‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل

فلسفة السياسة (مصطفى النشار، أيمن احمد)


نقد رسل المذاهب السياسية المختلفة وخاصة الماركسية التي أهملت الفرد رغم أن أحداث التاريخ الكبرى قامت على أكتاف الأفراد، والفرد الذي يشعر بالظلم في النظام الاشتراكي يصعب أن يشتكي طالما أن خصمه ممثلاً في الدولة رغم ذلك تكم غاية الدولة في حماية الأفراد ومنحهم أكبر قدر من الحرية، ومع ذلك تظل الدولة قوة رهيبة تهدد الفرد، لا مناص من انضمام الفرد بإرادته إلى هيئات مختلفة تقوم بتحقيق مصالحه وتقتصر وظيفة الحكومة على القيام بدور الوسيط المنظم بين هذه الهيئات المختلفة والتي قد تتمثل في النقابات ويرى هذا النظام متحققاً في انجلترا. وبالرغم من دفاع رسل عن الديمقراطية إلا أنه ينقد سلبياتها، فقد تشعر الديمقراطية الفرد بقدر فعال من القوة السياسية لو كان المجتمع صغيراً، أما إذا كبر المجتمع فقد الفرد هذا الشعور، وفقد النظام الديمقراطي أهميته، وكأن الفرد هو الميعار لنقد النظم السياسية. صــ 187


جاري البحث عن بقية الفقرات...

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

انقراض العالم الثالث (أزوالدو دو ريفرو، ترجمة فاطمة نصر)


• إن التنمية لا تتعدى كونها إسطورة تساعد الدول المتخلفة على إخفاء أوضاعها التعيسة والدول المتقدمة على إراحة ضمائرها.
• إن التنمية الاجتماعية والاقتصادية هي مجرد أسطورة تروج لها الطبقات السياسية والتكنوقراطيات الدولية في هذه البلدان الفقيرة، حيث أنه، وبعد خمسين عاما من التجارب على التنمية ومليارات الدولارات من المعونات، مازالت غالبيتها دولاً متخلفة.
• كيف لأشباه الدول القومية أن تصبح قابلة للحياة اقتصاديا في ظل ما تشهده من تفجر النمو السكاني، واقتصار صادراتها على المواد الأولية، أو المواد التي تخضع للقليل من المعالجة، والتي تَراجَعَ الطلب عليها إلى حد كبير وانخفضت أسعارها بحدة؟
• كوكبة العالم المالي هي إحدى الظواهر متعدية/القومية التي ألحقت أعظم الأضرار بالسيادة القومية وأضعفتها، وأدت إلى فقدان الدول القومية ذات السيادة التحكم في عملاتها وسياساتها المالية.
• في الربع الأخير من القرن العشرين تكاثرت الكوربوريشنات عبر/الدولية وتضاعفت أعدادها: من 7000 شركة ومؤسسة إلى حوالي 38000 كوربوريشن لها 250000 فرع في أنحاء العالم، تعمل على نشر النماذج الاستهلاكية وأساليب الحياة المتطابقة في جميع الأرجاء.
• إن التحدي الأعظم الذي يواجه البلاد المسماة خطأ بالنامية في القرن الحادي والعشرين سيكون مقدرتها على الخروج من مصيدة التخلف العلمي والتكنولوجي الناجم عن عدم اهتمامها الثقافي التاريخي بالنظرية العلمية والعلوم التطبيقية.
• لا يعدو تاريخ البلدان التي تُسمى بالنامية أن يكون سوى سلسلة من الديون والإعسارات المتنامية..
• لقد جعلت الثورة الصناعية الأولى، بسبب كثافة مجالات العمل التي أوجدتها، من البروليتاريا قوة سياسية. أما في حالة الثورة التكنولوجية الراهنة، فإن القوى السياسية المتبقية تنحصر في أصحاب رؤوس الأموال وُمنتجي البرمجيات..
• في غضون العقود الأخيرة، تغيرت ثروة الأمم حيث كان أي نص كلاسكي يعالج علم الاقتصاد الدولي يعتبر أن البلاد التي تتمتع بوفرة المواد الطبيعية بلاد غنية لكن هذا لم يعد صحيحاً الآن. مفتاح هذا التغير هو البرمجيات التي أضحت المادة الخام الجديدة الاستراتيجية.
• اليوم وعلى الرغم من أن النفط هو المنتج الأساسي الوحيد الذي مازال يأتي بدخول عالية، إلا أن البلاد المُنتجة له، وعلى الرغم من الأموال الوفيرة التي تكسبها، قد فوتت فرصتها التاريخية لتحديث اقتصاداتها تكنولوجياً.
• يمكن اعتبار البشرية اليوم مجتمعاً بشرياً "ثنائياً" ينقسم بين أقلية ثرية مكونة من أشخاص مكرسين للأنشطة العقلية المجردة من المواد، يعملون على اختراع تكنولوجيا عصرية ومنتجات وخدمات جديدة، وفي الجانب الآخر غالبية من الفقراء مازالوا يحيون معتمدين على القوة الجسدية، أو يؤدون أعمالاً بيروقراطية روتينية، ويستهلكون مواردهم الطبيعية.
• إذا لم تستطع البلدان المتخلفة تنموياً تحديث صادراتها من خلال إضافة محتوى تكنولوجي أكبر، وإذا فشلت في تقليص معدلات المواليد، فإن الفقر الذي يعيش تحت وطأته الآن 1.3 مليار شخص سيشمل حوالي 3 مليارات شخص بحلول عام 2020.

=============================
▬ لا تكاد عدم القدرة على الأداء الفاعل في الاقتصاد الكوكبي الحديث أن تكون سمة مقصورة على بيرو، إذ إن تاريخ غالبية بلدان أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأسيا منذ استقلالها ما هو إلا سجل للخلل الوظيفي والتهميش الكوكبي. من ثم، تجد أعدادً كبيرة من البلدان التي تُسمى خطأ بالدول النامية، والتي تشهد انفجاراً سكانياً حضرياً، صعوبة كبيرة، وإن لم يكن استحالة في تحديث نفسها كي تشارك في الاقتصاد الكوكبي الذي يتطلب، بتزايد، السلع المصنعة الراقية، والخدمات الأكثر كفاءة، واستخدام كميات أقل من مواردها الأولية، وأعداد أقل من قوة عمالتها غير الماهرة الوفيرة. صــ 13

▬ أثناء الحرب الباردة تسبب التكريس لحق استقلال الشعوب بدولها القومية، ومبدأ حق تقرير المصير في قيام عدد غير مسبوق من الدول القومية. وقتئذ، أدان المنظرون أية دعوة للحرص في تطبيق مبدأ حق تقرير المصير وتعاملوا مع تلك الدعوات على أنها إمبريالية، مؤيدة للاستعمار أو رجعية، وزعموا أن تأجيل حق المصير سيعمل على انطلاق الحق المناظر لشن حروب تحررية وما يرافقها من واجبات مساعدة الشعوب المتمردة. كانت معارضة طوفان القضاء على الاستعمار ومحاولة إعادة إنتاج نموذج الدولة القومية الأوروبية في بيئات بشرية لا تملك مفهوم الدولة أو الأمة، والتي كانت تفتقد كلا من الطبقة الوسطى، والسوق القومي، تلك العناصر الضرورية اللازمة لقابلية الخضوع لنظام حكم، والقابلية للحياة، كانت معارضة تعتبر جرما ومن المحرمات. سارعت أطرف الحرب الباردة المتنافسة بمجرد الاعتراف بتلك الدول الوليدة بلادا مستقلة إلى إغداقها بالمعونات من أجل ممارسة النفوذ عليها. ومع انتهاء الحرب الباردة، تبخرت قيمة تلك البلاد الاستراتيجية وتُركت دونما معونات تقريباً، أو معاملة خاصة بصفتها دولا نامية. أصبحت تحت رحمة الانتخاب الطبيعي الدارويني من خلال اقتصاد كوكبي جديد يقوم على المعلومات والخدمات، اقتصاد مضى اعتماده على مواد تلك البلاد الأولية وقوة عمالتها الوفيرة غير المتعلمة، يتراجع باطراد. صــ 21

▬ لا تستطيع الثورة التكنولوجية عبر/القومية استيعاب السبعة وأربعين مليون شخص الذين يدخلون سوق العمل سنوياً في أنحاء العالم. يعمل التنافس القائم بين الكوربوريشنات عبر/القومية على إجبارها على أتمتة مصانعها وإعادة هيكلة أساليبها الإنتاجية مما يتسبب في خلق مزيد من البطالة وليس مزيداً من فرص العمل. واليوم، لا يمكن للدول القومية الوفاء بوعودها بإيجاد عمل للجميع كهدف لها، ومن ثم، غدت قطاعات واسعة من سكانها بدون عمل وفي حالة إقصاء عن المجتمع. أما في أشباه الدول القومية، فتكتسب البطالة أبعاداً غير مسبوقة في الأعوام القادمة وذلك لأن الابتكارات التكنولوجية واتساع نطاق الأتمتة ستتزامن مع انفجار أعداد السكان الحضريين. صــ 34

▬ [..] هذه الرقابة فوق / القومية التي يمارسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على السياسات الاقتصادية القومية لبلدان أمريكا اللاتينية وأسيا وإفريقيا، هي ظاهرة جديدة في العلاقات المعاصرة. تعكس تلك الظاهرة بجلاء تآكل السيادة القومية وظهور سلطة فوق /قومية على كامل مصنف أشباه الدول القومية التي تقول إنها ذات سيادة. وفي واقع الأمر، فقد فقدت ما تُسمى بالدول النامية في ظل رقابة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التحكم الديمقراطي في سياساتها الاقتصادية والمالية والقومية. صــ 57

▬ الداروينية الدولية.. من آدم سميث إلى تشارلس داروين: في كتابه بعنوان "عن أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي" (1859) ذهب تشارلس داروين إلى أنه وفقا لقانون الانتقاء الطبيعي فإن الأنواع الأصلح للتنافس على بقائها فقط هي التي بإمكانها التكاثر والبقاء.لم يخطر له آنذاك، أنه وبعد حوالي 140 عام، وفي مستهل القرن الحادي والعشرين سيقوم السوق الكوكبي والثورة التكنولوجية بتطبيق القاعدة ذاتها، والسماح للأصلح فقط من البشر والشركات والاقتصادات القومية بالبقاء، أما من يُعتقد أنهم أقل قدرة على التنافس، فيتم تهميشهم ويُنظر إليهم على أنهم أنواع غير صالحة اقتصادياً. الفرق الوحيد بين الداروينية الاقتصادية الراهنة التي تقوم على أساس تكنولوجي وبين القانون الطبيعي هو أن الأخير تخلص من الأنواع غير الصالحة على مدى ملايين السنوات، في حين أن عملية انتقاء السوق الراهن التي تدفعها التكنولوجيا بإمكانها أن تجعل الآلاف يفقدون وظائفهم وعملهم في غضون أشهر معدودة، وتُقصى شركات متنافسة من السوق في مدة لا تتجاوز العامين، ولا تحتاج سوى إلى عقد واحد لتحويل كثير من الدول القومية إلى اقتصادات غير قابلة للحياة. صــ  75

▬ تعمل التكنولوجيا، فيما يلهمها السوق الدارويني، كعامل حاسم للتخلص من الذين لا يتكيفون مع تقدمها. واليوم، فإن الثورة التكنولوجية في سبيلها للقضاء على المصانع الضخمة ومجموعات السكان من البروليتاريا الذين اعتادوا تشغيل تلك المصانع، بحيث يحل محلها مراكز إنتاج صغيرة على قدر كبير من الأتمتة الرفيعة، بها وفرة من المعلومات المحوسبة، والظائف المؤقتة. يحدث نمط التحديث هذا في جميع فروق الإنتاج الصناعي تقريباً والنتيجة هي عملية عالمية لا تتوقف من القضاء على البروليتاريا. إن النقلة من اقتصاد عالمي يقوم على أساس المصانع إلى اقتصاد يقوم على أساس مشاريع محوسبة بدرجة عالمية هي نقلة جذرية صادمة بأكثر مما كان الانتقال في القرن التاسع عشر من الزراعة إلى الصناعة. كانت الثورة الصناعية التي اعتمدت على العمالة بدرجة هائلة، تدريجية بحيث أتاحت الوقت للمجتمع الزراعي كي يتكيف مع عصر الآلة. علاوة على ذلك، فقد خلقت الثورة الصناعية وظائف أكثر من تلك التي قضت عليها. وبالتقابل فباستطاعة ثورة الحسابات القضاء على عدد أكبر من الوظائف بأسلواب أكثر قسوة. كما أنها تخلق بالضرورة وظائف أفضل للغالبية العظمى من العاملين، وستعمل على تعميق عدم المسماواة الاجتماعية. تسير ثورة الحاسبات بخطى أسرع فيما أن أثارها الاجتماعية أكثر صرامة حيث يتم التخلص، ببساطة، من العمال غير المهرة. وإذا استطاع من يفقدون وظائفهم والذين لم يتدربوا على التكنولوجيا الجديدة الحصول على عمل، سيكون عليهم أن يرضوا بمرتبات أقل في غالبية الحالات. صــ 92

▬ في غضون السنوات الأربعين الأخيرة، لم تتمكن سوى بلدين صغيرين فقط، هما كوريا الجنوبية وتايوان، من التقدم تصبح مجتمعات صناعية متقدمة تكنولوجياً بعد أن كانتا مجتمعات زراعية، ونجحتا في التغلب على أوضاع الفقر التي كانت سائدة ورفع ومستويات المعيشة بحيث خلقتا طبقة وسطى مهيمنة. على أي حال فقد تم هذا في وجود مستويات ديمقراطية وثقافية وعلمية واجتماعية أقل كثيراً من نظيراتها في أوربا والولايات المتحدة. أما المنطقتان اللتان يطلق عليهما منظرو التنمية "البلاد المصنعة حديثاً NICs" أي هونج كونج وسنغافورة اللتين قاربت مستويات المعيشة فيهما نظيراتها في الديمقراطيات الرأسمالية المتقدمة، فهما ليستا دولتين قوميتين بل دولتين-مدينتين صغيرتين. لم تواجه التنمية فيهما المشاكل الهائلة التي يقتضيها رفع مستويات المعيشة في بلدان شاسعة تعاني من انفجار سكاني لا يمكن وقفه في مناطقها الحضرية كما هو الحال في غالبية البلدان المتخلفة. صـ 106

▬ الحقيقة العارية الجلية هي أن لا أحد يعرف اليوم كيفية الوصول إلى "إل دورادو". ففي جميع البلاد، يزداد الأغنياء ثراء، والفقراء فقراً. يساوي مجموع دخل المليارديرات الثلاثمائة الأكثر ثراء في العالم مجموع دخول 2.7 مليار شخص الذين يمثلون 40% من سكان العالم. يبلغ عدد الأفراد الذين يملكون الأموال التي تمكنهم من استهلاك منتجات الاقتصاد العالمي وخدماته 1.8 مليار شخص فقط. أما الباقون والذين يربو عددهم على 4 مليارات شخص فلا يملكون سوى التحديق في فاترينات المحلات. لم يرتفع دخل الأفراد الحقيقي في حوالي مائة بلدة فقيرة طوال العشرين عاماً الأخيرة. صــ 109

▬ بعد 190 عام من استقلال كثير من بلدان أمريكا اللاتينية، كان ينبغي لها أن تتنافس علميا وتكنولوجياً مع بلدان جنوب أسيا والصين، والهند، بيد أنها، ومع عدم اختراعها أي شيء، فقد أصبحت أرضاً جرداء علمياً، حيث إنها جميعها، وبإستثناء البرازيل، لا تستثمر أكثر من 1% من مجمل الناتج المحلي في الأبحاث والتنمية. هذا الوضع هو نتيجة التوجه الثقافي في أمريكا اللاتينية، وفي البلدان النامية الأخرى، لإضفاء قيمة على الدراسات الإنسانية تفوق تلك التي تضفيها دراسة على العلوم الطبيعية، والفيزياء والأحياء، والكيمياء، والرياضيات حيث تُفضل الآداب على اللوغاريتمات، والمنطق على التجارب، والمعتقدات الراسخة على الشك العلمي، وقاعات المحاضرات على المعامل. صــ  113 

▬ لا يُدرك السياسيون الذين يحاولون إعادة تنشيط الاقتصاد خطورة تطبيق توصيات جون ماينارد كينز في القرن الحادي والعشرين، وذلك لأن هذا الاقتصادي البارز لم يتخيل أبداً أنه ستوجد مجتمعات استهلاكية ثرية تنفث الغازات التي تسبب الاحترار الكوكبي، وتذيب قمم الجبال الجليدية القطبية، وغيرها من الأنهار الجليدية مما يرفع منسوب مياه المحيطات، وإضافة إلى هذا كله شح المياة الهائل في العالم. لا يدرك سوى القليلين أن هذه الأزمة مختلفة، وأن كوكبنا، ومع احترار مناخه المستدام، يحذرنا من أنساق الاستهلاك المدمرة هذه التي تعتمد على موارد الطاقة التي ينجم عنها انبعاث غازات الدفيئات (الفحم والنفط والغاز). لا شك أن الثمن الذي سندفعه سيكون باهظاً من حيث الكوارث المستقبلية، إذ إن الكوكب نفسه سيشارك في تلك الكوارث، كما أن للأزمة الحالية بعداً بيئياً لم يكن موجوداً عام 1929. صــ 173


▬ واليوم، وبعد ما يربو على خمسين عاماً من نظريات التنمية وسياساتها فلم يتجاوز متوسط زيادة دخل الأفراد في البلدان التي تُسمى خطأ ً "البلاد النامية" نسبة 2.6%، وهذا يقل كثيراً عن معدل النمو الضروري للهروب من الفقر. يوجد حوالي 5 مليار نسمة في العالم المتخلف تنموياً، يعيش 2.8 مليار منهم على دخل يتراوح بين دولارين وثلاث دولارات يومياً لا يكاد يكفيهم للبقاء على قيد الحياة، فيما لا يستطيع 1.3 مليار من سكان تلك البلاد إطعام أنفسهم على الدخل الذي يبلغ دولاراً واحداً في اليوم لكل منهم، أي أنهم يعيشون في فقر مدقع. لابد من أن يقترن هذا الواقع بالتحديات الجديدة الناجمة عن عدم التوازن الفيزيقي/الاجتماعي بين أعداد السكان المتنامية وبين الكميات غير الكافية المتاحة من المياة والطعام والطاقة. علينا، في مواجهة أزمة حضارتنا هذه، أن نتخلى عن البحث عن المواطن الأسطورية للثروة، وأن نتخلى أيضاً عن الأجندة المراوغة لثروة الأمم، ونحل محل هذا مسعى واقعياً من أجل بقاء الأمم. إن الأولويات الملحة الآن هي العمل على استقرار معدل تنامي السكان الحضريين، وعلى زيادة المتاح من إمدادات المياة والطعام والطاقة وإلا تحولت الحياة الحضرية في البلاد الفقيرة المتخلفة تنموياً إلى جحيم، وانهارت تلك الأمم لتصبح كيانات فوضوية غير قابلة للتحكم UCEs. صــ 199 - 200

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

مهزلة العقل البشري (علي الوردي)


|| أُهدي هذا الكتاب إلى القراء الذين يفهمون ما يقرأون. أما أُولئك الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم. إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوا بأخيه "وعَّاظ السلاطين" من قبل، إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم ثم ساروا بها في الأسواق صارخين.... لقد آن لهم أن يعلموا أن زمن الصراخ قد ولَّى، وحل محله زمان التروي والبحث الدقيق.||

• إننا لا ننكر ما للسفور من مساويء ولكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بمساويء الحجاب أيضا. فليس في هذه الدنيا ظاهرة اجتماعية تخلو محاسن أو مساويء. ولعل هذا القول لا يريد أن يفهمه أرباب المنطق القديم.
• إن الإتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً.
• إن التجديد في الأفكار هو الذي يخشاه مشايخ الدين لا الأفكار ذاتها. فهم لا يخشون كروية الأرض بقدر ما يخشون الجدل الذي تثيره هذه الفكرة في عقول الناشئين.
• إن الذين يمارسون المنطق القديم في هذا العصر يشبهون أولئك الأبطال، من طراز عنترة العبسي، الذين يهجمون بالسيف على جندي حديث يحمل بيده رشاشاً سريع الطلقات. فهم مهما تفننوا في إبداء ضروب البسالة والشجاعة فإن الرشاش يحصدهم في أرجح الظن، حيث لا ينفعهم آنذاك بسالة ولا حماسة.
• المتدين المؤمن بعقيدة من العقائد لا يستطيع، مهما حاول، أن يتجرد من عاطفته المذهبية وقد يظن المؤمن أنه متجرد من العاطفة، ولكن ذلك من قبيل الأوهام التي لا أساس لها من الحقيقة.
• يذهب بعض المفكرين إلى القول بوجوب حجر المرأة في البيت وتشديد الحجاب عليها وذلك بحجة أنها ذات عقل ناقص لا تستطيع به أن تحمي نفسها من نزوات العاطفة، نسوا أن عقلها لم ينقص إلا من جراء الحجاب. فهم سببوا ضيق عقلها بالحجاب، ثم أرادوا حجابها بدعوى ضيق عقلها. خلقوا السبب بالأمس ويريدون اليوم أن يتخذوا نتيجة هذا السبب حجة له.
• لا يكفي في الفكرة أن تكون رائعة وجميلة بحد ذاتها. إنها يجب أن تكون عملية قبل كل شيء.
• يعتقد إبن رشد أن الفلاسفة إذا إختلفوا في شيء ردوه حالاً إلى دليل العقل وحجة المنطق فتفاهموا وخضعوا للرأي الذي يرونه معقولاً. على زعم إبن رشد، يستنيرون بنور العقل والمنطق. وليس هنا سخافة أبشع من هذه التي يقول بها إبن رشد وأمثاله من المفكرين الطوبائيين.
• عيب إخواننا الطوبائيين أنهم يصعدون بمثلهم العليا فوق السحاب، ولا ينزلون بها قريباً من الأرض التي يعيشون عليها. ولذا فمثلهم العليا لا تُجدي في تحفيز المجتمع نحو الحركة.
• لقد أخطأ أرسطوطاليس عندما قال: "الإنسان مدني بالطبع". والصحيح أن الإنسان وحشي بالطبع ومدني بالتطبع.
• من مهازل القدر أن نرى الحقيقة النسبية الآن مسيطرة على البحوث الطبيعية، هذا بينما أصحابنا لا يزالون يؤمنون بالحقيقة المطلقة حتى في بحوثهم الإجتماعية والفكرية الخالصة.
• لقد فطنت الشعوب في القرون الحديثة إلى خطأ هذه النظرية الأفلاطونية في مفهوم العدل، وأخذت تميل قليلاً أوكثيراً نحو النظرية السوفسطائية فيه. وبهذا صار مفهوم العدل هو ما ترتأيه أكثرية الناس. فالناس أعرف بحاجاتهم ومشكلاتهم من ذلك المتحذلق الأفلاطوني الذي يتأمل في أمر العدل وهو قابع في برجه العاجي.
• الواقع أن السفسطة كانت فلسفة ذات أهمية إجتماعية لا يُستهان بها. ومن سوء حظها وحظ البشرية، أنها غُلبت أو قُتلت في مهدها، فأصبحت محتقرة. والمغلوب محتقر دائماً. ولذا أخذ المفكرون ينسبون إليها كل نقيصة، ويجردونها من المحاسن.
• يبدو أن أفلاطون كان فيثاغورثياً أكثر مما كان سقراطياً. وهو إنما حرف مباديء سقراط لكي يجعلها ملائمة للمباديء التي كان المذهب الفيثاغورثي يدعو إليها.
• حاول الأفلاطونيون أن يقيسوا البشر بمقياس الأرقام. ونسوا أن المجتمع البشري بحر مواج تتلاطم فيه شتى النزعات والميول، وأن دراسته تستلزم منهجاً خاصاً به يختلف عن منهج الحساب والجمع والطرح إختلافاً أساسياً.
• من مهازل العقل البشري أن وجدنا العامة في بلاد الإغريق يكرهون منطق السفسطة كما كرهها أفلاطون. ومشلكة العامة في معظم الأحيان أنهم يندفعون مع المترفين فيما يناقض مصلحتهم. وهم كما وصفهم الإمام علي: "ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح".
• كان التنازع في عهد عثمان يدور حول مباديء العدالة والمساواة. ولكن معاوية قلبه بعد ذلك  فجعله يدور حول علي وعمر: أيهما أفضل؟ وبهذا نسي الناس كفاح علي ضد معاوية وانشغلوا بالفضائل الشخصية، وكل فريق يأتي لصاحبه من الفضائل ما يكسف بها فضيلة زميله.

===========================================
▬ يحاول بعض المتحذلقين من رجال الدين إدعاء التجديد فيما يكتبون ويخطبون. وتراهم لذلك يحفظون بعض الألفاظ والمصطلحات الحديثة يتلقفونها من المجلات والجرائد المحلية، ثم يكررونها في كلامهم اذ يحسبون أنهم بهذا قد صاروا "مجددين". ويحلو للبعض أن يقال عنه أنه جمع بين القديم والحديث، ثم يرفع أنفه مغروراً بهذا العلم العجيب الذي وعاه في صدره. ومثله في هذا كمثل ذلك القروي الساذج الذي أراد أن "يتمدن" في كلامه، فضيع المشيتين مع الأسف الشديد. ينبغي أن يفهم هؤلاء أن التجديد في الفكر لا يُعني التمشدق بالمصطلحات الحديثة. انه بالأحرى تغيير عام في المقاييس الذهنية التي يجري عليها المرء في تفكيره. صــ9

▬ عندما احتك المسلمون بالحضارة الغربية إنجرفوا بتيارها، وصاروا مجبرين على اقتباس ما جاءت به حسناً كان أم سيئاً. ومن غرائب ما ارتآه الواعظين في هذا الأمر أن قالوا: خذوا من الغرب محاسنه واتركوا مساوئه. كأن المسألة أصبحت انتقاءً طوع الارادة كمن يشتري البطيخ. إن الحضارة جهاز مترابط لا يمكن تجزئته أو فصل أعضائه بعضها عن بعض. فالحضارة حين ترد تأتي بحسناتها وسيئاتها. وليس في الإمكان وضع رقيب على الحدود يختار لنا منها الحسن ويطرد السيء. ومعنى هذا أنها تيار جارف لا يمكن الوقوف في وجهه. صــ16

▬ لقد جاءت المدنية للإنسان بخير عظيم ولكنها جاءت له أيضاً بشر أعظم منه، فهي قد أطلقت الفكر من حبسه فأخذ يجوب الفضاء ويستفهم عن كل شيء وهي مع ذلك قد سارت بالفكر في طريق القلق والإلتياث والعصيان. إنها قد أطمعت البشر من معرفة الخير والشر، على حد تعبير التوراة. وهي بذلك قد أذاقتهم من ويلات الخير والشر قسطاً كبيراً. لقد كان البشر قبل المدنية لا يفكرون وكانوا أيضاً لا يقلقون، وقد يصح أن نقول: أن التفكير والقلق صنوان لا يفترقان. صــ30

▬ كنت ذات يوم في مجلس ضم جماعة من رجال الدين. وقد أجمع هؤلاء الرجال أثناء الحديث على أن سكان الأرض كلهم ملزمون بأن يبحثوا عن الدين الصحيح، فإذا وجدوه اعتنقوه حالاً. فكل إنسان في نظر هؤلاء مجبور أن يترك أعماله ويذهب سائحاً في الأرض ليبحث عن دين الحق. قلت لهم: "لماذا لم تسيحوا أنتم في الأرض للسعي وراء الحق؟". قالوا وهم مندهشون لهذا السؤال السخيف: "إننا لا نحتاج إلى السعي وراء الحق لأن الحق عندنا!". صــ45

▬ كتب ابن طفيل، الفيلسوف الأندلسي المعروف، قصية فلسفية بعنوان "حي ابن يقظان". وكان يقصد من كتابة هذه القصة أن يشرح للقاري طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو. وقد تخيل ابن طفيل فيها انساناً وُلد وترعرع في جزيرة منعزلة، حيث أرضعته ظبية، وظل ينمو في تلك الجزيرة وحيداً حتى بلغ مبلغ الرجال. يقول ابن طفيل: ان عقل هذا الإنسان أخذ ينمو بنمو بدنه حتى تم نضوجه في تلك الجزيرة. واستطاع أن يفكر ويستنتج حتى توصل بتفكيره المجرد إلى كثير من الحقائق الكونية التي توصل إليها الفلاسفة العظام من قبل. يريد ابن طفيل بهذا أن يبين للقاريء أن العقل البشري جهاز فطري وأنه ينمو من تلقاء ذاته، فلا حاجة به إلى التدريس والتلقين. ويبدو أن ابن طفيل يرى بأن العقل البشري حين ينمو بعيداً عن سخافات المجتمع وأباطيله يصبح أسلم تفكيراً وأصح إستنتاجاً. وهو بذلك يحبذ للمفكرين أن يبتعدوا في تأملاتهم عن الناس ويتسامون عن عنجهياتهم. إنه بعبارة أخرى، يدعو المفكرين إلى الصعود إلى البرج العاجي. ولا ريب أن هذا الرأي هو رأي الفلاسفة القدماء جميعاً، فابن طفل إذن لم يأت بشيء جديد. وليس له من الفضل في هذا إلا ابتداعه لقصه شيقة حيث عرض فيها ذلك الرأي القديم في قالب جديد. وقد لاقت قصة "حي ابن يقظان" هذه رواجاً عظيماً بين المفكرين وتُرجمت إلى كثير من اللغات، وحاول تقليدها والإقتباس منها فلاسفة وكتاب من مذاهب شتى. والغريب أن كثيراً من كتابنا ومفكرينا لا يزالون حتى يومنا هذا متأثرين بهذه القصة ويعتبرونها الكلمة الأخيرة في قضية العقل البشري. إنهم لا يزالون يؤمنون بأن العقل موهبة طبيعية تنمو من تلقاء ذاتها سواء أعاش الإنسان في مجتمع أم عاش منذ ولادته وحيداً منعزلاً. أما الأبحاث العلمية الحديثة فهي تكاد تجمع على خطأ هذا الرأي. حيث ثبت اليوم أن العقل البشري صنيعة من صنائع المجتمع، وهو لا ينمو أو ينضج إلا في زحمة الاتصال الاجتماعي. فإذا ولد الإنسان وترعرع بين الحيوانات فإنه يمسى حيواناً مثلهم. وما قصة "حي ابن يقظان" التي إبتدعها خيال فيلسوفنا الرائع إلا وهم أو خرافة لا وجود لها في عالمنا الذي نعيش فيه. صــ132 : 133


▬ كنت أتحدث مع أحد الأمريكيين حول هذا النزاع الرقيع. فسألني الأمريكي عن علي وعمر: "هل هما يتنافسان الآن على رئاسة الحكومة عندكم كما تنافس ترومن وديوي عندنا" فقلت له: "إن عليا وعمر كانا يعيشان في الحجاز قبل ألف وثلاث مئة سنة. وهذا النزاع الحالي يدور حول أيهما أحق بالخلافة!". فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد يستلقي على قفاه. وضحكت معه ضحكاً فيه معنى البكاء. وشر البلية ما يضحك!. والغريب أني نقلت هذه القصة إلى أحد رجال الدين عندنا فقال لائماً: "ولماذا تفضحنا أمام الأجانب؟!". إنه يرتكب الفضيحة ولا يُبالي ثم يتألم حين يسمع بها الأجانب. والأغرب من هذا أن يُعلق الرجل على هذه القصة فيقول: "إن الأجانب عندهم من الفضائح أكثر مما عندنا". وعذره هذا أبشع من ذنبه. صــ247

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

وُعّاظ السلاطين (علي الوردي)


• إن الطبيعة البشرية لا يمكن اصلاحها بالوعظ المجرد وحده. فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة. ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جُبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة.
• الغريب أن الواعظين أنفسهم لا يتبعون النصائح التي ينادون بها. فهم يقولون للناس : نظفوا قلوبكم من أدران الحسد والشهوة والأنانية، بينما نجدهم أحياناً من أكثر الناس حسداً وشهوة وأنانية.
• دأب وعاظنا على تحبيذ الحجاب وحجر المرأة، فنشأ من ذلك عادة الانحراف الجنسي في الرجل والمرأة معاً. فالإنسان ميال بطبيعته نحو المرأة، والمرأة كذلك ميالة نحو الرجل. فإذا منعنا هذه الطبيعة من الوصول إلى هدفها بالطريق المستقيم لجأت اضطراراً إلى السعي نحوه في طريق منحرف.
• إنهم يتركون الطغاة والمترفين يفعلون ما يشاؤن. ويصبون جل اهتمامهم على الفقراء من الناس فيبحثون عن زلاتهم وينغصون عليهم عيشهم وينذرونهم بالويل والثبور في الدنيا والآخرة.
• إن الطبيعة البدوية هي طبيعة الحرب. فالبدوي لا يفهم من دنياه غير التفاخر بالقوة والشجاعة والغلبة، وهذه تؤدي عادة إلى حب التعالي والرئاسة والكبرياء.
• إن الواعظ يجعل الناس شديدين في نقد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من أفواه الوعاظ عالية جداً. وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجأون إلى تطبيقها على غيرهم، وبذا يكون نقدهم شديداً.
• إن الإنسان بوجه عام يحب مصلحته قبل أن يحب مصلحة الغير. فهو إذا رأى المصلحتين متناقضتين آثر طبعاً مصلحته الخاصة، وأهمل المصلحة الاخرى، فالإنسان الفاسد هو كالصالح في ذلك. الفرق بينهما آت من كون أحدهما قد أتاحت له الظروف أن تكون مصلحته مطابقة للمصلحة العامة، فسعى في سبيلها وظن الناس أنه يسعى في سبيلهم فقدروه وكافاوه فانتفعوا به بمثل ما انتفع هو بهم.
• مشكلة الوعاظ عندنا أنهم يحاولون تقويم السلوك بمجرد قولهم للإنسان : كن .. ولا تكن .. كأنهم يحسبون السلوك طيناً يكيفونه بأيديهم كما يشاؤون.
• إن من مفارقات الإسلام أن قد ظهر فيه رجلان متناقضان في كل وجه : أحدهما أسس فيه مُلكاً عظيماً والآخر أسس ثورة طاحنة - هما معاوية وعلي.
• إذا تكاتف السيف والقلم على أمر، فلابد أن يتم ذلك الأمر عاجلاً أو آجلاً.
• لقد افتتح المتوكل عهداً جديداً في تاريخ الإسلام حيث صار الدين والدولة نظاماً واحداً. وأخذ الدين يؤيد الدولة بقلمه، بينما أخذت الدولة تؤيده بسيفها. ورفع الناس أيديهم بالدعاء هاتفين: "اللهم انصر الدين والدولة".
• لعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قُلنا بأن النزاع بين الشيعة وأهل السنة اتخذ شكل التعصب لآل النبي من جهة ولأصحاب النبي من الجهة الأخرى. فاهل السنة تعصبوا للأصحاب. بينما تعصب الشيعة للآل. وأخذ كل فريق يُغالي في تمجيد من تعصب لهم.
• كان سلاطين الصفويين لا يختلفون اختلافاً أساسياً عن سلاطين العثمانيين - كلهم كانوا يعبدون الله وينهبون عباد الله. ولم يكن الفرق بينهم إلا ظاهرياً. إذ كان جل همهم منصباً على تشييد المساجد وعلى زخرفة جدرانها وتذهيب منابرها...
• إن الصفويين خدّروا مذهب التشيع وروّضوه كما يُروض السبع الضاري. فأصبح التشيع بهذا الاعتبار كأنه "ثورة خامدة". ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا شبهمنا التشيع في وضعه الحاضر بالبركان الخامد-يخرج منه دخان ضئيل إشارة إلى ما كان عليه في العهود الغابرة من انفجار هدام.
• لقد ذهب علماء الإجتماع الذين بحثوا تاريخ الثورات إلى أن الطبقات المضطهدة كثيراً ما تلجأ إلى اعتناق بعض الخرافات لتحارب بها الحكام الظالمين. ويُطلق على هذه الخرافات اسم الأساطير الإجتماعية Social myths.
• إن الخطر كل الخطر من الخرافة التي يؤمن بها المجتمع ويبذل جهده في سبيل تحقيقها.
• كل حاكم محاط بحاشية تحجب الناس عنه. وهو قد يُخادع نفسه فيخرج إلى الناس يستمع إلى شكواهم. ولكنه لا يستطيع رغم ذلك أن يفهم عن حقائق المجتمع أكثر مما يستسيغه إطاره الفكري الذي صنعه له حاشيته والحافون به.
• ويعم البلاء حين يحف بالحاكم مرتزقة من رجال الدين. فهؤلاء يجعلونه ظل الله في أرضه، ويأتون بالملائكة والأنبياء ليؤيدوه في حكمه الخبيث. وبهذا يُمسي الحاكم ذنباً في صورة حمل وديع.
• إن نظام التصويت الذي تقوم عليه الديمقراطية الحديثة ليس هو في معناه الإجتماعي إلا ثورة مُقنّعة. والانتخاب هو في الواقع ثورة هادئه. حيث يذهب الناس اليوم إلى صناديق الانتخاب، كما كان أسلافهم يذهبون إلى ساحات الثورة، فيخلعون حكامهم ويستبدلون بهم حكاماً آخرين.
• كان السلطان المسلم يأتي إلى العرش عن طريق المرحوم أبيه. فهو لا يعرف من أمور الدولة سوى أن يتمتع بميراث أبيه، ويداري الجلاوزة والجلادين الذين يؤديونه في تدعيم هذا الميراث.
• لقد آن الأوان لكي نحدث انقلاباً في أسلوب تفكيرنا. فقد ذهب زمان السلاطين وحل محله زمان الشعوب. وليس من الجدير بنا، ونحن نعيش في القرن العشرين، أن نفكر على نمط ما كان يفكر به أسلافنا من وعاظ السلاطين.

=========================================
▬ لقد ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الأفلاطونيين الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الانسان لانحرافه عما يتخيلون من مثل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبنوا المقدار الذي لائم الطبيعة البشرية من تلك المُثل. فقد اعتاد هؤلاء المفكرون أن يعزوا علة ما نعاني من تفسخ إجتماعي إلى سوء أخلاقنا. وهم بذلك يعتبرون الاصلاح أمراً ميسوراً. فبمجرد أن نصلح أخلاقنا، ونغسل من قلوبنا أدران الحسد والأنانية والشهوة، نصبح على زعمهم سعداء مرفهين ونعيد مجد الأجداد. إنهم يحسبون النفس البشرية كالثوب الذي يُغسل بالماء والصابون فيزول عنه ما اعتراه من وسخ طاريء. وتراهم لذلك يهتفون بملء أفواههم : هذبوا أخلاقكم أيها الناس ونظفوا قلوبكم! فإذا وجدوا الناس لا يتأثرون بمنطقهم هذا انهالوا عليهم بوابل من الخطب الشعواء وصبوا على رؤوسهم الويل والثبور. وإني لأعتقد بأن هذا أسخف رأي وأخبثه من ناحية الإصلاح الاجتماعي..صــ5

▬ لقد صار الوعظ مهنة تدر على صاحبها الأموال، وتمنحه مركزاً اجتماعياً لا بأس به. وأخذ يحترف معنة الوعظ كل من فشل في الحصول على مهنة أخرى. إنها مهنة سهلة على أي حال. فهي لا تحتاج إلا إلى حفظ بعض الآيات والأحاديث ثم ارتداء الألبسة الفضفاضة التي تملأ النظر وتخلبه. ويستحسن في الواعظ أن يكون ذا لحية كبيرة كثة وعمامة قوراء. ثم يأخذ بعد ذلك بإعلان الويل والثبور على الناس، فيبكي ويستبكي - ويخرج الناس من عنده وهم واثقون بأن الله قد رضي عنهم وبنى لهم القصور الباذخة في جنة الفردوس. ويأتي المترفون والأغنياء، والحكام فيغدقون على هذا الواعظ المؤمن ما يجعله مثلهم مترفاً سعيداً.. صــ47

▬ إن الواعظين ينظرون في الأمور بمنظار المنطق القديم - منطق الثبات والتصنيف الثنائي. فالحسن حسن على الدوام والقبيح يبقى قبيحاً إلى يوم القيامة. والمنطق الاجتماعي الحديث يستخف هذا الرأي ويعتبره منطق السلاطين والمعتوهين. فالحسن في نظر المنطق الحديث لا يبقى حسناً إلى الأبد. إنه حركة وتغير مستمر. فما كان حسناً بالأمس قد يصبح اليوم قبيحاً. إن المنطق الحديث يدعى "منطق التناقض". فكل شيء يحمل نقيضه في صميم تكوينه. وهولا يكاد ينمو حتى ينمو نقيضه معه. وبذا يصير الشر خيراً بمجرد نموه وتحركه. صــ72

▬ يزعجني بعض رجال الدين حين أراهم يكتبون ويخطبون معلنين للناس أنهم يطلبون الحقيقة المجردة - غير دارين بأنهم يطلبون الحقيقة كما يشتهونها. والإنسان لا يفهم من الحقيقة إلا ذلك الوجه الذي يُلائم عقده النفسية وقيمه الاجتماعية ومصالحة الاقتصادية. أما الوجوه الاخرى من الحقيقة فهو يُهملها باعتبارها أنها مكذوبة أو من بنات أفكار الزنادقة - لعنة الله عليهم.. لا يستطيع أن يدنو من الحقيقة الكاملة إلا ذلك المشكك الذي ينظر في كل رأي نظرة الحياد. إن الشك هو طريق البحث العلمي. ولم يستطع العلماء المحدثون أن يبزوا أسلافهم في البحث إلا بعد أن اتبعوا طريق الشك. أما أولئك المتحذلقون الذين آمنوا بتقاليد آبائهم ثم جاؤونا يتفيقهون بطلب الحقيقة المجردة فهم لا يستحقون في نظر العلم الحديث غير البصاق. إننا لا نلوم رجال الدين على إيمانهم الذي يتمسكون به. ولكننا نلومهم على التطفل في البحث العلمي وهم غير جديرين به. إن الإيمان والبحث على طرفي نقيض. ولا يستطيع المؤمن أن يكون باحثاً. ومن يريد أن يخلط بينهما فهو لاشك سيضِّيع المشيتين. صــ231

▬ إن رجال الدين من الشيعة وأهل السنة يتنازعون على أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء. فكل فريق ينظر إلى مساويء خصمه، وكل حزب بما لديهم فرحون. قد يستغرب القاريء إذا علم بأن كلتا الطائفتين كانتا في أول الأمر من حزب واحد، وإن الذين فرقوا بينهما هم السلاطين ووعاظ السلاطين. ففي عهد الدولة الأموية كان الشيعة وأهل السنة يؤلفون حزب الثورة. إذ كان الشيعة يثورون على الدولة بسيوفهم، بينما كان أهل السنة يثورون عليهم بأحاديثهم النبوية - هؤلاء كانوا ينهون عن المنكر بألسنتهم، وأولئك كانوا ينهون عنه بأديهم [...] إن الثورة، بوجه عام، تحتاج إلى نوعين من السلاح، هما سلاح السيف وسلاح القلم. ولم تنجح ثورة في التاريخ من غير أقلام قوية، أو ألسنة، تدعو إليها وتنشر مبادئها بين الناس. فالسيف وحده لا يكفي لتدعي مبدأ من المباديء الثورية. فإذا لم تتبدل القيم الفكرية ويخلع الناس عن عقولهم طابع الخضوع والجمود، عجز السيف عن القيام بثورة ناجحة [...] قلنا في فصل سابق  أن العباسيين لم يكونوا يختلفون عن أسلافهم الأمويين من حيث الترف والطغيان أو من حيث السفك والنهب. إنما اختلفوا عنهم بالمظهر فقط. أولئك كانوا ينفرون من أهل الحديث ويضطهدونهم، وهؤلاء يبجلون ويذرفون الدموع الغزيرة عند حضورهم.  صــ231 : 233

▬ يقول البرفسور ادواردس : "إن الثوار دائماً يعتقدون بأن فساد المجتمع ناشيء عن فساد حكامه. ولهذا فهم يظنون بأن الصلاح الإجتماعي لا يتم إلا بتولي أناس صالحين مكانهم". يبدو أن نظرية ادواردس هذه تنطبق على ما كان قدماء الشيعة يؤمنون به من عصمة الإمام. إذ كانوا يرون فساد الأوضاع الإجتماعية ناتجاً من تحكم الملوك الفاسدين فيها. يروي الشيعة عن أحد أئمتهم أن الله قال: "لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية إمام جائر ليس من الله، وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية. ولأعفون عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية إمام عادل من الله، وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مُسيئة". صــ251

▬ يزور الشيعة قبر الحسين بمئات الألوف كل عام. ثم يرجعون من الزيارة كما ذهبوا-لم يفعلوا شيئاً غير النواح واللطم. إنهم اليوم ثوار خامدون..فقد خدّرهم السلاطين، وحولوا السيوف التي كان يقاتلون بها الحكام قديماً إلى سلاسل يضربون بها ظهورهم وحراب يجرحون بها رؤوسهم. ومن يدري فقد يأتي عليهم يوم تتحول فيه هذه السلاسل والحراب إلى سيوف صارمة من جديد. إنهم لا يحتاجون في ذلك إلا إلى فرد مشاعب من طراز اللعين ابن سبأ (هذا إن لم يكن شخصية وهمية). صــ255


▬ إن العدالة الإجتماعية لا يمكن تحقيقها بمجرد أن تعظ الحاكم أو تخوفه من عذاب الله. فالحاكم قد يخاف الله أكثر منك وهوقد يعظك كما تعظه ويتضرع بين يدي ربه مثلما تتضرع. وأنت لو وعظته ألف مرة لبقي كما كان - يظلم الناس ويقول ساعدني يارب! العدالة ظاهرة إجتماعية لا تتأتى في مجتمع إلا بعد تنازع الحاكم والمحكوم عليه. إن الحاكم لا يستطيع أن يكون عادلاً من تلقاء نفسه، إذ هو قبل كل شيء إنسان، فيه من نقائص الطبيعة البشرية ما في غيره. وهو مهما كان تقياً في أعماق نفسه فإنه لا يفهم العدل كما يفهمه رعاياه القابعون في الأكواخ البعيدة [..] الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان. وصديقك الذي تستعذب حديثه وتستطيب مظهره وأدبه، قد يكون من أظلم الناس إذا تولى زمام الحكم. هو الآن طيب لأنه بعيد من مباهج الحكم. وأنت لا تدري ماذا سوف يفعل إذا جلس على الكرسي وحف به الجلاوزة والجلادون من كل جانب. يقول المثل الإنكليزي: "إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان فاعطه مالاً أو سلطة". صــ262

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

عاشق لعار التاريخ (عبد الله القصيمي)


• لقد سقط عصر الآلهة التي لا تملك إلا التعاليم المتوحشة، ليجيء عصر الحاكم والمذهبية، والزعامة والدولة الشاملة التي تملك كل أسباب القتل والإذلال والإغواء والحشد.
• إني لا ألعن الإنسان لسقوطه... اني أرثى له... اني أرثى له مخطئاً وملوثاً، كما ارثى له متألماً، ومشوهاً، كما ارثى له حزيناً.
• انه ليس الواقف في صف الثوار، إلا إنساناً لم يجد مكانه الملائم في الصف المقاوم للثورة... ان الثائر ليس إلا إنساناً منفياً إلى الثورة.
• إن من يهجو طاغية وهو راكع تحت أقدام طاغية آخر أعتى، لهو مادح للطغيان بأسلوبين، بلغتين.
• إن المجد الباذج يقتل الرؤية، انه يقتل كل وسائل الإتصال بالأشياء...بالآخرين.
• إني أشعر بعطف شديد على الكلمة، ان جميع الناس يظلمون الكلمة...انهم جميعاً يشوهونها. انهم جميعاً يصنعون منها أجمل النعوش لأقبح الجثث، انهم يضعون كل أكاذيبهم وتشوهاتهم، في توابيت مزخرفة من الكلمات، من الشعارات.
• ان الذي يقول بإسم الإله أفعل، لا يعني إلا ما يعنيه من قال بإسم الشيطان أفعل...إن كليهما يفعل بإسم ذاته، لحساب ذاته، لا بإسم الإله أو الشيطان...ولا لحسابهما...إن كليهما يفعل بلا اله تحت اسم أي إله.
• اني انقد لاني ابكي واتعذب، لا لإني اكره واعادي. انقد الإنسان لاني اريده أفضل، وانقد الكون لانه لايحترم منطق الإنسان, وانقد الحياة لاني اعيشها بمعاناة - بتفاهة, بلاشروط, بلا اقتناع, بلا نظرية.  
• إن كل دموع البشر تنصب في عيوني...ان كل أحزانهم تتجمع في قلبي...إن كل آلامهم تأكل أعضائي..ليس لإني قديس، بل لأني مصاب بمرض الحساسية...بمرض الإنتقال إلى الآخرين...إلى أحزانهم...إلى آلامهم...إلى آهاتهم المكتومة والمنطوقة...إلى عاهاتهم المكشوفة والمستترة.
• ما أفظع أن تكون مبصراً وقارئاً، ثم لا تكون حزيناً ولا ناقداً...
• إن الإنسان إذا عجز عن أن يكون كما يريد، راح يفعل ما لا يريد. انه اذا عجز عن الإنتصار ذهب يصنع الهزيمة.
• إن الحرب في كل صورها وظروفها، ليست إلا تفسيراً لانتصار الطبيعة على البشر. وان السلام هو التفسير المقابل لإنتصار البشر على الطبيعة.
• إن النصوص لا تفسر النصوص، ان الإنسان هو الذي يفسر النصوص...يفسرها بشهواته، وظروفه، ومصالحه، وقدرته..
• ما أوقحك وأكثر ذنوبك أيتها الشعارات...
• إن الحرب لا تعالج شيئاً، ولكنها تدمر أشياء...وهكذا الثورة، فهما أي الحرب والثورة في عصور التأخر لا يجلبان غير الآلام، أما في عصور الحضارات الكبيرة فإنهما تعرضان نفسيهما عرضاً خادعاً، مزوراً بأزياء وأسلحة وعضلات، ليست بأزياءهما ولا عضلاتهما ولا اسلحتهما. إنهما حينئذ تركبان جياداً ليست جيادهما، وتلبسان حللاً ليست من صنعهما.
• إن مزية روسيا ليست في نظامها الإجتماعي، ولا في إسقاط  قياصرتها الطغاة...ان روسيا ليست عظيمة لأنها شيوعية. ولكن لأنها مبدعة.
• إن الثوار قوم كارهون لأنفسهم وظروفهم ومجتمعهم يعبرون عن هذه الكراهة بأسلوب يدعونه ثورة، ولهذا فإن أكثر الثوار ثورية لا بد أن يكونوا أكثر الناس كراهة وتنافراً مع أنفسهم ومع الآخرين.
• ان أشد الناس خوفاً من الحرية والتطور هم الذين انتصروا بالمؤامرات...هم الذين ارتفعوا فوق اكتاف التاريخ بالقفز عليه في الظلام.
• ما أقبحك يا عهد الثورات... ان النفاق يصبح فيك هو أسهل أساليب المقاومة...يصبح هو العزاء في شرف الإنسان.
• إن الناس في زمن الثورات، محتوم عليهم أن يؤمنوا، ومحرم عليهم أن يفهموا.
• إن الثائر يحاول أن يغير وضعه بحجة المحاولة لتغيير أوضاع الآخرين...إنه يغار لنفسه وينتقم لها، ثم يزعم أنه إنما يغار وينتقم للإنسان المظلوم، أو للإله المهجور في سمائه.
• لقد مات الإنسان...مات قبل أن يولد. وانه لا يزال يموت...انه يموت دائماً لأن الطغاة والثوار والمعلمين، يجربون عليه أنفسهم دائماً. انه لا يرفض أن يتعلم، وأنهم لا يملون أو يتعبون مهما استمرت التجارب.
• إني أخاف الثورات، لأني أخاف على مستويات الحرية والذكاء والكرامة...لأني أخاف على المعارضة الشجاعة والتمرد الخلاق...لأني أخاف أن يموتا...أن يقتلهما الثوار.
• إن آفة كل دكتاتور مهما كان صغيرا أنه يريد أن يكون الطبيب العالمي للتاريخ...انه لا يستطيع أن يكون في حسابه لنفسه عظيماً إلا إذا كان كل من كان قبله حقيراً. ان مجده يعني حقارة من سواه...ان حقارة من سواه تعني مجده، تعني تفرده بالمجد.
• الخائفون جداً لا يستطيعون أن يكونوا أذكياء ولا رافضين لأي أسلوب من أساليب الغباء. إن الخائف وعاء مفتوح لإستقبال كل الحماقات والغباوات...لإستقبال كل المجانين والطغاة والأنبياء الكذبة. لعل أكثر مخاوف البشر التاريخية، انما صنعها هؤلاء الذين ابتكروا الخوف من الجحيم والشيطان والآلهة.
• إن الحاكم الذي ينقد نفسه، ثم يعاقب من ينقدونه، لهو مثل من يتعرى في الطريق العام، ويعلن تعريه، ثم يفقأ من ينظرون اليه، أو يفقأ عيون كل الناس لئلا ينظروا اليه.
• إن الدكتاتور لا يعني حينما يتحدث عن أخطائه، إلا ان يتحدث عن اخطاء مجتمعه، عن أخطاء التاريخ، عن أخطاء الكون. فهو إنما يمجد نفسه ــ بأسلوب المتواضع ــ حينما يتهمها بذنوب غيرها..
• إن الدكتاتور يحاول أن يحول الكون كله إلى طبول تدق وتدق...في كل مكان باسمه وبمجده...تدق فوق النجوم وتحت الأرض، وعلى كل اتجاه...تدق في مسامع كل الحاضر وفي مسامع الآتي.
• الحاكم الفاسد يعادي من يعارضون، أما الحاكم الاله فانه يصلب من يفكرون...
• ان الإنتخابات في عهد الدكتاتور ليست سوى عملية بالإكراه للإعتراف بشرعية بقائه...
• إنه لا يوجد في التاريخ محتكر أبشع من الدكتاتور. ان الدكتاتور لا يحتكر الأشياء وحدها، انه يحتكر الأفكار والعقائد، وخلجات النفس، وحرية النقد والرؤية، انه يحتكر البذاءة والجنون.
• أيها المجد، أيها الخلود. كم أنتما قاتلان... كم أنتما لصان. يا مجد الأصنام، يا خلود الأصنام متى يصلبكما الإنسان... متى يحاكمكما على كل ذنوبكما...؟
• أيتها اللغة، يا لغة العرب يا لغة الإعجاز والتحدي، يا لغة الكتاب المتحدي...كم أنتِ مذنبة...كم أنت معجزة...كم أنت معجزة مذنبة يا لغة العرب...يا لغة الإعجاز، يا لغة التحدي.

=======================================
▬ إن قراءة التاريخ لا تجدي في اتقاء الأخطار والآلام، انها لا تجدي في معرفة الأخطاء والآلام. ان أخطاء وآلام من لم يقرأ التاريخ، ليست أعظم من أخطاء من قرأه. ان القراءة ليست وسيلة من وسائل اتقاء الأخطاء والألم. انه لا يمكن أن يرى الإنسان نفسه من خلال التاريخ، أو من خلال الآخرين، انه يرى العكس، انه ليس للتاريخ قوة أخلاقية أو وعظية أو عقلية. ان التاريخ يعيش فينا ولكننا لا نتعلم منه. اننا لو كنا نستطيع ان نتعلم من التاريخ لتحولنا في تفكيرنا وسلوكنا وعواطفنا إلى أجهزة معصومة من الخطأ والألم والفساد. ولكن التاريخ مع ذلك ليس أسلوباً واحداً أو صيغة واحدة، فإذا عرفنا اسلوباً واحداً من أساليبه، أو صيغة واحدة من صيغه المتناهية، فهل يجعلنا ذلك عارفين لكل اساليبه وصيغه؟ صــ45

▬ قد تتحول كل عبقرية العرب ومحاولاتهم للاصلاح والتغيير وآمالهم فيهما، إلى ثورات عسكرية. قد يظلون يرون أن السيف أصدق أنباء من الكتب والعلم، ومن كل المزايا الإنسانية الأخرى...قد يظلون يرونه العلاج الدائم، من كل تخلف وفساد، وظلم وجهل...قد يظلون يرون أنهم كلما عجزوا عن التغيير العظيم، وعن التلاؤم مع الإحتياجات الكبرى الجديدة، فالحل أن يقوموا بثورة عسكرية لكي يهربوا من عجزهم، ليغطوا بالسلاح والضجيج، والمحاكمات والإتهامات الكبرى، ولكي يظلوا زمناً طويلاً ينتظرون أن يتحول السيف إلى حضارة وعبقرية، وانتصار على الجهل والتخلف، ولكي يتحدثوا كل الوقت عن أمجاد ثورتهم، وعن بركتها...صــ53

▬ إنه لا يمكن أن تكون ثورة بدون أصوات عالية. ان الأصوات العالية تستهلك حماس الإنسان وطاقته...انها تفسد قدرته على الرؤية والتفكير والسلوك الجيد. ان الأصوات العالية هي الثمن السخي الذي تهبه الثورات للمجتمعات التي تصاب بها. ان الأصوات العالية هي العقاب الغوغائي الذي تعاقب به كل ثورة اعصاب ووقار مجتمعها، وأحياناً أعصاب ووقار المجتمع العالمي. وان الأصوات العالية هي هدية كل ثورة للمشاكل الصعبة. صــ104

▬ الثوار دائماً يتحدثون عن نقيض ما يعطون. انهم يتحدثون عن الحرية والإستقامة وهم أقوى أعدائها...وعن الصدق وليس في البشر من يعاقبون الصادق، ومن يمارسون الكذب ويجزون بالكاذبين مثلهم...وعن حقارة النفاق وهم أحسن من يزرعونه، ويستثمرونه ويتعاملون عليه...وعن الرخاء، مع أنهم أذكى من يبتدعون جميع أسباب الافقار والأزمات والحرمان... وعن التقدمية وهم أعتق البشر رجعية، انه لا مثيل لهم في الخوف من التغيير الذي لا يهبهم تسلطاً وطغياناً... ويتحدثون عن العدل والحب وهم يعنون بها تخويف كل الطبقات وتسخيرها وقهرها وسوقها لمصلحة كبريائهم وأحلامهم...صــ107

▬ إنني كلما رأيت زياً عسكرياً، أشعر اني لا أرى إلا إعلاناً بذيئاً مربوطاً بإنسان أسمعه ينادي: أنا وحش...أنا  قاتل...أنا مخرب...أنا صانع الأيتام...صانع الأرامل...صانع الدموع...أنا حشرة باهظة التكاليف...أنا حشرة عالمية...أنا كل ذلك...أنا أكثر من ذلك، وأوقح من ذلك...أنا الجميل الدميم...أنا المحترم المحتقر...أنا القوي الضعيف، المنتصر المهزوم...أنا القاتل الذي يمشي متبختراً فوق المجتمع، حاملاً زي القتل، حاملاً أدوات القتل وشعاراته...أنا القاتل الذي تعده كل المجتمعات، وتفاخر به كل المجتمعات...أنا صانع الإنتصارات، التي هي هزائم للإنسان...أنا صانع الهزائم دائماً...أنا صانع الهزائم حينما أنتصر، وصانع الهزائم حينما أنهزم...أنا دائماً الموت، والخراب والخوف، والبذاءة...صــ125

▬ إن المجتمعات في الغالب تؤمن بالذين يعلمونها الكذب والغواية والبغض والحماقات لا بمن يعلمونها الحب والحقيقة والصداقة والعقل: ان الأكاذيب أقوى سحراً من الحقائق...ان المهرجين الصارخين، يعطون الجماعات الفرصة لكي تريح آلامها واعصابها، أوحرمانها اعظم مما يعطيها العقلاء والمتوقرون. ما اسخف العقل حيث يطلب الجنون...ما أسخف الإتزان في مخاطبة الجماهير، في قيادتها. ان الإعتدال والصدق والوقار ، قيود لا تطيقها الجماهير. ان الجماهير تجد في الأكاذيب والمبالغات والتحويمات، تعويضاً لها عن فقدها وعجزها وحاجتها. كل الناس يحتاجون إلى تعويض ولو بالكذب، ولو بالإحتلام، ولو بالشتائم والحقد. صــ132

▬ إن الدكتاتور يلقي بثقل دعايته كله على مخاوف جماهيره وأحقادها، فيملؤها بالأعداء المتربصين، ويملؤها بمؤامراتهم وخياناتهم التي لا تنتهي...إنه يضيق عليها الجو بالأشباح والأبالسة...انه يظل يحدثها بأعلى الضجيج عن أخطار هذه الأشباح والأبالسة...يحدثها عن الخطط الكبيرة التي توضع في الظلام لإغتصاب الحياة والسعادة من الجماهير، وللقضاء على منقذها العظيم...يحدثها عن الإستعدادات المضادة، التي يحكم وضعها لتحقيق الإنتصارات التي لا ريب فيها. صــ140

▬ إن الدكتاتور يعشق التاريخ الذليل المهزوم الملوث. انه يكره التاريخ النظيف العزيز الكريم...ان ذلك تحقير له، ورفض لتفرده...انه لهذا لا بد أن يزور ما كان...انه قد يود أن يحرق جميع الوثائق التي تناقض هذه الغاية، اذا لم يجد وسيلة أخرى...انه يبدأ به التاريخ، ان يبدأ به الإنسان، ان تبدأ به كل عبقرية...انه يريد أن يكون البدء. ان الدكتاتور انسان عاشق لعار التاريخ...انه يريد أن يكون كل شيء، فضائح وهوانا، وخيانه وعفونة...انه يريد أن يكون وحده المعالج المقوم، المدعي لأبوته وأمومته ونسبه. ان آفة كل دكتاتور مهما كان صغيراً وضئيلاً أنه يريد أن يكون الطبيب العالمي للتاريخ...صــ150

▬ لقد كان المفروض أن يكون دعاء المؤمنين: "اللهم لا تنصرنا ولا تنصر علينا...اللهم لا تنصر أحد على أحد...اللهم لا تجعل لنا أعداء لنطلب منك النصر عليهم...اللهم لا تجعلنا أعداء لأحد ليطلب اليك ان تنصره علينا... انه لظلم لا يليق بك... انها الحقارة، تترفع عنها صفات الأرباب أن تخلق الناس لتجعل منهمم منتصرين وتجعل منهم منهزمين... انها هرطقة ووحشية منا أن نتصور ذلك في أخلاقك...انها لهرطقة ووحشية، أن ندخلك في معاركنا الصغيرة الظالمة الوقحة، ذات الأهداف والحوافز السخيفة".إن على البشر جميعاً أن يغيروا من صلواتهم التي يوجهونها إلى الله. لقد تحضروا فعليهم أن يتحضروا في تصورهم للإله، وفي مطالبتهم له، وضراعاتهم اليه. انه لذنب كبير أن يظلوا يدعونه باللغة التي كانوا يدعونه بها أيام بدواتهم.صــ184


▬ لقد كان للعرب إله، لقد كان لهم إله تحول إلى كلام، إلى كلام تنزل على نبي، نبي حوله إلى كتاب. لقد أصبح إله العرب كتاباً، لقد أصبح كلاما... حتى الإله لقد أصبح كلاما... أصبحت قدرته وتعامله معهم كلاماً. ان مجد العرب كلام...ان معجزات نبيهم كلام...ان صفات الههم كلام...ان تقديرهم اذن للكلام تقدير فيه كل معاني التدين، وشطحات الصوفية المتنازلة عن كل حقوقها في المنطق، وفي احترام السلوك، وضبط الذات بأي مستوى من مستويات الضبط.  [...] كأن الكلام عندهم إنما هو مقدرة على الكلام.. صــ209

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

بحوث غير مألوفة (برتراند رسل)


• يتميز البريطانيون بين أمم أوروبا المعاصرة من جهة بتفوق فلاسفتهم، ومن جهة أخرى احتقارهم للفلسفة. وفي الناحيتين يبنون حكمتهم.
• مدينة أفلاطون هي نسخة عن المدينة الخالدة التي وضعت أسسها في السماء، ولربما استطعنا في السماء أن نتمتع بنوع من الوجود الذي تعرضه لنا، ولكن إذا لم نستطع التمتع به على سطح الأرض فهذا أسوأ النتائج.
• يجب علينا أن نأمل بأن من الممكن ان تسود نظرة اكثر عقلانية لأننا نستطيع فقط بإحياء التجربة الليبرالية والتسامح بأن نجعل العالم باقياً على قيد الحياة.
• النظرة التجريبية للمعرفة - التي أعتقد بها مع بعض التحفظات - هي في منتصف الطريق بين العقائدية والشكوكية.
• إذا كان من المشكوك به أن يذهب الضالون أو الهراطقة إلى جهنم فإن الحجة في التعذيب لا تساوي أي قيمة.
• إن شيئاً من الفلسفة هي ضرورة للجميع ما عدا أولئك الذين خلوا من كل فكر، وفي غياب المعرفة تصبح هذه الفلسفة بصورة أكيدة فلسفة حمقاء.
• الدوغمائية أو التعصب هي عدو للسلام وحاجز لا يمكن تجاوزه ضد الديمقراطية. وفي الوقت الراهن، كما في الأزمنة السابقة على الأقل، أصبح التعصب أكبر عقبة ذهنية للسعادة البشرية.
• الدوغمائية المتعصبة والشكوكية كلاهما، في معنى من المعاني، فلسفات مطلقة، أحدهما واثق من المعرفة، والآخر واثق من عدم المعرفة.
• علينا أن نكون حذرين ضد ثلاثة مخاطر: 1-نهاية أو انقراض الجنس البشري. 2- الردة إلى البربرية. 3-تأسيس دولة كلية من العبيد تنطوي على شقاء الاكثرية الساحقة، واختفاء كل تقدم في المعرفة والفكر.
• الشك الأول لديكارت كان بما أعتقد، حقيقياً بمقدار ما يكون كذلك في رجل اضاع طريقه، ولكنه كان يقصد به أيضاً أن يحل محله اليقين في أقرب برهة ممكنة.
• إن بعث الجسد الذي هو مادة من عقيدة الرسل، هي اعتقاد تنتوي على كثير من النتائج الغريبة..
• إن أُلئك الذين يفكرون بجد بأن الخطيئة عصيان لله مجبرون على القول بأن الله ليس قادراً على كل شيء.
• إن العلم الذي وجب عليه دائماً أن يشق طريقه ضد العقائد الشائعة، يخوض الآن واحدة من أصعب المعارك في حقل علم النفس.
• الناس الذين يحسبون أنهم يعرفون كل شيء عن الطبيعة البشرية هم دائماً وبدون أمل في خضم من الأوهام حينما يعالجون أي حالة شاذة.
• أولئك الذين يُعاقَبون قلما يتعلمون أن يشعروا شعوراً حسناً نحو ألئك الذين يعاقبونهم.
• العقائد تبتديء في الطبقات الإجتماعية العليا، ثم تغرق كالوحل في نهر بالتدريج إلى أسفل في السلم التربوي، وقد تحتمل ثلاثة آلاف أو اربعة آلاف من السنين لتغرق تماماً.
• أنا لا أثق بجميع التعميمات الشاملة عن النساء التي تتميز لهن أو لا تتميز، سواء كانت من الذكور أو الإناث، أو قديمة أو حديثة، وكل ذلك معاً ناجم عن الإفتقار إلى التجربة.
• لنتجنب مختلف الآراء الحمقاء التي تتعرض لها البشرية، ليس ثمة حاجة إلى عبقرية تفوق العقل الإنساني. فبضع قوانين بسيطة ستحفظك، لا من الأخطاء بل من الأخطاء الحمقاء.
• الظن بأنك تعرف بينما أنت في الواقع لا تعرف هو خطيئة فادحة، نتعرض لها كلنا..
• أكثر أنواع الجدل وحشية هي التي تتعلق بأمور ليس لها دليل طيب في كلا الحالتين. فالتعذيب يُستعمل في اللاهوت، لا في الحساب، لأن في الحساب معرفة، ولكن في اللاهوت رأياً فقط.
• الخوف هو المنبع الرئيسي للخرافة، وأحد المصادر الرئيسية للقسوة. وقهر الخوف هو بداية الحكمة في التنقيب عن الحكمة، وكذلك في المسعى لإيجاد طريقة ذات قيمة في الحياة.
• إن تعليم الدولة هو ضروري بشكل واضح، ولكن من الجلي أيضاً أن هذا النوع من التعليم ينطوي على بعض المخاطر التي يجب أن تتوفر فيها بعض التحفظات.
• المدرسون هم أكثر من أي طبقة أخرى حراساً للحضارة. فيجب أن يدركوا بصورة صميمية ماهية الحضارة، وأن يكونوا راغبين بإضفاء موقف حضاري على تلاميذهم.
• لا يستطيع إنسان أن يكون مدرساً جيداً إلا إذا انطوى على مشاعر من المحبة الحارة ازاء تلاميذه وعلى رغبة حقيقية أن يمنحهم ما يعتقده هو نفسه بأنه ذو قيمة.
• إن المدرس، كالفنان، والفيلسوف، والأديب، يستطيع أن ينجز عمله بشكل ملائهم إذا شعر بأنه فرد يقوده حافز باطني مبدع لا تقيده ولا تسيطر عليه سلطة خارجية.
• لقد كان لسيطرة الذكور بعض النتائج المؤسفة. فقد جعلت أهم علاقات وثيقة بشرية، وهي علاقة الزواج، علاقة سيد وعبد، بدلاً من أن تكون بين شريكين متساويين.
• معرفة الحقيقة هي أصعب بكثير مما يحسب الناس، والعمل بالعزيمة الصارمة على أساس الإعتقاد بأن الحقيقة هي احتكار طرفهم، هي بمثابة دعوة للكارثة.
• ربما وأنا أكتب أكاد لا أجرأ بأن آمل، في أن تكون القنبلة الهيدروجينية، عاملاً في إخافة البشر وجعله يلجأ إلى العقلانية والتسامح. فإذا حدث هذا فسيكون لنا سبب نتذرع به لمباركة مخترعيها.

=================================================
▬ النظرية الحديثة للذرة هي حقيقة براجماتية لأنها مكنتنا من بناء قنابل يدوية: ونتائجها هي ما يسميه الذرائعيون بظن أمراً مرضياً. ولكن ليس من غير المحتمل بأن نظرية أخرى مختلفة قد توجد مع الزمن وتعطي تفسيراً أفضل للحقائق المشاهدة. والنظريات العلمية هي مقبولة كفرضيات مفيدة توحي بالقيام بتنقيب أقصى، وأن فيها عنصراً من الحقيقة تستطيع بواسطته أن توحد أو تدغم المشاهدات الموجودة، ولكن ليس ثمة رجل عاقل يعتبرها كاملة بصورة ثابتة. صــ28

▬ إن عالمنا المضطرب والصعب يحتاج إلى أشياء كثيرة إذا أُريد له أن ينجو من الكارثة، وبين هذه الأشياء الأكثر ضرورة أن الأمم التي لا تزال تتمسك بالعقائد الليبرالية يجب أن تصبح هذه العقائد لها حميمية في القلب وعميقة، لا مدافعة عن العقائديات في اليمين أو اليسار، بل مقتنعة بعمق بقيمة الحرية، والتحرر العلمي، والإحترام المتبادل بين الناس؛ لأنه بدون هذه الحقائق يصبح من المتعذر أن يكون كوكبنا هذا الموحد تقنياً والمنقسم سياسياً أن يبقى على قيد الحياة. صــ31

▬ التأمل الفلسفي فيما لا نزال لا نعرف قد بين بأنه ذا قيمة اولية للمعرفة العلمية المضبوطة. فظنون الفيثاغورسيين في الفلك، وأناكسيمندر في التطور البيلوجي، وديموقريطس في تركيب المادة الذري، زود رجال العلم فيما بعد من الأزمنة بفرضيات، كانت لولا الفلسفة متعذرة الوصول إلى أفهامهم. ويمكننا القول بأن الفلسفة من الناحية النظرية على الأقل، جزئياً، تنطوي على وضع أطر للفرضيات الشاملة الكبرى الذي لم يستطع العلم حتى الآن تجربتها وقياسها، ولكن حتى يصبح في الإمكان تجربة هذه الفرضيات، تصبح عندما يتم تحقيقها، جزءاً من العلم ولا تعود محسوبة "كفلسفة". صــ35

▬ إذا ظلت أمريكا والإتحاد السوفييتي على قيد الحياة كدولتين منظمتين، فسيتحاربان مرة ثانية فوراً. وإذا انتصر الجانب الواحد فسيحكم العالم، وأن حكومة موحدة من البشرية ستظهر إلى عالم الوجود، وإلا فقد تفنى البشرية أو الحضارة على الأقل. وهذا لا بد أن يحدث إذا افتقرت الأمم وحكامها إلى الرؤية البناءة. صــ47

▬ لقد حددت الفلسفة بأنها "محاولة عنيدة خارقة للتفكير بوضوح"، وإنني لأفضل أن أحددها "بأنها محاولة ذكية بصورة خارقة للتفكير بخطأ". ومزاج الفيلسوف نادر الوجود، لأنه يجب أن يضمن صفتين متضاربتين إلى حد ما: من جهة رغبة قوية للإعتقاد برأي شامل عن الكون أو الحياة الإنسانية، ومن جهة أخرى، العجز عن الإعتقاد بصورة مقنعة إلا فيما يظهر بأنه من الأسس الفكرية. وكلما كان الفيلسوف عميقاً، لا بد أن تصبح أكاذيبه أكثر تعقيداً ومهارة وذلك لكي تحدث فيه حالة القبول الفكري المرغوب فيه.. ولهذا السبب كانت الفلسفة غامضة. صــ55

▬ الإنسان حيوان عاقل-هكذا على الأقل ما أُخبرت به. وطيلة حياة طويلة، قد فتشت بإجتهاد عن دليل لدعم هذا القول، ولكنني حتى الآن لم يرافقني الحظ بالعثور عليه، مع أنني فتشت عنه في كثير من الأقطار المنتشرة في ثلاث من القارات وبالعكس، رأيت العالم يغرق في بحر من الجنون. صــ79

▬ إنني لأشعر بالصدمة من تجديف أولئك الذين يحسبون أنفسهم أتقياء-كالراهبات مثلاً، اللائي لا يستحممن دون ان يتسربلوا ثياب الإستحمام. وحينما يُسألون، لماذا، إذ ليس ثمة رجل يراهنّ، يجبن: "ولكنك تنسى الإله الطيب". وفي الظاهر يتصورن الإله كــ توم Tom الذي يسترق النظر الذي تمكنه قوته المطلقة من أن يرى مجتازاً جدران الحمام، ولكنه يفشل من دثار الحمام. وهذه النظرة تدهشني لغرابتها. صــ83

▬ حينما نهجر عقولنا، ونعتمد على النصوص المنقولة، فليس ثمة نهاية لإضطرابنا. وأي نص منقول؟ العهد القديم؟ العهد الجديد؟ القرآن؟ من الوجهة العملية، يختار الكتاب الذي يعتبر مقدساً من قبل المجتمع الذي يولودون فيه ومن هذا الكتاب يختارون الأجزاء التي تروق لهم، ويتجاهلون الأجزاء الأخرى...صــ89

▬ في إحدى الفرص جاءني رجل يطلب مني أن أوصيه ببعض كتبي، لأنه كان معنياً بالفلسفة. فعلت ذلك، ولكنه عاد في اليوم التالي قائلاً بأنه كان يقرأ واحداً من هذه المؤلفات فوجد عبارة واحدة فقط أمكنه فهمها، وأن عبارة أخرى بدت له خاطئة. وسألته ما هي، فقال: هي العبارة التي تنص على أن يوليوس قيصر ميت. وقلت له لماذا لا توافق على ذلك، فأصلح قامته وقال:"بأنني انا يوليوس قيصر". وهذه الأمثال قد تكفي بأنك لا تستطيع أن تتاكد من أنك على حق في كونك شاذاً في الوقت نفسه. صــ104

▬ أرسطو، بالرغم من شهرته، مليء بالسخافات. فهو يقول بأن الأطفال يجب أن تحمل بهن النساء في الشتاء، حينما تكون الرياح بإتجاه الشمال، وأن أولئك الذين يتزوجون في سن صغيرة جداً يكون أولادهم من الإناث. وهو يخبرنا بأن دم الإناث هو أكثر سواداً من دم الذكور، وأن الخنزير هو الحيوان الوحيد المعرض للحصباء، وأن فيلاً يتألم من الدرق يجب أن  تفرك كتفاه بالملح، وزيت الزيتون، والماء الساخن، وهلمجرا. ومع ذلك، فهو يُعتبر من الأكثرية الساحقة من فلاسفة أسطون الحكمة. صــ106

▬ كن يقظاً جداً من الآراء التي تطري اعتبارك الذاتي، فكلا الرجال والنساء، بنسبة تسع مرات إلى مرة واحدة، مقتنعون بثبات بالتفوق العالي لجنسهم. وثمة غريزة لكلا الجانبين. فإذا كنت رجلاً، يمكنك أن تشير بأن معظم الشعراء ورجال العلم هم من الذكور، وإذا كنت إمرأة، يمكنك أن تجيب  وكذلك معظم المجرمين هم من الرجال. والمشكلة هي بطبيعتها غير قابلة للحل، ولكن التقيم الذاتي يخفي ذلك عن معظم الناس. نحن كلنا، ومن أي جزء من العالم اتينا، قانعون بأن أمتنا هي متفوقة على سائر الأمم. وبإعتبار أن كل أمة لها مزاياها النوعية، فإننا نكيف معيار قيمنا بشكل يجعل المزايا التي تمتلكها أمتنا هي المزايا المهمة حقاً، بينما تكون النقائص تفاهة بالمقارنة بها...صــ112

▬ الخرافات ليست دائماً مظلمة أو قاسية، فهي كثيراً ما تضيف المرح للحياة. وقد تلقيت ذات مرة مكالمة من الاله أوزِيريس، وأعطاني رقم هاتفه، وقد كان يعيش آنئذ في ضاحية من ضواحي بوسطن. ولم أسجل نفسي بين عباده، ولذا فإن رسالته قد أكسبتني سروراً. وكثيراً ما تلقيت رسائل من أُناس يعلنون عن أنفسهم بأنهم المسيح، ويحثونني على أن لا أقصر في ذكر هذا الأمر الهام في محاضراتي. صــ117


▬ وبين الفلاسفة البارزين، بإستثناء رجال لا يزالون أحياء، فقد كان أكثرهم تأثيراً، شخصياً عليّ، وليم جيمس. هذا بالرغم من صفة طبيعية تامة وخلو من كل وعي ظاهر بأنه رجل عظيم. ولا تجعله أي درجة من الشعور الديمقراطي والرغبة بان يدمج نفسه في القطيع العادي، لا تجعل منه أي شيء سوى أرستقراطي كبير، ورجل تبعث مزاياه الشخصية على الإحترام. صــ171

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الدولة اليهودية (تيودور هرتزل)


• إن الفكرة التي طورتها في هذا الكتيب فكرة موغلة في القدم، هي فكرة استعادة الدولة اليهودية. إن العالم يردد صيحات صاخبة ضد اليهود، وهذه الصيحات هي التي أيقظت الفكرة من سباتها.
• إن كل إنسان يستطيع أن يرى بنفسه أن عناصر الفكرة التي أقوم بالتخطبط لها ليست موجودة فحسب ولكنها حقاً ظاهرة للعيان. ومن ثم المحاولة لحل المشكلة اليهودية يمكن وصفها بكلمة واحدة "توليفة"، ولكنها ليست بالتأكيد خيالاً.
• إن كل شيء يعتمد على قوتنا الدافعة..ولكن ما هي قوتنا الدافعة؟ إنها بؤس اليهود؟ فمن يجرؤ على إنكار وجوده؟
• كلنا يألف ظاهرة قوة البخار التي يولدها الماء الذي يغلي فيرفع غطاء الغلاية، هذه الظاهرة الخاصة بغلاية الشاي هي محاولات الصهاينة والجمعيات الصهيونية لكبح جماح العداء للسامية.
• لن أطيل في وصف جمالي مفصل لمشروعي خشية إثارة الشك في أنني أؤلف يوتوبيا وعلى أي حال فإنني أتوقع أن بعض الساخرين الذين لا فكر لهم سوف يصورون مشروعي بصورة هزلية، وبذلك يحاولون إضعاف أثره.
• إن الدولة اليهودية ضرورية للعالم ولذلك فسوف تقوم.
• إن اليهود الذين يريدون الدولة اليهودية ستكون لهم، وسوف يستحقونها.
• قد تبلى فروع كثيرة من اليهودية وتسقط، أما الجذوع فإنها تبقى ثابتة.
• لقد ظل اليهود يحلمون هذا الحلم الملكي خلال الليالي الطويلة من تاريخهم. "العام القادم في القدس" إنها عبارة قديمة. المشكلة الآن أن يتحول هذا الحلم إلى واقع حي.
• هل أصبح علينا الآن أن نرحل؟ وإذا كان الأمر كذلك فإلى أين؟ أم لا يزال أن نبقى؟ وإذا كان كذلك فلأي فترة من الزمن؟
• إن العداء للسامية بين الشعوب يتعاظم يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، وهي حرية بأن تتعاظم حقاً، لأن أسباب نموها مستمرة في الوجود ولا يمكن إزالتها.
• لا ينبغي أن نتصور أن رحيل اليهود سيكون رحيلاً مفاجئاً، وإنما سيكون رحيلاً تدريجياً ومستمراً على مدى عقود من الزمان.
• لا يصح لنا أن نأخذ رمحاً وحربة ونخرج أفراداً وراء الدببة، بل ينبغي أن ننظم مجموعة قوية من الصيادين، فنسوق الحيوانات لنجمعهم في مكان واحد ثم نقذف في وسطهم قنبلة مدمرة.
• إن المهاجرين الذين يقفون في أسفل السلم الإقتصادي سوف يتبعهم ببطء أولئك الذين هم أفضل منهم حالاً.
• هناك الآن منطقتان موضوعتان في الإعتبار: فلسطين والأرجنتين. ففي كلا البلدين هناك تجارب استعمارية هامة، ولكن على أساس مبدأ خاطيء من التسلل التدريجي لليهود وهو تسلل من شأنه أن ينتهي نهاية سيئة.
• هل نختار فلسطين أم الأرجنتين؟ إننا سنأخذ ما يعطي لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي، وسوف تقرر الجمعية كلا الأمرين.
• أما فلسطين فإنها وطننا التاريخي الذي لا تُمحى ذكراه، إن إسم فلسطين في حد ذاته سيجتذب شعبنا بقوة ذات فعالية.
• نحن نريد أن تكون أجيالنا القادمة قوية سواء من الرجال أو النساء. وسوف نعلم الأطفال كما نريد منذ البداية..
• إن أرض الميعاد هي أرض العمل..
• إن الملكية الخاصة-التي هي الأساس الإقتصادي للإستقلال-سوف تنمو بحرية سوف نحترمها. وسوف تكون الفرص متاحة فوراً لعمالنا الأوائل غير المهرة أن يجتهدوا في الصعود إلى الملكية الخاصة.
• هذا الكتيب معني بفتح باب المناقشة في "المشكلة اليهودية"، وسيشترك في هذه المناقشة الأصدقاء والأعداء على السواء. ولكني آمل ألا تأخذ المناقشة شكل السباب العنيف أو التبرير العاطفي، بل مناظرات ذات طابع علمي جاد وسياسي.
• لقد ذكرت من قبل أن أول أهدافنا هو السيادة - التي يضمنها لنا القانون الدولي - على قطعة من الأرض ذات مساحة كبيرة كافية لتحقيق متطلباتنا العادلة.
• كل إنجاز اجتماعي أو تكنولوجي في عصرنا هذا أو في العصر القادم - أمام التنفيذ البطيء لمشروعي - ينبغي توظيفه لهذا الهدف. وكل اختراع ذي قيمة سواء كان موجوداً الآن أو سيوجد في المستقبل، ينبغي الإستفادة به.
• إن المُعاناة المشتركة بسبب العداء للسامية هي سبب تجمع اليهود وتوحدهم.
• إن الحياة الجديدة يمكن أن تمنح الشخص روحاً جديدة، حتى المجرمين. وعندنا من هؤلاء عدد قليل نسبياً.
• لو أن رجلاً كان يعيش في القرن الماضي عاد إلى الأرض اليوم، فسوف يجد الحياة الحاضرة حافلة بسحر يستعصي عليه فهمه. فحيثما يظهر الرجل مع اختراعاتنا، فإننا نحول الصحراء إلى حديقة.
• إنني أعتقد أن اليهود سيكون لهم دائماً قدر كافٍ من الأعداء كأي أمة أخرى، ولكن حينما يصمدون في أرضهم الخاصة فلن يمكنهم بعد ذلك أن يفترقوا في العالم.
• إن تشتت الأمة لن يحدث مرة أخرى، إلا إذا انهارت حضارة العالم بأسره. ومثل هذا الإنهيار لا يخشاه إلا أُناس أغبياء. إن حضارتنا الحالية تملك أسلحة قوية تكفي للدفاع عن نفسها.
• ربما سيكون علينا أن نحارب أولاً ضد كثير من أبناء جنسنا، من أصحاب الأفق الضيق والقلوب العليلة والتوجهات الفاسدة.
• صحيح أن الإضطهادات لم تعد من الخبث بمكان كما كانت في العصور الوسطى، وإنما حساسيتنا هي التي تزايدت حتى أصبحنا لا نشعر بتضاؤل المعاناة. لقد أنهكت اعصابنا الإضطهادات الكثيرة على مر العصور.
• فيا إخواننا اليهود هذه هي "أرض الميعاد"! لا أسطورة هي ولا خدعة. وكل إنسان يستطيع أن يختبر حقيقتها بنفسه، لأن كل إنسان سيحمل معه قطعة من أرض الميعاد: بعضها في رأسه، وبعضها بين ذراعيه، وبعضها في ملكيته المكتسبة.

===================================================
▬ إنني على يقين تام أنني على حق وإن كنت أشك فيما إذا كنت سأبقى حياً لأري الأيام تبرهن على ذلك، أما ألئك الذين سيكونون أو من يفتتح هذه الحركة فمن النادر أن يبقوا على قيد الحياة ليشهدوا نهايتها العظيمة، ولكن افتتاحها في حد ذاته يكفي لمنحهم الشعور بالفخر والسعادة بالتحرر الروحي. صــ2

▬ إن الذين يرغبون بصدق أن يروا اليهود يذوبون في بوتقة واحدة مع الشعوب الأخرى ليس أمامهم غير طريق واحد، هو أن يمتلك اليهودي باديء ذي بدء قوة اقتصادية تمكنهم من التغلب على التحيز الإجتماعي القديم الذي يُمارس ضدهم. ولعل وضع الطبقة العليا من اليهود أصدق تعبير على ذلك حيث يحدث الزواج المختلط بين أفرادها بنسبة أكبر. لقد انقرضت بالتدريج تلك الأسر اليهودية التي استعادت بأموالها مكانتها العالية السالفة. ولكن أي شكل تأخذه هذه الظاهرة في الطبقات الوسطى حيث يكون اليهود طبقة برجوازية فإن المسألة اليهودية تطرح نفسها بحدة. صــ8

▬ ما الذي يمكن اكتسابه بنقل بضعة آلاف من اليهود إلى دولة أخرى؟ إنهم إما أن يُصابوا بالفشل على الفور، أو يكون النجاح حليفهم، وفي هذه الحالة فإن نجاحهم هذا سيولد العداء للسامية. لقد ناقشنا الآن هذه المحاولات التوجيه اليهود الفقراء إلى مناطق جديدة، ومن الواضح أن هذا التوجيه غير كافٍ ولا طائل من ورائه، إذا لم يكن في الحقيقة محبطاً للنتائج المرجوة، لأن ما يفعله هو مجرد إطالة الحل أو تأجيله، ولربما يكون سبباً في تفاقم المشكلات. صــ14

▬ إن إقامة دولة جديدة ليس أمراً يدعو للسخرية ولا هو مستحيل. لقد شاهدنا في أيامنا الحالية هذه العملية تتم بين شعوب ليست بشكل كبير من الطبقة الوسطى وإنما أكثر فقراً وأقل تعليماً وبالتالي أصعب منا. إن الحكومات في جميع البلاد التي اُنتُقِدَت بسبب العداء للسامية سوف تكون حريصة على مساعدتنا في الحصول على السيادة التي نريدها. صــ17

▬ لقد حققت الثورة الفرنسية نتائج مماثلة شيئاً ما، على نطاق أضيق، ولكن هذه النتائج جاءت عن طريق حمامات الدم تحت المقصلة في كل مقاطعة من فرنسا، وفي ميادين الحرب في أوروبا. وعلاوة على ذلك فقد دمرت الحقوق الموروثة منها والمكتسبة، ولم يتمتع بالثراء سوى أولئك الدهاة الذين اشتروا ممتلكات الدولة. سوف تقدم الشركة اليهودية إلى الحكومات - التي في مجال نشاطها - منافع مباشرة وغير مباشرة. فسوف تعطي الحكومات - كأول عطاء - ممتلكات اليهود المهجورة، وستتيح للمشترين أفضل الشروط، وسوف تكون الحكومات قادرة على الإستفادة من التخصيص الودي للأرض للقيام بإصلاحات اجتماعية معينة، وستعطي الشركة الحكومات والبرلمانات كل مساعدة لتوجيه الهجرة الداخلية للمواطنين المسيحيين. وسوف تدفع الشركة اليهودية أيضاً ضرائب جمركية ثقيلة، وسوف يكون مركزها الرئيسي في لندن حتى تكون في حماية قانونية لقوة ليست في الوقت الراهن معادية للسامية. صــ30

▬ إننا سنترك حتى لألئك الذين يتمتعون بأقل درجات الذكاء وهماً مواسياً بأنهم ذوو فائدة في هذا العالم؛ فسوف نوفر أعمالاً سهلة لأولئك العاجزين عن العمل العقلي، إذ يجب علينا أن نأخذ في اعتبارنا تضاؤل الحيوية في أجيال هدها الفقر. أما الأجيال المقبلة فستعامل بأسلوب آخر، إنهم سيربون على الحرية لحياة حرة. إننا سوف نسعى بالعمل لمنح الخلاص الأخلاقي للرجال من جميع الاعمار والطبقات، وهكذا يستعيد شعبنا قوته من جديد في الأرض ذات السبع ساعات عمل في اليوم. صــ40

▬ حقاً إن الدولة اليهودية يمكن تصور أنها تركيبة جديدة ومميزة، وعلى أرض غير محددة. إلا أن الدولة لا تتشكل بواسطة قطعة من الأرض، ولكن بواسطة عدد من الناس متحدين تحت سلطة سيادية. الشعب هو الأساس الذاتي للدولة، والأرض هي الأساس الموضوعي لها. والأساس هو أهم الإثنين. فعلى سبيل المثال هناك سلطة ليس لها أساس موضوعي على الإطلاق، وهي على الأرجح الأكثر إحتراماً في العالم، وأنا هنا أشير إلى السلطة البابوية. صــ47

▬ إن الشعب اليهودي محروم حالياً - بسبب وجوده في حالة الشتات - من إدارة شئونه السياسية بنفسه. إلى جانب ذلك فإن اليهود في حالة من العسر الشديد - قلت أو كثرت - في أجزاء شتى من العالم. إنهم يحتاجون - قبل كل شيء - إلى كفيل. هذا الكفيل لا يمكن بطبيعة الحال أن يكون فرداً واحداً. فإن مثل هذا الفرد إما أن يجعل نفسه موضوع سخرية، أو باعثاً على الإحتقار إذا بدا أنه يحقق مصالحه الخاصة. إن كفيل اليهود ينبغي أن يكون هيئة عامة، وتلك هي "جمعية اليهود". صــ49

▬ في أمريكا كانت طريقة إحتلال الأرض الجديدة المفتوحة طريقة بدائية، حيث يتجمع المستوطنون على الحدود، وفي وقت محدد يندفعون جميعاً في وقت واحد بعنف لإحتلال الجزء الذي يقدرون عليه. إننا لن نتبع هذا الأسلوب في الأرض الجديدة لليهود. فإن قطع الأراضي بالأقاليم والمدن ستباع بمزاد علني، وسيدفع ثمنها عملاً وليس نقداً. وستكون الخطة العامة قد اكتملت فيما يتعلق بالطرق والكباري ومحطات تزويد المياة وغيرها مما هو ضروري للتجارة. هذه كلها ستتوحد في أقاليم، وفي داخل هذه الأقاليم ستباع مواقع المدن أيضاً بالمزاد العلني. صــ51

▬ قد يرى البعض أن حاجتنا إلى لغة جارية مشتركة يمثل صعوبة. إننا لا نستطيع التخاطب بعضنا مع بعض باللغة العبرية، فمن منا لديه معرفة كافية ليطلب تذكرة قطار باللغة العبرية. مثل هذا الأمر لا يمكن حدوثه. ومع ذلك فالمشكلة يمكن التغلب عليها بسهولة. فكل شخص يمكنه أن يحتفظ باللغة التي تحمل أفكاره بيسر. وتقدم إلينا سويسرا برهاناً قاطعاً على إمكانية تعدد اللغات في اتحاد فيدرالي. سوف نبقى الوطن الجديد كما نحن الآن، ولن نتوقف عن الإعتزاز في أسى بذكرياتنا في البلاد التي أُخرجنا منها. سوف نتخلص من تلك الرطانات البائسة المتحجرة، لغات "الجيتو" التي لا نزال نستعملها، فقد كانت هي اللغة الخفية للسجناء. إن معلمينا القوميين سوف يهتمون بهذه المسألة، واللغة التي تثبت أنها أكثر نفعاً في العلاقات الإجتماعية العامة، سوف نتبناها بدون إكراه كلغة قومية. إن جنسنا غريب فريد، فليس يجمع بيننا إلا عقيدة آبائنا. صــ53

▬ هل ستنتهي إلى حكومة ثيوقراطية؟ لا بالتأكيد. إن العقيدة تجمعنا والمعرفة تمنحنا الحرية. ولذلك سنمنع أي إتجاهات ثيوقراطية تتصدر قيادتنا من جانب الكهنوت. سوف نحصر كهنتنا داخل حدود المعابد، كما سنحصر بالمثل جيشنا داخل حدود معسكراته. لسوف يلتقي جيشنا وكهنتنا منا كل احترام رفيع بقدر ما تستحقه وظيفتهما القيمة، ولكنهما لا يجب أن يتدخلا في إدارة شئون الدولة التي تخلع عليها مكانة سامية، وإلا فسيجلبان علينا صعوبات في الداخل والخارج. صــ53

▬ ليس لدينا عَلَم ونحن في حاجة إلى ذلك. فإن كنا نريد أن نقود عدداً من الرجال، فلابد أن نرفع رمزاً فوق رؤوسهم، وأنا أقترح علماً أبيضاً به سبع نجوم ذهبية. الخلفية البيضاء ترمز إلى حياتنا الجديدة النقية، أما النجوم السبع فهي السبع ساعات الذهبية للعمل اليومي. لأننا سوف نسير إلى الأرض الموعودة حاملين شارة الشرف. إن الدولة اليهودية يجب أن تؤسس تأسياسياً سليماً، بالنظر إلى مركزنا المستقبلي المشرف في العالم. صــ54


▬ أيُ مجد ينتظر ألئك الذين يكافحون في سبيل هدف غير أناني! من أجل ذلك فإنني أعتقد أن جيلاً رائعاً من اليهود سوف ينبثق إلى الوجود، سينهض "المكابيون" مرة أخرى. ولأكرر مرة أخرى كلماتي الإفتتاحية: إن اليهود الذين يريدون الدولة اليهودية ستكون لهم. وسوف نحيا أخيراً رجالاً أحراراً على أرضنا، وسنموت بسلام في بيوتنا. وسوف يتحرر العالم بتحررنا، ويتغنى بثورتنا، ويعظم بعظمتنا. وأياً ما حاولنا إحرازه "هُناك" من أجل صالحنا، فسوف يرتد بقوة وفائدة لخير الإنسانية. صــ61

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الغيبوبة العربية (نبيل راغب)


• كأن من الطبيعي أن يقع العقل العربي صريعاً في الهوة العميقة والواسعة بين الضغوط الواقعية المتصاعدة والمتزايدة وبين الحتميات الفكرية التي يستحيل الهروب منها.
• الثروة العقلية لأية أمة؛ بصرف النظر عن حجمها، تمثل عملية إستثمار لجميع أنواع الثروات المادية، والتي لا تتم إلا من خلال العقل البشري بصفته الوسيلة الوحيدة التي يوظفها الإنسان في هذه العملية الإسثمارية القومية.
• إن معركة العرب الحقيقية ليست مع الآخر، ولكنها أولاً وقبل أي شيء آخر، مع الغيبوبة التي تجعل المنطقة العربية سفينة بلا دفة ولا بوصلة.
• إنها معركة لابد من أن نخوضها لتحرير العقل العربي من سجنه المعتم الخانق..
• إنها معركة لا مفر منها لأنه بدونها لن يستعيد العقل العربي منطقه الغائب المغيب..
• إن الغيبوبة العلمية ليست مجرد غيبوبة عن التعليم والعلم والتكنولوجيا، بل هي في حقيقتها غيبوبة عن العصر والحياة والوجود نفسه.
• من الطبيعي أن تؤدي الغيبوبة الإعلامية إلى غيبوبة ثقافية، لأن الإعلام هو القناة الكبرى لتوصيل الثقافة.
• وعن الغيبوبة السياسية وغياب الوعي السياسي فحدث ولا حرج..
• الديمقراطية في جوهرها هي تربية أولاً وأخيراً، وليست مجرد ممارسة سياسية كما يتصورها كثيرون.
• إذا كانت الدول العربية قد تخلصت من الإستعمار التقليدي المباشر والتبعية السياسية، فإنها ما تزال تعاني من التبعية الإقتصادية، وهي الإستعمار المُقّنَّع الجديد الذي تزداد ضرواته وخبثه وتعقيده بمراحل على الإستعمار التقليدي المعروف..
• الأمن العربي مهدد تماماً سواء من ضغوط خارجية أو صراعات داخلية..
• نظراً للغيبوبة الإدارية المطبقة على المنطقة العربية، لم يعد العرب يملكون تصوراً للمستقبل وملامحه وإمكاناته.
• تحت وطأة الديكتاتورية والقهر، تتجلى صور النفاق والكذب والإدعاء والإنتهازية والتملق والتسلق والخداع والمراوغة والزئبقية والزيف وغيرها.
• من المعروف أن الإنسان الحر الحقيقي يسعد بأن يرى كل الناس أحراراً مثله، وفي مقدمتهم رفيقة عمره بطبيعة الحال، أما الإنسان الذليل المقهور فلا يتوانى عن إهتبال أية فرصة سانحة لممارسة الإذلال والقهر على أي باس تلقى به المقادير في طريقه.
• إن الصراع العربي/الإسرائيلي هو صراع كيف وليس صراع كم، ومن هنا كان عنصر المبادرة في يد إسرائيل في معظم الصراعات التي خاضتها مع العرب إبتداء من عام 1948 على وجه التحديد.
• تتجلى الغيبوبة العقلية العربية في أن معظم الدول العربية تصر على توجيه الطالب التعليمية التالية أو للداراسات والتخصصات المهنية في المدارس الثانوية والكليات الجامعية والمعاهد العليا بناء على المجموع الكلي للشهادات العامة.
• من الواضح أن هذه الغيبوبة العربية العقلية كانت نتيجة مباشرة لإهدار الثروة العقلية على مستوى المنطقة العربية بأسرها، بحيث دخل العقل العربي في متاهات شاسعة وكهوف معتمة، لا يعلم احد متى يخرج منها سوى الله عز وجل.
• لعل من أهم سمات الغيبوبة العقلية عند العربي أنه اعتاد أن يبرر كل خيبة أمل أو حتى كارثة تحيق به، بمؤامرات ضده من أطراف مباشرة معروفة أو غامضة مجهولة.
• لعل من أخطر سلبيات العقل العربي أنه اعتاد ألا يجهد صاحبه، ولذلك فهو يستكين للأقوال المعسولة والشعارات الطنانة في غيبوبة متكاسلة لذيذة.
• كثير من المفكرين والمثقفين العرب لا يطيقون أن ينتقدهم أحد، برغم أنه يفترض فيهم أن يكونوا أول المرحبين بالنقد وتصحيحه إذا كان مُخطئاً أو الإستفادة منه إذا كان في محلة..
• إن النقد هو جوهر الفكر، والمحك أو الإختبار الحقيقي لموضوعية العقل ويقظته.
• العقل بدون ممارسة للنقد، هو مجرد مخزن للمعلومات والمعارف التي تظل كما هي إلى أن يعفو عليها الزمن وتتحول إلى حفريات أو قوالب صماء على أحسن الفروض.
• إن معركة العرب الحقيقية ليست مع الآخر، ولكنها أولاً وقبل أي شيء آخر، مع الغيبوبة التي تجعل الأمة كلها سيارة بلا محرك.
• الغيبوبة العلمية هي الوجه الآخر للغيبوبة العقلية، لأنه إذا غاب العقل عن الإدارك الواعي السليم، فإن الإنسان يعجز بالتالي عن تحصيل العلم أو استيعاب المعرفة أو ممارسة التكنولوجيا، أي الشروط اللازمة لأي تقدم حضاري وإزدهار ثقافي.
• المدرس الجيد، طبقاً للمفهوم العربي الشائع والراسخ، هو الذي يحضر درسه تحضيراً جيداً ويهضمه ويرتبه ويقدمه للتلميذ بطريقة واضحة سهلة وكأنه يحفظه إياه حتى لا يُبذل التلميذ أي جهد بعد ذلك. هذا هو التعريف العربي للمدرس الجيد حتى اليوم.
• إنها المدرسة التي تُخرِّج في أغلب الأحيان الموظف المطيع الروتيني الذي لا يجدد ولا يبتكر ولا يتعاون ولا يتفاهم ولا يتحمل المسئولية، وإنما يحافظ على التقاليد المتبعة ويحتمي بها في مواجهة أبسط المسئوليات.
• الثورات السياسية والإنقلابات العسكرية التي كانت بمثابة نكسات ونكبات متلاحقة اصابت المنطقة العربية في الصميم..
• وبصرف النظر عن أنظمة الحكم الرأسمالية أو الإشتراكية، فإن نجاح هذه أو فشل تلك، يتمثل في علوم الإدارة الحديثة ومدى الإستفادة العملية في مجال تطبيقاتها.
• لقد أدركت اليابان أن الإنسان هو الثورة القومية الحقيقية في نظر الثورة العلمية المعاصرة، وأن عقله هو خير مطور ومستثمر لهذه الثورة، وأن سلاحه في هذا الإستثمار هو أحدث ما بلغله العلم التكنولوجيا.
• إن هجرة العقول تعد من أخطر القضايا التي تواجه عملية البناء الحضاري في المنطقة العربية.
• العرب لا يقدرون العلماء إلا بالكلمات المعسولة، لكنهم لا يهتمون كثيراً بمستوى المعيشة اللائق بهم. ومن الصعب بل ومن المستحيل أن يواصل العالِم إنتاجه بل وإبداعه في حين أن ضرورات الحياة اليومية تستهلك أكبر قدر ممكن من جهده وفكره..
• لا يتبقى في المنطقة العربية سوى كائنات غريبة تتحرك على غير هدى وتواصل الوجود برغم أنها أتت من عصر انقرض.
• إن علاقة العرب بالتكنولوجيا علاقة شائكة وحرجة للغاية، خاصة في زمن تتطور فيه التكنولوجيا بسرعة قياسية لم يعرفها أي عصر من قبل.
• إذا كانت العبودية بكل أشكالها التاريخية القديمة قد اندثرت مع ثورات التحرير عبرا لعصور، فإن هذا العصر الإلكتروني ينذر بأنواع أخطر وأكثر تعقيداً من العبودية التقليدية، وفي مقدمتها العبودية التكنولوجية.
• إن شر البلية ما يضحك عندما ندرك أن العرب صدروا إلى خارج منطقتهم علماء من طراز أحمد زويل وفاروق الباز ومجدي يعقوب. وغيرهم ليستوردوا في الوقت نفسه تكنولوجيا قد لا يلائم خصوصيتهم  الأقليمية والثقافية.
• إن معظم كليات ومعاهد العلوم تركز على تدريس العلم في حد ذاته بحيث يغلب الجانب النظري على الجانب العملي، مما يعزلها عن التكنولوجيا التي تدرس بدورها في معاهد خاصة.
• لا يزال العرب يظنون أو يعتقدون أن المثقف هو مجرد جامع أكبر قدر ممكن من المعلومات، وهذا ليس بالشيء الغريب على بشر لا يزال بعضهم يعتقد أن التكنولوجيا هي المهارة اليدوية التقليدية كما كان الإعتقاد السائد في العصور السالفة.
• إن الإعلام المتحضر الناضج يتجاوز عملية الإختيار بين الأبيض والأسود لأن بينهما درجات من الألوان والظلال لا حصر لها، ومتداخلة فيما بينها بحيث تحتاج إلى رؤية علمية وعقلانية وموضوعية لتحديد المسارات التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق أهداف.
• بالرغم أن فضيحة الإعلام العربي في حرب يونيو 1967 كانت مدوية، إلا أن الصدأ الإعلامي ظل على ما هو عليه، كأن الدروس المستفادة لم تكن.
• إنه وبلا جدال فإن الإعلام الأمريكي أصبح الرائد الذي لا يشق له غبار في مجالات التضليل الإعلامي سوا للشعب الأمريكي على وجه الخصوص أو الشعوب الأخرى على وجه العموم.
• أصبح العرب في حاجة ملحة لما يمكن تسميته بثورة ثقافية حقيقية، وهو حلم يبدو بعيد المنال، لأن مفهوم العرب للثورة لم يتعد الإنقلابات العسكرية التي مزقت المنطقة العربية والتي أطلق عليها مصطلح "الثورة" في حين أنها لا تمت إليه بأدنى صلة.
• إن معظم إشكاليات وتخبطات وتناقضات المثقفين العرب ترجع في الأساس إلى الإختلاف حول المصطلحات والمفاهيم بحيث تختلف معانيها أو دلالاتها من جماعة إلى أخرى، بل ومن فرد إلى آخر، سواء بشكل واع أو لا واعٍ.
• المثقف هو الذي ينشيء المفاهيم والنظريات والمداخل التي من خلالها يتمثل الواقع أو الخلفية التي برزت فيه الأزمة، والتي تنتقل إلى الذهن بصورة مجردة وبالتالي يمكن التعامل الموضوعي المتسق معها على هذا الأساس.
• إن هؤلاء العرب المستغربين الكارهين للغرب يشنون على الغرب حملة شعواء على المستوى الثقافي والعلمي نتيجة لدوافع سياسية في المقام الأول وليست لها علاقة بالمستويات الثقافية والعلمية.
• ان المشكلة المزمنة في المنطقة العربية مشكلة تعليلمية وعلمية وثقافية بالدرجة الأولى.
• إن الغيبوبة الحضارية أصبحت من الأمراض المزمنة التي يعاني منها العقل العربي، بدليل أنها تعاوده من عصر لآخر بحيث تبدو فترات الصحوة أو اليقظة ومضات عابرة لا تلبث أن تنطفيء.
• إنه من أجهل الجهل وأخطأ الخطأ أن يُقال إن هذه الحضارة (الغربية) المادية قد صدرت عن المادة الخالصة. إنها نتيجة العقل. إنها نتيجة الخيال. إنها نتيجة الروح. (طه حسين - كتاب مستقبل الثقافة في مصر).
• سواء أكانت الغيبوبة العربية سياسية أم اقتصادية أم أمنية أم إعلامية أم علمية أن تكنولوجية أم قومية أم مستقبلية، فكلها تصب في النهاية في مجرى الغيبوبة الحضارية التي تغرق المنطقة بين طياتها.
• إستيعاب التاريخ ليس مجرد معرفة واستذكار أحداثه ومواقفه ومراحله، ولكنه الوعي بقوانينه وفي مقدمتها قانون السبب والنتيجة.
• لقد ثَبُتَ لعلماء الحضارة وكبار المؤرخين أنه لا يوجد عبر التاريخ بما يسميه صامويل هانتنجتون "صدام الحضارات"، لأن العلاقة بين الحضارات كانت دائماً علاقة تقبل واستيعاب وهضم...
• العقلية العربية تعشق النمطية والتوحد والتماثل والطاعة العمياء وروح القطيع على كل المستويات التعليمية والثقافية والفكرية والسياسية والإجتماعية والأخلاقية والإدارية والإعلامية، برغم تشدق العرب بحكمة المثل العربي الشهر:" الإختلاف لا يفسد للود قضية".
• كل شعوب العالم تعيش حاضرها وتكافح من أجله،  إلا الشعوب العربية التي تعيش حاضرها بأحلام ماضيها..
• من الخطأ الشائع أن يميل الكُتَّاب والمفكرون والمثقفون إلى تصوير المواطنين على أنهم ضحايا السلطة، وكأنهم قطيع يتحرك ويسلك طبقاً للإرشادات الواردة من عصا الراعي.
• لقد حل القرن الحادي والعشرون ولا يزال العرب يستمعون إلى الشعراء الذين يتشنجون ويصيحون بقصائد الفخر والحماسة وجنون العظمة وأوهام الغرور وأكاذيب الرضى عن النفس...
• العرب لا يحاولون دراسة الطرف الآخر وفهمه على حقيقته، بل يهرعون دائماً إلى رسم صورة له على هواهم، ثم يتعاملون معه بناء على هذه الصورة المفتعلة أو الوهمية فتطيش سهامهم.
• إن من أخطر العقبات والعوائق التي تقف بالمرصاد لأية محاولة للإصلاح، الفجوة أو الهوة الواسعة والعميقة التي تفصل بين النخب السياسية والوقاعد أو القوى الشعبية.
• إن مشكلات المنطقة العربية عويصة، ومزمنة، ومع ذلك لم يحدث أن وضع حزب برنامجاً ضخماً لحل إحداها والتخلص منها.
• إن الشهادة الجامعية أصبحت من مستلزمات الوجاهة الإجتماعية، وليست أسلحة الدراية العلمية وأدوات الخبرة العملية.
• إن الإصلاح السياسي بكل أنواعه يبدأ بالإنتقال من المجال النظري المريح إلى الميدان العملي المرهق، فالأمم لا تُبنى بالأقوال لأنها تنهض على الإنتاج في شتى المجالات.
• إن المنطقة العربية تُعاني من ثغرات خطيرة تتمثل في نقص الحريات السياسية، وهزال القدارات والمعلومات والمعرفة، وغياب المرأة المساهمة في بناء مجتمعها...إلخ.
• إنهم (العرب) اعتادوا أن يضعوا الخنجر المسموم في يد عدوهم ثم يستديرون ليطعنهم في ظهرهم لأسباب لا يمكن تبريرها إلا بالغيبوبة التي طمست عقولهم وقلوبهم لدرجة أنهم فقدوا القدرة على التميز بين تدمير أعدائهم وتدمير أنفسهم.
• من الواضح أن قضية التعليم كبنية أساسية وضرورية لإقامة النظام الديمقراطي الصحيح عليها، كانت هي بيت الداء الذي أدى إلى كل أنواع الغيبوبة الديمقراطية المستمرة حتى الآن.
• إن جوهر الديمقراطية يتبلور على حقيقته الناصعة عندما تصبح الدولة تعبيراً عن إرادة المواطنين، ولذلك توفر لهم المجتمع السياسي الذي يتيح لهم فرصة المشاركة بالفكر والفعل في بنائه وترسيخه وتطويره.
• تتجلى محنة المواطن العربي في معظم الدول العربية في أنه مطالب بتأدية ما عليه من واجبات، وإذا تقاعس عنها فالعقاب في إنتظاره، أما حقه في الحصول على مقابل لهذه الواجبات فمؤجل دائماً، حتى لو سعى في سبيل ذلك.
• إن الحضارة هي التي تصنع الثروة، وليست الثروة هي التي تصنع الحضارة، ولذلك فإن أغنياء الصدفة أو الثروة القدرية يأخذون من الحضارة مظاهرها البراقة الخادعة التي تزول بمجرد زوال الثروة.
• إن ما يفعله قادة العرب اليوم شبيه بما فعله ملوك الطوائف في الأندلس بالأمس، في حين تتربص بهم إسرائيل في يقظة لا تعرف الغفلة لحظة واحدة.
• إن تخلف الأغنياء كارثة، هم أول من سيدفع ثمنها، أما تخلف الفقراء فيمكن أن يكون حافزاً لهم على التخلص من الفقر.
• الغيبوبة الإقتصادية أدت بالعرب إلى إدمان الإعتماد على الغير، فلم يدركوا لذة الكفاح على كل الجبهات من أجل الإزدهار الإقتصادي، طالما أن باطن الأرض لا يتوقف عن التدفق عليهم بثرواته.
• لقد أصبحت قدرة العرب على المواجهة بالجيوش شبه معدومة منذ الربع الأخير من القرن العشرين، حين تقدمت التكنولوجيا العسكرية إلى آفاق لم تكن في الحسبان.
• تدل تجارب الشعوب في التاريخ على أن النجاح العلمي والإقتصادي في شتى مجالات الإنتاج والإستثمار هو الركيزة الأساسية للوصول إلى الثقة بالنفس وبالتالي الثقة بالهوية الجماعية.
• إن الغيبوبة القومية العربية هي التي جعلت الجامعة العربية مجرد مبنى وإجتماعات وقرارات لا تنفذ، وبيانات ليس لها أي صدى على المستوى المحلي والعالمي..
• لقد أثبتت التجارب العلمية والسياسية والإقتصادية والفكرية والثقافية والحضارية التي مر بها البشر في العصور الحديثة، أن الإدارة كعلم وفن ومنهج وتقنية تشكل منظومة أيديولوجية وحضارية شاملة قادرة على استيعاب كل طموحات وأفكار وخطوات الإنسان بصفة فردية والمجتمع بصفة عامة.
• الإدارة في معناها الجوهري هي إعمال العقل في تسيير دفة الأمور، وعندما تتوقف عن القيام بهذا الدور الضروري والمصيري والحضاري، خاصة إذا كانت على مستوى القمة السياسية، فإن الأمة كلها تصبح بلا عقل ويمكن حينئذ أن تقع أية كارثة أو نكبة.
• تصل الغيبوبة النسوية إلى ذروتها عندما تسلم المرأة بهذه المفاهيم (أي التي تروج لها الشعوب العربية المتخلفة) دون مناقشتها أو تحليلها أو الرجوع إلى أصولها وأسبابها. والمرأة بهذا النمط المغيب والسلبي لا يمكن أن نتوقع منها أية مشاركة في الحياة السياسية.
• لقد آن الأوان لكي يدرك العرب أنهم فشلوا في امتلاك ماضيهم كما فشلوا في امتلاك حاضر الآخرين، لأن التخلف والتقدم لا يقاسان بما يملكونه من أدوات قديمة أو حديثة، وإنما يقاسان بإمتلاك المعارف والمواهب التي أنتجت هذه الأدوات، أي بإمتلاك روح الخلق والإبتكار.
• لم يتوقف الحراك اليهودي عبر التاريخ، إذ كان ينتقل من مرحلة إلى أخرى، وكأن هناك استراتيجية خفية تحكمه، لأنه كان أبعد ما يكون عن أية عوامل عفوية أو تلقائية.

====================================================
▬ لقد تكالبت على العقل العربي سلبيات ثقافية وحضارية وإعلامية وعلمية وسياسية واقتصادية وأمنية وإدارية وأخلاقية وقومية، شكلت منظومة مدمرة لمعظم طاقاته، ففقد القدرة على التحليل الموضوعي، والتفكير المنطقي، والمنظور النقدي، والإستيعاب المتأني، وأصبح نهباً للإنفعال الطائش، والتعصب الأعمى، والأفق الضيق، والطاعة العمياء، والوعي الزائف، وغير ذلك من السلبيات والتناقضات التي تجعل المجتمع بمثابة خلية من الشخصيات التي يتسم فكرها وسلوكها بالخضوع والخنوع والعجز والسلبية والخوف والتردد والإنسحاب والكذب والنفاق والرياء والتواكل والتكاسل وعدم الثقة في النفس أو القدر على إتخاذ القرار وسهولة الإنقياد، خاصة في مواجهة المسئول الكبير القوي. أما في مواجهة الأضعف أو الأقل في الدرجة الوظيفية أو الطبقة الإجتماعية، فهي كتلة من التحجر والتصلب والتسلط بل والبطش إذا سنحت الفرصة. صــ14

▬ إن معركة العرب الحقيقية ليست مع الآخر، ولكنها أولاً وقبل أي شيء آخر، مع الغيبوبة العقلية التي تجعل المنطقة العربية سفينة بلا دفة ولا بوصلة، إنها معركة مصيرية مع العدو الخبيث المراوغ القابع في أعماقنا، مع العقل الذي فقد الإتجاه والرؤية والمنطق، وقادنا إلى السراب والوهم والضياع، فأصبحنا في عيون العالم مجرد مخلوقات غريبة تسير على غير هدى، تتراوح صرخاتها بين جنون الإضطهاد وجنون العظمة. إنها معركة لابد أن نخضوها لتحرير العقل العربي من سجنه المعتم الخانق، وتؤسس لأجهزة التربية والتعليم دورها التنويري والحضاري المنشود، وتعيد للفكر والفن والسياسة والإقتصاد والإجتماع والإعلام وغيرها من مجالات الحياة المعاصرة أدواراً ومسئوليات أصبحت ضائعة، ومتميعة، ومبعثرة، وشائهة، بحيث صرفت نظر الدارسين أو المحللين العرب عن أن يبلوروا ملامحها الهلامية يأساً من صعوبة المهمة التي تبدو مستحيلة في حالات كثيرة. ومع ذلك فهي معركة لا مفر منها لأنه بدونها لن يستعيد العقل العربي منطقه الغائب المغيب. صــ19

▬ لا يزال العرب يعانون من لبس أو خلط شديد بين مفهوم الحضارة ومفهوم الثقافة، وتضاعف هذا الخلط مع إنتشار تيارات العولمة التي إستخدمتها القوى العظمى في فرض ثقافتها على العصر بإعتبارها الثقافة العالمية السائدة، وبالتالي في مواكبة أو متجانسة مع عالمية الحضارة المعاصرة، خاصة في إطار أكذوبة صدام أو صراع الحضارات التي نادى بها المفكر الأمريكي صامويل هانتنجتون في كتابه الشهير الذي يحمل نفس الإسم. وهي أكذوبة لأنه لا توجد سوى حضارة إنسانية واحدة، قد تُسمى بالحضارة الغربية أو العلمية أو التكنولوجية أو الإلكترونية أو الرقمية أو أي إسم آخر، لكنها في النهاية حضارة واحدة ملك البشر جميعاً...صــ22

▬ كانت الغيبوبة النسوية نتيجة للغيبوبة الديمقراطية لأنه تحت وطأة الطغيان والبطش والديكتاتورية، يتساوى الرجل مع المرأة في تجرع كؤوس الذل والهوان. لكن نظراً لأن المجتمع يعتبر ممارسة الرجل لحق السيادة أو السطوة على المرأة أمراً بدهياً لا يحتاج إلى تأكيد أو جدل، فإنه يحرص عليه ولا يفرط فيه أبداً لأنه يمنحه تعويضاً مجانياً عن الذي الذي يواجهه خارج المنزل. وخاصة أن المرأة في معظم الأحيان لا تملك السلاح أو القدرة التي تحافظ بها على كيانها وكرامتها في مواجهته. صــ26

▬ تتجلى الغيبوبة العقلية العربية في أن معظم الدول العربية تصر على توجيه الطالب التعليمية التالية أو للداراسات والتخصصات المهنية في المدارس الثانوية والكليات الجامعية والمعاهد العليا بناء على المجموع الكلي للشهادات العامة. وهذا أسلوب متخلف وضيق الأفق وغير تربوي إذ أثبتت الأبحاث العلمية فشله وعجزه عن تحديد مسارات التفوق التي يمكن أن تصل إلى مستوى العبقرية، وذلك بالإضافة إلى تسببه في تبديد عائد تكلفة العملية التعليمية التي تعد عملية استثمارية قومية وحضارية من الطراز الأول، وليست مجرد حشو العقول بمعارف ومعلومات قد تكون منفصلة تماماً عن الوظيفة التي يؤيدها حاملها في حياته العملية. ذلك أن المواهب والميول هي المؤشرات التي تحدد للفرد طبيعة المجالات العامة والخاصة التي يحبها والتي قد تكون خافية عليه شخصياً نتيجة للضغوط الإجتماعية التي تشوش عقله وفكره، خاصة عندما تصل الغيبوبة العقلية قيمتها بربط الشهادة العلمية أو الجامعية بالطبقة الإجتماعية التي يحلم صاحبها بالإنتماء إليها، أي أنها في حقيقتها شهادة جدارة إجتماعية أكثر منها شهادة جدارة علمية. صــ35

▬ يجب أن تتعلم الشعوب العربية أن الحكومات لا تملك خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين، ولو لجأ إليها العلماء والمفكرون والمثقفون لإنجاز مهمتهم الحضارية، فسوف يضلون الطريق في دهاليز البيروقراطية، وقد يعجزون عن الخروج منها، ذلك أن البيروقراطية هي في جوهرها مجرد تعويق وتعجيز. والشعوب والمجتمعات المدنية والجمعيات الأهلية هي التي تصنع النهضة وليست الحكومات التي تنهض أبنيتها على الموظفين البيروقراطيين، والتي تتغير وتتبدل لأنها مجرد أدوات في أدي الشعوب التي تخرجها من السلطة إذا وجدتها عاجزة عن تلبية احتياجاتها. صــ51

▬ يبدو أن الغيبوبة التي أصابت العقل العربي بضيق الأفق، قد عودته على النظرة الجزئية للأشياء، أي أنه أصبح عاجزاً عن ممارسة "نظرة الطائرة"، وهي النظرة أو الرؤية التي تجعل الطائر يرى تفصيلات الأشياء في مجملها من أعلى الشجرة، بحيث يستطيع أن يختار الجزء المناسب لما يريد، وينقض عليه ليقتنصه في المكان والوقت المناسبين. أما العقل العربي فمحروم من هذه الرؤية الشاملة التي تمكنه من استيعاب الموقف في كليته، سواء على مستوى المكان أو الزمن، لأنه يبدأ بالجزء ثم يدور في فلكه لأنه لا يدرك سواه.. صــ73

▬ إن تربية العقل النقدي ليست سهلة وفي حاجة إلى جهد كبير ووقت طويل على مستويات عديدة، لكنها ضرورة حتمية لا مهرب منها حتى يستطيع العرب أن ينضموا إلى عصرهم بدلاً من الحياة الباهتة على هامشه، وأن يصبحوا قوة لها وزنها في الحسابات الإستراتيجية الدولية. فهذا العقل النقدي ليس أسير اللحظة الراهنة مثل العقل التبريري، لأن خلفيته الفكرية والثقافية تسلحه بالرؤية التاريخية التي تضع الواقع الراهن في مساره الصحيح، وبالموضوعية في رصد الحقائق والمواقف والأحداث، وبالقدرة على استخلاص الدلالات وتلمس التوقعات والإحتمالات التي قد ينطوي عليها المستقبل، وإدارك العلاقات الجدلية والتفاعلات الجارية بين الأسباب والنتائج، بين الوسائل والغايات، بين الوثابت والمتغيرات، بين الدوافع والظواهر. إنه عقل يعتمد أساساً على التحليل ثم التركيب والتأليف بهدف الإبتكار، ويرفض أية منظومات فكرية تنهض على المحاكاة أو التلفيق أو التبعية. صــ77

▬ وما جرى لألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول الأخرى، هو قاعدة حضارية وفكرية قابلة للتكرار إذا ما توافرت لها الظروف. وقد قننها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، في كتابه الموسوعي الشهير "دراسة للتاريخ"، وفي نظرية عرفت بإسم نظرية "التحدي الحضاري"، أثبتت فيها أن كل التحولات الحضارية والفكرية التي مرت بالبشرية كانت نتيجة لتحديات غير عادية، كان عليها أن تواجهها وتقهرها ثم تتجاوزها إلى آفاق  عصور جديدة. ولم تكن نتيجة للرخاء أو الثراء أو الرفاهية الغامرة التي يمكن أن تؤدي إلى التراخي والتكاسل والدعة، ومما يؤدي إلى نتاج قد تكون سلبية أو حتى مدمرة. ولذلك كانت أهم النظريات والأفكار، والدراسات السياسية والإجتماعية، والمدارس الفكرية والفنية والأدبية، تجليات جديدة انصهرت في بوتقة المحنة القومية التي فتحت أذهان المفكرين والمثقفين والفنانين على حقائق مذهلة، وجعلتهم يتساءلون عن جدوى العقل السائد الذي قادهم إلى المحنة. صــ79

▬ هذا الواقع العربي البائس، أفرزته غيبوبة عقلية مسحورة، عمياء، لا بصر لها ولا بصيرة، تلفيقية لا تنطوي على أي اتساق منطقي، ترى ما تود أن تراه، وليس ما يتجلى للعيان، وتبصره الأبصاء، وتدرك كنهه البصائر. إنها عقلية ليس لها مثيل في التاريخ المعاصر في إصرارها على تجاهل الفساد، والتخلف، والجهل، والأمية، والتسلط، وغياب المجتمع المدني، والتبعية، وحاجتنا الماسة إلى الغرب، وإعتمادنا الكلي عليه. نتجاهل كل هذا بمنتهى البساطة، ونطلب من الآخرين العون كل صباح، لنشتمهم في المساء والسهرة، ونحن نظن أننا نخدعهم ونستهين بذكائهم على سبيل الإستمرار في أوهامنا التي أدمناها. إنها مفارقة كريهة وليدة هذه العقلية المريضة القادرة على طمس معالم الواقع وإنكاره كأنه غير موجود لنفسح مكانه لأوهامنا التي تزين لنا أننا أنداد للآخر لدرجة تحديه والإختلاف معه برغم تبعيتنا الفعلية له في معظم مناحي حياتنا. صــ84

▬ لقد أصبح العرب أهل الكهف الجدد وهم يتفرجون على ما يجري في الدنيا من تغيرات وتحولات مذهلة، خاصة في مجالات العلوم والتكنوجيا الحديثة، دون أن يكونوا شركاء في إنتاجها، أو حتى مجرد جزء من البيئة التي اندلعت فيها هذه الثورة العلمية. ولكي يغري العرب أنفسهم كعادتهم، فإنهم أكثروا الحديث عن توطين التكنولوجيا الحديثة في المنطقة العربية، لكن مفهومهم لهذا التوطين اقتصر على أن هذا التطور العلمي المذهل ليس سوى "صيغة" أو "صفة" لا تحتاج منهم إلا أن ينسخوها من أصحابها، ثم يعودوا بهذه النسخة إلى بلادهم لتطبيقها. وهكذا بهذه البساطة الساذجة، يتصورون أو يتوهمون في غيبوبتهم أنهم أصبحوا جزءاً من العالم المنطلق علمياً وتكنولوجياً إلى آفاق عصر جديد وختلف تماماً عما سبقه. صــ93

▬ كأن العرب ألعوبة أو كرة تحاول كل قوة اقتناصها من الأخرى في ملعب السياسة الدولية، مما منحهم وهماً كاذباً بأهمية متزايدة لوزنهم السياسي والإقتصادي الذي تتكالب عليه القوتان، ولم يدركوا أنهم كانوا مجرد أدوات أو وسائل لأهداف استراتيجية خفية لا تخطر لهم ببال. وكعادتهم تابعوا السباق بين القوتين كمتفرجين بين شد من هذه وجذب من تلك، مما صور لهم أنهم لاعبون مشاركون في المباراة في حين أن دورهم لم يتعد دور الكرة التي تتبادلها أقدام الفريقين الكبيرين. صــ99

▬ لم تدرك الدول العربية - كعادتها في غيبوبتها المزمنة - أبعاد الثورة العلمية التي يخوضها العالم المتحضر الآن، لأن مفهومها عن الثورة مازال محصوراً في إطار الإنقلابات والشعارات والهتافات والتشنجات والصراعات العقيمة التي تنحدر بها إلى هاوية لا قرار لها. إن عالم اليوم يعيش عصر الثورة العلمية، وثوار اليوم هم العلماء في معاملهم، والخبراء في مراكز أبحاثهم، والاساتذة في قاعات محاضراتهم، والمؤلفون في كتبهم ودراساتهم، والفنانون والأدباء في إبدعاتهم، والمفكرون والنقاد والمثقفون الذين يطورون عقل أمتهم بالفكر والفن والثقافة. صــ101

▬ أما الكفاح السياسي العربي فقد اقتصر على إجترار الماضي والتغني بأمجاده، والإشادة بإنجازات السلطة التاريخية في أجهزة الإعلام الحكومية، وإيراد الحجج الدامغة والبراهين الساطعة التي لا يجرؤ أحد على دحضها لتأكيد صحة توجه هذا البلد أو ذاك، وكأن تقدمنا العلمي والحضاري كلام في كلام دون بادرة مبشرة بعمل إيجابي حاسم. وهي كلها قضايا وهمية يمكن أن يصل الخلاف حولها إلى آفاق قد لا يمكن التنبؤ بها، مما يبرر وجود الحسم السلطوي الديكتاتوري الذي يوقف تطور الخلاف عند حد معين. صــ106

▬ إن إنتشار روح الخرافات والخزعبلات والدجل والشعوذة في المجتمع كفيل بأنه يجعل مركز العلماء والمفكرين حرجاً للغاية ومحبطاً لهم، إذ يشعرون أن وجودهم نشاز في مواجهة النغمة العامة التي يعزفها المجتمع المتخلف الذي تساعد أجهزته الإعلامية على ارتفاع نغمة الخرافات والخزعبلات بلا حرج أو حساسية أو خجل. فكثيراً ما نسمع أو نقرأ عن الأرواح التي تحطم أثاث الشقق المغلقة لسفر ساكنيها، والأشباح التي تطير في الخفاء وتفعل الأعاجيب، والعفاريت التي تأتي من الماضي السحيق لكي تظهر سرها الباتع في الحاضر. وإذا كان العالم المتحضر يصدر كتباً عن هذه الموضوعات، فذلك من باب التسلية والطرافة والإثارة لأن كيانه الحضاري ينهض أساساً على منهج علمي عقلي راسخ. صــ113

▬ لقد بلغت بنا العتاهة حداً جعلنا نطلق على بعض الكليات مصطلح "كليات القمة" مثل الطب والهندسة والصيدلة والإعلام لمجرد ارتباطها بالقيمة الطبقية أو الإجتماعية التي تضيفها على خريجيها. وهذا المصطلح يعني ضمنياً أن هناك معاهد أو "كليات القاع" مثل العلوم والزراعة والتكنولوجيا والحقوق والآداب!! وهي مصطلحات تتناقلها أجهزة الإعلام والصحافة العربية كما لو كانت من حقائق العصر، إذ حتى العلم أصبح رهين الوجاهة الإجتماعية والمظاهر الكاذبة!!. صــ128

▬ إن التقدم في العلم والتكنولوجيا لا يتحقق بمجرد إنشاء مؤسسات للتعليم أو مراكز للبحث العلمي أو إرسال بعثات إلى الخارج، وإنما يزدهر العلم والتفكير العلمي والإنجاز التكنولوجي في مناخ من الحرية: حرية البحث، وحرية تبادل الأفكار والخبرات والتجارب، ودراسة المشكلات في مراكز البحث العلمي بغير قيود، وتوفير الإمكانات والإحتياجات الضرورية للمنظومة العلمية والتكنولوجية بمختلف فروعها، وإتاحة الإستقرار المادي للعاملين فيها، والحرص على إستقلال مؤسسات هذه المنظومة من خلال إستيعاب علوم العصر والإستفادة من العملية منها في تطبيقاتها على الواقع. فلم تعد المعرفة عي القدرة على التخزين، بل هي القدرة على الوصول إلى المعلومات المجمعة وإستخراج المطلوب منها، تليها مرحلة التدريب على الفهم ثم التحليل فالشرح. صــ132

▬ لم يعد أمام العرب سوى أن يختاروا بين خيارين لا ثالث لهما، بين اليقظة والغيبوبة، بين التقدم والتخلف، بين العلم والجهل، بين التعلم والأمية، بين المصداقية والخداع، بين الإنطلاق والتراخي، بين التخطيط والعشوائية، بن التوكل والتواكل، بين الصراحة والمراواغة، بين كل السلبيات التي اعتادوها وأدمنوها والإيجابيات التي تؤكد دائماً أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح. صــ136

▬ بالرغم أن الإعلام يمثل ذروة اليقظة العقلية والفكرية والثقافية، سواء على المجتمع أو الفرد، وهي يقظة قد تكون مقصورة على القائمين عليه أو الموجهين له، أو على المثقفين الواعين بمعطيات العصر، إلا أن الإعلام العربي بصفة عامة يشكل استثناء من هذه القاعدة، لأن الغيبوبة التي يعاني منها وتمسك بخناقه، لا تقتصر على عامة المتلقين من ذوي الثقافة الضحلة أو المعرفة العابرة، بل تمتد لتفرض نفسها على أداء القائمين عليه والموجهين له ونظراتهم التي فقدت اتساقها تجاه مجريات الأمور، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، خاصة في عصر العولمه الذي انقلبت فيه القيم والمعايير التقليدية رأساً على عقب، والذي أصبحت فيه المعلومات بمثابة الأسلحة أو المفاتيح الكفيلة بفض مغاليقه وأسراره، والتي لم تعد مجرد مواد أو عناصر أو أفكار أو آراء يتم تخيزنها، بل أصبح من أهم شروطها أن تتحول إلى منظومة حية ومتفاعلة من الأفكار والرؤى والمناهج الكفيلة بتغيير الواقع والإنطلاق إلى آفاق المستقبل. صــ137

▬ على الرغم من انتشار الفضائيات العربية التي تبث برامجها على أعلى مستوى تكنولوجي حديث، فإن الغيبوبة الإعلامية، المعتادة أو المصطنعة، لا تزال تسيطر على توجهات هذه البرامج بأساليب مبتكرة من النفاق والخداع وشغل الرأي العام العربي بعيداً عن السلبيات التي تعتور أنظمة الحكم في بلد المنشأ. فإن كان دور قناة "الجزيرة" أو "العربية" أو حتى صحيفة "الشرق الأوسط" أو غيرها هو مراقبة أداء الحكومة الأمريكية، فيمكن بالتالي اعتبارها سلطة رابعة في المفهوم الأمريكي، وتصبح بهذا قناة أمريكية تمارس سلطتها على الحكومة الأمريكية، ولا علاقة لها بالحكومة القطرية. لكنها يمكن أن تصبح قناة قطرية إذا غطت لجمهورها أي شيء عن قطر، أو أن توضح لهذا الجمهور المغيب عربياً أن كل شيء على ما يرام في قطر، وليس هناك ما يستدعي التغطية. لكن هناك شيئاً قبعاً على أرض قطر كأنه الهرم الأكبر أو الشمس التي لا يمكن أن يتجاهلها أحد، ومع ذلك لا يرد ذكره على الإطلاق في قناة "الجزيرة" أو أية صيحفة قطرية، وكأنه لا يمثل أخطر بؤرة للأحداث في منطقة الشرق الأوسط ومنطلقاً لتغيير خريطته. هذا الشيء الغامض والمهول هو قاعدة "العديد" التي يقع فيها مقر القيادة المركزية الأمريكية، والتي شنت منها الحرب على العراق. ولم يحدث أن ألمحت إليه قناة "الجزيرة" ولو مجرد تلميح، برغم أنها تهتم بالشئون الأمريكية اهتماماً بالغاً، وهو شأن أمريكي لا يمكن تجاهله. صــ151 : 152

▬ لقد أصبح العقل البشري هو ساحة المعركة الرئيسية التي تتصارع القوى الكبرى على إحتلالها. وغني عن الذكر أن العقل العربي بالذات يشكل هدفاً استراتيجياً للقوى الطامعة في ثورات المنطقة العربية وموقعها في قلب العالم، وربما كان الغزو الأمريكي البريطاني للعراق هو مجرد مقدمة أو افتتاحية لتغييرات جذرية تعيد رسم خريطتها من جديد. ففي عام 1996 صرح جون دويتش رئيس المخابرات المركزية الأمريكية في ذلك الوقت قائلاً: "إن الإلكترون أصبح السلاح المثالي لإصابة الأهداف بدقة مذهلة، نظراً للكيفية التي تستخدم بها المعلومات والإتصالات لكسب المعارك العسكرية فضلاً عن السياسية والحضارية، حتى أصبح مصطلح "الغارات الإلكترونية" متداولاً بين الخبراء والباحثين، وهو يعني تنظيم حملات تشويه أو اغتيال أو إبادة دون إطلاق رصاصة واحدة، وإنما فقط عبر استخدام وسائل ثورة المعلومات والإتصالات. صــ166

▬ العرب يجهلون أو يتجاهلون أن كل مراحل التحولات الثقافية في تاريخ البشرية كانت نتيجة تصادم بين القديم والجديد، إلا أن تداعياتها سرعان ما كانت تندثر وتتلاشى أمام الأوضاع المستجدة التي تأخذ شكل المنظومات والآليات التي تغير شكل الحياة في المجتمعات المختلفة التي تأخذ بها. وهذا التغير ضروري بل وحتمي لأنه يوفر للمجتمعات التقبلة له إمكانية الإستمرار في سباق التقدم. ومن الطبيعي أن يحل الجديد محل القديم طالما أنه من صنع بشر عاشوا في ظروف سابقة مختلفة ثم طواها التاريخ الذي لا توقف عن التقدم، إذ ان كل جديد يغربل الماضي وإن كان لا يرفضه برمته، لأأنه يلفظ مالا ينصهر فيه ويحاول أن يقف حجر عثرة في طريقه نحو المستقبل. صــ182

▬ يقول جان بول سارتر :"إن المثقف هو ذلك الإنسان الذي يدرك ويعي التعارض أو التناقض الكامن فيه وفي المجتمع بين البحث عن الحقيقة العملية وبين الأيديولوجيا السائدة. وما هذا الوعي سوى كشف النقاب عن تناقضات المجتمع الجوهرية. إن المثقف هو الشاهد على المجتمع الممزق الذي أنتجه، لأنه يعري تمزقه بفكره الثقاقب، وهو بالتالي ناتج تاريخي. وبهذا المعنى ليس من حق أي مجتمع أن يتذمر من مثقفيه دون أن يضع نفسه في قفص الإتهام، لأأن مثقفي هذا المجتمع ما هو إلا من صنعه ونتاجه." صــ188

▬ تكمن الخطورة أو الغيبوبة الحضارية التي يعاني منها العرب في أنهم لا يزالون أسرى رؤى أو نظرات أو معايير تجاوزها الزمن، وثبت عجزها في مواجهة قوى العصر وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ولذلك كان تاريخهم خلال القرون الخمسة الأخيرة، سلبياً لدرجة أنهم ظلوا يتراجعون إلى أن بلغوا ذيل قائمة الدول الفعالة المؤثرة بعد أن كانوا على رأسها في عصور قديمة. لم يحاولوا النظر العلمي والموضوعي إلى تاريخهم وتاريخ العالم خلال تلك القرون، وبالتالي لم يروا أن الجانب الأكبر منه كان ثمرة مباشرة لقرارات دول الغرب وإختياراتها وثوراتها واكتشفافاتها وتحولاتها وأطماعها وحساباتها الخفية والظاهرة، كما أنهم لم يروا خريطة العالم السياسية كيف رسم الغرب معظمها بنفسه، ولا يزال طرفاً أساسياً في رسم ما تبقى منها. صــ233

▬ إن العرب عندما يتحدثون عن موت الحضارة الغربية أو عن ماديتها وإنهيارها إما أنهم يخدعون أنفسهم، وإما أنهم يخدعون شعوبهم، وربما كانوا يمارسون هذين النوعين من الخداع، وتكمن خطورة هذا التوجه الفكري والوهمي في أن الذين يرددونه ليسوا قلة من الناس، بل هم كثرة، وليسوا كلهم جهلاء أو تافهين وحمقى، لأن فيهم المثقفين والعلماء، وربما كان بعضهم من راكبي الموجة أو السائرين مع القطيع، لكن فيهم الكثير الذين يصدقون ما يتوهمون ويتحدثون عنه بثقة وإصرار شديدين. صــ238

▬ إن العرب الذين يدعون مواطنيهم لمقاطعة الحضارة الغربية إنما يعتمدون في دعوتهم على دعاية غربية لا تمت للعلم بصلة، وإنما هي سياسة خبيثة تفتعلها بلاد الغرب حتى يظل العرب في غيبوبتهم ونشوتهم بأنهم قوم روحانيون يملكون من الرفعة والسمو ما لا يملكه الغربيون الذين لم يُعد لهم سوى الأمور المادية والدنيوية التي استغرقتهم تماماً. فمثلاً ذكر عبد الرحمن الجبرتي في موسوعته التاريخية "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" كيف أن نابليون دعا هيئة العلماء من أمثال الشيخ الشرقاوي والبكري والسادات إلى مشاهدة المعمل الكيميائي الذي أتى به العلماء الفرنسيون المصاحبون للحملة الفرنسية على مصر، وكان مقره الأزبكية. وبعد مغادرتهم المعمل علق الشيخ الشرقاوي بقوله: "الحمد لله الذي أعطى الفرنسيس مثل هذه الألاعيب، وأعطانا نحن هبة الصلاة والصوم". صــ242

▬ تكمن الغيبوبة السياسية في أنها محور لكل أنواع الغيبوبة: الديمقراطية والإقتصادية والأمنية والإدارية والقومية والنسوية والمستقبلية والأخلاقية، ذلك أن السياسة سواء على مستوى التنظير أو التطبيق تسري في جميع الأنشطة البشرية في الحياة اليومية. ينطبق هذا على الحكام سواء أكانوا رؤساء أم ملوكاً أم رجال دولة كما ينطبق على المواطنين العاديين الذين يسعون في الأرض بحثاً عن لقمة العيش. صــ277

▬ من الخطأ الشائع أن يميل الكُتَّاب والمفكرون والمثقفون إلى تصوير المواطنين على أنهم ضحايا السلطة، وكأنهم قطيع يتحرك ويسلك طبقاً للإرشادات الواردة من عصا الراعي. وإذا ارتضى الشعب لنفسه أن يكون مجرد قطيع من الخراف، فلا يلوم إلا نفسه إذا لمح وميض سكين الجزار. لكنه أو استطاع بالوعي الناضج وبشتى الوسائل أن يصنع لنفسه كياناً ومكانة مهابة ووزناً ثقيلاً فإن وزنه يمكن أن يعادل وزن السلطة وربما رجحت كفته أكثر منها كما يحدث في دول الديمقراطية والتقدم والحضارة. صــ301

▬ إن ما فعلته الغيبوبة السياسية في العراق الذي ربما أصبح بلداً آخر مختلفاً تماماً عن بلد الحضارة والتاريخ العريق الذي عرفه العالم منذ عصور ما قبل الميلاد، يمكن أن تفعله في أي بلد عربي آخر، وخاصة أن هناك من الدول العربية ما يعاني من هشاشة وهزال وتهافت، أضعاف ما كان العراق يعاني منه. لقد تغير العالم ومعه كثير من قواعد اللعبة السياسية، فلم تعد هناك دولة على استعداد لتتجمع أو تدعم أو تساند دولة صغيرة وقعت بين فكي دولة كبيرة، غاية ما هناك أن يسمع العالم بعض التصريحات العابرة، أو يتابع بعض المظاهرات الحماسية الرافضة للعدوان، ثم يذهب كل إلى حال سبيله لتواصل الدول الكبرى إبتلاع الدول الصغرى. صــ329

▬ من الظلم البين وصم العرب بأنهم بشر غير ديمقراطيين بطبيعتهم، فليس هناك بشر ولدوا ديمقراطيين وآخرون غير ذلك، ولكن هناك بيئة ديمقراطية تتشربها الأجيال الجديدة منذ نعومة أظافرها، وتتحول بعد ذلك إلى منهج فكري وسلوكي في شتى خطواتها وتعاملاتها اليومية، إذ ان الديمقراطية في جوهرها هي تربية أولاً وأخيراً، وليست مجرد ممارسة سياسية كما يتصورها كثيرون. صــ334

▬ هناك أيضاً نظام آخر منتشر في المنطقة العربية، وهو حكم البطانة أو الشلة أو العُصبة التي تلتف حول القائد تكيل له النفاق ليلاً ونهاراً وتضع نفسها في خدمته وتلبية أوامره في أية لحظة بحيث يصبح عاجزاً عن التخلص منها والإستغناء عنها مع الأيام. فهي تتفنن في حجب المعلومات الحقيقية عنه فلا يلم بالأوضاع الفعلية التي بلغتها البلاد، وبذلك تشكل حاجزاً سميكاً وعالياً يعزله عن أبناء وطنه والتيارات السياسية والإجتماعية والفكرية التي تسري بينهم. صــ349

▬ يرجع عجز المجتمع المدني في المنطقة العربية عن ابتكار أو توليد أو امتلاك رؤية واضحة للإصلاح الديمقراطي، إلى الدور المحوري الذي تلعبه السلطة الحاكمة في المجتمع الذي يدور في فلكها ليل نهار ولا يستطيع الفكاك منها لحظة واحدة، وكنا من الطبيعي أن تنشأ معظم منظمات المجتمع المدني في الدول العربية بقرارات سلطوية لحاجته الملحة إليها. ولذلك من الصعب اعتبار معظم منظمات المجتمع المدني امتداداً أو افرازاً لحركات أو إرهاصات إجتماعية وسياسية وفكرية في البلاد العربية. صــ360

▬ إن غياب المجتمع السياسي لحساب التجمعات التوعية والعرقية والطائفية، يعني بقاء الأفراد في حكم الأتباع أو الرعايا لمن يحكمون هذه التجمعات، في حين أن بروز المجتمع السياسي وتبلوره يعني أن الأفراد ارتقوا من درجة الأتباع أو الرعايا إلى درة المواطنين. وبناء على هذا الإرتقاء أصبح المواطن هو محور الحركة الإجتماعية والسياسية في إطار القانون الذي ينظم واجباته وحقوقه في وظن تخطى وتجاوز كل الحدود أو الحواجز الطائفية أو العنصرية أو العرقية أو المذهبية...إلخ، إذ أصبح المواطن قيمة في حد ذاته ومصدراً لكل تقدم وإزدهار. صــ386

▬ كان من أخبث رواسب الماضي التي مدت جذورها في التربة العربية حتى الآن، قد تمثلت في التبعية الإقتصادية، فإذا كانت الدول العربية قد تخلصت من الإستعمار المباشر والسيطرة السياسية، فإنها ما تزال تعاني من التبعية الإقتصادية، وهي الإستعمار المقنّع الجديد الذي تزداد ضرواته وخبثه وتعقيده بمراحل عديدة على الإستعمار التقليدي المعروف، خاصة بعد أن ارتدت القوى الاقتصادية العظمى أقنعة العولمة الاقتصادية التي تؤكد أن عصر الإقتصاد القومي قد ولى ليحل محله الإقتصاد العالمي الذي اجتاح كل الحواجز المالية والتجارية بين مختلف الدول، والذي جعل من العالم كله قرية كونية صغيرة. صــ390

▬ إن تخلف الأغنياء هم أول من سيدفع ثمنها، أما تخلف الفقراء فيمكن أن يكون حافزاً لهم على التخلص من الفقر. وليست هناك وسائل لإنجاز هذه المهمة الحضارية أفضل من التسمك بقيم العلم والمعرفة والحكمة والجهد والكفاح، وغيرها من القيم التي تبني الإنسان وبالتالي فهي تبني المجتمع. إن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي بلد، وليست الثروات المتدفقة من باطن الأرض أو التي تمنحها الطبيعة بالصدفة. وأشهر دليل على ذلك، اليابان التي لا تملك أي ثروات طبيعية سوى الثروة السمكية، لكنها نجحت في أن تجعل المواطن الياباني طاقة انتاجية هائلة على أعلى وأحدث مستوى علمي وفكري وتكنولوجي ومعرفي وثقافي وحضاري، أما الثروات الطبيعية والمواد الخام التي حرمت منها فقامت بإستيرادها من شتى أنحاء العالم وفي مقدمتها البترول وغيره من المعادن اللازمة لعصر ما بعد الصناعة، ثم أغرقت العالم بمنتجاتها على أرفع مستوى من الجودة والإتقان والإبتكار الذي لا يعرف حدوداً خاصة في مجال الإلكترونيات. وكان هذا الإزدهار الإقتصادي نتيجة متجددة للشعار الذي أعلنته اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وهو "الإنتاج أو الموت" بعد أن كان شعارها حتى هذه الحرب "النصر أو الموت". صــ391 : 392

▬ إن المنطقة العربية تبدو في أحيان كثيرة وكأنها لم تعش القرن العشرين الذي شهد متغيرات وتحولات في تاريخ البشرية جمعاء، وفي مقدمتها قضية التنمية الإقتصادية التي تعني آفاقاً كثيرة وجديدة من أهمها تحسين دخل الأفراد والأسر، وتمكينهم من زيادة الإستهلاك، والإرتقاء بنوعية حياتهم، وإيجاد بيئة صحيحة تليق بالإنسان، وتطوير قدرات البشر للتعامل مع العلم والمعرفة وتكونولوجيا العصر. ولقد تغيرت أمور كثيرة خلال القرن العشرين بحيث تبدلت العادات والتقاليد والمفاهيم والقيم في المجتمعات العصرية في البلاد المتقدمة، وأصبح من الأمور الطبيعية أن تصبح الأسرة صغيرة الحجم وقليل الأفراد نتيجة للتحكم في عدد الأبناء. ومن الطبيعي أن يتواكب تحسن الدخل، في حالة وجود نمو معتدل، مع انخفاض معدل النمو السكاني في البلاد، فلم يعد من الأمور الإقتصادية الإيجابية ارتفاع معدلات الإنجاب وتزايد السكان بشكل سريع، فقد ولى عهد الإقطاع الزراعي الذي كان يتطلب تزايد عدد الأفراد المنتجين، وأصبح الإقتصاد الزراعي يعتمد على تكنولوجيا عالية لا تتطلب سوى أفراد معدودين على الأصابع في حقول تبلغ مساحتها مئات الفدادين. وقد رحل القرن العشرون ولم تستوعب الدول العربية هذه الدروس لأن القيم المتخلفة لا تزال تهيمن على عقليات وسلوكيات أرباب الأسر الذين لا يدركون في غيبوبتهم المزمنة أن الزمن قد فاتهم. صــ409

▬ إن العجز الذي تعاني منه الجامعة  العربية هو صورة مصغرة للغاية من العجز الساري في كل أجزاء المنطقة العربية التي لا تستيقظ من غيبوبتها إلا إذا أصابتها صدمة كهربية من الخارج. وهي يقظة تتخذ شكل رعشة أو تشنج عصبي مصحوب بصراخ وندب وسباب ووعيد كاذب بالويل والثبور وعظائم الأمور، وعندما تنذاح الشحنة الكهربية ويتغير الوضع العربي إلى أسوأ، فإن الجسم الممدد من الخيج إلى المحيط يعود إلى الإسترخاء مرة أخرى ليدخل في غيبوبته التاريخية. صــ535

▬ في هذه الغيبوبة الأخلاقية التي لفظت الديمقراطية التي تحفز الناس على اليقظة والوعي بكل ما يمس كيانهم ومستقبلهم، وجد الديكتاتوريون العرب مجالاً رحباً وواسعاً لكي يصولوا ويجولوا دون أن يجرؤ أحد على محاسبتهم أو مجرد الإستفسار منهم، فإذا كان الديكتاتور يعتمد في حكمه على أسلحة الإرهاب والعنف والعرب والإذلال والخوف، فإن المجتمع تحت وطأته يتحول إلى تربة خصبة ومرتع لكل القيم الأخلاقية الفاسدة مثل النفاق والكذب والخداع والزيف والإنتهازية "ومسح الجوخ". ففي ظل الديكتاتور يتخذ معظم المواطنين مواقف سياسية أو توجهات فكرية لا يؤمنون بها، في سبيل تحقيق أو حماية مصالح شخصية عابرة. صــ595

▬ كتب كمال عبد الرءوف في عموده "قراءات" بجريدة "أخبار اليوم"، 7 فبراير 1981 عن "كدابين الزفة" الذين يصفهم بقوله: "هم أخطر الناس على الحياة السياسية في أي بلد في العالم. إنهم طابور المنافقين والمهللين. إنهم السوس الذي ينخر في عظام أي حزب، وهم الذين يصفقون لحزب الأغلبية بسبب وبدون سبب، ويهتفون بأعلى أصواتهم للفائزين، ويديرون ظهورهم للخاسرين. إنهم دائماً مع السلطة. تراهم في كل مولد، وتسمعهم في كل زفة، لا يفوتهم احتفال أو مناسبة حتى يصفقوا بقوة للمسئولين. الطبل والزمر بضاعتهم، وعبارات المديح الطنانة تسيل دائماً من أفواههم. ينجذبون نحو كل مسئول ترتفع أسهمه مثلما تنجذب برادة الحديد نحو المغناطيس. لا يهمهم رأي الناس فيهم، ولكن الأهم هو رأي المسئول في كلامهم المعسول." صــ620


▬ لم تترك اليقظة الإسرائيلية أية شاردة أو ورادة تغيب عن بصرها أو بصيرتها، وذلك في مواجهة غيبوبة عربية مزمنة تركت الساحة للتواجد الإسرائيلي الملح والفعال لكي يصول فيها ويجول منذ بداية النزاع العربي اليهودي. فقد كان عنصر المبادرة في أيدي اليهود بصفة مستمرة في حين بدا العرب في غيبوبتهم كأنهم يعيشون في كوكب آخر. صــ736

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS