فلسفة الجمال (سعيد توفيق)


• الفكر الجمالي أو التفكير في الفن والجمال فيما قبل منتصف القرن الثامن عشر ظل - رغم ما فيه من لمحات واستبصارات عميقة - فكراً تابعاً، ولم يكن مكرساً للفن الجميل، ولم يتحدث بلغته، ولم تكن مباحثه تشكل نسقاً واحداً منظماً.
ص10
• فكرة الجمال بوصفه كمالاً كانت سائدة في التصور الميتافيزيقي واللاهوتي المدرسي؛ لأنه وفقا لهذا التصور يكون كل شىء حسناً أو جميلاً بقدر ما يكون واقعياً، حيث إن الوجود نفسه يعد كمالاً، فهو وجود قد أُحسِنَ صنعه، ومن ثم كان أيضاً جميلاً. ص31
• إذا كانت عندنا التجربة عن أشياء نصفها بأنها "جميلة"، فليست لدينا تجربة "الجميل" و "الجمال" في ذاتها، وكلتاهما فكرتان ميتافيزيقيتان؛ تطلبان اتخاذ مواقف ميتافيزيقية. وعلى هذا فهما لا تدخلان بصفتهما هذه في اختصاصنا. (برتليمي) ص39
• يمكن القول بأن الاتجاه الحدسي يميل إلى تفسير الفن لا في ذاته، وإنما باعتباره نتائجاً لعملية إبداعية، أي أنه تفسير للفن من جهة الإبداع. ص43
• عندما نقول إن "الإستطيقي" يمكن التعبير عنه من خلال موضوعات نعتبرها "غير جميلة"، فنحن نعني بذلك أن "الجمال الفني" يمكن التعبير عنه من خلال موضوعات تبدو لنا "غير جميلة" في عالم الحياة اليومية.. إن القبيح نفسه يمكن أن يكون موضوعاً جميلاً بالمعنى الإستطيقي للجميل، وذلك عندما يُعطى لنا من خلال عمل فني. ص 59
• الفن يعبر بروعة حتى حينما يعبر عن القبح، ويعبر ببراعة حتى حينما يعبر عن الفشل واليأس والإحباط.. ص 63
• ليس من الصحيح القول بأن الطبيعة تكون جميلة فحسب عندما نراها من خلال الفن؛ فإن جمال الطبيعة ليس في حاجة لشىء آخر كي يبرهِن عليه. وليس  من الصحيح كذلك القول بأن الفنان يعمل بمعزلٍ عن الطبيعة، كما لو كان يعمل في غرفة سحرية لا يستهلم إبداعاته إلا من إبداعات الفن. ص68
• إن جمال الطبيعية هو شىء جميل، إنما جمال الفن هو تَمَثُل جميل لشىء ما. (كانط)
• إن الطبيعية ليست لها قيمة استطيقية إلا حينما يُنظر إليها من خلال فن من الفنون. (لالو)
• إن التجريد في الموسيقى لا يعني التجريد من الدلالة، وإنما يعني التعبير عن هذه الدلالة بطريقة مجردة، أي دون تمثل لأي موضوع أو ظاهرة جزئية في الواقع الخارجي على الإطلاق. وهذا التوصيف الذي يصدق على الموسيقى الخاصة pure music بوجه خاص، يمثل صورة من صور "حياد الموضوع الإستطيقي".
• يميل كونت إلى تفسير الفن من خلال علاقته باللغة على اعتبار أن كليهما نظامان رمزيان يتطوران ويتحولان كإشارات انفعالية وجدانية تبعاً لتطور نظم وأشكال الحياة الاجتماعية. وهكذا تطور الفن يكون مرتبطاً دائماً بتطور حاجاتنا الاجتماعية الذي يؤدي إلى زيادة استخدام الإشارات الصوتية والمرئية وتوسيع نطاقها. ص 96
• إن الأعمال الفنية تعمل أحياناً على تحويل العادات بدلاً من أن تنقلها كما هي، وإن الأدب يعلم الحياة أكثر مما يتلقى منها المعلومات. (برتليمي) ص121
• القول بأن الإنسان وأهدافه يكون بمعنى ما نتاجاً للمجتمع، وهو قول صادق إلى حد كبير. فإن من الصادق أيضاً القول بأن المجتمع يكون نتاجاً للإنسان وأهدافه. ص 123
• حقاً إن هناك طابعاً اجتماعياً وتاريخياً في الفن لا سبيل إلى إنكاره، ولكن ما هو جوهري في الفن لا يمكن رده إلى المؤثرات والظواهر الاجتماعية والتاريخية التي تظل أمراً محايداً بالنسبة للقيمة الفنية والجمالية المميزة للعمل. ص 124
• يتخذ نقد "علمية" علم الجمال الفلسفي مع الوضعيين المناطقة بعداً أكسيولوجياً خالصاً، إذ يتمركز نقدهم حول مبحث القيمة والحكم الجمالي، ويرتكز نقدهم هنا على أساس من اتخاذ نزعة نسبية ذاتية في تفسير القيمة الجمالية وإنكار كل طابع موضوعي عن أي بحث في مجال القيمة الجمالية، وهذا يعني بالتالي إنكار مشروعية علم الجمال ذاته. ص 131
• إن الجمال ليس بخاصية في الأشياء ذاتها، إنه يوجد فقط في الذهن الذي تأملها، وكل ذهن يدرك جمالاً مختلفاً، فشخص ما قد يدرك حتى تشوهاً بينما يكون شخص آخر حساساً للجمال، وكل شخص ينبغي أن يرتضي ما تمليه عليه عاطفته الخاصة دون ادعاء بتعديل عواطف الآخرين. (ديفيد هيوم) ص 139
• الأحكام الأخلاقية وإن كانت تفترض وجود حالة شعورية، بل وتفصح في الغالب عن موقفنا الشعوري وتتوافق معه، إلا أنها تنطوي على "معانٍ" أو "دلالات" يمكن فهمها وتفسيرها وتبريرها بمنأى عن هذا الشعور؛ لأن مثل هذا الفهم والتفسير لمعنى الحكم الاخلاقي يقتضي الرجوع إلى قرائن وشواهد واقعية واستدلالات عقلية... إلخ. ص 159
• على الرغم من الطابع الموضوعي الذي يميز وقائع القيمة الفنية والجمالية، إلا أنها لا تكون موضوعية بإطلاق. ص 163
• الذات والموضوع يكّونان معاً وحدة الشعور الجمالي حينما تنفتح الذات المدركة على الموضوع وتستجيب لخاصيته الوجدانية. ص 174
• حقاً إن الانفعال من حيث هو حالة من البهجة والمتعة، هو أمر يحدث للذات بالفعل أثناء الإدراك الجمالي، إلا أن مثل هذا الانفعال وينبغي أن نؤكد هذا دائماً يكون مجرد شرط مصاحب للحكم الجمالي دون أن يكون علته. ص 175
• الحكم على العمل الفني لا ينبغي أن يُُعتد به باعتباره حكماً جمالياً إلا عندما يحدث في سياق أو اتجاه جمالي، وهو أمر يتوقف على مدى حظ المرء من الحس الجمالي والثقافة الفنية، ومدى استعداده النفسي أو تهيؤه الوجداني لتلقي العمل. ص 178
• إن الأشخاص الذين بلغوا نفس القدر من نضج الذوق الفني تتقارب أحكامهم الجمالية على نفس العمل بصورة مذهلة. حقاً إننا يمكن أن نجد اختلافات في الأحكام الجمالية لدى أولئك الذين يتخذون اتجاها جمالياً صحيحاً إزاء العمل، وبالتالي يصدرون أحكامهم داخل سياق جمالي؛ ولكن ذلك لا  يعني نسبية الحكم الجمالي، وإنما يعني خصوبة العمل الفني التي تجعل العمل قابلاً لأكثر من معنى وأكثر من تفسير. ص 179
• تبني النموذج التقليدي للعلم الطبيعي باعتباره نموذجاً نهائياً هو أول أوهام علم النفس التجريبي. وعلى هذا الوهم ترتب أخطاء ونواحٍ من القصور عديدة. ص 207
• إن توجه المنهج التجريبي السيكولوجي في مجال الفن والجماليات يكون توجهاً نحو إثبات قضايا جزئية  متغيرة؛ وبالتالي فإنه ينتهي إلى نتائج جزئية لا يمكن تعميمها. ص 235

================================
▬ إن الفنون ذاتها هي جزء من سياق ثقافي كلي، وهي بدورها ثؤثر فيه، بحيث يمكن القول بأن وظيفة الفنون أوسع بكثير من مجرد التعبر عن مدلولها الجمالي، وأن الفن في صوره المتنوعة له وظائق وفيه عناصر سيكولوجية وسوسيولوجية وأخلاقية وميتافيزيقية..إلخ، ولكن هذه العناصر ينبغي أن تبقى متميزة عن البعد الجمالي للفن الذي هو محور اهتمام علم الجمال، فعلم الجمال لا يعير هذه الوظائف أو العناصر اهتماماً إلا بقدر ما يتم التعبير عنها من خلال موضوع جمالي، والفن ينطوي على هذه العناصر جميعاً؛ لأنه رؤية شاملة شمول الحياة، وهو تجسيد لخبرة إنسانية متعددة الأبعاد والعناصر تمثل بالنسبة للفنان المادة الخام التي يقوم بتحويلها من خلال العمل الفني إلى تشكيل جمالي له قيمته المستقلة وأهميته الخاصة. صــ 20

▬ فكرة الكمال في حد ذاتها لا تشكل ماهية الجمال. حقاً إن الكمال - من حيث هو اكتمال ونظام أو نسب منسجمة بين عناصر الشىء أو صورته - يعد عنصراً أساسياً في كثير من الموضوعات الجميلة، ولكنه ليس معياراً أو شرطاً جوهرياً يميز الموضوع الجميل عن غيره من الموضوعات. فلا يكفي أن يسود النظام والتمام أجزاء موضوع ما ليكون بالضرورة موضوعاً جمالياً، فهو قد يكون موضوعاً منظماً فحيب كما هو الحال - على سبيل المثال - حينما يسود النظام إجراءات عمل أو مشروع ما يتم تنفيذه على أتم نحو، أو حينما يتمثل النظام في البناءات الرياضياتية على نحور دقيق مكم البنيان..إلخ. فمثل هذه الموضوعات - وإن كان منظمة - لا توصف بالجمال، اللهم إلا على سبيل المجاز لا الحقيقة. فنحن عندما نصفها بتلك الصفة فإننا لا نقصد أن نعدها بالفعل ضمن الموضوعات الجميلة، وإنما نقصد أنها تبدو شبيهة في بنائها بالموضوعات الجميلة. فالقول بأن كل موضوع جميل يكون منظماً أو مكتملاً لا يعني أن كل موضوع منظم أو مكتمل يكون جميلاً. وحتى القول بأن "كل موضوع جميل يكون منظماً" هو قول مشكوك في مصداقيته. فهو لا يصدق مثلاً على بعض صور الجمال في الفن: فبعض الأعمال الفنية تعبر عن الفوضى وتجسد معنى الاضطراب واللاتحدد وليس النظام.. صــ 32

▬ التصور الوظيفي للجمال في الأشياء المصنوعة لا يفسر لنا الجمال في أي شىء آخر، ولا حتى في مجال الطبيعة أو الأشياء الطبيعية. فأجزاء الجسم البشري على سبيل المثال قد تكون مهيئة للقيام بوظائفها على أتم نحو، ولكن هذا وحده لا يكفي لجعلها جميلة: فالعين الجميلة لا يتوقف جمالها على النحو الذي تؤدي به وظيفتها، ورُبّ عين جاحظة أصح بصراً من عين جميلة. كذلك فإن الأنف الجميل قد يعتريه خلل أو فساد عضوي يعوقه عن أداء وظائفه، ولكنه مع ذلك يظل جميلاً. وفي مقابل ذلك، فإن الأنف المعقوف أو الأفطس قد يقوم بمهمته خير قيام. بل إن علة فقدان الأنف لجماله قد تكون هي نفسها علة قيامه بوظيفته على أتم نحو: فالأنف الزنجي الأفطس قد زُوّدَ بفتحتين واسعتين تنقصان من جماله لتزيدا من ملائمته لمناخ ينقص فيه الأوكسجين. صــ 34

▬ مثل هذا التصور الذي يساوي بين الجميل وما يجلب لنا متعة من خلال الحواس - على أهميته بالنسبة لعلم الجمال - يثير ثلاثة اعتراضات رئيسية على الأقل، فيما يرى شبارشوت: وأول هذه الاعتراضات أن بعض الموضوعات التي يستبعدها هذا التصور في مجال علم الجمال - مثل جمال الموضوعات المعقولة - إنما يتم استبعادها تعسفياً دون تقديم مبررات. وثاني هذه الاعتراضات أن هذا التصور غير مقبول من الناحية الإجرائية؛ فليست هناك معرفة أو متعة يمكن أن تحدث من خلال الحس وحده، وإن ما يمكن وصفه بأنه "حسي خالص" - إذا كان هناك ثمة ما يمكن وصفه بذلك - إنما هو أكثر أشكال المتعة فجاجةً. وثالث هذه الاعتراضات أن كلمة "المتعة" هي كلمة مضللة، حيث أن "السار" أو "الجميل" ليسا مترادفين. صــ 36

▬ حينما نتسائل عن ماهيته (الفن) أو معناه، فالسؤال عن ماهية الفن يصبح أشبه بالسؤال عن ماهية الحياة أو الزمان وما شابه ذلك من تساؤلات ميتافيزيقية عويصة تتعلق بمفاهيم بالغة التجريد. فكل منا يحيا أو يعيش الحياة، ويشعر بالزمان حتى من خلال نبضات قلبه، ولكن ما أن نسأل أنفسنا عن معنى الحياة التي نحياها أو الزمان الذي نشعر به، حتى نجد أنفسنا أمام سؤال تفر إجابته وتهرب منا باستمرار. فالسؤال عن الفن يشبه في طبيعته السؤال الميتافيزيقي المحير الذي ينصب على موضوع أو كيان مجرد. ولذلك فإننا نجد تاريخ الفكر الجمالي حافلاً بالتفسيرات العديدة والمتنوعة لمفهوم الفن، ولكننا - مع ذلك - لا نجد تفسيراً حاسماً أو مرضياً... صــ 41

▬ إن مفهوم الجمال أوسع من مفهوم الفن، من حيث أن الجمال يتجلى في ظواهر أخرى غير الفن، ولكن مفهوم الفن - بدوره - أوسع من مفهوم الجمال، من حيث أن الفن يعبر عن ظواهر أخرى أخلاقية وميتافيزيقية وأيديولوجية واجتماعية وتاريخية...إلخ [..] وبذلك نصل إلى فهم العلاقة بين الجمال والفن باعتبارهما علاقة تداخل بالضرورة؛ فهذه العلاقة الفعلية أو الحقيقية الوحيدة بين الجمال والفن؛ لأن شياً من الجمال يكون فناً، وشياً من الفن يكون جمالاً.. وهذا الشىء أو الجانب المشترك بين الجمال والفن - والذي يكون جمالاً وفناً في نفس الوقت - هو ما نسميه الإستطيقي أو الجمال الفني.. وهذا الجانب المشترك هو أيضاً  الموضوع الأساسي لعلم الجمال المعاصر... صــ 53

▬ نظراً لتعدد السياقات التي تستخدم فيها كلمة الجمال، فقد كثر الخلط واللغو حول مفهوم الجمال الفني، واختلط بغيره من السياقات المتعددة للكلمة في معناها الدارج. ولنقل صراحة ً وبشكل مباشر منذ البداية: إن علم الجمال ليس هو العلم الذي يبحث في الجمال بمعناه الدارج، أو قل إنه ليس هو العلم الذي يبحث في الجمال بإطلاق، وإنما يبحث في نمط أو قطاع خاص من الجمال، هو الجمال المعطى من خلال خبرتنا بالعمل الفني. فالإستطيقي أو الجمال الفني ليس هو ما تعارفنا على تسميته أو وصفه بكلمة الجمال، وإنما هو نمط خاص متميز من الجمال قد يكون مضاداً لمفهوم الجمال بمعناه الدارج، وقد يكون مختلفاً عنه فحسب، وقد يكون غير متعلق به أية علاقة. صــ58

▬ عندما نقول أن "الإستطقي" يمكن التعبير عنه من خلال موضوعات نعتبرها "غير جميلة"، فنحن نعني بذلك أن "الجمال الفني" يمكن التعبير عنه من خلال موضوعات تبدو لنا "غير جميلة" في عالم الحياة اليومية؛ فالإستطيقي ليس هو الجميل الذي اعتدنا تصوره باعتباره مضاداً للقبيح، بل إن القبيح نفسه يمكن أن يكون موضوعاً جميلاً بالمعنى الإستطيقي للجميل، وذلك عندما يعطى لنا من خلال عمل فني. ولذلك يمكن للمرء دائماً أن يتحدث عن "إستطيقا القبح"، أي جماليات القبح أو القبح الجميل. ولعل أبسط مثال يمكن أن نسوقه في هذا الصدد هو لوحة فان جوخ التي تحمل عنونا "حذاء برباط"، والتي اشتهرت باسم "حذاء الفلاحة". إننا لا نجد في اللوحة سوى زوج من الأحذية رُسم بلون بني قاتم، وليس هناك أي شىء آخر في خلفية اللوحة يشير إلى الفلاحة أو عالم الفِلاحة - لا شىء شوى حذاء فظ غليظ ثقيل صعب الاحتمال، نلمس في جلده خشونه، ونرى تمزقاً في أجزائه الداخلية. وباختصار يمكن القول بأن هيئة الحذاء "قبيحة"، فليست هيئته مما يسر الناظرين، وليس منا من يتمناه لنفسه في دنيا الحياة الواقعية. ومع ذلك فإننا يمكن أن نرى هذا الحذاء برؤية أخرى، وذلك حينما نتأمله لا بعتباره حذاءً يمكن أن نرتديه، وإنما باعتباره عملاً فنياً مليئاً بالدلالات الخصبة. فهناك الكثير مما يمكن أن نراه في اللوحة كما يبين لنا هيدجر في تحليله العميق لها: فالأجزاء الداخلية الممزقة في الحذاء تعكس الخطوات المنهكة المكدودة للفلاحة، وفي غلظة الحذاء وخشونته نلمس قسوة العمل ومشقته؛ فالحذاء ثقيل صعب الاحتمال مثلما يكون العمل في الحقل. فمثل هذا الحذاء قد صُمم ليُستخدم في الحقل وحده. وعلى جلد الحذاء تقع رطوبة وخصوبة التربة. وفي الحذاء يتردد النداء الصامت للأرض، وعطاؤها الصامت للغلة. فهذا الحذاء ينتمي إلى الأرض، وفيه تنكشف العلاقة بينه وبين مرتديه بالنسبة للأرض. إنه يكشف عن عالم الفلاحة، ولذلك يرى هيدجر أن لوحة فان جوخ تكشف عن ماهية أو حقيقة هذا الحذاء باعتباره "حذاء فلاحة". وهذه الدلالات المعبر عنها في اللوحة هي ما نسميه الإستطيقي أو الجمال الفني. صــ 59

▬ إن هذه الصلة الوثيقة بين الفن والطبيعة هي نفسها السبب الحقيقي للخلط الذي يحدث بين هذين النمطين من الجمال على نطاق واسع بين الناس. فإذا كان للفن ارتباط وثيق بالطبيعة، فإن الناس يستنتجون من هذه المقدمة الصحيحة نتيجة خاطئة، وهي أن الجمال الفني هو الجمال الطبيعي، أو أن الفنان عندما يصور الطبيعة فإنه ينقل الجمال المتجلي فيها إلى نسيج لوحته في نوع من المحاكاة للموضوع الطبيعي الجميل. وعلى نفس النحو، ينظر الجمهور العادي إلى الأديب على أنه ينقل إلى رواياته أو مسرحياته نماذج من الشخصيات والأحداث التي تثير إعجابنا وتكون محببة إلى نفوسنا في الواقع، ولكن الحقيقة أن الفنان عندما يصور موضوعاً طبيعياً جميلاً فإنه لا ينقله نقلاً حرفياً؛ لأن الموضوع لا يكون مقصوداً في حد ذاته، وإنما هو مناسبة لخلق تعبير جميل، وهذا هو معنى قول كانط: "إن جمال الطبيعة هو شىء جميل، أما جمال الفن فهو تمثل جميل لشىء ما". هذا التمثل أو التعبر الجميل هو إبداع لقيم جمالية تشكيلية من خلال أدوات التعبير الفني، أي تشكيل من (خلال الألوان والخطوط والأصوات والكلمات...إلخ) يهدف إلى تمثل موضوع ما؛ ولذلك فإن "الغاية تكون مفترضة في إدراك النتاج الفني". وهذا التشكيل الفني قد ينصب على موضوع ذي مضون شعوري وجداني أو مضمون فكري تمثلي، أو على صورة مُتخَيَلة. وهذا الأسلوب في التعبير أو التمثيل الجمالي هو الجمال الفني أو ما يُسمى بالإستطيقي. وهو ما ينبغي أن يستحوذ على اهتمامنا حينما نكون بصدد تأمل العمل الفني كموضوع جمالي. صــ 69

▬ يستند رفض الوضعيين "لعلمية" علم الجمال على أساس من تصورهم لمعنى العلم وشروطه. فالعلم عند هؤلاء دراسة تقوم على المنهج الاستقرائي المستخدم في العلوم الطبيعية التجريبية، وهو المنهج الذي يقوم على الملاحظة وإجراء التجارب بهدف استخلاص القوانين العامة التي تفسر الظواهر. وأهم خصائص هذا المنهج: الموضوعية والوصف والقياس، وإمكانية الوصول إلى قوانين حتمية تستند إلى مبدأ العلية ويمكن صياغتها بدقة رياضياتياً [...] وهكذا يمكن القول بأن دوركايم كان يسعى نحو استبعاد منهج البحث الفلسفي من مجال دراسة الفن والظواهر الجمالية باعتباره منهجاً غير مشروع من الناحية العلمية، وبهدف تأسيس علم للجمال يستند إلى منهج وضعي يأخذ بنزعة نسبية اجتماعية تنكر النظرة الفلسفية للفن، وتنظر إليه باعتباره ظاهرة اجتماعية وإنتاج نسبي مقيد بظروف الزمان والمكان، ويتأثر بالبيئة في مختلف أشكالها الطبيعية والاجتماعية. ومن ثم كان للعوامل الاجتماعية - كالدين والعرف والعادات والتقاليد والظاهرات السياسية والاقتصادية - أثراً واضحاً على الفن. وعلى وجه العموم يمكن القول بأن الفن عن دوركايم ينبغي دراسته باعتباره نتاجاً لعقل الجماعة أو لما يسميه بالوعي أو العقل الجمعي collective mind. ص 94 ، 98 ، 99

▬ وهذه النزعة النسبية الاجتماعية قد اتخذت بعداً طبيعياً مادياً في فلسفة الفن عند تين. ولذلك فإن مذهبه في الفن يعرف باسم "المذهب الطبيعي الاجتماعي": فالقضايا التقليدية في مجال فلسفة الفن وعلم الجمال - من قبيل القضايا المتعلقة بطبيعة العمل الفني والقيم الفنية والجمالية والإبداع الفني - يمكن تفسيرها عند تين في ضوء عوامل اجتماعية كالعرف والعادات والتقاليد التي تمثل روح شعب ما، وهذه العوامل الاجتماعية ترتد بدورها إلى عوامل طبيعية مادية، وهي عوامل أو عناصر ثلاثة: الجنس والبيئة والعصر. والمقصود بالجنس هنا الاستعدادات الفطرية الموروثة؛ أما البيئة فهي تشتمل على الطبيعة الجغرافية والاقتصادية والثقافية: فالبيئة الجغرافية ترتبط بنوع خاص من العمل والحالة الاقتصادية، وتخلق حالة مزاجية وأخلاق وعادات. أما العصر فهو يعني هنا الفترة الزمنية التي تتحدد ببعد تاريخي سياسي. وكل ذلك ينعكس في الفن ويحدده، فهذه العوامل تخلق جواً معنوياً أو مناخاً روحياً ينتقي كل عمل فني كما ينتقي الطقس كل نبات.. ص 102

▬ يذهب بعض الباحثين المتأثرين بمثل هذا التصور الماركسي إلى إجمال القول في هذا التصور على النحو التالي: "إن ارتباط التعبير الفني بأنماط الإنتاج التي عرفتها المجتمعات لم يعد يحتاج إلى أدلة من وجهة مادية تاريخية. لقد أمكن لدراسات كثيرة إبراز هذا الترابط بطريقة مقنعة إلى حد التدليل على أن نمطاً معيناً من الفن لم يكن بإمكانه موضوعياً أن يظهر قبل ظهور نمط معين من الإنتاج، وهكذا استطاع البعض تصنيف الخصائص المميزة مضموناً وشكلاً بين فن النظام العبودي - (الذي تتمايز أشكاله حسب مجموعات الشعوب: الشرقية القديمة أو اليونان أو الهند والصين..) - وبين فن العصر الإقطاعي بطريقة مختلفة ومراحل أشكال انتقاله للرأسمالية، وفن النظام الرأسمالي بمراحله وأشكاله المختلفة أيضاً". صـ 108

▬ أول ما نلاحظه من الناحية المنهجية أن أنصار المدرسة الوضعية الاجتماعية كانوا يتبعون التصور المعياري أو "النموذج الإرشادي" لمعنى ومفهوم العلم في عصرهم، وهو تصور أو نموذج صاغه من الناحية العلمية علماء من أمثال كبلر وجاليليو ونيوتن، وعبر عنه صياغة فلسفيةً فرنسيس بيكون ومن نحا نحوه من فلاسفة العلم. ولا شك أن هذا النموذج للعلم أصيح يُنظر إليه الآن باعتباره نموذجاً تقليدياً بالياً لا يصلح لتفسير كثير من الوقائع المشاهدة وغير المشاهدة، ويستند إلى نزعة دوجماطيقية تؤمن بالحتمية وبالتجريب كمحك أو معيار نهائي حاسم لصحة النتائج والقوانين العلمية - في حين أن العلم بمفهومه المعاصر أصبح يتسع لمناهج أخرى غير المنهج التجريبي الاستقرائي، حيث إن القوانين العلمية هنا يمكن أن تُستنبط من قوانين غيرها (أي يمكن التوصل إليها بطريقة لاتجريبية)، وهي تستند إلى نزعة تؤمن بالاحتماية وليس بالحتمية؛ ومن ثم فإنها تستند إلى منهج رياضياتي. صـ 109

▬ لقد فهم دوركايم  الدراسة الوضعية للفن كظاهرة اجتماعية على أنها دراسة للقيم الفنية والجمالية التي تعد - جنباً إلى جنب مع القيم الأخلاقية وسائر ضروب القيم الأخرى - نتاجاً لعقل المجتمع الذي منه تنشأ القيم وتستمد وتتطور بتطوره بشكل مستقل عن إرادة الأفراد، أي تكون نتاجاً لإرادة العقل الجمعي الذي يتعالى على مجموع الأفراد؛ فرغم أنه يتألف من الأفراد، إلا أنه لا يكون حاصل جمعهم وسرعان ما يستقل عنهم بإرادته الخاصة ويوجه أفعالم وسائر سوكهم؛ ومن ثم فإن يبدو أشبه بمركب كيميائي يتميز في خواصه عن خواص العناصر التي تدخل في تكوينه. ولكن فكرة العقل الجمعي على هذا النحو فكرة ميتافيزيقية بالغة التجريد لا تختلف كثيراً - من هذه الناحية - عن فكرة المطلق الهيجلي. وهكذا فإن التفكير الوضعي يكون هنا مرة أخرى غارقاً في الميتافيزيقا التي زعم الوضعيون أنهم أرادوا تقويضها. وعلاوة على ذلك، فإن فكرة العقل الجمعي لا تفسر لنا التناقضات التي نجدها في سلوك الفرد، فالفرد حينما يطيع قيم المجتمع السائدة وحينما يحاول التغلب عليها أو تغييرها، فإنه في كلتا الحالتين يحقق إرادة العقل الجمعي، لا فرق في ذلك بين الإذعان للمجتمع وعصيانه. وبذلك أصبحت فكرة العقل الجمعي أو المجتمع مشجباً تعلق عليها حلول كافة المشكلات والتناقضات في مجال الأخلاق والقيم بوجه عام.  ولقد رأى الوجوديون في هذه النزعة الحتمية الاجتماعية محاولة لتملص الإنسان من حريته، وتجنبه مشقة الاختيار، واستسلام للواقع الاجتماعي، وإغفال للطابع الفردي الشخصي الذي تكمن ماهيته في الاختيار. صــ 113 ، 114

▬ ومن المآخذ التي نأخذها على موقف الوضعيين الاجتماعيين - وخاصة ليفي بريل - من علم الجمال الفلسفة، تلك الأغلوطة التي أذاعوها وروّجوا لها حتى كادت أن تستقر في الأذهان كما لو كانت  حقيقة واضحة بذاتها، وهي الأغلوطة التي تتمثل في إقامة نوع من التعارض والقطيعة بين مجالين من البحث في القيم: مجال ما هو كائن ومجال ما ينبغي أن يكون، وذلك على اعتبار أن الأول يتصف بالعلمية من حين إنه يكون وصفياً، أي يختص بوصف القيم كوقائع توجد في زمان ومكان ما (وبالتالي تكون نسبية متغيرة)؛ في حين أن المجال الثاني يرد القيم إلى مبادىء أو معايير ثابتة تتخطى نطاق الوقائع المتغيرة التي تقبل الوصف والقياس، ومن ثم فإنه لا ينتمي إلى مجال العلم، ولكننا نرى أن هذا التعارض وتلك القطيعة بين هذين المجالين لهو أمر ينطوي على سوء فهم وخلط بين المفاهيم، وفيما يلي إيضاح ذلك: ينبغي أن نلاحظ أولاً أنه لا يوجد أدني تعارض أو تناقض بين إمكانية دراسة القيم من منظور علم الاجتماع بوصفها وقائع نسبية متغيرة، وبين دراستها من منظور الفلسفة بوصفها معايير أو مبادىء عليها تتجاوز الوقائع المتغيرة؛ وبالتالي لا يكون هناك معنى للمطالبة بإحلال المجال الأول محل المجال الثاني باسم النزعة العلمية... صــ 115 ، 116

▬ ليس في وسع أحد أن يقرر للفنانين ما الذي ينبغي أن يفعلوه؛ لأن هذا يتنافى مع طبيعة الإبداع نفسه. وليس في مقدور أحد كذلك أن يحدد مسبقاً للمتذوقين ما الذي ينبغي عليهم أن يدركوه حينما يلقون العمل الفني؛ لأن العمل الفني نفسه - بقدر خصوبته - يتسع لتفسيرات ومعانٍ عديدة. إن ما نقصده ببساطة حينما نتحدث عن طابع معياري لعلم الجمال، هو أننا نجد المعايير أو الشروط مستخلصة ضمناً من خلال الوصف الذي يقدمه علم الجمال - المعاصر على الأقل - لظاهرة ما من الظواهر الجمالية. فما الذي يفعله عالم الجمال حينما يقدم لنا رؤية تنطوي على بعض المعايير المميزة لما نسميه فناً على سبيل المثال؟ إنه ببساطة ينتقي بعض الأمثلة أو النماذج من الأعمال الفنية التي نتفق جميعاً على أنها تعد أعمالاً فنية رفيعة تنال على الدوام إعجاب جمهور النقاد والمتذوقين المحنكين من ذوي الثقافة الفنية، ثم ينظر في بنية هذه الأعمال ويصفها، بهدف الوصول إلى الخصائص العامة المشتركة التي تجعلنا نميزها كأعمال فنية. وموقف عالم الجمال هنا لا يختلف كثيرا عن موقف عالم النحو أو فيلسوف العلم: فما الذي يفعله عالم النحو؟ إنه بلا شك لا يضع قواعد النحو من عندياته، وإنما يستخلص هذه القواعد من خلال وصف اللغة المنطوقة والمستخدمة في مصادرها الأصلية [..] وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن الطابع المعياري - بالمعنى الذي أوضحناه - لا يتعارض مع الطابع الوصفي للعلم، ومن ثم فإننا لن نجانب الصواب إذا قلنا: إن كل علم يكون بمعنى ما معيارياً ووصفياً في آن واحد. صــ 118 ، 119

▬ يقول آير: "ليست هناك أية معقولية في أن نُضفي شرعية موضوعية على الأحكام الجمالية، وليست هناك إمكانية للبرهنة على مسائل القيمة في الإستطيقا، فما يمكن البرهنة عليه هو فقط مسائل الواقع،  فالتناول العلمي للإستطيقا يُفترض أن يبين لنا ما هي بوجه عام الأسباب التي أحدثت الشعور الجمالي، ولماذا أنتجت مجتمعات متباينة ما أنتجته من أعمال فنية وأجبت بها، ولماذا تتباين الأذواق كما يحدث بالفعل داخل مجتمع ما، وهكذا. وهذه المسائل هي مسائل سيكولوجية وسوسيولوجية مألوفة. وهي بالطبع مسائل لها ارتباط ضئيل أو ليس لها ارتباط على الإطلاق بالنقد الجمالي كما نفهمه. ومرجع هذا أن هدف النقد الجمالي ليس هو تقديم معرفة بقدر ما هو توصيل لانفعال.... وينبغي أن يكون واضحاً الآن أن المعرفة الوحيدة التي يمكن أن نستمدها بطريقة مشروعة من دراسة خبراتنا الجمالية والأخلاقية، هي معرفة عن أسلوب بناء حالاتنا الذهنية والفيزيقية. ونحن نضع هذه الخبرات في حسباننا باعتبارها تمدنا بمعطيات تقوم عليها تعميماتنا السيكولوجية والسوسيولوجية. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها أن تفيد في زيادة معرفتنا". ومعنى هذا أن الوضعيين المناطقة يميزون بين أسلوبين من الكلام عن القيم، أحدهما غير مشروع والآخر مشروع: أما الأسلوب غير المشروع  فهو إصدار أحكام جمالية (أو أخلاقية) تعبر عن حالة ذاتية شعورية، أي عن ميل خاص أو هوى في النفس. وأما الأسلوب المشروع فهو أن تكون هذه الأحكام بمثابة وصف لمشاعر وميول وأهواء الناس إزاء موضوعات معينة. فهنا فقط يكون الكلام مقبولاً لا غبار عليه؛ لأننا لا نستطيع الاحتكام إلى علم من علوم الطبيعة وهو علم النفس لنرى مدى صدق هذه الأحكام. وقصارى القول أن هناك فرقاً بين الكلام المعياري عن القيم والكلام الوصفي عن المعايير القيمية (جمالية كانت أو أخلاقية) لدى الناس أو المجتمعات المختلفة. وهذا يعني في نهاية الأمر أن الإستطيقا لا تكون ممكنة كعلم إلا باعتبارها فرعاً من فروع علم النفس أو علم الاجتماع أو ما شاكل ذلك من الدراسات التجريبية. صـ  147 ، 148

▬ إذا انتقلنا الآن إلى مراجعة الأساس المنطقي أو مبدأ التحقق الذي أقام عليه الوضعيون دعواهم في استبعاد مشروعية البحث في مجال القيم، فإننا يمكن أن نسوق العديد من الملاحظات النقدية على هذا المبدأ: وأول ما يمكن أن نلاحظه على مبدأ التحقق هو أن هذا المبدأ يعد من الناحية الشكلية "صيغة تناقض ذاتها" أو "قضية تنكر ذاتها"، لأن هذا المبدأ قد تمت صياغته في صورة قضية تنص على أن: "القضايا العلمية ذات المعنى هي القضايا التي تكون إما تحليلية أو تأليفية"، ونحن يحق لنا أن نتساءل عن مكانة أو موضع هذه الصيغة نفسها من القضايا التحليلية والتأليفية، فصيغة هذا المبدأ لا تنتمي إلى القضايا التحليلية الأولية، ولا إلى القضايا التأليفية التجريبية، وهذا يعني ببساطة أن مبدأ التحقق نفسه لا يمكن التحقق منه. صــ 150 ، 151

▬ [..] ومن الأمثلة أيضاً على هذا النوع من كيفيات القيمة الفنية: الترتيب والتأليف الهارموني لعناصر وتفاصيل العمل، بحيث لا تكون "التيمة" اللحنية (كمال في العمل الموسيقي) أو الفكرة الرئيسية (كما في العمل الأدبي) منفردة وحدها بالحضور على نحو متكرر يبعث على الملل، دون أن تكون لها أصداء وتنويعات داخل العمل. ومن أمثلة النوع الثاني من كيفيات القيمة الفنية التي تتعلق بأسلوب التنفيذ أو أسلوب التعامل مع الوسيط المادي كما يتجلى في عمل أو أعمال فنية لدى فنان ما، ذلك الأسلوب في أعمال رودان النحتية المصنوعة من الرخام والذي يتميز بالإتقان الفائق والنعومة الواضحة في معالجة السطح الرخامي حينما يتمثل جسم إمرأة، وبحث نكون في مشاهدتنا للتمثال في حال اتصال بصري، لا بالرخام، وإنما بلحم بشري وهذه العملية التمثيلية في كيفية تحقق قيمة فينة معينة تقوم على التمثيل البارع لموضوع تكون خصائصه مغايرة تماماً للمادة التي يتشكل منها العمل النحتي. ونحن من جانبنا يمكن أن نضرب أمثلة أخرى عديدة على هذا النوع، وذلك عندما نلاحظ على سبيل المثال أسلوب تعامل رمبرانت مع الضوء أو التأثير الذي تحدثه ضربات فرشاة فنان آخر على سطح اللوحة.. إلخ. ولكن في كل هذه الحالات من كيفيات القيمة الفنية تكون لدينا نتيجة واحدة وهي: أن هذه الكيفيات تكون ماثلة في العمل بحيث يمكن وصفها والتحقق منها بطريقة مباشرة، بخلاف ما يزعم أصحاب النظرية الانفعالية. صـ 168 ، 169

▬ قد يعكس الاختلاف في الموقف أو الحكم الخلقي لفريقين اختلافاً في النظرة الميتافيزيقية لكل منهما. ففي بعض المجتمعات البدائية مثلاً، يسود الاعتقاد بأن الإنسان بعد مماته تنتظره حياة ثانية، ولكن حالته الفيزيائية في حياته الثانية ستكون تماماً كحالته الفيزيائية التي انتهى إليها في حياته الأولى. إن هذا يفسر لنا لماذا يمارس الأبناء في هذا المجتمع عادة قتل الوالدين قبل بلوغهما السن الذي يُعتقد أنه يُشكل بداية تدهور حالتهم الفيزيائية. نحن هنا طبعاً لا  نشارك أبناء هذا المجتمع اعتقادهم بأن الإنسان في حياته الآخرة سيكون على نفس الحالة الفيزيائية التي كان عليها في آخر حياته السابقة. ولأننا لا نشاركهم اعتقادهم الميتافيزيقي أو الديني هذا، فإننا ننظر إلى قتل الوالدين غير نظرتهم إليه. ولكن من الملاحظ ها هنا أن كلينا يعمل بنفس المبدأ الخُلقي، وهو المبدأ الذي يقضي بأن يكرم كل منا أباه وأمه. فإن الاختلاف في موقفنا من قتل الوالدين لا يعكس إذن اختلافاً في المعيار الخُلقي الذي نعمل به. ص 176 ، 177

▬ والحقيقة التي باتت الآن واضحة والتي يمكن أن نخلص إليها مما تقدم، هي أن هناك دائماً معياراً موضوعياً لأحكاء القيمة المتعلقة بعمل فني ما، سواء كانت هذه الأحكام ترد من جانب المتذوق أو الناقد. فحكم القيمة ليس مسألة تفسير ذاتي للعمل أو أثر نفسي يتركه العمل فينا كما يظن أصحاب النظرية الانفعالية، فنحن في حالة تأمل الطبيعة نكون أحراراً في رؤيتنا لها، أما في حالة تأمل الفن لا يكون لنا نفس الحرية؛ لأن الفنان باختياره للملامح التي يبرزها في عمله الفني إنما يوجه رؤيتنا ويتحكم في الكيفية التي بها نرى أو نسمع العمل، بحيث يمكن القول في النهاية إن "التوافق مع قصديات الفنان يبدو أمر يمدنا بمعيار صارم لمشروعية تفسير ما". ص 185

▬ إن الدراسات التجريبية في مجال سيكولوجيا الفن قد سارت في نفس الطريق الذي رسم فخنر معالمه. فالتجارب الحديثة في هذا المجال هي تنويعات على تجارب فخنر الأولية، وخاصة بالمتعلقة بمنهج التفضيل والاختيار، وهي محاولات دءوبة لمد نطاق التجريب إلى مناطق جديدة باستمرار، ولعلاج وجوه القصور المنهجي في إجراءاته التجريبية، ولتطوير إجراءات التجريب فيما يتعلق بتحصيل وتسجيل أحكام الذوق من خلال أدوات منهجية أكثر تعقيداً تقوم على استخدام التقنيات الرياضياتية في تحليل معطيات التجربة التي يتم تحصيلها من أحكام الأشخاص الذين تجرى عليهم التجارب، بهدف إمكانية مقارنة الموضوعات المفحوصة بطريقة كمية رياضياتية، وعلى نحو يكفل قدراً أكبر من الدقة والضبط التجريبي. صـ 193

▬ مهما تعددت صور الاتجاه التجريبي في مجال الجماليات، فإن هذا الاتجاه على اختلاف صوره وأدواته البحثية سواء من حيث تطورها أو تعقدها أو تنوعها هو استمرار وتدعيم لمحاولة فخنر في تأسيس إستطيقا تجريبية في مقابل الإستطيقا الفلسفية، بل كبديل لها. وهذه الإستطيقا التجريبية تريد أن تؤكد وجودها وتميزها كعلم بديل للإستطيقا الفلسفية من خلال ثلاث خصائص أساسية تميزها عن هذه الأخيرة بصورة قطعية، وتجد فيها سنداً لدعواها أو مشروعيتها كعلم: فهي أولاً تستند على منهج تجريب يقوم على دراسة الوقائع في مقابل إستطيقا نظرية تقوم على التأمل. وهي ثانياً تُعنى بالكم في مقابل إستطيقاً تُعنى بالكيف في أحسن الأحوال. وهي ثالثاً تتميز بطابع وصفي في مقابل إستطيقاً تتميز بطابع معياري. صــ 201


▬ إن تصور دور علم النفس التجريبي في مجال الفن والجماليات على أنه يمثل قيمة علمية أعلى من أي منحى آخر في دراسة هذا المجال، إنما هو تصور غير علمي، بمعنى أنه تصور يخرج من إطار العلم بمعناه الرحب، وينتمي إلى نزعة تعالمية تحتمي بمنهج واحد وتظن أنه المنهج العلمي الوحيد والمشروع، في حين أنه لا يمثل في الحقيقة سوى منهج واحد في الاقتراب من مجال الفن والجماليات، فضلاً عن إنه ليس بأفضل المناهج، إن لم يكن أكثرها قصوراً وضعفاً. صـ 237

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الفلسفة الإسلامية (رجاء أحمد علي)

• صحيح أن الفلسفة الإسلامية تأثرت بأرسطو إلا أن لها خصائصها التي تميزها وتجعلها تختلف عن غيرها فهي وليدة ظروف خاصة بها.
• حاول المعتزلة تأويل كل الآيات القرآنية التي تفيد التجسيم بما يتوافق مع تنزيه الله، كذلك أنكروا رؤية الله بالإبصار لاقتضائها الجسمية والجهة.
• هكذا كانت معركة الجمل هي نقطة البدء لكل تطور سياسي ديني لاحق بالنسبة إلى عدد كبير من المسلمين، لأن موقعة الجمل ومن بعدها صفين أثارتا المشكلة العقلية الأولى والتي تتمثل في الحكم على مرتكب الكبيرة.
• مصدر المعرفة عند النبي والفيلسوف واحداً، وإن كان يختلف طريق كل منهما في الوصول لهذا المصدر. (الفارابي)
• إن الاهتمام بالجانب السياسي عند مفكري الإسلام يظهر جلياً في أول مسألة ظهر فيها الصراع القديم القائم حول مسألة الإمامة أو الخلافة، هذا الصراع الذي حُوِّل مساره وبعد أن كان فيها صراعات سياسية أصبحت تلك الأحزاب السياسية فرقاً دينية..

===============================
▬ المعتزلة هم الواضعون الحقيقيون لعلم الكلام، ولا تكاد توجد فكرة هامة فيه إلا ولها أصل لديهم، عرضوا لبعض مشاكله في أوائل القرن الثاني الهجري وشغلوا به نحو قرن ونصف في دراسة جادة ومتنوعة والحق أن مدرسة المعتزلة من أخصب المدارس العقلية في الإسلام فكراً ورجالاً، فلسفت أمور لم تُفلسف من قبل وعالجت مشاكل فيها عمق دقة وكالكمون والطفرة والتولد وابتكرت حلولاً جديدة فهي بحق فلسفة الإسلام. صــ 18

▬ نفى المعتزلة أدنى مماثلة بين الله والإنسان ولجأوا إلى وصفه بصفات السلب ذلك لأن كل ما يرد على خاطر الإنسان من صفات لابد أن يكون الله خلاف ذلك. أيضاً نظر المعتزلة إلى الصفات على أنها اعتبارات ذهنية عقلية تمثل وجوهاً مختلفة  فالتنزيه المطلق الذي يفهم من موقف المعتزلة في وصفهم الله بصفات السلب فقط قد تبعه خطوة أخرى ذهبوا فيها إلى ضرورة وصف الله بمجموعة من الصفات الإيجابية التي وصف بها نفسه بشرط أن لا نفهم من هذه الصفات أنها معاني قديمة قائمة بالذات، لأننا لو فعلنا ذلك فقد أثبتنا إلهين أو أكثر ووقعنا في التعدد، فالصفات عندهم ليست مستقلة عن الذات، وإنما هي عين الذات، فالله حي بذاته لا بحياة، عالم بذاته لا بعلم، قادر بذاته لا بقدرة.. صــ 23

▬ لقد أراد الأشعري التوسط بين طرفين كلاهما متطرف فخشى أن يذهب دين الله وسنة رسوله ضحية الآراء المتطرفة من يمين أو يسار فحاول أن يوفق بين هذه الآراء وانتهى إلى ألا يجعل العقل كل شيء كما أراد المعتزلة وألا يجعل الإيمان بالنص وحرفيته كل شيء كما أراد المتطرفون من أهل السنة وإتباع السلف، فمن جهة رأى أن العقل وحده لا يكفي الدعم الدين إذ لو كان أمره كذلك بماذا تكون قيمة الإيمان بالله وبالكتاب المنزل أليس الإيمان بالغيب مبدأ أسياسياً في الحياة الدينية؟ صــ 30

▬ ترتبط الحرية الإنسانية عند الفرق الكلامية بموضوع غاية في الأهمية هو موضوع الجبر والاختيار وخلق الأفعال، تلك المشكلة التي أخذت اتجاهين متباعدين كلاهما نقيض الآخر، فأصحاب الاتجاه الأول نظروا إلى هذه المشكلة على أنها مشكلة ميتافيزيقية بحتة، أي مشكلة تمس صميم الاعتقاد كالجبرية والأشاعرة والمتصوفة، أما أصحاب الاتجاه الآخر فقد نظروا إلى هذه المشكلة على أنها مشكلة تتصل بالعمل لا صلة لها بالميتافيزيقا، فهي تدخل في مجال الأخلاق، فالقول بحرية الإرادة مسلمة ضرورية لدواعٍ أخلاقية عملية، فحرية الإنسان ليست موضوع اعتقاد، لأن العقائد تتعلق بحقائق الوجود مستقلة عن كل فعل إنساني كالإيمان بوجود الله. صــ 39

▬ [...] من هنا نستطيع القول أن العالم عند الفارابي قديم بمعنى أنه لا يوجد زمان سابق على وجوده، لكنه محدث، أي أنه ممكن بذاته وواجب بغيره، فهو تابع لغيره، بمعنى أنه يحتاج في وجوده إلى علة تخرجه من الإمكان إلى الوجوب أو باصطلاح أرسطو من القوة إلى الفعل، وهنا قد لا نجد خلافاً بين هذا القول وبين ما جاء به الشرع، من أن العالم حادث، فالحدوث هو حدوث ذاتي وليس حدوثاً زمانياً. صــ 84


▬ إذا كان علم أصول الدين هو أول العلوم النقلية العقلية التي نشأت حول القرآن الكريم فإن علم أصول الفقه هو العلم الذي يدرس التنزيل، يدرس كيف ينزل الوحي وكيف أستفيد منه فهو منهج تحويل الوحي إلى واقع عملي وعلى ذلك فعلم أصول الفقه علم عقلي منطقي لا دخل له بالعقائد فهو علم لا يتأسس على الله ووجوده فهو يهتم بالمحور الأفقي الذي يشمل الرسالة والمُرسل إليهم ولا يشمل أي من الغيبيات، وهذا على خلاف علم أصول الدين (علم الكلام) الذي يبحث في العقائد وأيضاً التصوف الذي هو علم التأويل ونعني به التأويل الروحي الباطني الذي يختلف بل ويتعارض مع تأويل الفلاسفة والمتكلمين الذين يؤولون تأويلاً مجازياً وعقلياً أما تأويل المتصوفة فهو تأويل قلبي. صــ 196

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة (فؤاد زكريا)


• إن دعاة تطبيق الشريعة يرددون عبارات ذات تأثير عاطفي هائل على الجماهير، ونتيجة لهذا التأثير العاطفي تمر هذه العبارات دون أن يتوقف أحد لمناقشتها، وتتناقلها الألسن محتفظة بمحتواها الهلامي، حتى تشيع بين الناس وكأنها حقائق نهائية ثابتة، مع أنها في ضوء التحليل العقلي عبارات مليئة بالغموض والخلط.
• إن الرجوع إلى نصوص إلهية لا يحول دون تدخل العنصر البشرية في اختيار النصوص الملائمة وتفسيرها بالطريقة التي تُرضي مصالح الحكم، على نحو ما كان يحدث طوال معظم فترات التاريخ الماضي والحاضر.
• إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة، التي تعلو أصواتها في الآونة الاخيرة الراهنة، ترتكز بلا شك على قاعدة جماهيرية واسعة. وكثير من أنصارها يتخذون من سعة الانتشار هذه حجة لصالحها، ويستدلون على صحة اتجاههم من كثرة عدد أشياعهم وأنصارهم.
• إن العقل الذي اعتاد أن يسير في اتجاه واحد، والذي يعجز عن فهم حقيقة النسبية وتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة، لابد أن يوصل أصحابه، دون أن يشعروا، إلى هذه النتائج الخطيرة. وهكذا يصبح من بديهاتهم التي لا تناقش، الاعتقاد بأن الشك خطيئة، والنقد جريمة، والتساؤل إثم وجريرة.
• الإسلام البترولي يُبعد أذهان الشعوب التي تدين به عن المشاكل الداخلية والخارجية لمجتمعاتها، ولكنه لا يمس مصالح الدول الرأسمالية الكبرى في البترول.
• إن المراة يجب أن تكون مستورة حتى لا يشك الرجل في بنوة أبنائه منها! (الشيخ الشعراوي) صـ 30
• إن علوم الفضاء وتكنولوجيا الأقمار الصناعية كلها لا تساوي شيئاً، وإن الإنسان الذي اخترع "ورقة الكلينكس" أو عود الكبريت قد أفاد البشرية بأكثر مما أفادها الذي اخترع صاروخاً يصل إلى القمر! (الشيخ الشعراوي)
• إن الهجوم على العقل البشري واتهامه بالقصور أصبح سمة من أبرز السمات المميزة للدعوات الإسلامية المعاصرة.
• إن أكبر ما يُلحق الضرر بالدعوات الإسلامية المعاصرة، على اختلاف دروبها واتجاهاتها، هو حالة الجهل التي تنشرها بين أنصارها، والأدهي من ذلك أن هذا الجهل يبدو لأصحابه علماً واسعاً يرد على جميع التساؤلات ويبدد كل الشكوك. صــ  44
• إن الصدام بين ثورة يوليو وبين الجماعات الإسلامية كان في جوهره سياسياً لا عقائدياً، وكان صراعاً للقوى لا صراعاًً بين الأفكار. صـ 128
• إن دعاة الإسلام الشامل ينادون بتطبيق منظور واحد في ميادين الفكر والاقتصاد والسياسية والفن والأدب. صــ 164
• إن التجارب المعاصرة في تطبيق الشريعة كانت كلها فاشلة.. ألم يكن ذلك وحده كافياً لكي يتريث دعاة تطبيق الشريعة، ويتفرغوا لوضع برنامج مدروس دون تكرار المآسي والمهازل التي ارتطبت بتطبيق الشريعة في الآونة الأخيرة بين جيراننا الأقربين ؟

==============================
▬ الواقع أن التجاهل التام للتاريخ، وإغماض العين عن الدروس التي يقدمها الواقع الفعلي، لا يميز موقف الحركات الإسلامية من التجارب المعاصرة لتطبيق الشريعة فحسب، بل إنه هو السمة البارزة التي تميز موقفها من كافة التجارب السابقة، على مر التاريخ الإسلامي. فهذه الحركات الإسلامية ترسم لنا صورة للتاريخ الإسلامي مستمد من النصوص الدينية فحسب. فإذا تحدثنا مثلاً، عن موقف الإسلام من العدالة الاجتماعية، جاء حديثها مليئاً بالآيات والأحاديث النبوية التي تدعو إلى تلك العدالة، أو التي تقبل التفسير في هذا الاتجاه. وهي تقف عند هذا الحد، وتتصور أنها قد أثبتت بذلك قضيتها الرئيسية، وهي أن الإسلام يدعو إلى العدالة الاجتماعية، وأن هذه العدالة الاجتماعية تتحقق في الإسلام خيراً مما تتحقق في أي نظام آخر. ولكن، هل تعد الإشارة إلى النصوص وحدها كافية لإثبات هذه القضية؟ لنضرب مثلاً مأولوفاً لنا جميعا: إن لغالبية الساحقة من دساتير بلاد العالم الثالث تمتليء بنصوص رائعة عن تحقيق العدالة والمساواة وضمان الحريات واحترام حقوق الإنسان، إلخ... ولكن هل يكفي أن نتناول النصوص الدستورية، في بلد بأمريكا اللاتينية تعبث بمصيرها دكتاتورية عسكرية دموية، فنقول أن العدالة والحرية مستتبان في هذا البلد لأن المادة كذا من دستوره تنص على إقرار العدالة الاجتماعية والاقتصادية وإقرار الحريات الأساسية؟ أليس من الواضح أن الرجوع إلى النصوص وحدها لا يسمح على الإطلاق بالحكم على أوضاع مجتمع مان أو حضارة ما ؟ صــ 8 ، 9

▬ إن التصعب لوجهة نظر دينية واحدة، بل لاتجاه طائفة أو جماعة معينة داخل وجهة النظر هذه، يُلحق بالعقل تشويهات خطيرة، ليس أقلها ذلك الإنغلاق الفكري الذي يوهم المرء بأنه هو الذي يملك الحقيقة كاملة، وبأن كل من لا يسيرون في طريقه على باطل. هذا الإحساس باليقين المطلق شديد الخطورة على التكوين العقلي للإنسان، وخاصة إذا تملكه وهو ما يزال في شبابه المبكر. ومن المؤسف أن هذا الإحساس لا يقتصر تأثيره على المسائل الدينية وحدها، بل إنها يمتد إلى كافة جوانب حياة الإنسان. وهكذا تجد الشاب الذي يخضع لمثل هذه المؤثرات ميالاً إلى الجزم والتأكيد القاطع في كل شيء، لا يؤمن بتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة، بل يريد في كل الأمور رأياً واحداً وإجابة نهائية يرتاح إليها ويتوقف عندها ويكف بعدها عن التساؤل. وحين تصبح هذه عادة عقلية مستحكمة فإنها تطمس الروح النقدية وتهدم القدرة على الابتكار وتجعل من التجديد آفة ينبغي تجنبها، ومن الإبداع بدعة لابد من محاربتها. صــ 17

▬ [...] ولكن الظاهرة المؤلمة هي أن الدعاة الإسلاميين عندنا، حين يتحدثون عن ثقافة الغرب ويوجهون إلينا هجومهم، يرددون عبارات محفوظة وأحكاماً مكررة وكلاماً غير علمي، ويظل هذا الكلام يزداد ويعاد من فوق المنابر وفي أوسع أجهزة الإعلام، فتأتي الأجيال الشابة التي تثق في كلام شيوخها ثقة مطلقة، لتحفظ  هذه الجمل والأحكام المتهافتة وتكررها حرفياً في كل مناسبة، وتتصور أنها بذلك قد أحاطت بكل جوانب الموضوع علماً. وهكذا تسمع أحكاماً فجة عن نظرية التطور، يؤكد فيها أكثر من كاتب أن داروين كان يهودياً (مع أنه كان مسيحياً مخلصاً)، وأن هناك عصابة ثلاثية يهودية تريد نشر الإلحاد والإباحية في العالم، تتألف من داروين وماركس وفرويد، وتشكل أهم عنصر في مؤامرة عالمية يهودية. هؤلاء السادة يختزلون النظريات التي أقامت الدنيا وأقعدتها وهزت العالم، في جملة أو جملتين سخيفتين لا فهم فيه ولا عمق، يرددها الداعية ثم يبتسم ابتسامة الثقة والعلم والرضا عن النفس، كأنه أجهز على هذه النظريات وطرح أصحابها أرضاً بعباراته الفجة [..] انتقدوا ما شئتم، أيها السادة، فهذه النظريات كانت بالفعل، وما زالت، تتعرض لنقدٍ شديد، ولكن ليكن نقدكم مبنياً على فهم ومعرفة وتعمق، لا على جهلٍ وسطحية وغثاثة [..] ولكن، كيف يأتي العلم في ظل المنهج السلطوي الذي تطرح به هذه الدعوة الدينية في زمننا التعيس ؟ صــ 42 ، 43

▬ [..] ولما كان التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية هو الهدف الأكبر، فإن من أهم أسباب حكمهم بإعدام السادات، كما قلنا من قبل، أنه اقترب بهم كثيراً من تحقيق هذا الهدف، ثم تراجع عنه في اللحظة الأخيرة. ويعبر الكثيرون عن ذلك أصدق تعبير حين يعربون عن تلك الآمال العريضة التي انتعشت لديهم بفضل وجود وعود صوفي أبو طالب، رئيس مجلس الشعب، ثم شعورهم بالإحباط الشديد حين لم تتحقق هذه الآمال. وكمثال على ذلك، نستمع إلى عبد الحميد عبد السلام وهو يقول "وكان أملنا في مجلس الشعب عند تعين صوفي أبو طالب رئيساً له، وإصدار قرارات بتقنين الشريعة الإسلامية، وحتى الآن لم يحدث أي تقدم أو جديد في هذا الأمر". صــ 87

تبرز أمام المفكر السياسي مشكلة حقيقية يصعب إيجاد حل لها: إذ يبدو أن بلادنا أصبحت الآن أمام خيارين كليهما أتعس من الآخر: فإما أن نكتفي بفكر متقدم مستنير قادر على الفهم والنقد والتحليل، ولكنه عاجز عن الحركة، وإما أن نسير وراء فكر متخلف، قاصر في فهمه ونقده وتحليله، ولكنه هو وحده القادر على التحرك. لقد أصبح المأزق الحقيقي الذي تعاني منه مصر، في تطلعها إلى المستقبل، هو اضطرارها إلى أن تختار بين فكر بلا فعل، وفعل بلا فكر. وأحسب أنه لن يكون لنا خلاص إلا في اليوم الذي يصل فيه الذين يفكرون إلى المستوى الذي يتيح لهم أن ينقلوا فكرهم إلى حيز الفعل المؤثر والفعال، أو يصل الذين يفعلون إلى المستوى الذي يدركون في قيمة الفكر المتفتح والعقل المستنير. صــ 116


▬ إن أنصار تطبيق الشريعة يداعبهم حلمٌ ورديٌ رائع، ولكن مشكلتهم أنهم لا يبذلون أي جهد لترجمة هذا الحلم إلى لغة الواقع. وهذه الترجمة تحتاج إلى استعياب كافة دروس الماضي والحاضر واستخلاص دلالاتها، وتحتاج إلى وضع ألوف التفاصيل الدقيقة والضوابط المحكمة بحيث لا يسمح للمنحرفين باستغلال مرونة العموميات في تحقيق مآربهم الخاصة، وتحتاج قبل هذا وذاك إلى التفكير في مدى ملاءمة هذه الدعوة للحظة الزمنية الحاضرة، وفي الأسباب التي تؤدي إلى التركيز على أهداف لا علاقة لها بالمشكلات الطاحنة التي يعانيها الإنسان المصري في كل لحظة من لحظات يومه. وأهم عناصر هذا الحلم الوردي هو الاعتقاد بأن تطبيق الشريعة سيؤدي آلياً إلى تبخر كل ما نعانيه من مشكلات. كيف ؟ لا أحد يدري، وأغلب الظن أن معظمهم يعتقد في قرارة نفسه بأن العناية الإلهية سترعانا بمجرد أن نطبق الشريعة، ومن ثم فإن قوى السماء ستتدخل من أجل حل مشكلاتنا دون أن يبذل الإنسان جهداً يذكر.. وفي غمرة النشوة التي تبعثها العبارات الساحرة الخلابة، لا يخطر ببال أحد أن يتساءل: هل حدث شىء من ذلك في تجربة تطبيق الشريعة في السودان أو باكستان أو غيرهما؟ ألم تستفحل مشاكل هذه البلاد في ظل أنزمة تزعم بأنها لا تطبق سوى أحكام الإسلام؟ صــ  176

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

انقراض العالم الثالث (أزوالدو دو ريفرو، ترجمة فاطمة نصر)


• إن التنمية لا تتعدى كونها إسطورة تساعد الدول المتخلفة على إخفاء أوضاعها التعيسة والدول المتقدمة على إراحة ضمائرها.
• إن التنمية الاجتماعية والاقتصادية هي مجرد أسطورة تروج لها الطبقات السياسية والتكنوقراطيات الدولية في هذه البلدان الفقيرة، حيث أنه، وبعد خمسين عاما من التجارب على التنمية ومليارات الدولارات من المعونات، مازالت غالبيتها دولاً متخلفة.
• كيف لأشباه الدول القومية أن تصبح قابلة للحياة اقتصاديا في ظل ما تشهده من تفجر النمو السكاني، واقتصار صادراتها على المواد الأولية، أو المواد التي تخضع للقليل من المعالجة، والتي تَراجَعَ الطلب عليها إلى حد كبير وانخفضت أسعارها بحدة؟
• كوكبة العالم المالي هي إحدى الظواهر متعدية/القومية التي ألحقت أعظم الأضرار بالسيادة القومية وأضعفتها، وأدت إلى فقدان الدول القومية ذات السيادة التحكم في عملاتها وسياساتها المالية.
• في الربع الأخير من القرن العشرين تكاثرت الكوربوريشنات عبر/الدولية وتضاعفت أعدادها: من 7000 شركة ومؤسسة إلى حوالي 38000 كوربوريشن لها 250000 فرع في أنحاء العالم، تعمل على نشر النماذج الاستهلاكية وأساليب الحياة المتطابقة في جميع الأرجاء.
• إن التحدي الأعظم الذي يواجه البلاد المسماة خطأ بالنامية في القرن الحادي والعشرين سيكون مقدرتها على الخروج من مصيدة التخلف العلمي والتكنولوجي الناجم عن عدم اهتمامها الثقافي التاريخي بالنظرية العلمية والعلوم التطبيقية.
• لا يعدو تاريخ البلدان التي تُسمى بالنامية أن يكون سوى سلسلة من الديون والإعسارات المتنامية..
• لقد جعلت الثورة الصناعية الأولى، بسبب كثافة مجالات العمل التي أوجدتها، من البروليتاريا قوة سياسية. أما في حالة الثورة التكنولوجية الراهنة، فإن القوى السياسية المتبقية تنحصر في أصحاب رؤوس الأموال وُمنتجي البرمجيات..
• في غضون العقود الأخيرة، تغيرت ثروة الأمم حيث كان أي نص كلاسكي يعالج علم الاقتصاد الدولي يعتبر أن البلاد التي تتمتع بوفرة المواد الطبيعية بلاد غنية لكن هذا لم يعد صحيحاً الآن. مفتاح هذا التغير هو البرمجيات التي أضحت المادة الخام الجديدة الاستراتيجية.
• اليوم وعلى الرغم من أن النفط هو المنتج الأساسي الوحيد الذي مازال يأتي بدخول عالية، إلا أن البلاد المُنتجة له، وعلى الرغم من الأموال الوفيرة التي تكسبها، قد فوتت فرصتها التاريخية لتحديث اقتصاداتها تكنولوجياً.
• يمكن اعتبار البشرية اليوم مجتمعاً بشرياً "ثنائياً" ينقسم بين أقلية ثرية مكونة من أشخاص مكرسين للأنشطة العقلية المجردة من المواد، يعملون على اختراع تكنولوجيا عصرية ومنتجات وخدمات جديدة، وفي الجانب الآخر غالبية من الفقراء مازالوا يحيون معتمدين على القوة الجسدية، أو يؤدون أعمالاً بيروقراطية روتينية، ويستهلكون مواردهم الطبيعية.
• إذا لم تستطع البلدان المتخلفة تنموياً تحديث صادراتها من خلال إضافة محتوى تكنولوجي أكبر، وإذا فشلت في تقليص معدلات المواليد، فإن الفقر الذي يعيش تحت وطأته الآن 1.3 مليار شخص سيشمل حوالي 3 مليارات شخص بحلول عام 2020.

=============================
▬ لا تكاد عدم القدرة على الأداء الفاعل في الاقتصاد الكوكبي الحديث أن تكون سمة مقصورة على بيرو، إذ إن تاريخ غالبية بلدان أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأسيا منذ استقلالها ما هو إلا سجل للخلل الوظيفي والتهميش الكوكبي. من ثم، تجد أعدادً كبيرة من البلدان التي تُسمى خطأ بالدول النامية، والتي تشهد انفجاراً سكانياً حضرياً، صعوبة كبيرة، وإن لم يكن استحالة في تحديث نفسها كي تشارك في الاقتصاد الكوكبي الذي يتطلب، بتزايد، السلع المصنعة الراقية، والخدمات الأكثر كفاءة، واستخدام كميات أقل من مواردها الأولية، وأعداد أقل من قوة عمالتها غير الماهرة الوفيرة. صــ 13

▬ أثناء الحرب الباردة تسبب التكريس لحق استقلال الشعوب بدولها القومية، ومبدأ حق تقرير المصير في قيام عدد غير مسبوق من الدول القومية. وقتئذ، أدان المنظرون أية دعوة للحرص في تطبيق مبدأ حق تقرير المصير وتعاملوا مع تلك الدعوات على أنها إمبريالية، مؤيدة للاستعمار أو رجعية، وزعموا أن تأجيل حق المصير سيعمل على انطلاق الحق المناظر لشن حروب تحررية وما يرافقها من واجبات مساعدة الشعوب المتمردة. كانت معارضة طوفان القضاء على الاستعمار ومحاولة إعادة إنتاج نموذج الدولة القومية الأوروبية في بيئات بشرية لا تملك مفهوم الدولة أو الأمة، والتي كانت تفتقد كلا من الطبقة الوسطى، والسوق القومي، تلك العناصر الضرورية اللازمة لقابلية الخضوع لنظام حكم، والقابلية للحياة، كانت معارضة تعتبر جرما ومن المحرمات. سارعت أطرف الحرب الباردة المتنافسة بمجرد الاعتراف بتلك الدول الوليدة بلادا مستقلة إلى إغداقها بالمعونات من أجل ممارسة النفوذ عليها. ومع انتهاء الحرب الباردة، تبخرت قيمة تلك البلاد الاستراتيجية وتُركت دونما معونات تقريباً، أو معاملة خاصة بصفتها دولا نامية. أصبحت تحت رحمة الانتخاب الطبيعي الدارويني من خلال اقتصاد كوكبي جديد يقوم على المعلومات والخدمات، اقتصاد مضى اعتماده على مواد تلك البلاد الأولية وقوة عمالتها الوفيرة غير المتعلمة، يتراجع باطراد. صــ 21

▬ لا تستطيع الثورة التكنولوجية عبر/القومية استيعاب السبعة وأربعين مليون شخص الذين يدخلون سوق العمل سنوياً في أنحاء العالم. يعمل التنافس القائم بين الكوربوريشنات عبر/القومية على إجبارها على أتمتة مصانعها وإعادة هيكلة أساليبها الإنتاجية مما يتسبب في خلق مزيد من البطالة وليس مزيداً من فرص العمل. واليوم، لا يمكن للدول القومية الوفاء بوعودها بإيجاد عمل للجميع كهدف لها، ومن ثم، غدت قطاعات واسعة من سكانها بدون عمل وفي حالة إقصاء عن المجتمع. أما في أشباه الدول القومية، فتكتسب البطالة أبعاداً غير مسبوقة في الأعوام القادمة وذلك لأن الابتكارات التكنولوجية واتساع نطاق الأتمتة ستتزامن مع انفجار أعداد السكان الحضريين. صــ 34

▬ [..] هذه الرقابة فوق / القومية التي يمارسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على السياسات الاقتصادية القومية لبلدان أمريكا اللاتينية وأسيا وإفريقيا، هي ظاهرة جديدة في العلاقات المعاصرة. تعكس تلك الظاهرة بجلاء تآكل السيادة القومية وظهور سلطة فوق /قومية على كامل مصنف أشباه الدول القومية التي تقول إنها ذات سيادة. وفي واقع الأمر، فقد فقدت ما تُسمى بالدول النامية في ظل رقابة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التحكم الديمقراطي في سياساتها الاقتصادية والمالية والقومية. صــ 57

▬ الداروينية الدولية.. من آدم سميث إلى تشارلس داروين: في كتابه بعنوان "عن أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي" (1859) ذهب تشارلس داروين إلى أنه وفقا لقانون الانتقاء الطبيعي فإن الأنواع الأصلح للتنافس على بقائها فقط هي التي بإمكانها التكاثر والبقاء.لم يخطر له آنذاك، أنه وبعد حوالي 140 عام، وفي مستهل القرن الحادي والعشرين سيقوم السوق الكوكبي والثورة التكنولوجية بتطبيق القاعدة ذاتها، والسماح للأصلح فقط من البشر والشركات والاقتصادات القومية بالبقاء، أما من يُعتقد أنهم أقل قدرة على التنافس، فيتم تهميشهم ويُنظر إليهم على أنهم أنواع غير صالحة اقتصادياً. الفرق الوحيد بين الداروينية الاقتصادية الراهنة التي تقوم على أساس تكنولوجي وبين القانون الطبيعي هو أن الأخير تخلص من الأنواع غير الصالحة على مدى ملايين السنوات، في حين أن عملية انتقاء السوق الراهن التي تدفعها التكنولوجيا بإمكانها أن تجعل الآلاف يفقدون وظائفهم وعملهم في غضون أشهر معدودة، وتُقصى شركات متنافسة من السوق في مدة لا تتجاوز العامين، ولا تحتاج سوى إلى عقد واحد لتحويل كثير من الدول القومية إلى اقتصادات غير قابلة للحياة. صــ  75

▬ تعمل التكنولوجيا، فيما يلهمها السوق الدارويني، كعامل حاسم للتخلص من الذين لا يتكيفون مع تقدمها. واليوم، فإن الثورة التكنولوجية في سبيلها للقضاء على المصانع الضخمة ومجموعات السكان من البروليتاريا الذين اعتادوا تشغيل تلك المصانع، بحيث يحل محلها مراكز إنتاج صغيرة على قدر كبير من الأتمتة الرفيعة، بها وفرة من المعلومات المحوسبة، والظائف المؤقتة. يحدث نمط التحديث هذا في جميع فروق الإنتاج الصناعي تقريباً والنتيجة هي عملية عالمية لا تتوقف من القضاء على البروليتاريا. إن النقلة من اقتصاد عالمي يقوم على أساس المصانع إلى اقتصاد يقوم على أساس مشاريع محوسبة بدرجة عالمية هي نقلة جذرية صادمة بأكثر مما كان الانتقال في القرن التاسع عشر من الزراعة إلى الصناعة. كانت الثورة الصناعية التي اعتمدت على العمالة بدرجة هائلة، تدريجية بحيث أتاحت الوقت للمجتمع الزراعي كي يتكيف مع عصر الآلة. علاوة على ذلك، فقد خلقت الثورة الصناعية وظائف أكثر من تلك التي قضت عليها. وبالتقابل فباستطاعة ثورة الحسابات القضاء على عدد أكبر من الوظائف بأسلواب أكثر قسوة. كما أنها تخلق بالضرورة وظائف أفضل للغالبية العظمى من العاملين، وستعمل على تعميق عدم المسماواة الاجتماعية. تسير ثورة الحاسبات بخطى أسرع فيما أن أثارها الاجتماعية أكثر صرامة حيث يتم التخلص، ببساطة، من العمال غير المهرة. وإذا استطاع من يفقدون وظائفهم والذين لم يتدربوا على التكنولوجيا الجديدة الحصول على عمل، سيكون عليهم أن يرضوا بمرتبات أقل في غالبية الحالات. صــ 92

▬ في غضون السنوات الأربعين الأخيرة، لم تتمكن سوى بلدين صغيرين فقط، هما كوريا الجنوبية وتايوان، من التقدم تصبح مجتمعات صناعية متقدمة تكنولوجياً بعد أن كانتا مجتمعات زراعية، ونجحتا في التغلب على أوضاع الفقر التي كانت سائدة ورفع ومستويات المعيشة بحيث خلقتا طبقة وسطى مهيمنة. على أي حال فقد تم هذا في وجود مستويات ديمقراطية وثقافية وعلمية واجتماعية أقل كثيراً من نظيراتها في أوربا والولايات المتحدة. أما المنطقتان اللتان يطلق عليهما منظرو التنمية "البلاد المصنعة حديثاً NICs" أي هونج كونج وسنغافورة اللتين قاربت مستويات المعيشة فيهما نظيراتها في الديمقراطيات الرأسمالية المتقدمة، فهما ليستا دولتين قوميتين بل دولتين-مدينتين صغيرتين. لم تواجه التنمية فيهما المشاكل الهائلة التي يقتضيها رفع مستويات المعيشة في بلدان شاسعة تعاني من انفجار سكاني لا يمكن وقفه في مناطقها الحضرية كما هو الحال في غالبية البلدان المتخلفة. صـ 106

▬ الحقيقة العارية الجلية هي أن لا أحد يعرف اليوم كيفية الوصول إلى "إل دورادو". ففي جميع البلاد، يزداد الأغنياء ثراء، والفقراء فقراً. يساوي مجموع دخل المليارديرات الثلاثمائة الأكثر ثراء في العالم مجموع دخول 2.7 مليار شخص الذين يمثلون 40% من سكان العالم. يبلغ عدد الأفراد الذين يملكون الأموال التي تمكنهم من استهلاك منتجات الاقتصاد العالمي وخدماته 1.8 مليار شخص فقط. أما الباقون والذين يربو عددهم على 4 مليارات شخص فلا يملكون سوى التحديق في فاترينات المحلات. لم يرتفع دخل الأفراد الحقيقي في حوالي مائة بلدة فقيرة طوال العشرين عاماً الأخيرة. صــ 109

▬ بعد 190 عام من استقلال كثير من بلدان أمريكا اللاتينية، كان ينبغي لها أن تتنافس علميا وتكنولوجياً مع بلدان جنوب أسيا والصين، والهند، بيد أنها، ومع عدم اختراعها أي شيء، فقد أصبحت أرضاً جرداء علمياً، حيث إنها جميعها، وبإستثناء البرازيل، لا تستثمر أكثر من 1% من مجمل الناتج المحلي في الأبحاث والتنمية. هذا الوضع هو نتيجة التوجه الثقافي في أمريكا اللاتينية، وفي البلدان النامية الأخرى، لإضفاء قيمة على الدراسات الإنسانية تفوق تلك التي تضفيها دراسة على العلوم الطبيعية، والفيزياء والأحياء، والكيمياء، والرياضيات حيث تُفضل الآداب على اللوغاريتمات، والمنطق على التجارب، والمعتقدات الراسخة على الشك العلمي، وقاعات المحاضرات على المعامل. صــ  113 

▬ لا يُدرك السياسيون الذين يحاولون إعادة تنشيط الاقتصاد خطورة تطبيق توصيات جون ماينارد كينز في القرن الحادي والعشرين، وذلك لأن هذا الاقتصادي البارز لم يتخيل أبداً أنه ستوجد مجتمعات استهلاكية ثرية تنفث الغازات التي تسبب الاحترار الكوكبي، وتذيب قمم الجبال الجليدية القطبية، وغيرها من الأنهار الجليدية مما يرفع منسوب مياه المحيطات، وإضافة إلى هذا كله شح المياة الهائل في العالم. لا يدرك سوى القليلين أن هذه الأزمة مختلفة، وأن كوكبنا، ومع احترار مناخه المستدام، يحذرنا من أنساق الاستهلاك المدمرة هذه التي تعتمد على موارد الطاقة التي ينجم عنها انبعاث غازات الدفيئات (الفحم والنفط والغاز). لا شك أن الثمن الذي سندفعه سيكون باهظاً من حيث الكوارث المستقبلية، إذ إن الكوكب نفسه سيشارك في تلك الكوارث، كما أن للأزمة الحالية بعداً بيئياً لم يكن موجوداً عام 1929. صــ 173


▬ واليوم، وبعد ما يربو على خمسين عاماً من نظريات التنمية وسياساتها فلم يتجاوز متوسط زيادة دخل الأفراد في البلدان التي تُسمى خطأ ً "البلاد النامية" نسبة 2.6%، وهذا يقل كثيراً عن معدل النمو الضروري للهروب من الفقر. يوجد حوالي 5 مليار نسمة في العالم المتخلف تنموياً، يعيش 2.8 مليار منهم على دخل يتراوح بين دولارين وثلاث دولارات يومياً لا يكاد يكفيهم للبقاء على قيد الحياة، فيما لا يستطيع 1.3 مليار من سكان تلك البلاد إطعام أنفسهم على الدخل الذي يبلغ دولاراً واحداً في اليوم لكل منهم، أي أنهم يعيشون في فقر مدقع. لابد من أن يقترن هذا الواقع بالتحديات الجديدة الناجمة عن عدم التوازن الفيزيقي/الاجتماعي بين أعداد السكان المتنامية وبين الكميات غير الكافية المتاحة من المياة والطعام والطاقة. علينا، في مواجهة أزمة حضارتنا هذه، أن نتخلى عن البحث عن المواطن الأسطورية للثروة، وأن نتخلى أيضاً عن الأجندة المراوغة لثروة الأمم، ونحل محل هذا مسعى واقعياً من أجل بقاء الأمم. إن الأولويات الملحة الآن هي العمل على استقرار معدل تنامي السكان الحضريين، وعلى زيادة المتاح من إمدادات المياة والطعام والطاقة وإلا تحولت الحياة الحضرية في البلاد الفقيرة المتخلفة تنموياً إلى جحيم، وانهارت تلك الأمم لتصبح كيانات فوضوية غير قابلة للتحكم UCEs. صــ 199 - 200

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

علم اجتماع المعرفة (أمل حسن أحمد)


• إن الفكر الاجتماعي البدائي كان يُرجع ما يعجز العقل عن إدارك وسائل تحقيقه إلى قوة غيبية أو إلى آلهة وظيفية.
• إن الفلاسفة قد اقتصروا على تفسير العالم بطرق متعددة، ولكن القضية هي في المقام الأول تغيير هذا العالم. (كارل ماركس)
• يسعى علم الاجتماع المعرفي إلى تحديد مُنتج المعرفة وطبيعة عملية إنتاج المعرفة في سياقاتها التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية.
• يُعد علم الاجتماع المعرفي فرعاً من فروع علم الاجتماع العام، ويشترك في اهتماماته مع فروع معرفية أخرى مثل علم النفس والفلسفة. ويرتكز على مسلمة أساسية هي وجود علاقة جدلية بين الفكر والواقع الاجتماعي؛ أي بين الوعي والوجود الاجتماعي.
• تشهد البشرية حالياً عصر التحول، سريع الإيقاع، من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة والمعلومات العالمي، الذي يكتسب سماته من سمات تكنولوجيا المعلومات، حيث التركيز على العمل الذهني والذكاء الإنساني.
• الإنفجار المعرفي هو انعكاس لتفجر الحياة في عروقنا ومنذ قرون مضت، اهتدى جون لوك إلى أن العقل الإنساني سيظل ينشد المزيد من المعرفة إلا أنه لن يبلغ في ذلك غايته النهائية، وهو ما حاول كارل بوبر أن يفسره عندما بين لنا أن إنتاج المعرفة هو حلقات على التوالي. وبهذا ضمنت أجيال البشر المتعاقبة حقها الأبدي في انتاج المعرفة.
• إن المعلومات بذاتها لا تمثل معرفة، لأن المعرفة هي نتاج التفكير التحليلي والنقدي القادر على صياغة البنى المعرفية المترابطة، وتشبيك المعلومات للوصول إلى استبصارات حقيقية بمشكلات الواقع في الوقت الحاضر، وإلى استشرافات دقيقة بآفاق المستقبل.
• مجتمع المعرفة هو نموذج المجتمع المعاصر الذي يكون فيه إنتاج المعرفة وتوزيعها واستخدامها هو القوة الرئيسية والأصول المحركة للتنمية والإنتاج والثروة وتعاظم العمل، وفي هذا المجتمع تُعني المعرفة القدرة على خلق قيم مضافة إلى العمل والاقتصاد، وعلى تحسين نوعية الحياة.
• تُعتبر المدونات من أهم التطبيقات المنتشرة على الإنترنت في الفترة الحالية، فهي تمكن المستخدمين من نشر تعليقاتهم بشأن موضوعات عينة، وعرض أفكارهم وملاحظاتهم، وربما إذاعة نشرات خاصة عن اهتماماتهم وآرائهم، ومتابعاتهم للأخبار المختلفة.
• إن مفكري ما بعد الحداثة قد أرادوا بنسفهم فكر الماضي، أن يحرروا الفكر الإنساني من قيوده كي ينطلق صوب آفاق غير محدودة لتأسيس معرفة جديدة وأن يعي الإنسان عالمه على حقيقته لا كما يصوره له فكر نخبته.
• الفضاء الإلكتروني يستطيع أن يغير فهمنا لذواتنا، واستخدامه يؤدي إلى تغيير تفاعلنا مع بعضنا البعض ويتيح لمستخدمه أن يغير من هويته أو يختلق لنفسه هوية جديدة، فسؤال "من أنا"؟ لا يُطرح أبداً أثناء التعامل مع الفضاء الإلكتروني.

===================================
▬ إن التفكير الاجتماعي البدائي كان انعكاساً للتنظيمات الجماعية قبل أن يكون تأملاً للحياة الاجتماعية. وقد أكد علماء المدرسة الاجتماعية الفرنسية وعلى رأسهم "دوركايم" أن الحياة العقلية ومباديء الفكر ومقولاته الجوهرية ترجع إلى أصول اجتماعية. وأن الحياة الاجتماعية هي التي تقدم النماذج التي يتم وفقا لها تشييد المقولات، وأن كل المقولات والمباديء العقلية من البيئة الاجتماعية وليست متأصلة في العقل كما ذهب الفيلسوف الألماني كانط. ومن هنا تعد فكرة "الزمان" تعبير عن إيقاع الحياة الاجتماعية،فالتقسيم الزماني إلى أيام وأسابيع وشهور وسنين، يطابق التكرار الزمني لمواعيد الطقوس والأعياد والحفلات الجماعية العامة. وكذلك فكرة "المكان" حيث التنظيم المكاني نتيجة للتنظيم الاجتماعي؛ بمعنى أن المكان ما هو إلا تجسيد لأوضاع مكانية لها أهميتها الاجتماعية. صــ 13 - 12

▬ استطاع ماركس أن يقسم المجتمع الرأسمالي إلى قسمين رئيسيين: الأول مالك للإنتاج ووسائله، والثاني فاقد لها. وهذا يعني تبلور نوعين من الأنظمة الاجتماعية الرئيسية يهدفان إلى إشباع حاجاتها وطموحها من خلال كفاحها وتصارعها في ما بينها. فالصراع الاجتماعي عند ماركس لا يحدث فجأة بل بشكل متكرر، تتراكم فيه هذه الصراعات إلى أن تولد تغيراً شاملاً وكاملاً للبناء الاجتماعي. وهذا الصراع يعود إلى عدم تكافؤ وتوازن المصادر الاقتصادية داخل المجتمع، مما يولد طبقة اجتماعية مالكة للمصادر الاقتصادية والسلطوية داخل النظام الاجتماعي العام وبشكل عام فإن ماركس يعتقد أن تغيير البناء الاجتماعي، ودخول المجتمع في مرحلة حضارية تاريخية، يعود إلى التغيير في البناء المادي. وهذا من شأنه أن يؤثر على البناء الفوقي، أي بعبارة أخرى إن الجوانب المادية هي التي تؤثر على الأفكار والقيم والعادات والقوانين والأعراف الاجتماعية. صــ 66

▬ يتفق ماكس شيلر مع ماركس في أن الأفكار تكون حقيقية واقعية متى ارتطبت بالمصالح الاجتماعية والفردية، والبواعث والعواطف والميول الاجتماعية، ومتى ارتبطت بالبناءات والمؤسسات النظامية، حينئذ فقط يكون للأفكار تأثيرا على الأفعال والممارسات الاجتماعية أما الأفكار التي لا تتجذر في الواقع فيحكم عليها بأنها يوتوبيا عقيمة. صــ 105

▬ يرى مانهايم أن المعرفة الاجتماعية لا تنفصل عن الطبقات الاجتماعية، ولذلك فإن النظرية الاجتماعية لا يمكنها أن تقدم سوى معرفة نسبية الطابع، لأنها ترتبط وظيفياً بالوضع الاجتماعي للطبقات، وتعبر عن مصالحها الاقتصادية، ومواقفها السياسية، ومن ثم، فهي معرفة مشوهة. إلا أن المثقفين بفضل تحررهم من القيود الاجتماعية بإمكانهم أن يقيموا توازناً بين الأوضاع المختلفة وتقديم رؤى أخرى متكاملة. من هنا أكد شيلر على دور المثقفين في تخليص المعرفة من الشوائب الذاتية، وتحريرها من التأثيرات الاجتماعية، لأنهم بحكم ثقافتهم المشتركة يكون في إمكانهم التحرر من الروابط الاجتماعية وتجاوز النظرة الضيقة للطبقات، وتفهم جميع الآراء، والتقاء مع جميع التيارات الفكرية التي تضمن للمعرفة قيمتها الموضوعية. وهكذا تقوم "النخبة" عند مانهايم بدور "العقل المطلق" عند هيجل، و "البروليتاريا" عند ماركس، و "الصفوة" عند باريتو، لأن تأثر المعرفة بالأطر الاجتماعية يحط  في نظرهم من قيمتها. صــ 111

▬ اعتبر كارل ماركس الأيديولوجيا "وعيا مزيفاً". وكان يرى أن الفئات المتنفذة تستطيع السيطرة على الأفكار السائدة التي يتداولها المجتمع واستخدامها لتبرير أوضاعها ومواقفها. وهذا يوحي بأن فهمنا للعالم الاجتماعي ومعرفتنا به إنما تقرره المصالح السياسية. إذ توجد معتقدات معينة وطرق معينة لرؤية العالم، من شأنها أن تخدم مصالح الطبقة المسيطرة ولا تخدم مصالح الطبقة الخاضعة. وكان ماركس يرى الدين له بعد أيديولوجي أيضاً ويعبر عن هذه الفكرة بقوله "الدين أفيون الشعوب". فمن ناحية يقوم الدين - في رأيه - بتشويه ما لدي الطبقات الخاضعة من فهم للعالم الاجتماعي، خاصة وعده لها بالثواب والأجر في الجنة، تعويضاً لها عما عانته في هذا العالم من المظالم. أضف إلى ذلك الإشارة المجازية إلى الأفيون إشارة هامة، وليست أهميتها براجعة فحسب إلى أن الأفيون يضعف من احساسنا بالألم، ولكنها ترجع إلى أن الأفيون يتسبب في استثارة الأحلام. وعلى ذلك فإن الجنة يجب النظر إليها بصورة جدية (ولكن ليست حرفية)، لأنها تحتوي على مثال للعدالة، لكنها عدالة كان ينبغي أن تتحقق في هذا العالم وليس في الآخرة. وبهذا المعنى تمثل الأيديولوجيا حلاً وهمياً لمشكلة حقيقية. صــ 118 - 119


▬ يرى "تركل" Turkle أن مجتمع الإنترنت الافتراضي يجعل الفرد يظهر على حقيقته بشخصيته الحقيقية دون رتوشٍ أو أقنعة عندما يتحدث مع الأغراب، وعلى العكس من ذلك عندما يتحدث مع أشخاص في المجتمع الواقعي وجهاً لوجه، وهو على دراية بسماتهم وخصائصهم، فهو غالبا ما يرغب في نيل استحسانهم ورضاهم حتى لو أدى ذلك إلى إخفاء شخصيته الحقيقية. وقد أثبتت دراسة تجريبية أجريت حول تأثير المجتمع الواقعي والافتراضي في إظهار الشخصية الحقيقية للفرد أن الشخصية الحقيقية للفرد تظهر أكثر في المجتمع الافتراضي عندما نتحدث مع غرباء، بينما يميل الفرد إلى التكلف والتصنع عند التحدث مع غرباء في المجتمع الواقعي [...] ويشر تركل إلى أن المجتمع الافتراضي أدى إلى ظهور عالم الشخصيات المتعددة Multi Identities فوفقا لنظرية الشخصية الاجتماعية  فإن مجتمع الإنترنت قدم لنا شخصيات اجتماعية متعددة، فالفرد يمكن أن تكون له أكثر من شخصية عندما يتحدث مع غرباء عبر الإنترنت. ويرى العديد من الباحثين أن إخفاء الفرد لهويته واختلاقه لشخصيات متعددة يجعل ذاته الحقيقية تضيع وربما يدمن مثل هذا النوع من السلوك وينسلخ عن مجتمعه الواقعي ويعيش في وهم تكوين علاقات مع آخرين. فيتحول العالم إلى وهم بدلاً من أن يتعامل الإنسان مع الأشياء والأشخاص يتعامل مع ظلالها. صــ 169 - 170

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلسفة الثقافة (مصطفى النشار)

• الثقافة هي ما يشكل الوجدان الفردي أو الوجدان الجماعي لمجتمع ما وهي ما يشكل الدافعية لسلوكهم على نحو معين.
• إذا أردت أن تعرف عناصر حضارة شعب فانظر في الثقافة السائدة بين أفراده. فالثقافة هي واجهة الحضارة، وهي الدلالة على مدى التقدرم الذي أحرزه أبناء هذه الحضارة أو على مدى التخلف الذي يعانون منه.
• إن الثقافة المتحضرة هي الثقافة التي يشعر أصحابها بأن مشاركة الآخرين من أبناء الثقافات والأمم والحضارات الأخرى أفراحهم وأحزانهم وآلامهم ضرورة يفرضها على الجميع أنهم يعيشون على أرض واحدة وتظلهم سماء واحدة ويتمتعون بشمس واحدة، وبضوء قمر واحد.
• حرية العقيدة وحرية التفكير من الآليات المهمة في أي ثقافة متحضرة، فليس ممكناً أن نكون متحضرين إذا لم نكن نؤمن بأن للجميع نفس الحريات التي نتمنى أن نتمتع بها وأن نمارسها.
• إن الثقافة المعولمة لا تستطيع النفاذ إلى الأفراد والشعوب إلا عبر عقولهم وضمائرهم الأخلاقية وعبر إرادتهم الواعية الحرة.
• من سمات ثقافة التخلف أنها ثقافة غوغائية جمعية فوضوية يتساند فيها الجميع على الجميع دون أن يجرؤ أحدهم على تحمل مسئولية أي شيء وحده، إنها ثقافة لا تؤمن أن يكون للفرد دوراً محدداً يؤديه ويلتزم به ويبدع فيه منفرداً، فهي ثقافة القطيع.
• استيراد التكنولوجيا كاستيراد القيم الأخلاقية والثقافية مرفوض إذا تعارض مع ضرورات البيئة المحلية المستوردة، وإذا لم يتوافق مع معتقدات أبنائها وحاجاتهم الملحة.
• إن التغريب في حقيقة الأمر لا يحدث نتيجة ترجمة إبداعات الغربيين الثقافية عامة والعلمية خاصة، وإنما يأتي نتيجة انبهارنا بمل ننقل وحرصنا على أن نتلون ونتشكل تشكلاً ظاهرياً وفقاً له لغة واصطلاحاً ومضموناً.
• إن ثقافة التقدم وتأصيلها وتجذيرها في الواقع العربي وامتلاك أبنائه لها ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتنمية المجتمع والاقتصاد المحلي وصولاً إلى الرخاء والسعادة وهما غاية أي فعل إنساني.

=============================
▬ إن الثقافة المنفتحة على الثقافات الأخرى دون تعال أو دون غرور هي الثقافة القابلة للتجدد والقابلة للاستمرار بعكس الثقافة المتعصبة التي ينظر أصحابها إلى أنفسهم على أنهم الأفضل والأعظم والأعلى قدرة وقوة، فإنها تعد ثقافة جامدة جاحدة لما أخذته بالتأكيد من عناصر من الثقافات الأخرى. ومن ثم فهي ثقافة مؤهلة لأن تنتحر ذاتياً؛ إذ لم توجد بعد الثقافة القادرة على أن تظل جامدة بعناصر ثابتة لا تتغير فمآل عناصرها الثابتة إلى الجمود والتحجر ومن ثم الموت. صــ 15

▬ ثنائية العقل والوجدان في اعتقادي من آليات الثقافة المتحضرة. وليس معنى الثنائية الانفصام أو الازدواجية في المعايير القيمية أو خلافه. بل معناها أنه على الإنسان أن يعيش حياة تلبي مطالب عقله كما تلبي مطالب وجدانه. وآلية الحياة العلمية - التقنية هي العقل وإبداعاته باستخدام الطريقة العلمية في التفكير... وآلية الحياة الروحية هي القلب أو الوجدان وتلك الحياة الرحية قد يقصد بها الشعور الديني أو الاستمتاع بالفنون والآداب المختلفة وأداة هذا الشعور الروحي هي الوجدان أو القلب ولا شك أنه كما قال باسكال أن للقلب منطقاً هيهات للعقل أن يفهمه. صــ 23

▬ إن الثقافة المتحضرة ذات بنية داخلية ديناميكية قابلة للتجدد وللتفاعل مع الثقافات الأخرى. وهي بنية ذات عناصر أصيلة ثابتة لا تتغير وإن استفادت من عناصر الثقافات الأخرى واستلهمت بعض عناصرها الإيجابية في تجديد شبابها وفي إعادة التوازن إلى عناصرها التي خبت جذوتها أو التي لم تعد تتلاءم مع أي عنصر من العصور المستحدثة التي تعيشها... فهي ثقافة تعطي بقدر ما تاخذ وتشارك بقدر ما تستلهم أو تستعير من عناصر الثقافات الجديدة. صــ 26

▬ إن آليات العولمة الثقافية كما نعرف كثيرة ومتعددة و قد تكون بالفعل عظيمة التأثير على المتلقي وليس أدل على ذلك من أن الكثيرين من أبنائنا المعولمين قد يجلسون أمام شاشات التليفزيون العالمية أو أمام شبكات الإنترنت العالمية معظم وقتهم يتلقون بانبهار كل ما يُبث ويتفاعلون مع ويتأثرون به بلا شك لكن هذا التلقي لا يحدث تأثيره في نفس الفرد أو بالأحرى في عقليته إلا إذا رغب الفرد في ذلك، وبعبارة أخرى إلا إذا أراد الفرد ذلك بالفعل وتفاعل مع هذه المواد التي يتلقاها بإيجابية. صــ 45

▬ إن الخلط بين التوجه الإيجابي والتوجه السلبي هو السمة السائدة بين شبابنا؛ فقد اختلطت لديهم القيم الإيجابية بالقيم السلبية لعصر العولمة نتيجة انعدام الوعي بالمعني الحقيقي للعولمة ونتيجة لعوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة في مجتمعاتنا العربية تؤدي دوماً إلى احباط الشباب وفقدانه للهدف مما يؤدي إلى ذلك التوهان وتلك الحيرة التي يعاني منها بين أن يكون غربي الثقافة والهوى قاطعاً صلته بثقافته القومية وقيمه الأخلاقية والدينية. وبين أن يتحصن في ثقافته القومية ويتمسك بقيمه الدينية والأخلاقية رفضاً الثقافة الغربية ومستجدات العصر كلها. صــ 65

▬ إن ثقافة التقدم يقدر فيها الناس لكل واحد منهم إبداعه وتفوقه بصرف النظر عن مهنته أو نوع العمل الذي يقوم به، إنهم يقدرون العالم أو المفكر ويقدسون حريته في البحث أو في التأمل والإبداع، بنفس درجة تقديرهم للعامل الذي يكد ويجتهد في الحقل أو في المصنع فكل فرد سواء انتمى إلى هؤلاء أو إلى أولئك إنما هو نجم في عمله ويستحق الإشادة والتكريم طالما يقوم بعمله على خير وجه. صــ 98

▬ إن الفرد قد خُلق في الأساس فرداً متميزاً وهو وإن كان قد وُجد في بيئة متخلفة لا تسمح له بالتميز والتفرد على صعيد الإبداع الفكري أو الإنتاجي أو العلمي...إلخ فإنه يحاول ان يحقق فرديته على صعيد آخر بانكفائه على ذاته ومحاولة تحقيق ذاته في أرذل صورة، وهي الصورة الشهوانية بدءاً من شهوة الجنس وانتهاء بشهوة تكديس الأموال مروراً بتحطيم قيم الصدق والولاء والإخلاص والوفاء سراً ودون أن يشعر بذلك الآخرون. إن الفرد في ظل هذه الثقافة مصاب بازدواجية الشخصية؛ فهو أمام أسرته ومجتمعه ذلك الفرد المثالي المحافظ على كل التقاليد والأعراف المتحلي بكل الفضائل الخاضع لكل القيم المتعارف عليها، بينما هو ودون أن يعي ذلك يحاول بكل السبل أن يحقق ذاته الفردية في الخفاء بممارسة ما يستطيع من رذائل ومتع حسية وجسدية بعيداً عن أعين الآخرين. صــ 109


▬ لا يجب أن نستهين بهذه القضية الهامة؛ فنحن أمة تميل دائماً إلى العيش بين الكلمات ويميل أفرادها إلى الكلام والرغي بدون هدف محدد أو بدون الوصول إلى نتيجة محددة بصدد شيء ما وهذه آفة لابد أن نتخلص منها للتحول إلى الاستخدام العلمي للغة، وذلك الاستخدام العلمي للغة في اعتقادي لن يكون، ولن يشيع بين أفراد المجتمع إلا بالحرص على الثقافة العلمية التي قوامها تشجيع البحث العلمي بمختلف صوره وفي كل المجالات [..] إن مجموع إنفاق الحكومات العربية على البحث العلمي لا يتعدى 0.3%، وبمقارنة بسيطة نجد أن إنفاق الدول المتخلفة ومنها دولنا العربية بالطبع لا يمثل أكثر من 1.6% من مجموع إنفاق دول العالم على عمليات البحث العلمي وتوظيفه في تطوير التنمية. صــ 128 - 129

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

المنطق التطبيقي (إسماعيل عبد العزيز)

• يستطيع الإنسان أن يفكر بالفطرة على نحو منطقي دون إلمام بعلم المنطق وأساليبه، فهو يفكر بفطرته مثلما يأكل ويشرب ويتحرك.
• إذا كان موضوع المنطق هو الفكر، فإن الفكر نفسه إنما هو في حاجة ماسة إلى الألفاظ لكي يتم انتقاله بين الناس فضلاً عن استخدام الألفاظ على نحور سليم، إنما يساعد بلاش شك على التفكير بطريقة أكثر دقة ووضوحاً.
• إن الحجج الاستقرائية تحتمل درجات من القوة تعتمد على مقدار التأييد الذي تمنحه المقدمات للنتيجة.
• من الخطأ أن نطلق على استدلال ما إنه مغالط لا لسبب إلا كونه يشتمل على مقدمة كاذبة أو أكثر. لأن مشكلة الخطأ التي تهم المنطق إنما هي صورية Formal problem.
• القياس هو قول مؤلف من قضيتين يلزم عنهما قضية ثالثة. وتسمى القضيتان اللتان توجدان في البداية بالمقدمتين بينما تسمى القضية اللازمة عنهما بالنتيجة.
• على حين ترتبط المغالطة بالتضليل والخداع، فإن الأغلوطة تخلو تماما من هذا الغرض، حيث يقع المرء فيه عن غير قصد، ودون توجه واع إلى تضليل غيره.
• على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه المنطق المتعدد القيم على صعيد التطبيقات العلمية المختلفة، إلا أنه لم يسلم من الانتقادات العنيفة، نتيجة لوجود بعض الاعتبارات غير المبررة، مما أوقعه في كثير من الأحيان، في قفزات استدلالية غير مأمونة من وجهة نظر الكثيرين.
===============================

▬ لقد جرت العادة على تعريف المنطق بأنه علم التفكير الصحيح أيا كان الموضوع الذي يتم حوله التفكير فهو العلم الذي يضع لنا القوانين التي تجنب الإنسان الوقوع في الخطأ بما يضعه من قوانين عامة ليتبعها العقل الإنساني في تفكيره، وبالتالي فما كان من التفكير موافقا لهذه القوانين كان صحيحا، وما كان مخالفا لها كان فاسدا، ولهذا يعرف المنطق أحيانا بأنه علم قوانين الفكر. ومع أن هذا التعريف يقدم لنا مفتاحا لطبيعية المنطق إلا أنه غير ملائم للبعض، لأن الفكر - وهو موضوع المنطق إنما هو عملية نفسية من بين العمليات التي يهتم بدراستها علم النفس، بينما المنطق ليس فرعاً من فروع علم النفس، إنما هو مجال دراسة مستقل ومميز. ولهذا فإنه إذا كان الفكر يشير إلى آية عملية مما يحدث في عقول الناس، فإنه ليس كل تفكير يعد موضوعا لدراسة المنطق. نظراً لأن المنطق يهتم بنوع خاص من التفكير وهو التفكير الاستدلالي، والذي تكون فيه النتائج مستمدة من المقدمات، بينما ليس كل تفكير يعد استدلالاً. إذ ربما يكون التفكير مجرد تخمين أو تخيل أو تذكر دون أن يكون استدلاليا، ولهذا كان التعريف الشائع للمنطق هو أنه علم الاستدلال. صــ 16 ، 17

▬ على الرغم من معرفة أرسطو بقانون ثنائية التكافؤ، والذي ينص على أن القضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة، إلا أنه لم يقبل صحة هذا المبدأ بالنسبة للقضايا المتعلقة بالأحداث المستقبلية الممكنة. ولهذا يرى أن أي قول يتعلق بحادثة مستقبلية يثبت أن ينكر ما سوف يقع ليس بصادق ولا بكاذب [...] إلا أنه على الرغم من أن الحجج التي أوردها أرسطو فيما يتعلق بمناقشته للمستقبلات الممكنة لم تتضح عبارتها تمام الوضوح، ولم تبلغ تمام تكوينها في الفكر، إلا أنها تحتوي على فكرة هامة وعلى قدر كبير من الخصوبة حيث إنها تمدنا بالباعث لأحد البحوث الرائدة للمنطق المتعدد القيم [...] إلا أن لوكاشيفتش يرى أنه من غير الملائم تسمية المنطق المتعدد القيم بالمنطق اللا-أرسطي نظراً لتشكك أرسطو نفسه في صحة مبدأ الثالث المرفوع في ميدان المستقبلات الممكنة، ولهذا فضل لوكاشيفتش تسميته بالمنطق اللاكريسبي على أساس أن كريسبوس كان أول من أعلن صراحة أن كل القضايا إما أن تكون صادقة أو كاذبة [...] ومعنى هذا أن المنطق الثنائي  أو المتعدد القيم لا يكمن في هذه النظرية أو تلك، بل يكمن أساساً فيما بعد المنطق، حيث يتحدد شكل خاص عن طريق قبول أو رفض مبدأ ثنائية التكافؤ. بمعنى أن كل من يقبل صحة مبدأ ثنائية التكافؤ، كما فعل كريسيبوس، سيقبل بالمنطق الثنائي، بينما كل من يرفض بالمثل ولو بصورة جزئية هذا المبدأ، كما فعل أرسطو، فإنه سيفتح الباب بذلك للمنطق المتعدد القيم. صــ 129 - 131

▬ على الرغم من كل ما يقال من أن التهديد الكبير لقانون الثالث المرفوع في الأزمنة الحديثة إنما جاء نتيجة لتطور المنطق المتعدد القيم وبشكل خاص من نسق لوكاشيفتش الثلاثي القيم، إلا أن تشارلز بيلز لا يوافق على هذا حيث أثبت أن وجود المنطق المتعدد القيم ليس له علاقة إلى حد بعيد بمبدأ الثالث المرفوع على أساس أن هذه الأنساق إنما هي في الحقيقة مخططات غير مفسرة، ولا تدعي التوافق مع المعاني المعروفة لكلمة صادق وكاذب، بل والأكثر من هذا أن نسق لوكاشيفتش، فيما يبدو، لم يُخترع في الأصل كمخطط غير مفسر فحسب، بل إنه نشأ ضد النقاش الموجود في كتاب العبارة فيما يتعلق بتطبيق المبدأ على المستقبلات الممكنة. صــ 135


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS