تبدأ من الخبرة المباشرة بالعالم والأشياء. فالفينومينولوجيا ترى أن افتقاد العلم للأسسِ الإنسانية وأبعاد ما بعد الوعي الإنساني يُمثل خطرًا مختلفًا للعلم، طريق يبدأ من معنى أو ماهية الأشياء كما تبدو في خبرتي، وليس باعتبارها وقائع مستقلة عني، إنه طريق يقوم على أساس أن التجربة الحية أو الخبرة المعاشة هي المدخل الوحيد للعلم. وهذا يُعني أن الاتجاه الفينومينولوجي يريد أن يؤسس نفسه كعلم للماهيات يمد العلوم بأساس تقوم عليه، وذلك بأن تصف وتحلل ماهية الموضوعات والمفاهيم التي تفترضها العلوم بوصفها وقائع مؤسسة جاهزة وتحلل ماهية الموضوعات والمفاهيم التي تفترضها العلوم بوصفها وقائع مؤسسة جاهزة مثل: افتراض المادي، والجسم، والبدن والأنا.. صــ 41، 42

▬ إن  عالِم الفيزياء يطرح التساؤلات عن الواقع، منظمًا إياها في طرائق معينة كي يبلغ لإجابته، عن طريق ذلك الواقع الذي يثير فضوله في المقام الأول، أي الذي يحفزه ويستفزه على طرح تساؤلاته. وهنا يرسم باشلار مسار المعرفة؛ حيث يندهش العالم إزاء ما في الواقع يثير فضوله ويدفعه لطرح تساؤلاته التي يحاول البلوغ لإجابات عنها. ويثير الواقع عن طريق إعطاء أو منح الإجابة فضولاً جديدًا؛ ولذلك فإنه يغير الذات العارفة. فالذات تتحول ليس عن طريق ذاتها، وإنما عن طريق الآخر المتعالي الذي يشتبك مع الذات في مجادلة دائمة أو لا نهاية لها. فالذات تٌبدِع و تٌبدَع عن طريق معرفتها للواقع الخارجي؛ ذلك الذي يصفه باشلار هنا بوصفه "المعادلة المختلفة للحركة الإبستمولوجية". والحقيقة أنه منذ تأكيد باشلار على الطابع الشاعري والمجادل للمعرفة العلمية، الذي يجعل الذات تُبدِع وتُبدَع، سواء كانت ذات العالِم أو ذات الحالِم، فهذا الطابع يعد نوعًا من تعميق العلاقة بين العلم والفن؛ إذ أنه جعل العالِم والحالِم في علاقة جدلية مع ما يُبدِعه [..] إن رَحِم فكر باشلار هو علم القرن العشرين، أي "العقل العلمي الجديد". فكتبه الإثنا عشر عن العلم الحديث تفحص تأثيره (أي العلم) على الفلسفة، مُبينة كيف أن العلم قد قوض نظريتنا المعرفية المألوفة؛ لأنه (لا العقلانية) ولا "الواقعية)،  و (لا المثالية) و (لا المادية) تعد فلسفات ملائمة لعلم القرن العشرن بعد. فالعالم 1905 شهد قطيعة ليس فقط مع كل علم سابق، ولكن مع كل فلسفة سابقة أيضًا.... فلقد أخفق العديد من الباحثين في أن يروا أن هذه القطيعة الإبستمولوجية تجلب النزعة الإنسانية في مجرى نزعة إنسانية، والتي بدورها تنفصل عن النزعة الإنسانية التقليدية، وأهم من ذلك أن الأساس العقلي للعلم الحديث قد أحدث قطيعة مع العقل كما نستخدمه ليس فحسب في المعرفة المألوفة؛ وإنما أيضًا في الاستنباط والإستدلال. صــ 123، 124، 125


▬ في حين أن باشلار يرى الإنسان باعتباره كائنًا خلاقًا يتمتع بسمة أساسية هي إضفاء المعاني، ويتشكل سلوكه في إطار وعيه. إذن، إن نظريات العلم في أية مرحلة ليست سوى حلقة في السلسلة اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة. ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن طبيعة بحد ذاتها. علوم الطبيعة - إذن - تفترض سلفًا وجود الإنسان. ومن ثم، فإن كلاً من ديكارت وكانط فَهِما "الذات العاقلة (المفكرة)" في إطار النظر للعقل بوصفه قَبَليًا واستدلاليًا. فإذا كان العقل في العالم ليس على هذا النحو؛ فإن هذا نتاج أن الذت المفكرة ليست كما تصورها ديكارت وكانط، فإنها ليست المركز الثابت لكل معرفة وخبرة. وبناء على ذلك، يدعونا باشلار أن ننصرف على تلك الواحدية المثالية؛ كي نتحرر من هيمنة وسطو العقل؛ وكي نؤكد على الحوار المستمر بين العقل والواقع لا يوجد شيء مُعطى، فكل شيء يكون مسؤسسًا. وهذا ما كان باشلار حريصًا على التأكيد عليه منذ كتابه "رسالة في المعرفة التقريبية" بقوله: "إن الشيء المُعطَى ينبغي أن نتلقاه." صــ 126

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلسفة التاريخ (زينب محمود الخضيري، عبد الله ابراهيم الدسوقي)

▬ وكما جعل أوغسطين التأريخ يفيد العقيدة، جعلها هي أيضاً تفيده. فهي تقدم له تفسيراً كلياً، أي تفسير بدايته وتوضح صيرورته وتحدد نهايته أو غايته. وهي تفعل كل هذا بفضل مفاهيمها، ولولا هذه المفاهيم لظل التاريخ بلا دلالة وبلا رابط بين أجزائه، فالعقيدة وحدها هي التي تخبرنا بأن العالم بدأ بالخلق وبأنه سينتهي باليوم الآخر، وبأن أهم الأحداث في هذا التاريخ هو السقوط (سقوط آدم من الجنة)، بأن الله تجسد في يسوع، وبأن الكنسية لا بد وأن تنمو، وبأن المسيح سيعود، وبأن كل هذه الأحداث تدور في ظل العناية الإلهية، ويحركها الصراع بين الخير والشر الذين يرمز لهما بالمدينتين، مدينة الله ومدينة الأرض... نستطيع أن نقول بأن أوغسطين قدم لنا لاهوتاً للتاريخ وليس فلسفة له، لأن مباديء تفسير التاريخ في مذهبه لا تستمد من التاريخ البشري نفسه وهو الشرط الضروري لقيام فلسفة التاريخ، بل تستمده من مجال مغاير له هو العقيدة. صــ 23

▬ يؤكد ابن خلدون على أن حقيقة التاريخ مرتبطة بمعرفة جميع الأخبار عن المجتمع الإنساني ومعرفة أحوالها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والثقافية وهل هي مجتمعات بدوية أم زراعية...إلخ وكذا معرفة العصبيات للبشر، فمثلاً المجتمعات البدوية تتحكم فيها العصبيات أما المجتمعات المدنية فيتحكم فيها الاقتصاد وغير ذلك من العلوم والصنائع، ويحلل ابن خلدون نفسية الشعوب فالشعوب إذا كانت على حال الاعتدال فإنها تقوم بالتمييز بين الصدق والكذب من الأخبار، أما إذا كانت غير معتدلة فإنها تقع في التشيع والغلط والكذب في الأخبار التي تنقلها، ويرى ابن خلدون أن هناك أسباب تؤدي إلى الكذب في الروايات والأخبار ومنها أيضاً الثقة المطلقة بالناقلين وعدم نقدهم نقداً علانياً ومنهجياً ومن أسباب الكذب في الروايات التاريخية عدم معرفة مقاصد الناقلين فينقل الأخبار على نحوٍ غير موضوعي لأنه لا يعرف حقيقة وقصد الناقل ومن الأسباب الكذب أيضاً في الروايات التاريخية الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، أي عدم معرفة الأحوال في العمران والمجتمع. ويرى ابن خلدون أنه لا بد من تحقيق المطابقة في الأخبار والوقائع بحيث تتطابق الأخبار مع الوقائع وبهذا يتحقق الصدق والصواب. صــ 66 ، 67

▬ يؤكد روسو احتياج الأغنياء لإقامة عقد اجتماعي للقضاء على الصراع مع الفقراء، في حين يحتاج الفقراء إلى العمل للحصول على ما يكفي احتياجاتهم وأولادهم وعائلاتهم. ويفسر روسو أن هذا العقد قد كبل الفقراء بقيود جديدة ومنح الغني قوة جديدة، مما أدي إلى القضاء على الحرية الطبيعية وأدت الملكية إلى اللامساواة إلى الأبد. وأغتصب الأغنياء حقوق الفقراء وسخروهم لخدمتهم، وواجه الفقراء بعضهم البعض. بعد أن اتخذ الأغنياء من الفقراء خدماً للدفاع عنهم، وهكذا خدع الأغنياء الفقراء واستعبدوهم وتم القضاء على الحرية والمساواة للأبد وظهرت المدنية والحكومات. صــ 164


▬ يرى أرنولد توينبي أن بدء الحضارة كان مع سقوط آدم والتحول من الين Yin (السكون) إلى اليانج Yang (الحركة). كما يرى أن الحاجة هي أم الاختراع، والاستجابة للتحديات هي التي تحدث التقدم في الحضارات. إن العامل الإيجابي في تحول البشرية في الستة آلاف سنة الماضية هو فكرة التحدي والاستجابة وليس نظريتي الجنس والبيئة. بل إن نشأة حضارة مصر والعراق كانت في أثناء جفاف إفريقيا وآسيا نتيجة قائمة بسبب التحدي والاستجابة. وكذلك نشأت الحضارة الصينية بسبب التحدي والاستجابة وليس لأسباب أخرى. وكذلك الحال بالنسبة للحضارة المينووية. إذن فالتفاعل بين التحديات والاستجابات هو العامل الذي يعتد به قبل كل شيء آخر في بدء الحضارات. صــ 220 ، 221

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلفسة القانون (رجاء احمد علي، علي محمد مبروك)

• القانون الطبيعي هو ذلك القانون الذي لم يضعه بشر، فهو فوق القوانين البشرية، إذ أنه موجود في طبيعة الأشياء وفي فطرة الإنسان، ومع ذلك فهو يحتاج إلى من يكتشفه، فهو في حاجة إلى التأمل والتفكر لاكتشافه والعمل به.
• قد يكون هناك فرقاً بين العرف والعادة، هذا الفرق يرجع إلى الركن المعنوي للعرف، فالإلزام هو الذي يميز العرف عن غيره من العادات الاجتماعية، على سبيل المثال المجاملات التي تقوم على مجرد الاعتبارات الأدبية دون أن يكون شرط الإلزام متوافر فيها.

▬ قد يكون ثمة علاقة بين القواعد الأخلاقية والقانونية إلا أن هناك خلافاً بينهما، فالدائرة الأخلاقية أوسع نطاقاً من الدائرة القانونية في أشبه بقواعد الدين، حيث أن كلاهما (الدائرة الأخلاقية والدائرة الدينية) يحدد العلاقة بين الإنسان ونفسه وربه والآخرين، أما القانون فهو ينحصر في دائرة الآنا والآخر فحسب ولا يهم بالنوايا، بل بالظاهر فقط، فهي تهدف إلى ضبط السلوك الخارجي. وهذا خلاف واضح بين القاعدة الدينية والقاعدة القانونية، ومن ثم فالأحكام الإلهية هي أحكام ملزمة لأنها أحكام العقيدة، فالدين أوسع نطاقاً من القانون، فالعلاقات التي ينظمها الدين تشمل السلوك والنوايا. أما من حيث الجزاء فسوف نجد الجزاء الديني يختلف عن الجزاء القانوني، فالأول جزاء مؤجل والذي يصدره الخالق ويقوم بتنفيذه، أما الجزاء القانوني فهو معجل وتوقعه الدولة. صـ 15

▬ إشكالية أساس الحق: أعتقد أن هذا الإشكال يتمثل بكل بساطة ووضوح في البحث عن أساس للحق؛ بين ما هو طبيعي وأخلاقي من جهة وما هو قانوني ووضعي من جهة أخرى. إنطلاقاً من هنا يمكن في نظري أن نتحدث عن أطروحتين رئيسيتين؛ أطروحة تؤسس الحق على الطبيعة يمثلها فلاسفة الحق الطبيعي من جهة، مثل روسو وهوبز، ويمثلها شيشرون من جهة أخرى، وأطروحة أخرى مخالفة يمثلها بصفة خاصة أنصار النزعة الوضعية التي يعتبر هانز كيلسن أحد ممثليها. والاختلاف الأساسي الموجود بين الأطروحتين؛ هو أن الأولى ذات نزعة مثالية وتؤسس الحق على افتراضات ميتافيزيقية تتمثل في تصور معين للطبيعة الإنسانية كما هو الشأن عن روسو أو هوبز مثلاً، كما تؤسس هذه الأطروحة الحق على اعتبارات أخلاقية؛ أي على الطبيعة الأخلاقية للإنسان المتمثل حسب شيشرون فيما سماه بالعقل القويم أو الميل إلى حب الناس الذي هو أساس الحق. أما الأطروحة الثانية فهي ذات نزعة واقعية تجريبية تنسجم مع روح النزعة الوضعية التي تنتقد كل تصورات ميتافيزيقية ومثالية، وهذه النزعة تؤسس الحق طبعاً على الأوضاع السائدة في كل مجتمع، وعلى موازين القوى المتصارعة فيه... صـ 105


▬ الفناء قدر محتوم يصيب الأفراد والديانات والدول. وكما كان إسحق نيوتن يبحث عن القوانين التي تحكم الطبيعة، كان مونتسكيو يبحث عن القوانين التي تحكم حركة التاريخ وتسبب نهوض وفناء الدول. أحداث التاريخ لا يسيرها الحظ أو القدر وحدهما. لكن هناك أسباب مادية ومعنوية هي التي تسير التاريخ. الفرد ما هو إلا أداة للحركة العامة للتاريخ، أو لروح العصر كما أسماها هيجل. القدر ليس قوة ميتافيزيقية، إنما هو محصلة عدة عوامل. وعلى المؤرخين والفلاسفة، الكشف عن هذه العوامل ودراستها. لماذا سقطت روما؟ لأنها تحولت من جمهورية إلى دكتاتورية. الجمهورية تتوزع داخلها السلطات وتتوازن. لكن الدكتاتورية لا تصلح إلا للإعتداء على الجيران واستعمار الدول الأخرى. الدكتاتورية تدمر الحرية وتشل نشاط المواطنين. هذا يؤدي بمرور الزمن إلى انتشار الخنوع والخمول والذل بين الجماهير. ويجعل الفقراء عالة على الدولة، ويضعف الأخلاق بسبب سوء توزيع الثروة وانتشار الفسق الفجور. وتسبب الدكتاتورية وحكم الفرد أيضاً فساد رجال الإدارة وزيادة الضرائب، وهجر المزارع والحقول. وهي أيضاً تستنزف الحيوية العسكرية للدولة وتجعل الجيش يسيطر على الحكومة المدنية. ويصبح اهتمام الجيش بتنصيب الحكام وخلعهم بدلاً من حماية أمن البلاد. صــ 179 ، 180

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلسفة العقل (صلاح اسماعيل)

• إن أي تقدم في فهم قضايا العقل لابد من أن يضرب بجذوره في الميتافيزيقا ويلتمس العون منها.
• كيف نلائم بين الوعي باعتباره ظاهرة خاصة غير مادية وهذه الرؤية العلمية المادية للعالم؟ وكيف نفسر الوعي غير الطبيعي في حدود الطبيعة؟ وكيف استطاع الوعي أن ينشأ من المادة؟
• دراسة المخ من غير دراسة الوعي تشبه دراسة المعدة من غير دراسة الهضم، ودراسة علم الوراثة من غير دراسة وراثة الصفات.
• الوعي هو مجموع حالات الإدراك والإحساس التي تتميز بكونها داخلية وكيفية وذاتية.
• هل العقل برنامج كمبيوتر ؟
• سلوك المرء لا يمكن تفسيره فقط في حدود المثيرات والاستجابات، وإنما هو أمر معقد تتشابك فيه جملة من الحالات العقلية التي يكون بعضها واضحاً وبعضها خفياً أو مضمراً.
• الذكاء الإصطناعي هو العلم الذي يجعل الآلات تفعل أشياء سوف تتطلب ذكاء إذا فعلها الإنسان. (مارفن منسكي)
• رغم أن السلوكية كانت تمثل محاولة جيدة لمحاكاة المنهج العلمي فإنها جانبت الصواب كثيراً عندما نظرت إلى الإنسان نفس النظرة تقريباً التي نظرتها إلى الحيوان والآلة، ومن ثم فاتها إدراك أن أهم ما يميز الإنسان هو الخاصية العقلية، والعقل الواعي.
=============================

▬ الثنائية في فلسفة العقل هي المذهب القائل إن العقل والجسم يتألفان من طبيعتين مختلفتين وتتخذ الثنائية عدة صور أبرزها ثنائية الجوهر عند ديكارت وأتباعه، وخلاصتها أن الإنسان مكون من جوهرين متميزين: جسم مادي وعقل لا مادي. وثنائية الخاصية عند فرانك جاكسون وديفد شالمرز وهما من الفلاسفة المعاصرين. وتقول ثنائية الخاصية أن الكائنات البشرية كائنات فيزيائية، أي أنها جوهر واحد، ولكنها تملك فئتين متميزتين من الخواص: خواص فيزيائية (أو جسدية) وخواص عقلية. ص8

▬ لقد أخطأ ديكارت عندما زعم أن العقل جوهر وشيء، ووضعه في نفس مقولة الجسم، ولكنه أضفى عليه مجموعة مركبة من السمات غير الفيزيائية. أما رايل "فالعقل" عنده لا يدل على شيء من أي نوع، سواء كان فيزيائياً أو غير فيزيائي. إنه اسم جمعي نستعمله للدلالة على نماذج للسلوك. واللغة تخدعنا أحياناً، فنظن أن كل اسم لابد من أن يدل على شيء ما، وهذا من عيوب النظرية الإشارية في المعنى التي تقول إن معنى الكلمة هو ما تشير إليه في الواقع. فهناك أسماء تشير إلى أشياء مثل أسماء الأعلام محمد واحمد، وهلم جرا، وهناك أسماء لا تشير إلى أشياء، مثل الكلمات المجردة "الشجاعة" و "التقوى" و "العدالة". فالعقل اسم، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون اسماً لشيء ما. العقل لا يُسمى شيئاً على الإطلاق، وإنما هو كلمة عامة نستعملها للدلالة على نماذج السلوك، والميول، والاستعدادت للسلوك بطرق معينة. عندما نقول أن الناس لهم أجسام وعقول، فمن الخطأ أن نفسر ذلك على أنه يشبه القول إن الطيور لها مناقير وريش أو أن القطط لها أرجل وذيول. ص11

▬ هناك من يعبرون صراحة عن نزعة شكية تجاه الوعي، وينكرون وجوده بوصفة ظاهرة حقيقية. وهناك من ينظرون إلى الوعي على أنه "لغز" وسر يتجاوز الطبيعة. وهناك من يقولون بأن الوعي ظاهرة طبيعية ولكن تفسيرها النظري بعيد المنال. وهناك من يحاولون تفسير الوعي عن طريق رده إلى حدود مألوفة. وهناك مجموعة من الفلاسفة الأحياء يعتقدون أن الوعي ظاهرة حقيقية ويمكن تفسيرها في حدود الطبيعة. ص26

▬ انتهي السلوكيون مثل سكنر إلى أن علم النفس هو علم الاستجابات السلوكية للمثيرات التي تقدمها للكائن الحلي بعامة والإنسان بخاصة. وفيما يتعللق بدراسة العقل والحالات العقلية، تجلت السلوكية في صورتين إحداهما متطرفة والأخرى معتدلة. فأما المتطرفة فنظرت إلى الحالات العقلية على أنها متطابقة مع السلوك. ولا شيء أكثر من ذلك، ولا يوجد شيء داخلي أو خفي أو ملغز. وتسمى الصورة المتطرفة "السلوكية الميتافيزيقية" وسر ذلك أنها تقدم زعماً ميتيافيزيقياً حول طبيعة العقل، وذلك عندما تنكر وجوده وتثبت السلوك. وأما الصورة المعتدلة فتسمى "السلوكية المنهجية"، وهي معتدلة لأنها لا تنكر وجود الحالات العقلية التي ربما تكون معرفتها متاحة لأصحابها فقط، ولكنها ترى أن تعذر خضوع هذه الحالات العقلية الخاصة بأصحابها للملاحظة العلمية، يجعلنا نتمسك بأن السلوك هو البيان الكافي لكل ما يوجد من حالات عقلية. ص67،68


▬ إن التمثيل يحدث بيننا بصورة هينة وتلقائية ومباشرة وألفنا الشديد له يدفعنا إلى الظن بأننا نفهمه فهماً حسناً. ولكن إذا توقفنا على مهل وتساءلنا عن طبيعته وماهيته وكيف يحدث، وجدنا الأمر عسيراً وملغزاً حقاً. خذ الكلمات مثلاً، تجد أن استعمالها يجري بين الناس صباح مساء بصورة طبيعية. ولكن انظر إلى الكلمات في ذاتها. ألست ترى معي أنها مجرد نماذج فيزيائية. فالكلمات وهي منطوقة مجموعة من الأصوات، والكلمات وهي مكتوبة مجموعة من ترقيمات على الورق أو نقوش على الحجر أو أي مادة أخرى. والكلمات بهذه الصورة لا تملك في ذاتها ما يجعلها تمثل ما تمثله. والفارق بين الكلمات من حيث طبيعتها وهي أصوات منطوقة أو ترقيمات مكتوبة وبين الحالات التي تمثلها هو فارق بعيد جداً بعد الثرى عن الثريا. وأبسط الأدلة على ذلك أنك إذا نظرت إلى كلمات لغة أجنبية لا تعرفها، وجدت أنها لا تملك معاني في ذاتها. ص120

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

معالم التاريخ الإنساني (أحمد الشربيني السيد)

• كما أن الإبدان تمرض بفقدان الذاكرة أو اضطرابها، فإن الشعوب تمرض لضياع تاريخها أو دخول التشويه والتشويش عليه.
• تكتمل النزعة الطبيعية في التاريخ بالاهتمام بالتعليل، ذلك أن تاريخاً بلا تعليل مجرد تقويم، فدراسة التاريخ هو دراسة أسباب، إذا كان جمع المادة التاريخية يشكل الخطوة الأولى، فإن التعليل يشكل الخطوة الأخيرة الحاسمة في كتابة التاريخ.
• لقد أدى الانقلاب الصناعي إلى تحول الصناعة من النظام المنزلي إلى نظام المصنع، وسيطرة الآلة على الصناعة، وزيادة كمية الإنتاج وسرعته، وظهور التسويق والتوزيع بالجملة...
==========================

▬ إزاء اعتماد التاريخ في استرداده لوقائعه بشكل غير مباشر على ما خلفه الإنسان عبر مسيرته من آثار، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الإلمام بكل الآثار التي تعكس أفكار، وأفعال الإنسان بأي مكان أو زمان. ومن ثم فالتاريخ لا يتناول الماضي الإنساني، بقدر ما يتناول الوقائع التي استرعت الانتباه صدفة أو عن عمد، وذلك إذا ما سلمت وثائقها من عوادي الزمن، لا سيما أن قدراً فقط مما لوحظ في الماضي قد تذكره أولئك الذين لاحظوه، وأن جزءاً فقط مما تذكر تم تسجيله، بل وأن جزءاً فقط مما قد سجل حفظه التاريخ، وأن جزءاً من ذلك وصلنا مما ترك يمكن تصديقه، وأن جزءاً من ذلك الذي يمكن تصديقه هو الذي حفظ، وأن جزءاً من ذلك الذي حفظ يوسعه المؤرخ أو يقصه، لا سيما أن التاريخ يصنع أربع مرات على الأقل ما بين حده الأول، الذي هو الحدث أو الواقعة التاريخية، وما بين شكله الأخيرة الذي هو التاريخ، وما من أحد بالطبع يستطيع أن يؤكد أن "ألحقيقة" التاريخية قد حافظت على صفائها وذاتها عبر هذه المراحل. ص7

▬ هناك إجماع ليس بين مؤرخي اليوم فحسب، بل بين كل أهل الفكر، على أن ترديد مقولة التاريخ يعيد نفسه، وهم كبير وخطأ محض، وسوء فهم للتاريخ، الذي يقوم على الزمن، المرتبط بالاستمرار والتغير، ومن ثم فالوقائع أو الحوادث التاريخية للأفراد والمجتمعات بل والحضارات لا يمكن بأي حال أن تتماثل أو تتطابق، أو تتكرر، وهذا ما انتهى إليه المؤرخ وعالم الاجتماع والفيلسوف العربي ابن خلدون منذ قرون، بفضل ما أوتي من عبقرية، ونفاذ ملاحظة، ودقة بصيرة، وقدرة نادرة على التأليف والتحليل حتى أنه أوضح ذلك إيضاحاً لا لبس فيه عندما كتب في هذا الصدد ما نصه" ومن اللغط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال، بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوي، شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم، وعوائدهم ونحلهم، لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر. إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الأفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عباده. ص15

▬ انفصال ذات المؤرخ عن الموضوع يعني إلغاء الموضوع، لأن التاريخ ليس مجرد نسخ حرفي لأقوال الآخرين، وليس مجرد سنوات ولادة ووفاة وحروب متفق عليها. وقد بلغ تأثير الذات في كتابة التاريخ حداً أن سلم جميع المؤرخين مؤخراً بأن المؤرخ مهما فعل فهو لا يرى الماضي إلا من وجهة نظره، ومن خلال عصره، أي أنه لا يستطيع التخلي عن مفاهيم مجتمعه، والآراء السائدة فيه، ورأوا أن في هذا خير للتاريخ والمؤرخين، لأن المؤرخ بصفته خادماً للجماعة الإنسانية ينبغي أن يكتب تاريخه في صورة ذات معنى وأهمية لأبناء عصره، وأن الحادث التاريخي ما لم يكن ذا أثر في الحاضر فلا قيمة حقيقية له، ومن ثم يصبح أشبه بإناء قديم في البيت، كانت له أهمية في حينه أيام كان نافعاً، ثم تقادم به العهد وتحطم، فلم يعد أكثر من مجرد ذكرى ماضية، ومن الصالح التخلص منه. ص26

▬ استفاد التاريخ كثيره من العلوم الإنسانية من التقدم الذي أحرزته العلوم الطبيعية منذ القرن السابع عشر، والذي كان من أسبابه انتهاج العلوم الطبيعية للمنهج التجريبي، وظهور فلاسفة شغلوا بالمنهج وعلى رأسهم فرانسيس بيكون، ولوك، وهيوم، وكذا علماء اهتموا بالموضوع وعلى رأسهم جاليليو وكبلر ونيوتن [...] وقد انعكس هذا التطور المنهجي على العلوم الإنسانية وبخاصة التاريخ الذي أصبحت دراسته من حيث المنهج تقوم على جمع أكبر عدد ممكن من الوقائع التاريخية بهدف الوصول إلى أحكام كلية على غرار ما هو حاصل في العلوم الطبيعية، كذلك أصبحت غاية التاريخ في ظل هذا التطور المنهجي تتمثل في تزويد الإنسان بأحكام تمكنه من أن يفهم معنى الأحداث الحاضرة في ضوء خبرته بالماضي، بل وإلقاء الضوء على المستقبل، وذلك على غرار الغاية البرجماتية "العملية أو النفعية" في العلوم الطبيعية التي تهدف إلى تسخير الطبيعة لصالح الإنسان، وأخيراً ساهم تأثر التاريخ بتطور مناهج العلوم الطبيعية في فصل العلم عن الدين، باستبعاد المؤرخون النظرة الأخروية التي تجعل غاية التاريخ خارج نطاق العالم دائماً إلى العالم الآخر، والبحث عن مساره في نطاق العالم الحاضر ممثلاً في أفعال الإنسان، وليس لأية قوة غيبية، وهذا على غرار العلوم الطبيعية التي لم تعد غايتها أغراض لاهوتية. ص28،29

▬ لعل الدليل القوي على الارتباط بين ظهور البرجوازية والنهضة الأوربية أن المدن الأوربية، ولا سيما الإيطالية وتحديداً المدن الشمالية - البندقية، جنوة، قسطانيا - ، التي سيطرت على أسواق التجارة، وحصدت فائض الحركة التجارية النشطة بين الشرق والغرب بعد الحروب الصليبية، هي المدن التي تحررت من سيطرة الإقطاع قبل غيرها من المدن الأوربية الأخرى، وهي المدن التي بزغ منها نور النهضة الأوربية. نظراً لاهتمام البورجوازية بالتعليم، لحاجتها إلى كوادر تقوم على أعمالها الحسابية والمالية وغيرها من المعاملات، كما اهتمت بتغيير ثقافة المجتمع الأوربي بما يتماشى مع مصالحها، مما أدى إلى انتشار التعليم العلماني إلى جانب التعليم الديني، واختراع آلة الطباعة. ص74

▬ مما لا شك فيه أن العمال كانوا من أكثر شرائح المجتمع معاناة من سرعة الانقلاب الصناعي في انجلترا على الأقل في مراحله الأولى، لأن كل اختراع، كان يترتب عليه مزيد من التطور الذي يطرأ على الآلة الصناعية، كان يقابله استغناء عن العمالة. ولهذا، كانت المخترعات وأصحابها في تلك المرحلة محل كره الجمهور، واضطهاده حتى أن بعض العمال طاردوا بعض رجال الاختراع أمثال هرجريف، الذي لحق به كثير من الإهانة، والضرب من الجمهور، حتى اضطر إلى ترك لانكشير بحثاً عن مكان آخر لتجربة آلته. ولم يتوقف الجمهور عند هذا الحد بل أن بعض العمال هاجم مصانع للنسيج وحطم آلاتها. بيد أن هذه المقاومة لحركة الاختراع لم تستطع إيقاف تحول الصناعة اليدوي إلى النظام الآلي، حتى اضطر الجمهور في النهاية إلى قبول الواقع الجديد، وتهيئة حياتهم وموارد رزقهم بطريقة تتفق مع الظروف المتغيرة. ص196،197

▬ على الرغم من أن الثورة الصناعية قللت أهمية العامل في الإنتاج وزادت في أهمية الآلات ونفوذ أصحاب الأعمال، فإنها استلزمت حشد كبيرة من العمال في المصانع ومهدت بذلك الطريق أمام العمال إلى تنظيم صفوفهم وزيادة اتحادهم وقوتهم. بمعنى أنها إذا كانت قد أنقصت أهمية العمال كأفراد فإنها عظمت أهميتهم كطبقة كبيرة في المجتمع، فأصبحوا أقدر على المساومة وعلى استخدام الضغط لتحسين حالهم عن ذي قبل. ص198


▬ أتاحت الثورة الصناعية للمرأة الإنجليزية فرصة كبيرة لتحسين وضعها بعد أن أتاحت لها فرصة العمل في المصانع والكسب المستقل عن الرجل، فأخذت سبل العمل تتسع أمامها تدريجياً حتى صارت منافساً خطيراً للرجل في جميع ميادين العمل. وكان ذلك سبباً في سعادة الرجل وشقائه في آن واحد، نظراً لزيادة دخل الأسرة وتقليل أعباء الرجل المالية من جهة. ومن جهة أخرى لانتشار البطالة بين الرجال وانخفاض أجورهم من استمرار تحملهم مسؤولية رعاية الأسرة وسداد حاجاتها. فعمل المرأة في المصانع زاد من استقلالها اقتصادياً، ووسع مداركها، وصارت تعتد بنفسها، وأصبح القانون يعترف لها بالمساواة الفعلية مع الرجل من الوجهة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ص199

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS