الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة (فؤاد زكريا)


• إن دعاة تطبيق الشريعة يرددون عبارات ذات تأثير عاطفي هائل على الجماهير، ونتيجة لهذا التأثير العاطفي تمر هذه العبارات دون أن يتوقف أحد لمناقشتها، وتتناقلها الألسن محتفظة بمحتواها الهلامي، حتى تشيع بين الناس وكأنها حقائق نهائية ثابتة، مع أنها في ضوء التحليل العقلي عبارات مليئة بالغموض والخلط.
• إن الرجوع إلى نصوص إلهية لا يحول دون تدخل العنصر البشرية في اختيار النصوص الملائمة وتفسيرها بالطريقة التي تُرضي مصالح الحكم، على نحو ما كان يحدث طوال معظم فترات التاريخ الماضي والحاضر.
• إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة، التي تعلو أصواتها في الآونة الاخيرة الراهنة، ترتكز بلا شك على قاعدة جماهيرية واسعة. وكثير من أنصارها يتخذون من سعة الانتشار هذه حجة لصالحها، ويستدلون على صحة اتجاههم من كثرة عدد أشياعهم وأنصارهم.
• إن العقل الذي اعتاد أن يسير في اتجاه واحد، والذي يعجز عن فهم حقيقة النسبية وتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة، لابد أن يوصل أصحابه، دون أن يشعروا، إلى هذه النتائج الخطيرة. وهكذا يصبح من بديهاتهم التي لا تناقش، الاعتقاد بأن الشك خطيئة، والنقد جريمة، والتساؤل إثم وجريرة.
• الإسلام البترولي يُبعد أذهان الشعوب التي تدين به عن المشاكل الداخلية والخارجية لمجتمعاتها، ولكنه لا يمس مصالح الدول الرأسمالية الكبرى في البترول.
• إن المراة يجب أن تكون مستورة حتى لا يشك الرجل في بنوة أبنائه منها! (الشيخ الشعراوي) صـ 30
• إن علوم الفضاء وتكنولوجيا الأقمار الصناعية كلها لا تساوي شيئاً، وإن الإنسان الذي اخترع "ورقة الكلينكس" أو عود الكبريت قد أفاد البشرية بأكثر مما أفادها الذي اخترع صاروخاً يصل إلى القمر! (الشيخ الشعراوي)
• إن الهجوم على العقل البشري واتهامه بالقصور أصبح سمة من أبرز السمات المميزة للدعوات الإسلامية المعاصرة.
• إن أكبر ما يُلحق الضرر بالدعوات الإسلامية المعاصرة، على اختلاف دروبها واتجاهاتها، هو حالة الجهل التي تنشرها بين أنصارها، والأدهي من ذلك أن هذا الجهل يبدو لأصحابه علماً واسعاً يرد على جميع التساؤلات ويبدد كل الشكوك. صــ  44
• إن الصدام بين ثورة يوليو وبين الجماعات الإسلامية كان في جوهره سياسياً لا عقائدياً، وكان صراعاً للقوى لا صراعاًً بين الأفكار. صـ 128
• إن دعاة الإسلام الشامل ينادون بتطبيق منظور واحد في ميادين الفكر والاقتصاد والسياسية والفن والأدب. صــ 164
• إن التجارب المعاصرة في تطبيق الشريعة كانت كلها فاشلة.. ألم يكن ذلك وحده كافياً لكي يتريث دعاة تطبيق الشريعة، ويتفرغوا لوضع برنامج مدروس دون تكرار المآسي والمهازل التي ارتطبت بتطبيق الشريعة في الآونة الأخيرة بين جيراننا الأقربين ؟

==============================
▬ الواقع أن التجاهل التام للتاريخ، وإغماض العين عن الدروس التي يقدمها الواقع الفعلي، لا يميز موقف الحركات الإسلامية من التجارب المعاصرة لتطبيق الشريعة فحسب، بل إنه هو السمة البارزة التي تميز موقفها من كافة التجارب السابقة، على مر التاريخ الإسلامي. فهذه الحركات الإسلامية ترسم لنا صورة للتاريخ الإسلامي مستمد من النصوص الدينية فحسب. فإذا تحدثنا مثلاً، عن موقف الإسلام من العدالة الاجتماعية، جاء حديثها مليئاً بالآيات والأحاديث النبوية التي تدعو إلى تلك العدالة، أو التي تقبل التفسير في هذا الاتجاه. وهي تقف عند هذا الحد، وتتصور أنها قد أثبتت بذلك قضيتها الرئيسية، وهي أن الإسلام يدعو إلى العدالة الاجتماعية، وأن هذه العدالة الاجتماعية تتحقق في الإسلام خيراً مما تتحقق في أي نظام آخر. ولكن، هل تعد الإشارة إلى النصوص وحدها كافية لإثبات هذه القضية؟ لنضرب مثلاً مأولوفاً لنا جميعا: إن لغالبية الساحقة من دساتير بلاد العالم الثالث تمتليء بنصوص رائعة عن تحقيق العدالة والمساواة وضمان الحريات واحترام حقوق الإنسان، إلخ... ولكن هل يكفي أن نتناول النصوص الدستورية، في بلد بأمريكا اللاتينية تعبث بمصيرها دكتاتورية عسكرية دموية، فنقول أن العدالة والحرية مستتبان في هذا البلد لأن المادة كذا من دستوره تنص على إقرار العدالة الاجتماعية والاقتصادية وإقرار الحريات الأساسية؟ أليس من الواضح أن الرجوع إلى النصوص وحدها لا يسمح على الإطلاق بالحكم على أوضاع مجتمع مان أو حضارة ما ؟ صــ 8 ، 9

▬ إن التصعب لوجهة نظر دينية واحدة، بل لاتجاه طائفة أو جماعة معينة داخل وجهة النظر هذه، يُلحق بالعقل تشويهات خطيرة، ليس أقلها ذلك الإنغلاق الفكري الذي يوهم المرء بأنه هو الذي يملك الحقيقة كاملة، وبأن كل من لا يسيرون في طريقه على باطل. هذا الإحساس باليقين المطلق شديد الخطورة على التكوين العقلي للإنسان، وخاصة إذا تملكه وهو ما يزال في شبابه المبكر. ومن المؤسف أن هذا الإحساس لا يقتصر تأثيره على المسائل الدينية وحدها، بل إنها يمتد إلى كافة جوانب حياة الإنسان. وهكذا تجد الشاب الذي يخضع لمثل هذه المؤثرات ميالاً إلى الجزم والتأكيد القاطع في كل شيء، لا يؤمن بتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة، بل يريد في كل الأمور رأياً واحداً وإجابة نهائية يرتاح إليها ويتوقف عندها ويكف بعدها عن التساؤل. وحين تصبح هذه عادة عقلية مستحكمة فإنها تطمس الروح النقدية وتهدم القدرة على الابتكار وتجعل من التجديد آفة ينبغي تجنبها، ومن الإبداع بدعة لابد من محاربتها. صــ 17

▬ [...] ولكن الظاهرة المؤلمة هي أن الدعاة الإسلاميين عندنا، حين يتحدثون عن ثقافة الغرب ويوجهون إلينا هجومهم، يرددون عبارات محفوظة وأحكاماً مكررة وكلاماً غير علمي، ويظل هذا الكلام يزداد ويعاد من فوق المنابر وفي أوسع أجهزة الإعلام، فتأتي الأجيال الشابة التي تثق في كلام شيوخها ثقة مطلقة، لتحفظ  هذه الجمل والأحكام المتهافتة وتكررها حرفياً في كل مناسبة، وتتصور أنها بذلك قد أحاطت بكل جوانب الموضوع علماً. وهكذا تسمع أحكاماً فجة عن نظرية التطور، يؤكد فيها أكثر من كاتب أن داروين كان يهودياً (مع أنه كان مسيحياً مخلصاً)، وأن هناك عصابة ثلاثية يهودية تريد نشر الإلحاد والإباحية في العالم، تتألف من داروين وماركس وفرويد، وتشكل أهم عنصر في مؤامرة عالمية يهودية. هؤلاء السادة يختزلون النظريات التي أقامت الدنيا وأقعدتها وهزت العالم، في جملة أو جملتين سخيفتين لا فهم فيه ولا عمق، يرددها الداعية ثم يبتسم ابتسامة الثقة والعلم والرضا عن النفس، كأنه أجهز على هذه النظريات وطرح أصحابها أرضاً بعباراته الفجة [..] انتقدوا ما شئتم، أيها السادة، فهذه النظريات كانت بالفعل، وما زالت، تتعرض لنقدٍ شديد، ولكن ليكن نقدكم مبنياً على فهم ومعرفة وتعمق، لا على جهلٍ وسطحية وغثاثة [..] ولكن، كيف يأتي العلم في ظل المنهج السلطوي الذي تطرح به هذه الدعوة الدينية في زمننا التعيس ؟ صــ 42 ، 43

▬ [..] ولما كان التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية هو الهدف الأكبر، فإن من أهم أسباب حكمهم بإعدام السادات، كما قلنا من قبل، أنه اقترب بهم كثيراً من تحقيق هذا الهدف، ثم تراجع عنه في اللحظة الأخيرة. ويعبر الكثيرون عن ذلك أصدق تعبير حين يعربون عن تلك الآمال العريضة التي انتعشت لديهم بفضل وجود وعود صوفي أبو طالب، رئيس مجلس الشعب، ثم شعورهم بالإحباط الشديد حين لم تتحقق هذه الآمال. وكمثال على ذلك، نستمع إلى عبد الحميد عبد السلام وهو يقول "وكان أملنا في مجلس الشعب عند تعين صوفي أبو طالب رئيساً له، وإصدار قرارات بتقنين الشريعة الإسلامية، وحتى الآن لم يحدث أي تقدم أو جديد في هذا الأمر". صــ 87

تبرز أمام المفكر السياسي مشكلة حقيقية يصعب إيجاد حل لها: إذ يبدو أن بلادنا أصبحت الآن أمام خيارين كليهما أتعس من الآخر: فإما أن نكتفي بفكر متقدم مستنير قادر على الفهم والنقد والتحليل، ولكنه عاجز عن الحركة، وإما أن نسير وراء فكر متخلف، قاصر في فهمه ونقده وتحليله، ولكنه هو وحده القادر على التحرك. لقد أصبح المأزق الحقيقي الذي تعاني منه مصر، في تطلعها إلى المستقبل، هو اضطرارها إلى أن تختار بين فكر بلا فعل، وفعل بلا فكر. وأحسب أنه لن يكون لنا خلاص إلا في اليوم الذي يصل فيه الذين يفكرون إلى المستوى الذي يتيح لهم أن ينقلوا فكرهم إلى حيز الفعل المؤثر والفعال، أو يصل الذين يفعلون إلى المستوى الذي يدركون في قيمة الفكر المتفتح والعقل المستنير. صــ 116


▬ إن أنصار تطبيق الشريعة يداعبهم حلمٌ ورديٌ رائع، ولكن مشكلتهم أنهم لا يبذلون أي جهد لترجمة هذا الحلم إلى لغة الواقع. وهذه الترجمة تحتاج إلى استعياب كافة دروس الماضي والحاضر واستخلاص دلالاتها، وتحتاج إلى وضع ألوف التفاصيل الدقيقة والضوابط المحكمة بحيث لا يسمح للمنحرفين باستغلال مرونة العموميات في تحقيق مآربهم الخاصة، وتحتاج قبل هذا وذاك إلى التفكير في مدى ملاءمة هذه الدعوة للحظة الزمنية الحاضرة، وفي الأسباب التي تؤدي إلى التركيز على أهداف لا علاقة لها بالمشكلات الطاحنة التي يعانيها الإنسان المصري في كل لحظة من لحظات يومه. وأهم عناصر هذا الحلم الوردي هو الاعتقاد بأن تطبيق الشريعة سيؤدي آلياً إلى تبخر كل ما نعانيه من مشكلات. كيف ؟ لا أحد يدري، وأغلب الظن أن معظمهم يعتقد في قرارة نفسه بأن العناية الإلهية سترعانا بمجرد أن نطبق الشريعة، ومن ثم فإن قوى السماء ستتدخل من أجل حل مشكلاتنا دون أن يبذل الإنسان جهداً يذكر.. وفي غمرة النشوة التي تبعثها العبارات الساحرة الخلابة، لا يخطر ببال أحد أن يتساءل: هل حدث شىء من ذلك في تجربة تطبيق الشريعة في السودان أو باكستان أو غيرهما؟ ألم تستفحل مشاكل هذه البلاد في ظل أنزمة تزعم بأنها لا تطبق سوى أحكام الإسلام؟ صــ  176

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

انقراض العالم الثالث (أزوالدو دو ريفرو، ترجمة فاطمة نصر)


• إن التنمية لا تتعدى كونها إسطورة تساعد الدول المتخلفة على إخفاء أوضاعها التعيسة والدول المتقدمة على إراحة ضمائرها.
• إن التنمية الاجتماعية والاقتصادية هي مجرد أسطورة تروج لها الطبقات السياسية والتكنوقراطيات الدولية في هذه البلدان الفقيرة، حيث أنه، وبعد خمسين عاما من التجارب على التنمية ومليارات الدولارات من المعونات، مازالت غالبيتها دولاً متخلفة.
• كيف لأشباه الدول القومية أن تصبح قابلة للحياة اقتصاديا في ظل ما تشهده من تفجر النمو السكاني، واقتصار صادراتها على المواد الأولية، أو المواد التي تخضع للقليل من المعالجة، والتي تَراجَعَ الطلب عليها إلى حد كبير وانخفضت أسعارها بحدة؟
• كوكبة العالم المالي هي إحدى الظواهر متعدية/القومية التي ألحقت أعظم الأضرار بالسيادة القومية وأضعفتها، وأدت إلى فقدان الدول القومية ذات السيادة التحكم في عملاتها وسياساتها المالية.
• في الربع الأخير من القرن العشرين تكاثرت الكوربوريشنات عبر/الدولية وتضاعفت أعدادها: من 7000 شركة ومؤسسة إلى حوالي 38000 كوربوريشن لها 250000 فرع في أنحاء العالم، تعمل على نشر النماذج الاستهلاكية وأساليب الحياة المتطابقة في جميع الأرجاء.
• إن التحدي الأعظم الذي يواجه البلاد المسماة خطأ بالنامية في القرن الحادي والعشرين سيكون مقدرتها على الخروج من مصيدة التخلف العلمي والتكنولوجي الناجم عن عدم اهتمامها الثقافي التاريخي بالنظرية العلمية والعلوم التطبيقية.
• لا يعدو تاريخ البلدان التي تُسمى بالنامية أن يكون سوى سلسلة من الديون والإعسارات المتنامية..
• لقد جعلت الثورة الصناعية الأولى، بسبب كثافة مجالات العمل التي أوجدتها، من البروليتاريا قوة سياسية. أما في حالة الثورة التكنولوجية الراهنة، فإن القوى السياسية المتبقية تنحصر في أصحاب رؤوس الأموال وُمنتجي البرمجيات..
• في غضون العقود الأخيرة، تغيرت ثروة الأمم حيث كان أي نص كلاسكي يعالج علم الاقتصاد الدولي يعتبر أن البلاد التي تتمتع بوفرة المواد الطبيعية بلاد غنية لكن هذا لم يعد صحيحاً الآن. مفتاح هذا التغير هو البرمجيات التي أضحت المادة الخام الجديدة الاستراتيجية.
• اليوم وعلى الرغم من أن النفط هو المنتج الأساسي الوحيد الذي مازال يأتي بدخول عالية، إلا أن البلاد المُنتجة له، وعلى الرغم من الأموال الوفيرة التي تكسبها، قد فوتت فرصتها التاريخية لتحديث اقتصاداتها تكنولوجياً.
• يمكن اعتبار البشرية اليوم مجتمعاً بشرياً "ثنائياً" ينقسم بين أقلية ثرية مكونة من أشخاص مكرسين للأنشطة العقلية المجردة من المواد، يعملون على اختراع تكنولوجيا عصرية ومنتجات وخدمات جديدة، وفي الجانب الآخر غالبية من الفقراء مازالوا يحيون معتمدين على القوة الجسدية، أو يؤدون أعمالاً بيروقراطية روتينية، ويستهلكون مواردهم الطبيعية.
• إذا لم تستطع البلدان المتخلفة تنموياً تحديث صادراتها من خلال إضافة محتوى تكنولوجي أكبر، وإذا فشلت في تقليص معدلات المواليد، فإن الفقر الذي يعيش تحت وطأته الآن 1.3 مليار شخص سيشمل حوالي 3 مليارات شخص بحلول عام 2020.

=============================
▬ لا تكاد عدم القدرة على الأداء الفاعل في الاقتصاد الكوكبي الحديث أن تكون سمة مقصورة على بيرو، إذ إن تاريخ غالبية بلدان أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأسيا منذ استقلالها ما هو إلا سجل للخلل الوظيفي والتهميش الكوكبي. من ثم، تجد أعدادً كبيرة من البلدان التي تُسمى خطأ بالدول النامية، والتي تشهد انفجاراً سكانياً حضرياً، صعوبة كبيرة، وإن لم يكن استحالة في تحديث نفسها كي تشارك في الاقتصاد الكوكبي الذي يتطلب، بتزايد، السلع المصنعة الراقية، والخدمات الأكثر كفاءة، واستخدام كميات أقل من مواردها الأولية، وأعداد أقل من قوة عمالتها غير الماهرة الوفيرة. صــ 13

▬ أثناء الحرب الباردة تسبب التكريس لحق استقلال الشعوب بدولها القومية، ومبدأ حق تقرير المصير في قيام عدد غير مسبوق من الدول القومية. وقتئذ، أدان المنظرون أية دعوة للحرص في تطبيق مبدأ حق تقرير المصير وتعاملوا مع تلك الدعوات على أنها إمبريالية، مؤيدة للاستعمار أو رجعية، وزعموا أن تأجيل حق المصير سيعمل على انطلاق الحق المناظر لشن حروب تحررية وما يرافقها من واجبات مساعدة الشعوب المتمردة. كانت معارضة طوفان القضاء على الاستعمار ومحاولة إعادة إنتاج نموذج الدولة القومية الأوروبية في بيئات بشرية لا تملك مفهوم الدولة أو الأمة، والتي كانت تفتقد كلا من الطبقة الوسطى، والسوق القومي، تلك العناصر الضرورية اللازمة لقابلية الخضوع لنظام حكم، والقابلية للحياة، كانت معارضة تعتبر جرما ومن المحرمات. سارعت أطرف الحرب الباردة المتنافسة بمجرد الاعتراف بتلك الدول الوليدة بلادا مستقلة إلى إغداقها بالمعونات من أجل ممارسة النفوذ عليها. ومع انتهاء الحرب الباردة، تبخرت قيمة تلك البلاد الاستراتيجية وتُركت دونما معونات تقريباً، أو معاملة خاصة بصفتها دولا نامية. أصبحت تحت رحمة الانتخاب الطبيعي الدارويني من خلال اقتصاد كوكبي جديد يقوم على المعلومات والخدمات، اقتصاد مضى اعتماده على مواد تلك البلاد الأولية وقوة عمالتها الوفيرة غير المتعلمة، يتراجع باطراد. صــ 21

▬ لا تستطيع الثورة التكنولوجية عبر/القومية استيعاب السبعة وأربعين مليون شخص الذين يدخلون سوق العمل سنوياً في أنحاء العالم. يعمل التنافس القائم بين الكوربوريشنات عبر/القومية على إجبارها على أتمتة مصانعها وإعادة هيكلة أساليبها الإنتاجية مما يتسبب في خلق مزيد من البطالة وليس مزيداً من فرص العمل. واليوم، لا يمكن للدول القومية الوفاء بوعودها بإيجاد عمل للجميع كهدف لها، ومن ثم، غدت قطاعات واسعة من سكانها بدون عمل وفي حالة إقصاء عن المجتمع. أما في أشباه الدول القومية، فتكتسب البطالة أبعاداً غير مسبوقة في الأعوام القادمة وذلك لأن الابتكارات التكنولوجية واتساع نطاق الأتمتة ستتزامن مع انفجار أعداد السكان الحضريين. صــ 34

▬ [..] هذه الرقابة فوق / القومية التي يمارسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على السياسات الاقتصادية القومية لبلدان أمريكا اللاتينية وأسيا وإفريقيا، هي ظاهرة جديدة في العلاقات المعاصرة. تعكس تلك الظاهرة بجلاء تآكل السيادة القومية وظهور سلطة فوق /قومية على كامل مصنف أشباه الدول القومية التي تقول إنها ذات سيادة. وفي واقع الأمر، فقد فقدت ما تُسمى بالدول النامية في ظل رقابة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التحكم الديمقراطي في سياساتها الاقتصادية والمالية والقومية. صــ 57

▬ الداروينية الدولية.. من آدم سميث إلى تشارلس داروين: في كتابه بعنوان "عن أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي" (1859) ذهب تشارلس داروين إلى أنه وفقا لقانون الانتقاء الطبيعي فإن الأنواع الأصلح للتنافس على بقائها فقط هي التي بإمكانها التكاثر والبقاء.لم يخطر له آنذاك، أنه وبعد حوالي 140 عام، وفي مستهل القرن الحادي والعشرين سيقوم السوق الكوكبي والثورة التكنولوجية بتطبيق القاعدة ذاتها، والسماح للأصلح فقط من البشر والشركات والاقتصادات القومية بالبقاء، أما من يُعتقد أنهم أقل قدرة على التنافس، فيتم تهميشهم ويُنظر إليهم على أنهم أنواع غير صالحة اقتصادياً. الفرق الوحيد بين الداروينية الاقتصادية الراهنة التي تقوم على أساس تكنولوجي وبين القانون الطبيعي هو أن الأخير تخلص من الأنواع غير الصالحة على مدى ملايين السنوات، في حين أن عملية انتقاء السوق الراهن التي تدفعها التكنولوجيا بإمكانها أن تجعل الآلاف يفقدون وظائفهم وعملهم في غضون أشهر معدودة، وتُقصى شركات متنافسة من السوق في مدة لا تتجاوز العامين، ولا تحتاج سوى إلى عقد واحد لتحويل كثير من الدول القومية إلى اقتصادات غير قابلة للحياة. صــ  75

▬ تعمل التكنولوجيا، فيما يلهمها السوق الدارويني، كعامل حاسم للتخلص من الذين لا يتكيفون مع تقدمها. واليوم، فإن الثورة التكنولوجية في سبيلها للقضاء على المصانع الضخمة ومجموعات السكان من البروليتاريا الذين اعتادوا تشغيل تلك المصانع، بحيث يحل محلها مراكز إنتاج صغيرة على قدر كبير من الأتمتة الرفيعة، بها وفرة من المعلومات المحوسبة، والظائف المؤقتة. يحدث نمط التحديث هذا في جميع فروق الإنتاج الصناعي تقريباً والنتيجة هي عملية عالمية لا تتوقف من القضاء على البروليتاريا. إن النقلة من اقتصاد عالمي يقوم على أساس المصانع إلى اقتصاد يقوم على أساس مشاريع محوسبة بدرجة عالمية هي نقلة جذرية صادمة بأكثر مما كان الانتقال في القرن التاسع عشر من الزراعة إلى الصناعة. كانت الثورة الصناعية التي اعتمدت على العمالة بدرجة هائلة، تدريجية بحيث أتاحت الوقت للمجتمع الزراعي كي يتكيف مع عصر الآلة. علاوة على ذلك، فقد خلقت الثورة الصناعية وظائف أكثر من تلك التي قضت عليها. وبالتقابل فباستطاعة ثورة الحسابات القضاء على عدد أكبر من الوظائف بأسلواب أكثر قسوة. كما أنها تخلق بالضرورة وظائف أفضل للغالبية العظمى من العاملين، وستعمل على تعميق عدم المسماواة الاجتماعية. تسير ثورة الحاسبات بخطى أسرع فيما أن أثارها الاجتماعية أكثر صرامة حيث يتم التخلص، ببساطة، من العمال غير المهرة. وإذا استطاع من يفقدون وظائفهم والذين لم يتدربوا على التكنولوجيا الجديدة الحصول على عمل، سيكون عليهم أن يرضوا بمرتبات أقل في غالبية الحالات. صــ 92

▬ في غضون السنوات الأربعين الأخيرة، لم تتمكن سوى بلدين صغيرين فقط، هما كوريا الجنوبية وتايوان، من التقدم تصبح مجتمعات صناعية متقدمة تكنولوجياً بعد أن كانتا مجتمعات زراعية، ونجحتا في التغلب على أوضاع الفقر التي كانت سائدة ورفع ومستويات المعيشة بحيث خلقتا طبقة وسطى مهيمنة. على أي حال فقد تم هذا في وجود مستويات ديمقراطية وثقافية وعلمية واجتماعية أقل كثيراً من نظيراتها في أوربا والولايات المتحدة. أما المنطقتان اللتان يطلق عليهما منظرو التنمية "البلاد المصنعة حديثاً NICs" أي هونج كونج وسنغافورة اللتين قاربت مستويات المعيشة فيهما نظيراتها في الديمقراطيات الرأسمالية المتقدمة، فهما ليستا دولتين قوميتين بل دولتين-مدينتين صغيرتين. لم تواجه التنمية فيهما المشاكل الهائلة التي يقتضيها رفع مستويات المعيشة في بلدان شاسعة تعاني من انفجار سكاني لا يمكن وقفه في مناطقها الحضرية كما هو الحال في غالبية البلدان المتخلفة. صـ 106

▬ الحقيقة العارية الجلية هي أن لا أحد يعرف اليوم كيفية الوصول إلى "إل دورادو". ففي جميع البلاد، يزداد الأغنياء ثراء، والفقراء فقراً. يساوي مجموع دخل المليارديرات الثلاثمائة الأكثر ثراء في العالم مجموع دخول 2.7 مليار شخص الذين يمثلون 40% من سكان العالم. يبلغ عدد الأفراد الذين يملكون الأموال التي تمكنهم من استهلاك منتجات الاقتصاد العالمي وخدماته 1.8 مليار شخص فقط. أما الباقون والذين يربو عددهم على 4 مليارات شخص فلا يملكون سوى التحديق في فاترينات المحلات. لم يرتفع دخل الأفراد الحقيقي في حوالي مائة بلدة فقيرة طوال العشرين عاماً الأخيرة. صــ 109

▬ بعد 190 عام من استقلال كثير من بلدان أمريكا اللاتينية، كان ينبغي لها أن تتنافس علميا وتكنولوجياً مع بلدان جنوب أسيا والصين، والهند، بيد أنها، ومع عدم اختراعها أي شيء، فقد أصبحت أرضاً جرداء علمياً، حيث إنها جميعها، وبإستثناء البرازيل، لا تستثمر أكثر من 1% من مجمل الناتج المحلي في الأبحاث والتنمية. هذا الوضع هو نتيجة التوجه الثقافي في أمريكا اللاتينية، وفي البلدان النامية الأخرى، لإضفاء قيمة على الدراسات الإنسانية تفوق تلك التي تضفيها دراسة على العلوم الطبيعية، والفيزياء والأحياء، والكيمياء، والرياضيات حيث تُفضل الآداب على اللوغاريتمات، والمنطق على التجارب، والمعتقدات الراسخة على الشك العلمي، وقاعات المحاضرات على المعامل. صــ  113 

▬ لا يُدرك السياسيون الذين يحاولون إعادة تنشيط الاقتصاد خطورة تطبيق توصيات جون ماينارد كينز في القرن الحادي والعشرين، وذلك لأن هذا الاقتصادي البارز لم يتخيل أبداً أنه ستوجد مجتمعات استهلاكية ثرية تنفث الغازات التي تسبب الاحترار الكوكبي، وتذيب قمم الجبال الجليدية القطبية، وغيرها من الأنهار الجليدية مما يرفع منسوب مياه المحيطات، وإضافة إلى هذا كله شح المياة الهائل في العالم. لا يدرك سوى القليلين أن هذه الأزمة مختلفة، وأن كوكبنا، ومع احترار مناخه المستدام، يحذرنا من أنساق الاستهلاك المدمرة هذه التي تعتمد على موارد الطاقة التي ينجم عنها انبعاث غازات الدفيئات (الفحم والنفط والغاز). لا شك أن الثمن الذي سندفعه سيكون باهظاً من حيث الكوارث المستقبلية، إذ إن الكوكب نفسه سيشارك في تلك الكوارث، كما أن للأزمة الحالية بعداً بيئياً لم يكن موجوداً عام 1929. صــ 173


▬ واليوم، وبعد ما يربو على خمسين عاماً من نظريات التنمية وسياساتها فلم يتجاوز متوسط زيادة دخل الأفراد في البلدان التي تُسمى خطأ ً "البلاد النامية" نسبة 2.6%، وهذا يقل كثيراً عن معدل النمو الضروري للهروب من الفقر. يوجد حوالي 5 مليار نسمة في العالم المتخلف تنموياً، يعيش 2.8 مليار منهم على دخل يتراوح بين دولارين وثلاث دولارات يومياً لا يكاد يكفيهم للبقاء على قيد الحياة، فيما لا يستطيع 1.3 مليار من سكان تلك البلاد إطعام أنفسهم على الدخل الذي يبلغ دولاراً واحداً في اليوم لكل منهم، أي أنهم يعيشون في فقر مدقع. لابد من أن يقترن هذا الواقع بالتحديات الجديدة الناجمة عن عدم التوازن الفيزيقي/الاجتماعي بين أعداد السكان المتنامية وبين الكميات غير الكافية المتاحة من المياة والطعام والطاقة. علينا، في مواجهة أزمة حضارتنا هذه، أن نتخلى عن البحث عن المواطن الأسطورية للثروة، وأن نتخلى أيضاً عن الأجندة المراوغة لثروة الأمم، ونحل محل هذا مسعى واقعياً من أجل بقاء الأمم. إن الأولويات الملحة الآن هي العمل على استقرار معدل تنامي السكان الحضريين، وعلى زيادة المتاح من إمدادات المياة والطعام والطاقة وإلا تحولت الحياة الحضرية في البلاد الفقيرة المتخلفة تنموياً إلى جحيم، وانهارت تلك الأمم لتصبح كيانات فوضوية غير قابلة للتحكم UCEs. صــ 199 - 200

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

علم اجتماع المعرفة (أمل حسن أحمد)


• إن الفكر الاجتماعي البدائي كان يُرجع ما يعجز العقل عن إدارك وسائل تحقيقه إلى قوة غيبية أو إلى آلهة وظيفية.
• إن الفلاسفة قد اقتصروا على تفسير العالم بطرق متعددة، ولكن القضية هي في المقام الأول تغيير هذا العالم. (كارل ماركس)
• يسعى علم الاجتماع المعرفي إلى تحديد مُنتج المعرفة وطبيعة عملية إنتاج المعرفة في سياقاتها التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية.
• يُعد علم الاجتماع المعرفي فرعاً من فروع علم الاجتماع العام، ويشترك في اهتماماته مع فروع معرفية أخرى مثل علم النفس والفلسفة. ويرتكز على مسلمة أساسية هي وجود علاقة جدلية بين الفكر والواقع الاجتماعي؛ أي بين الوعي والوجود الاجتماعي.
• تشهد البشرية حالياً عصر التحول، سريع الإيقاع، من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة والمعلومات العالمي، الذي يكتسب سماته من سمات تكنولوجيا المعلومات، حيث التركيز على العمل الذهني والذكاء الإنساني.
• الإنفجار المعرفي هو انعكاس لتفجر الحياة في عروقنا ومنذ قرون مضت، اهتدى جون لوك إلى أن العقل الإنساني سيظل ينشد المزيد من المعرفة إلا أنه لن يبلغ في ذلك غايته النهائية، وهو ما حاول كارل بوبر أن يفسره عندما بين لنا أن إنتاج المعرفة هو حلقات على التوالي. وبهذا ضمنت أجيال البشر المتعاقبة حقها الأبدي في انتاج المعرفة.
• إن المعلومات بذاتها لا تمثل معرفة، لأن المعرفة هي نتاج التفكير التحليلي والنقدي القادر على صياغة البنى المعرفية المترابطة، وتشبيك المعلومات للوصول إلى استبصارات حقيقية بمشكلات الواقع في الوقت الحاضر، وإلى استشرافات دقيقة بآفاق المستقبل.
• مجتمع المعرفة هو نموذج المجتمع المعاصر الذي يكون فيه إنتاج المعرفة وتوزيعها واستخدامها هو القوة الرئيسية والأصول المحركة للتنمية والإنتاج والثروة وتعاظم العمل، وفي هذا المجتمع تُعني المعرفة القدرة على خلق قيم مضافة إلى العمل والاقتصاد، وعلى تحسين نوعية الحياة.
• تُعتبر المدونات من أهم التطبيقات المنتشرة على الإنترنت في الفترة الحالية، فهي تمكن المستخدمين من نشر تعليقاتهم بشأن موضوعات عينة، وعرض أفكارهم وملاحظاتهم، وربما إذاعة نشرات خاصة عن اهتماماتهم وآرائهم، ومتابعاتهم للأخبار المختلفة.
• إن مفكري ما بعد الحداثة قد أرادوا بنسفهم فكر الماضي، أن يحرروا الفكر الإنساني من قيوده كي ينطلق صوب آفاق غير محدودة لتأسيس معرفة جديدة وأن يعي الإنسان عالمه على حقيقته لا كما يصوره له فكر نخبته.
• الفضاء الإلكتروني يستطيع أن يغير فهمنا لذواتنا، واستخدامه يؤدي إلى تغيير تفاعلنا مع بعضنا البعض ويتيح لمستخدمه أن يغير من هويته أو يختلق لنفسه هوية جديدة، فسؤال "من أنا"؟ لا يُطرح أبداً أثناء التعامل مع الفضاء الإلكتروني.

===================================
▬ إن التفكير الاجتماعي البدائي كان انعكاساً للتنظيمات الجماعية قبل أن يكون تأملاً للحياة الاجتماعية. وقد أكد علماء المدرسة الاجتماعية الفرنسية وعلى رأسهم "دوركايم" أن الحياة العقلية ومباديء الفكر ومقولاته الجوهرية ترجع إلى أصول اجتماعية. وأن الحياة الاجتماعية هي التي تقدم النماذج التي يتم وفقا لها تشييد المقولات، وأن كل المقولات والمباديء العقلية من البيئة الاجتماعية وليست متأصلة في العقل كما ذهب الفيلسوف الألماني كانط. ومن هنا تعد فكرة "الزمان" تعبير عن إيقاع الحياة الاجتماعية،فالتقسيم الزماني إلى أيام وأسابيع وشهور وسنين، يطابق التكرار الزمني لمواعيد الطقوس والأعياد والحفلات الجماعية العامة. وكذلك فكرة "المكان" حيث التنظيم المكاني نتيجة للتنظيم الاجتماعي؛ بمعنى أن المكان ما هو إلا تجسيد لأوضاع مكانية لها أهميتها الاجتماعية. صــ 13 - 12

▬ استطاع ماركس أن يقسم المجتمع الرأسمالي إلى قسمين رئيسيين: الأول مالك للإنتاج ووسائله، والثاني فاقد لها. وهذا يعني تبلور نوعين من الأنظمة الاجتماعية الرئيسية يهدفان إلى إشباع حاجاتها وطموحها من خلال كفاحها وتصارعها في ما بينها. فالصراع الاجتماعي عند ماركس لا يحدث فجأة بل بشكل متكرر، تتراكم فيه هذه الصراعات إلى أن تولد تغيراً شاملاً وكاملاً للبناء الاجتماعي. وهذا الصراع يعود إلى عدم تكافؤ وتوازن المصادر الاقتصادية داخل المجتمع، مما يولد طبقة اجتماعية مالكة للمصادر الاقتصادية والسلطوية داخل النظام الاجتماعي العام وبشكل عام فإن ماركس يعتقد أن تغيير البناء الاجتماعي، ودخول المجتمع في مرحلة حضارية تاريخية، يعود إلى التغيير في البناء المادي. وهذا من شأنه أن يؤثر على البناء الفوقي، أي بعبارة أخرى إن الجوانب المادية هي التي تؤثر على الأفكار والقيم والعادات والقوانين والأعراف الاجتماعية. صــ 66

▬ يتفق ماكس شيلر مع ماركس في أن الأفكار تكون حقيقية واقعية متى ارتطبت بالمصالح الاجتماعية والفردية، والبواعث والعواطف والميول الاجتماعية، ومتى ارتبطت بالبناءات والمؤسسات النظامية، حينئذ فقط يكون للأفكار تأثيرا على الأفعال والممارسات الاجتماعية أما الأفكار التي لا تتجذر في الواقع فيحكم عليها بأنها يوتوبيا عقيمة. صــ 105

▬ يرى مانهايم أن المعرفة الاجتماعية لا تنفصل عن الطبقات الاجتماعية، ولذلك فإن النظرية الاجتماعية لا يمكنها أن تقدم سوى معرفة نسبية الطابع، لأنها ترتبط وظيفياً بالوضع الاجتماعي للطبقات، وتعبر عن مصالحها الاقتصادية، ومواقفها السياسية، ومن ثم، فهي معرفة مشوهة. إلا أن المثقفين بفضل تحررهم من القيود الاجتماعية بإمكانهم أن يقيموا توازناً بين الأوضاع المختلفة وتقديم رؤى أخرى متكاملة. من هنا أكد شيلر على دور المثقفين في تخليص المعرفة من الشوائب الذاتية، وتحريرها من التأثيرات الاجتماعية، لأنهم بحكم ثقافتهم المشتركة يكون في إمكانهم التحرر من الروابط الاجتماعية وتجاوز النظرة الضيقة للطبقات، وتفهم جميع الآراء، والتقاء مع جميع التيارات الفكرية التي تضمن للمعرفة قيمتها الموضوعية. وهكذا تقوم "النخبة" عند مانهايم بدور "العقل المطلق" عند هيجل، و "البروليتاريا" عند ماركس، و "الصفوة" عند باريتو، لأن تأثر المعرفة بالأطر الاجتماعية يحط  في نظرهم من قيمتها. صــ 111

▬ اعتبر كارل ماركس الأيديولوجيا "وعيا مزيفاً". وكان يرى أن الفئات المتنفذة تستطيع السيطرة على الأفكار السائدة التي يتداولها المجتمع واستخدامها لتبرير أوضاعها ومواقفها. وهذا يوحي بأن فهمنا للعالم الاجتماعي ومعرفتنا به إنما تقرره المصالح السياسية. إذ توجد معتقدات معينة وطرق معينة لرؤية العالم، من شأنها أن تخدم مصالح الطبقة المسيطرة ولا تخدم مصالح الطبقة الخاضعة. وكان ماركس يرى الدين له بعد أيديولوجي أيضاً ويعبر عن هذه الفكرة بقوله "الدين أفيون الشعوب". فمن ناحية يقوم الدين - في رأيه - بتشويه ما لدي الطبقات الخاضعة من فهم للعالم الاجتماعي، خاصة وعده لها بالثواب والأجر في الجنة، تعويضاً لها عما عانته في هذا العالم من المظالم. أضف إلى ذلك الإشارة المجازية إلى الأفيون إشارة هامة، وليست أهميتها براجعة فحسب إلى أن الأفيون يضعف من احساسنا بالألم، ولكنها ترجع إلى أن الأفيون يتسبب في استثارة الأحلام. وعلى ذلك فإن الجنة يجب النظر إليها بصورة جدية (ولكن ليست حرفية)، لأنها تحتوي على مثال للعدالة، لكنها عدالة كان ينبغي أن تتحقق في هذا العالم وليس في الآخرة. وبهذا المعنى تمثل الأيديولوجيا حلاً وهمياً لمشكلة حقيقية. صــ 118 - 119


▬ يرى "تركل" Turkle أن مجتمع الإنترنت الافتراضي يجعل الفرد يظهر على حقيقته بشخصيته الحقيقية دون رتوشٍ أو أقنعة عندما يتحدث مع الأغراب، وعلى العكس من ذلك عندما يتحدث مع أشخاص في المجتمع الواقعي وجهاً لوجه، وهو على دراية بسماتهم وخصائصهم، فهو غالبا ما يرغب في نيل استحسانهم ورضاهم حتى لو أدى ذلك إلى إخفاء شخصيته الحقيقية. وقد أثبتت دراسة تجريبية أجريت حول تأثير المجتمع الواقعي والافتراضي في إظهار الشخصية الحقيقية للفرد أن الشخصية الحقيقية للفرد تظهر أكثر في المجتمع الافتراضي عندما نتحدث مع غرباء، بينما يميل الفرد إلى التكلف والتصنع عند التحدث مع غرباء في المجتمع الواقعي [...] ويشر تركل إلى أن المجتمع الافتراضي أدى إلى ظهور عالم الشخصيات المتعددة Multi Identities فوفقا لنظرية الشخصية الاجتماعية  فإن مجتمع الإنترنت قدم لنا شخصيات اجتماعية متعددة، فالفرد يمكن أن تكون له أكثر من شخصية عندما يتحدث مع غرباء عبر الإنترنت. ويرى العديد من الباحثين أن إخفاء الفرد لهويته واختلاقه لشخصيات متعددة يجعل ذاته الحقيقية تضيع وربما يدمن مثل هذا النوع من السلوك وينسلخ عن مجتمعه الواقعي ويعيش في وهم تكوين علاقات مع آخرين. فيتحول العالم إلى وهم بدلاً من أن يتعامل الإنسان مع الأشياء والأشخاص يتعامل مع ظلالها. صــ 169 - 170

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلسفة الثقافة (مصطفى النشار)

• الثقافة هي ما يشكل الوجدان الفردي أو الوجدان الجماعي لمجتمع ما وهي ما يشكل الدافعية لسلوكهم على نحو معين.
• إذا أردت أن تعرف عناصر حضارة شعب فانظر في الثقافة السائدة بين أفراده. فالثقافة هي واجهة الحضارة، وهي الدلالة على مدى التقدرم الذي أحرزه أبناء هذه الحضارة أو على مدى التخلف الذي يعانون منه.
• إن الثقافة المتحضرة هي الثقافة التي يشعر أصحابها بأن مشاركة الآخرين من أبناء الثقافات والأمم والحضارات الأخرى أفراحهم وأحزانهم وآلامهم ضرورة يفرضها على الجميع أنهم يعيشون على أرض واحدة وتظلهم سماء واحدة ويتمتعون بشمس واحدة، وبضوء قمر واحد.
• حرية العقيدة وحرية التفكير من الآليات المهمة في أي ثقافة متحضرة، فليس ممكناً أن نكون متحضرين إذا لم نكن نؤمن بأن للجميع نفس الحريات التي نتمنى أن نتمتع بها وأن نمارسها.
• إن الثقافة المعولمة لا تستطيع النفاذ إلى الأفراد والشعوب إلا عبر عقولهم وضمائرهم الأخلاقية وعبر إرادتهم الواعية الحرة.
• من سمات ثقافة التخلف أنها ثقافة غوغائية جمعية فوضوية يتساند فيها الجميع على الجميع دون أن يجرؤ أحدهم على تحمل مسئولية أي شيء وحده، إنها ثقافة لا تؤمن أن يكون للفرد دوراً محدداً يؤديه ويلتزم به ويبدع فيه منفرداً، فهي ثقافة القطيع.
• استيراد التكنولوجيا كاستيراد القيم الأخلاقية والثقافية مرفوض إذا تعارض مع ضرورات البيئة المحلية المستوردة، وإذا لم يتوافق مع معتقدات أبنائها وحاجاتهم الملحة.
• إن التغريب في حقيقة الأمر لا يحدث نتيجة ترجمة إبداعات الغربيين الثقافية عامة والعلمية خاصة، وإنما يأتي نتيجة انبهارنا بمل ننقل وحرصنا على أن نتلون ونتشكل تشكلاً ظاهرياً وفقاً له لغة واصطلاحاً ومضموناً.
• إن ثقافة التقدم وتأصيلها وتجذيرها في الواقع العربي وامتلاك أبنائه لها ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتنمية المجتمع والاقتصاد المحلي وصولاً إلى الرخاء والسعادة وهما غاية أي فعل إنساني.

=============================
▬ إن الثقافة المنفتحة على الثقافات الأخرى دون تعال أو دون غرور هي الثقافة القابلة للتجدد والقابلة للاستمرار بعكس الثقافة المتعصبة التي ينظر أصحابها إلى أنفسهم على أنهم الأفضل والأعظم والأعلى قدرة وقوة، فإنها تعد ثقافة جامدة جاحدة لما أخذته بالتأكيد من عناصر من الثقافات الأخرى. ومن ثم فهي ثقافة مؤهلة لأن تنتحر ذاتياً؛ إذ لم توجد بعد الثقافة القادرة على أن تظل جامدة بعناصر ثابتة لا تتغير فمآل عناصرها الثابتة إلى الجمود والتحجر ومن ثم الموت. صــ 15

▬ ثنائية العقل والوجدان في اعتقادي من آليات الثقافة المتحضرة. وليس معنى الثنائية الانفصام أو الازدواجية في المعايير القيمية أو خلافه. بل معناها أنه على الإنسان أن يعيش حياة تلبي مطالب عقله كما تلبي مطالب وجدانه. وآلية الحياة العلمية - التقنية هي العقل وإبداعاته باستخدام الطريقة العلمية في التفكير... وآلية الحياة الروحية هي القلب أو الوجدان وتلك الحياة الرحية قد يقصد بها الشعور الديني أو الاستمتاع بالفنون والآداب المختلفة وأداة هذا الشعور الروحي هي الوجدان أو القلب ولا شك أنه كما قال باسكال أن للقلب منطقاً هيهات للعقل أن يفهمه. صــ 23

▬ إن الثقافة المتحضرة ذات بنية داخلية ديناميكية قابلة للتجدد وللتفاعل مع الثقافات الأخرى. وهي بنية ذات عناصر أصيلة ثابتة لا تتغير وإن استفادت من عناصر الثقافات الأخرى واستلهمت بعض عناصرها الإيجابية في تجديد شبابها وفي إعادة التوازن إلى عناصرها التي خبت جذوتها أو التي لم تعد تتلاءم مع أي عنصر من العصور المستحدثة التي تعيشها... فهي ثقافة تعطي بقدر ما تاخذ وتشارك بقدر ما تستلهم أو تستعير من عناصر الثقافات الجديدة. صــ 26

▬ إن آليات العولمة الثقافية كما نعرف كثيرة ومتعددة و قد تكون بالفعل عظيمة التأثير على المتلقي وليس أدل على ذلك من أن الكثيرين من أبنائنا المعولمين قد يجلسون أمام شاشات التليفزيون العالمية أو أمام شبكات الإنترنت العالمية معظم وقتهم يتلقون بانبهار كل ما يُبث ويتفاعلون مع ويتأثرون به بلا شك لكن هذا التلقي لا يحدث تأثيره في نفس الفرد أو بالأحرى في عقليته إلا إذا رغب الفرد في ذلك، وبعبارة أخرى إلا إذا أراد الفرد ذلك بالفعل وتفاعل مع هذه المواد التي يتلقاها بإيجابية. صــ 45

▬ إن الخلط بين التوجه الإيجابي والتوجه السلبي هو السمة السائدة بين شبابنا؛ فقد اختلطت لديهم القيم الإيجابية بالقيم السلبية لعصر العولمة نتيجة انعدام الوعي بالمعني الحقيقي للعولمة ونتيجة لعوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة في مجتمعاتنا العربية تؤدي دوماً إلى احباط الشباب وفقدانه للهدف مما يؤدي إلى ذلك التوهان وتلك الحيرة التي يعاني منها بين أن يكون غربي الثقافة والهوى قاطعاً صلته بثقافته القومية وقيمه الأخلاقية والدينية. وبين أن يتحصن في ثقافته القومية ويتمسك بقيمه الدينية والأخلاقية رفضاً الثقافة الغربية ومستجدات العصر كلها. صــ 65

▬ إن ثقافة التقدم يقدر فيها الناس لكل واحد منهم إبداعه وتفوقه بصرف النظر عن مهنته أو نوع العمل الذي يقوم به، إنهم يقدرون العالم أو المفكر ويقدسون حريته في البحث أو في التأمل والإبداع، بنفس درجة تقديرهم للعامل الذي يكد ويجتهد في الحقل أو في المصنع فكل فرد سواء انتمى إلى هؤلاء أو إلى أولئك إنما هو نجم في عمله ويستحق الإشادة والتكريم طالما يقوم بعمله على خير وجه. صــ 98

▬ إن الفرد قد خُلق في الأساس فرداً متميزاً وهو وإن كان قد وُجد في بيئة متخلفة لا تسمح له بالتميز والتفرد على صعيد الإبداع الفكري أو الإنتاجي أو العلمي...إلخ فإنه يحاول ان يحقق فرديته على صعيد آخر بانكفائه على ذاته ومحاولة تحقيق ذاته في أرذل صورة، وهي الصورة الشهوانية بدءاً من شهوة الجنس وانتهاء بشهوة تكديس الأموال مروراً بتحطيم قيم الصدق والولاء والإخلاص والوفاء سراً ودون أن يشعر بذلك الآخرون. إن الفرد في ظل هذه الثقافة مصاب بازدواجية الشخصية؛ فهو أمام أسرته ومجتمعه ذلك الفرد المثالي المحافظ على كل التقاليد والأعراف المتحلي بكل الفضائل الخاضع لكل القيم المتعارف عليها، بينما هو ودون أن يعي ذلك يحاول بكل السبل أن يحقق ذاته الفردية في الخفاء بممارسة ما يستطيع من رذائل ومتع حسية وجسدية بعيداً عن أعين الآخرين. صــ 109


▬ لا يجب أن نستهين بهذه القضية الهامة؛ فنحن أمة تميل دائماً إلى العيش بين الكلمات ويميل أفرادها إلى الكلام والرغي بدون هدف محدد أو بدون الوصول إلى نتيجة محددة بصدد شيء ما وهذه آفة لابد أن نتخلص منها للتحول إلى الاستخدام العلمي للغة، وذلك الاستخدام العلمي للغة في اعتقادي لن يكون، ولن يشيع بين أفراد المجتمع إلا بالحرص على الثقافة العلمية التي قوامها تشجيع البحث العلمي بمختلف صوره وفي كل المجالات [..] إن مجموع إنفاق الحكومات العربية على البحث العلمي لا يتعدى 0.3%، وبمقارنة بسيطة نجد أن إنفاق الدول المتخلفة ومنها دولنا العربية بالطبع لا يمثل أكثر من 1.6% من مجموع إنفاق دول العالم على عمليات البحث العلمي وتوظيفه في تطوير التنمية. صــ 128 - 129

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

المنطق التطبيقي (إسماعيل عبد العزيز)

• يستطيع الإنسان أن يفكر بالفطرة على نحو منطقي دون إلمام بعلم المنطق وأساليبه، فهو يفكر بفطرته مثلما يأكل ويشرب ويتحرك.
• إذا كان موضوع المنطق هو الفكر، فإن الفكر نفسه إنما هو في حاجة ماسة إلى الألفاظ لكي يتم انتقاله بين الناس فضلاً عن استخدام الألفاظ على نحور سليم، إنما يساعد بلاش شك على التفكير بطريقة أكثر دقة ووضوحاً.
• إن الحجج الاستقرائية تحتمل درجات من القوة تعتمد على مقدار التأييد الذي تمنحه المقدمات للنتيجة.
• من الخطأ أن نطلق على استدلال ما إنه مغالط لا لسبب إلا كونه يشتمل على مقدمة كاذبة أو أكثر. لأن مشكلة الخطأ التي تهم المنطق إنما هي صورية Formal problem.
• القياس هو قول مؤلف من قضيتين يلزم عنهما قضية ثالثة. وتسمى القضيتان اللتان توجدان في البداية بالمقدمتين بينما تسمى القضية اللازمة عنهما بالنتيجة.
• على حين ترتبط المغالطة بالتضليل والخداع، فإن الأغلوطة تخلو تماما من هذا الغرض، حيث يقع المرء فيه عن غير قصد، ودون توجه واع إلى تضليل غيره.
• على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه المنطق المتعدد القيم على صعيد التطبيقات العلمية المختلفة، إلا أنه لم يسلم من الانتقادات العنيفة، نتيجة لوجود بعض الاعتبارات غير المبررة، مما أوقعه في كثير من الأحيان، في قفزات استدلالية غير مأمونة من وجهة نظر الكثيرين.
===============================

▬ لقد جرت العادة على تعريف المنطق بأنه علم التفكير الصحيح أيا كان الموضوع الذي يتم حوله التفكير فهو العلم الذي يضع لنا القوانين التي تجنب الإنسان الوقوع في الخطأ بما يضعه من قوانين عامة ليتبعها العقل الإنساني في تفكيره، وبالتالي فما كان من التفكير موافقا لهذه القوانين كان صحيحا، وما كان مخالفا لها كان فاسدا، ولهذا يعرف المنطق أحيانا بأنه علم قوانين الفكر. ومع أن هذا التعريف يقدم لنا مفتاحا لطبيعية المنطق إلا أنه غير ملائم للبعض، لأن الفكر - وهو موضوع المنطق إنما هو عملية نفسية من بين العمليات التي يهتم بدراستها علم النفس، بينما المنطق ليس فرعاً من فروع علم النفس، إنما هو مجال دراسة مستقل ومميز. ولهذا فإنه إذا كان الفكر يشير إلى آية عملية مما يحدث في عقول الناس، فإنه ليس كل تفكير يعد موضوعا لدراسة المنطق. نظراً لأن المنطق يهتم بنوع خاص من التفكير وهو التفكير الاستدلالي، والذي تكون فيه النتائج مستمدة من المقدمات، بينما ليس كل تفكير يعد استدلالاً. إذ ربما يكون التفكير مجرد تخمين أو تخيل أو تذكر دون أن يكون استدلاليا، ولهذا كان التعريف الشائع للمنطق هو أنه علم الاستدلال. صــ 16 ، 17

▬ على الرغم من معرفة أرسطو بقانون ثنائية التكافؤ، والذي ينص على أن القضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة، إلا أنه لم يقبل صحة هذا المبدأ بالنسبة للقضايا المتعلقة بالأحداث المستقبلية الممكنة. ولهذا يرى أن أي قول يتعلق بحادثة مستقبلية يثبت أن ينكر ما سوف يقع ليس بصادق ولا بكاذب [...] إلا أنه على الرغم من أن الحجج التي أوردها أرسطو فيما يتعلق بمناقشته للمستقبلات الممكنة لم تتضح عبارتها تمام الوضوح، ولم تبلغ تمام تكوينها في الفكر، إلا أنها تحتوي على فكرة هامة وعلى قدر كبير من الخصوبة حيث إنها تمدنا بالباعث لأحد البحوث الرائدة للمنطق المتعدد القيم [...] إلا أن لوكاشيفتش يرى أنه من غير الملائم تسمية المنطق المتعدد القيم بالمنطق اللا-أرسطي نظراً لتشكك أرسطو نفسه في صحة مبدأ الثالث المرفوع في ميدان المستقبلات الممكنة، ولهذا فضل لوكاشيفتش تسميته بالمنطق اللاكريسبي على أساس أن كريسبوس كان أول من أعلن صراحة أن كل القضايا إما أن تكون صادقة أو كاذبة [...] ومعنى هذا أن المنطق الثنائي  أو المتعدد القيم لا يكمن في هذه النظرية أو تلك، بل يكمن أساساً فيما بعد المنطق، حيث يتحدد شكل خاص عن طريق قبول أو رفض مبدأ ثنائية التكافؤ. بمعنى أن كل من يقبل صحة مبدأ ثنائية التكافؤ، كما فعل كريسيبوس، سيقبل بالمنطق الثنائي، بينما كل من يرفض بالمثل ولو بصورة جزئية هذا المبدأ، كما فعل أرسطو، فإنه سيفتح الباب بذلك للمنطق المتعدد القيم. صــ 129 - 131

▬ على الرغم من كل ما يقال من أن التهديد الكبير لقانون الثالث المرفوع في الأزمنة الحديثة إنما جاء نتيجة لتطور المنطق المتعدد القيم وبشكل خاص من نسق لوكاشيفتش الثلاثي القيم، إلا أن تشارلز بيلز لا يوافق على هذا حيث أثبت أن وجود المنطق المتعدد القيم ليس له علاقة إلى حد بعيد بمبدأ الثالث المرفوع على أساس أن هذه الأنساق إنما هي في الحقيقة مخططات غير مفسرة، ولا تدعي التوافق مع المعاني المعروفة لكلمة صادق وكاذب، بل والأكثر من هذا أن نسق لوكاشيفتش، فيما يبدو، لم يُخترع في الأصل كمخطط غير مفسر فحسب، بل إنه نشأ ضد النقاش الموجود في كتاب العبارة فيما يتعلق بتطبيق المبدأ على المستقبلات الممكنة. صــ 135


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الفلسفة اليونانية بعد أفلاطون (مصطفى النشار)


• لقد نجح أرسطو في التمييز بين التخيل والإحساس؛ فالإحساس إما قوة وإما فعل مثل البصر والإبصار، أما الخيال فهو صورة قد توجد في غيبة البصر والإبصار مثل الصور التي نشاهدها في النوم.
• إن الخبير عادة ما يكون عارفاً عن طريق الخبرة وتكرارها بالأمور الجزئية لكنه لا يستطيع أن يستنبط من هذه الخبرات القوانين العامة لأن من يملكها هو العالم الذي يملك العلم النظري بهذه القوانين وبتلك المباديء والعلل الكلية للأشياء والظواهر التي تقع في نطاق تخصصه العلمي.
• إن الضرورة في الميتافيزيقا يجب أن تكون بحثاً في الجوهر وفي الرياضيات هي بحث في المسلمات أو المصادرات أما في الطبيعيات فهي بحث في المادة.
• لقد اختص أرسطو النفس بداية بأنها ما يحول الحياة بالقوة في الجسم الطبيعي إلى حياة بالفعل وهذا هو ببساطة ما قصده بأن النفس هي صورة الجسم فالنفس صورة الجسم الطبيعي نظراً لأنها ما يحول الحياة بالقوة فيه إلى الحياة بالفعل.
• إن الأبيقوريين كانوا يعتقدون أن العلم ليس من أجل العلم، وإنما من أجل تحقيق السعادة للإنسان.
• يتألف الكون عند أبيقور من أجسام ومن خلاء، والإحساس هو ما يثبت لنا في كل المناسبات وجود الأجسام كما أن ما يقودنا إليه الاستدلال من تخمينات حول اللامرئي إنما يحصل بالضرورة بمقتضى هذا الإحساس... ومن جهة أخرى لو لم يوجد ذلك الشيء الذي نسميه الخلاء أو الفضاء لما أمكن للأشياء أن تحتل حيزاً ولا أن تتحرك.
• إن الحكيم الحق عن أبيقور هو من يدرك أن السكينة Ataraxia التي يحققها بمعارفه وتأملاته الفلسفية تجعله إلهاً حقيقياً يعيش وسط الخيرات الخالدة رغم وجوده بين الآدميين.
• الفلسفة عند أبيقور تلعب دوراً شبيهاً بدور الطب؛ فمثلما يخلصنا الطب من ألم الجسم، كذلك يجب أن تخلصنا الفلسفة من ألم النفس.
• إن ثمة خيطاً رفيعاً عند أبيقور بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، فالمتجمع هو مجموع الأفراد، وإذا آمن كل فرد بأن سعادته تكمن في عدم الإضرار بالآخرين والحفاظ على صداقته معهم كلما أمكنه ذلك، لساد المجتمع ككل نوعاً من العدل وهو العدل المفيد للعلاقات الاجتماعية.
• إن الإحساس عند الرواقيين هو أول مراتب المعرفة لكنهم يعتبرونه ليس إلا مادة تتناولها النفس وتكيفها كيفما تشاء من خلال العقل حيث تستخرج منها التصورات الحسية مميزة فيها بين التصورات الحسية الحقيقية والتصورات الحسية الزائفة.
• إن أول المباديء التي تقود الإنسان إلى المثل الأعلى للإنسان الكامل في نظر الرواقيين هو: مبدأ الخلو من الانفعالات وهذا ما يسمى عند الرواقيين حالة الأباثيا Apathy فالحكيم رجل لا انفعالات له لأنه لا يترك نفسه يسقط فيها.

=================================
▬ [...] ولنسارع هنا إلى القول بأنه ليس معنى أن أرسطو يفضل المعرفة العقلية بشقيها النظري والعملي على المعرفة الحسية، أنه يهمل - كما أهمل سابقه أفلاطون - المعرفة الحسية، بل على العكس من ذلك فهو يعطي أهمية قصوى للمعرفة الحسية من زاويتين هامتين: أولهما: أنها نقطة البداية في المعرفة الإنسانية بالعالم؛ فعمل الحواس من سمع وبصر وخلافهما هو نقطة بداية تعرفنا على العالم الخارجي. وثانيهما: أن أرسطو - على عكس أفلاطون - يرى أن هذه المعرفة الحسية وما تنقله إلينا الحواس من معطيات حسية حول الأشياء الخارجية هو نقطة البداية في عمل العقل. فالعقل لا يبدأ عمله من فراغ بل يبدأ من تحليل ما تنقله إليه الحواس عن صفات هذه الموجودات الخارجية وأحوالهما. صــ 10

▬ [...] قلنا أن الإحساس يتم بانفعال العضو الحاس لا بمادة المحسوس وإنما بصورته ولكي يتم هذا الإنفعال لدى الحواس الخمس لا بد في رأي أرسطو من توافر شروط؛ منها بالطبع سلامة الحاسة، وكذلك وجود المحسوس الذي هو موضوعها وكل حاسة لا تنفعل إلا بصورة محسوسها فقط؛ فالعين لا تنفعل إلا باللون، والأذن لا تنفعل إلا بالصوت وهكذا فلكل حاسة موضوع انفعالها المستقل عن الحواس الأخرى. ومن هذه الشروط العامة أيضاً للإحساس وجود وسط بين الحاسة والمحسوس، فالإحساس ليس عملية تصادمية بحتة عند أرسطو، بل يتم بتوافر وسط معين بين الحاسة والمحسوس كالضوء بالنسبة للعين، والهواء بالنسبة للأذن والأنف. صــ 13

▬ إن أرسطو إذن يميز بين عقل هو هيولي أو هو بالقوة، وعقل هو بالفعل وهو الذي يمثل العلة الفاعلة للمعرفة العقلية، ويؤكد على أسبقية الأول زمانياً، وإن لم يكن هذا التقدم بذي قيمة نظراً لأنه لا معرفة تتم للعقل إلا بوجود القوة الفاعلة التي من شأنها تحويل الاستعداد أو الوجود بالقوة إلا الوجود بالفعل! بمعنى أن كل ما قصده أرسطو هنا هو التأكيد على أن القدرة على التفكير لدى الإنسان تسبق التفكير الفعلي. وبالطبع فلا قيمة لهذه القوة إلا إذا تحولت إلى فعل! [...] إن أرسطو لم يتحدث عن عقلين مستقلين كما صور ذلك بعض شراحه ممن أساءوا فهمه بل تحدث عن عقل واحد وميز بداخله بين قوتين، وقد وصف العقل بالقوة بصفة الهيولانية ليعبر فقط - كما أشرنا من قبل - عن قدرته على المعرفة حتى قبل أن يصبح بالفعل. وهذا لا يعني أبداً أي إشارة إلى صفة تتعلق بالتركيب الأنطولوجي الجوهري لهذا العقل. صــ 22 ، 23

▬ أما المعرفة الحدسية فهي الدرجة الأرقى والأهم من درجات المعرفة الإنسانية نظراً لأن العقل فيها لا يستند في إدراكاته لتلك الخبرات الجزئية - الحسية - ولا يعنيه إلا إدراك الحقيقة إدراكاً مجرداً بصرف النظر عن فائدتها العملية أو عن إمكانية الاستفادة منها في اي مجال من مجالات الحياة. إن القوة الفاعلة (الحدسية) من العقل تقوم إذن في نظر أرسطو بتكوين وتجريد التصورات الكلية العامة إذ بها نحدس الحقائق الكلية على حد تعبير روس. وبها أيضاً نستدل من حقيقتين كليتين على حقيقة ثالثة. فضلا عن أن هذه القوة الحدسية من العقل هي ما تدرك ما لا يقع مطلقاً في الخبرة الحسية ولا تخضع لتحيلات العقل العملي أو الاستدلالي من كائنات يقع على قمتها الإله ذاته. صــ 24

▬ [...] وبالطبع يكون التساؤل هنا: وكيف يمكننا أن نصل إلى إدراك هذا الجوهر؟ لقد كان أفلاطون يرى ببساطة أنه لا يوجد إلا في ذلك العالم المفارق عالم المثل وأنه لكي ندرك حقيقة أي شيء في هذا العالم الظاهر لا بد أن ندرك أولاً ماهيته الكلية في عالم المثل. أما أرسطو فيبدأ بالطريق العكسي؛ فأفلاطون يصر على البدء بمعرفة الكلي لنتعرف من خلاله على الجزئيات التي تمثل ظلاله! أما أرسطو فيرى أن البداية المنطقية هي البدء باستقراء الجزئيات التي تمثل ظلاله! أما أرسطو فيرى أن البداية المنطقية هي البدء باستقراء الجزئيات والانتقال منها إلى إدراك الكلي؛ فسائر الكائنات باستثناء الإله لا يمكن أن تعرف إلا عن طريق التجربة باستقراء الحالات الفردية والانتقال منها إلى الحالات الكلية، ومن الصور الدنيا إلى الصور العليا، فلابد إذن الوصول إلى الحقائق الكلية من القيام بالكثير من التحليل والوصف والاستقراء. صــ 30 ، 31

▬ [...] وإذا كان ذلك مما هو متفق عليه تقريباً بين العلماء من دارسي أرسطو، فإنهم يختلفون حول جدوى السؤال الأرسطي عن اللماذا؟ أي يختلفون حول أهمية البحث عن العلة الغائية حتى لقد قال بيكون ساخراً أن السعي وراء العلل الغائية إنما هو سعي عقيم لا يولد شيئاً مثل العذراء التي تهب نفسها لله، فلقد اتجهت العلوم - كما يقول بول موي - إلى الاقتصار على البحث عن الأسباب وإغفال الغايات حيث أن التفسير الغائي يفترض التفسير بالسبب أما العكس فغير صحيح. صــ 49

▬ إن هذا التحول من درجة من الوجود إلى درجة أخرى أكثر كمالاً وتحقيقاً لمعنى الوجود هو جوهر رؤية أرسطو الفلسفية للعالم الطبيعي، فالعالم الطبيعي بكل موجوداته إنما هو في حركة دائبة شوقاُُ إلى اكتساب صورة أكثرة كمالاً وأكثر اقتراباً من صورة الصور، صورة المحرك الأول الذي هو العالة الأولى للحركة رغم أنه بالضرورة لا يتحرك ولا ينبغي أن يتحرك وإلا لبحثنا عن علة أولى أسبق لحركته.. إن وجود العالم الطبيعي إنما هو وجود ناقص يطمح ما فيه إلى الكمال بحركته. وهذه الحركة تفترض محركاً أول يكون علة لها. وهكذا يسوقنا أرسطو إلى أهم ما في الميتافيزيقا، موضوع الوجود الإلهي الذي به اتسمت الميتافيزيقا بسمة العلم الإلهي. صــ 77

▬ إن الفعل الوحيد للإله حسب ما جاء في نصوص أرسطو هو تعقل ذاته ومن ثم فالإله عنده: أولاً: لا يعني بالعالم ولا يهتم به رغم أنه علته الفاعلة من حيث كونه علة غائية لحركته بوصفه المعشوق الذي يعشقه محبوه فيتحركون شوقاً إليه وهو ذاته لا يتحرك رغم أنه علة حركتهم هذه! ثانياً: لا يعلم عن هذا العالم شيئاً محدداً لأنه لا يصح أن يفكر الكامل في الناقص، ففعله الأوحد كما قلنا الذي يليق بكماله هو "التفكير في التفكير" أي التفكير في ذاته وليس في غيره ومن ثم تبطل هنا تفسيرات ابن رشد وتابعه القديس توما الإكويني فهما قد حاولا إيجاد مخرج لهما من هذا الإصرار الأرسطي على تقوقع الإله داخل ذاته والتفكير المطلق فيها بأن قال الأول: إن الله يدرك المباديء الكلية للوجود وللموجودات لأنها من طبيعة ذاته. وقال الثاني: إن الله يدرك ما عداه من الموجودات من خلال إدراكه لذاته ولا يخفى علينا في ضوء ما قدمنا من مدى ابتعاد هذين التفسيرين عن حقيقة الرأي الأرسطي. ثالثاً: إن الإله ليس خالقاً للعالم؛ إذ يتنافى القول بأزلية المادة مع القول بأن الإله خالقه أو مبدعه. والمعروف أن أرسطو كما أسلفنا القول يؤمن بأزلية المادة وأزلية الحركة وأزلية الزمان بالتالي. ومن ثم فلا مجال للقول بأن الإله خالق للعالم أو مبدعه من عدم. صــ 81

▬ [...] ويتضح من ذلك أن ما أراده الإسكندر في غزوه لبلاد الشرق من سيادة للثقافة والفكر اليوناني على الشرق لم يتحقق، بل ربما تحقق العكس من ذلك؛ إذ يبدو أن الثقافة والفكر الشرقي هو الذي غزا بلاد اليونان؛ فقد أصبح أشهر فلاسفة أثينا وهم الرواقيون في ذلك الوقت هم من أتوا من خارج أثينا ومن أصول شرقية حاملين ثقافتهم الشرقية وعقائدهم الدينية المختلفة. ومن ثم كان من الضروي أن يحدث ذلك الامتزاج بين فكر الشرق وفكر اليونان لدى هؤلاء أو أولئك من فلاسفة هذا العصر الهللينستي فلم يعد فكر اليونان خالصاً كما لم يعد فكر الإنسان الشرق خالصاً... لقد ترتب على هذا الامتزاج بين الفكر الشرقي والفكر اليوناني أن تعرضت صورة الفلسفة التقليدية لليونان إلى الانهيار... لقد تحولت نظرة الفيلسوف في هذا العصر من البحث عن الحقيقة المجردة للوجود وإدراك مظاهره المختلفة والكشف عن كنهها وماهيتها إلى البحث عن طريق للسلوك يحقق للفرد السعادة الذاتية... ومن هنا غابت الأصالة واستعرت نزعة الشك لدى البعض، والنزعات المتطرفة لدى البعض الآخر سواء بالاتجاه نحو الزهد المتشدد أو نحو اللذة المفرطة [...] وبالطبع فليس معنى ذلك أن البحث الفلسفي في هذا العصر قد تدهور إلى حد أنه لم يعد هناك بحثاً في نظرية الوجود أو في نظرية المعرفة، بل المقصود هنا أن فلاسفة هذا العصر قد اتخذوا من البحث في الوجود والمعرفة الإنسانية تكئة للوصول إلى غاية بعينها هي الوصول إلى التماس طريق لسعادة الفرد في حياته العملية. صــ 107 - 109

▬ إن الإحساس في نظر أبيقور هو أكثر مصادر المعرفة الإنسانية بداهة، فهو صادق دائماً. وقد روى شيشرون قوله أنه لو خدعه حس واحد مرة واحدة في حياته فهو لن يثق بأي حس من حواسه أبدا. فلا مجال إذن للشك في ما تنقله الحواس، فكل ما تنقله صادق دائماً... وربما تعود هذه الثقة الزائدة في الحواس من الأبيقوريين إلى تفسيرهم المادي لعملية الإحساس ذاتها، إذ أن الإحساس لديهم إنما يتولد عن تماس مباشر بين العضو الحاس والشيء المحسوس، لا فرق في ذلك بين اللمس أو الذوق، وبين البصر أو الشم والسمع... إذا على الرغم من أن لوكريتيوس قد استعرض الأمثلة العديدة التي تدين الحواس وتبين تناقضها مثل: البرج المربع الذي يبدو مستديراً عن بعد، والأجرام السماوية التي تبدو ثابتة ثم تبدو متحركة عند تنقل السحب إثر هبوب الرياح، والمجذاف الذي يبدو منكسراً في الماء...إلخ، إلا أنه يبقى متمسكا بالثقة الشديدة في صدق الحواس وبأنه لا سبيل للشك فيها. وذلك لأن استاذه أبيقور قد فسر هذه التناقضات بأنها إنما ترجع إلى الحكم الذي يضاف إلى الإحساس وليس إلى الإحساس نفسه؛ فرؤية المربع مستديراً هي على سبيل المثال رؤية صادقة بالنسبة لنا، أما الخطأ فهو يكمن في الاعتقاد بأن البرج مستديراً حقا... والحقيقة أن هذا التبرير الأبيقوري قد زاد الطين بلة لأنه لم يدحض خطأ الحواس بقدر ما أكده! إذ كيف يمكن له أن يختار الإحساس معياراً للحقيقة بعد أن تبين لنا أن الأشياء ليست بالضرورة مطابقة لموضوعاتها وأنه يحدث لها تشويه يجعلها غير مطابقة لحقيقة الموضوع... على كل حال، فإن الشيء الهام عن أبيقور ليس معرفة الشيء المدرك في حد ذاته بقدر ما هو معرفة الشيء في علاقته بوجودنا نحن. صــ 115 - 117

▬ قد نتصور أن هذه الفلسفة المادية ذات النزعة الإنسانية التجريبية لأبيقور لم تتسع للحديث عن الوجود الإلهيّ لكن على العكس من ذلك فأبيقور يرى أن الآلهة موجودة وهو على يقين من وجودها. كل ما هنالك أنه في ضوء ذلك التصور المادي الآلي لكل ما في العالم الطبيعي، قدم تصوره لوجود الآلهة على نحو تشبيهي تجسيمي إنساني فهي مركبة من ذرات هي الأخرى وإن كانت هذه الذرات أكثر لطفاً ودقة من الذرات النفسية؛ فهي ذرات ذات طبيعة أثيرية أو شبه جسمية. والآلهة كالبشر في مظهرهم؛ فهم يتوالدون ويأكلون مثلما يفعل البشر... إن الكافر في نظر أبيقور ليس الذي ينكر وجود الآلهة، بل هو من ينسب إليها صفات وهمية كالتي ينسبها الجمهور. إن ما يثبته الجمهور لا يقوم على أفكار بديهية وإنما على افتراضات كاذبة. إن لدينا جميعاً تصوراً قبلياً عنها هو أنها كائنات سعيدة مغتبطة دائماً ولا يعكر صوفها مكعر. لكن عامة الناس كثيراً ما يقرنون بين هذا التصور القبلي وبين العديد من الظنون والأوهام التي يرى أبيقور أنها خاطئة؛ مثل أن الآلهة تعني بشئون العالم وأنها تملك إيذاء البشر ومن ثم فإن الناس تمتليء حياتهم بالخوف منها ويقدمون لها الأضاحي والقرابيين ويسألونها المدد والرضى! وهذه معتقدات باطلة وأساطير ينبغي التخلي عنها في نظر أبيقور لأن الكائن الذي يحيا في سعادة وطمأنينة كاملتين لا يمكن أن تساوره الهموم والمشاعر التي نعزوها إلى الآلهة. صــ 128 - 129

▬ إن الأخلاق الأبيقورية هي نتاج كل ما سبق من آراء أبيقورية؛ إذ تستند على دعامتين هما: النظرية الحسية ذات النزعة التجريبية في المعرفة الإنسانية، والتفسير المادي الذري للعالم الطبيعي. ويبدو هذا من أن الأخلاق الأبيقورية تستهدف وصف الحياة السعيدة للإنسان وتهيئها له عبر مظهرين اثنين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، أما الإيجابي فيتلخص في الدعوة إلى أن يعيش الإنسان حياة اللذة ويستمتع بطيبات الحياة أما السلبي فيتلخص في محاولة تخليص الإنسان من كافة المخاوف التي تقلق حياته مثل الخوف من الموت أو من الآلهة أو من عذاب الجحيم. صــ 129

▬ إن السعادة عند أبيقور إنما تبدو أكثر ما تبدو لدى الإنسان البسيط القادر على التمتع بكل ما هو طبيعي وضروري من رغبات لأنه هو القادر على إشباعها دون أن يتطلب المزيد والمزيد؛ فالفقر المتزن مع حاجاتنا غنى وفير، وعلى العكس من ذلك الغنى فقر مدقع بالنسبة إلى من لا يعرف حدودا. إن الحياة السعيدة عن أبيقور لا تتمثل في السكر المتواصل أو فيما تقدمه المآدب الفاخرة من سمك شهي وأطعمه لذيذة، ولا في التمتع بالنسوة والغلمان، بل تتمثل في العقل اليقظ الذي يبحث عن أسباب اختيارنا لشيء ما أو تجنبنا له والذي يرمي عرض الحائط الآراء الباطلة التي يتولد عنها أكبر اضطراب تعرفه النفس. صــ 134

▬ لقد قبل الرواقيين في طبيعاتهم مبدأ الثنائية؛ ثنائية الفاعل والمنفعل، المبدأ والعنصر، الإله والمادة، لكنهم لم يقبلوها على النحو الذي كانت موجودة به عن أفلاطون أو عند أرسطو؛ فقد كانت الثنائية لدى الأول ثنائية المعقول والمحسوس "عالم المثل وعالم الأشياء"، وكانت ثنائية الثاني ثنائية الصورة والمادة حيث يمكن عنده الفصل بينهما والحديث عن إحداهما باستقلال عن الآخر، بينما الثنائية التي آمن بها الرواقيون ثنائية ظاهرية فقط تمكننا فقط من تفسير العلية في العالم الطبيعي بوجهيها الفاعلة والمنفعلة؛ فالوجه الفاعل هو المبدأ، هو الإله، هو النفس...إلخ، بينما الوجه المنفعل هو العنصر، هو المادة، هو الجسم وهذان الوجهان الثنائيان لأي شيء في هذا العالم الطبيعي لا ينفصلان ولا يمكن عزل أحدهما عن الآخر بحال فالمبدأ الفاعل عند الرواقيين هو مبدأ مؤثر في الأشياء فيه تتماسك أجزاؤه وبه كذلك تبدو صورته. صــ 155

▬ إن الحكيم عند الرواقيين هو الرجل المثالي في كل شيء، الكامل في شعوره بالسعادة، هو وحده الحر ومن ثم فهو وحده الأجمل والأغنى والأسعد؛ وإنه بتعبير زيللر الذي يحوز كل الفضائل وكل المعرفة. فهو وحده الذي يفعل الصواب في كل شيء. وهو وحده الملك الحقيقي، السياسي الحقيقي، الشاعر الحقيقي، هو الملهم والمرشد...إلخ، هو المتحرر من كلية الحاجات والآلام، وهو الصديق المحبوب للآلهة. إن فضليته دائمة ولا يمكن أن يفقدها، وسعادته لا يمكن أن تنقص من وقت لآخر. صــ 164

▬ إن الأخلاق الرواقية تقوم على مبدأ الحياة وفقاً للطبيعة... الاعتقاد بأن الإنسان هو جزء من هذا الكون الكبير. وهو مخلوق ليؤدي دورا في هذا العالم الطبيعي مثله مثل أي كائن آخر. وقد قيل ما قيل في ذلك من أن الرواقيين كانوا -وهذا صحيح- يؤمنون بأن الإنسان في هذه الحالة أشبه بممثل يؤدي دوراً مرسوماً على مسرح الحياة، وهذا الدور محدد له من قبل العناية الإلهية وهو قدره المحتوم الذي لا فكاك منه... وعلى الرواقي أن يؤدي دوره المحدد سلفاً دون أي مناقشة وبدون شعور بالألم أو اللذة، أي يؤدي دوره بتفان ودون انفعالات كما سبق وأشرنا. صــ 165


▬ إن فلسفة أفلوطين تقوم على اعتقاده بوحدة الوجود الذي جوهره المطلق فقد صدرت الموجودات عنه وترتد إليه، حيث العالم المعقول عند أفلوطين مكون من أقانيم ثلاثة هي المطلق والعقل الكلي والنفس الكلية وعنها ينبثق العالم المحسوس عبر ما أسماه أفلوطين الأصول البذرية أو مبدأ الطبيعة وهذا هو الطريق إلى أسفل الذي يشكل ميتافيزيقا أفلوطين فكل الموجودات بما فيها أقانيم العالم المعقول هي فيض من المطلق وترتد إليه. وقد قيل إنه أخذ وحدة الوجود عن الفلسفة اليونانية فقد كان لدى بارمنيدس فكرة مماثلة وكذلك كان لدى الرواقية نفس الفكرة لكن الحقيقة أن فكرة أفلوطين مختلفة عن الفكرة الإيلية، فالطابع العالم لنظرة بارمنيدس إلى الكون يختلف كل الاختلاف عن طابع مذهب أفلوطين؛ فصورة العالم عند الأول سكونية، فالكون لديه يكون متجانساً لا تنوع فيه ولا تدرج، أما عند أفلوطين فصورة العالم مركبة متدرجة من الواحد إلى العقل الكلي إلى النفس الكلية إلى مبدأ الطبيعة فعالم الأشياء الحسية. وكذلك فإن فكرته مختلفة عن مثيلتها الرواقية، فقد كانت وحدة الكائن عندهم تفسر على أساس وجود مبدأ فعال روحاني يسري في الكائن فيكسبه التماسك والوحدة. أما عند أفلوطين فإن أساس الوحدة هي التأمل فإن تأمل الكائن لما هو أعلى منه في الوجود والوحدة يضفي عليه وجوداً ووحدة، فالقول بأن الوحدة هي مصدر الوجود يعني أن الفكر والتأمل هو مصدر الوجود... إن  وحدة الوجود عن أفلوطين تتميز بأنها وحدة وجودية حية ديناميكية صدورية - فيضية كما أسماها بحق زيللر. إن العالم عند أفلوطين ينبثق كنوع من الفيض التدريجي عن الحياة الإلهية التي تنبثق أصلاً عن الواحد دون أن تنقص من ذاته شيئا. صــ 187 - 188

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الأصولية والعلمانية (مُراد وهبه)

• إن للعقل خاصية متميزة في أنه محكوم بمواجهة مسائل ليس في الإمكان تجنبها. فهي مسائل مفروضة عليه بحكم طبيعته. بيد أن العقل عاجز عن الإجابة عنها. (كانط)
• إن بزوغ الأصوليات ليست مجرد رد فعل ضد الرؤى الكونية الجديدة التي تهدد تراثها "المقدس"، بل هي تهدف إلى تشكيل العالم استناداً إلى مقولات ثلاث: العنف والإرهاب والثورة، وإلى السيطرة على التعليم والإعلام وتأسيس مدارس ومعاهد أصولية.
• إن كلاً من الرأسمالية الطفيلية والأصولية الدينية مدمر لحاضرة العصر، وحيث أن كلاً منهما مناقش للآخر فيحق النا القول بأن ثمة علاقة جدلية بينهما، أي علاقة يمكن أن يقال عنها أنها تعبير عن وحدة وصراع الأضداد.
• إن الأصولية من حيث هي نظرية قد وُلِدت لسد الفراغ الأيديولوجي الذي نشأ عن الأبنية التقليدية، وعن سقوط النماذج المستوردة من الغرب.

=======================================
▬ في القرن الخامس قبل الميلاد أنكر أنكساغوراس الطبيعة الإلهية للأجرام السماوية. وذهب إلى القول بأن القمر أرض فيها جبال ووديان، وأن الشمس والكواكب أجرام ملتهبة، لا تختلف طبيعتها عن طبيعة الأجسام الأرضية. ولم يطق ملاك الحقيقة المطلقة مثل هذا القول الذي قاله أنكساغوراس لاعتقادهم أن كل ما هو سماوي فهو إلهي، وأن من يتنازل عن مثل هذه الأمور بأسلوب علمي هو مجرم في حق الدولة. واتهموه بالإلحاد  فاضطر إلى مغادرة أثينا حيث كان يقيم ويتفلسف. ثم قدم إلى أثينا بروتاغوراس حوالي عام 450 ق.م ونشر كتاباً أسماه "الحقيقة" وردت فيه العبارة: "الإنسان مقياس الأشياء جميعاً". ومعنى هذه العبارة أن الحقيقة نسبية بنسبية الإنسان. ثم رتب على هذه العبارة عبارة أخرى هي قوله: "لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين. فإن أموراً كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم أخصها غموش المسألة وقصر الحياة". فاتُهم بالإلحاد وأُحرقت كتبه، وحكم عليه بالإعدام، ولكنه فر هاربا. أما سقراط فكان يعتقد أن حكمته تقوم في علمه بجهله بينما غيره جاهل يدعي العلم. فمضى يحاور السياسيين في حلقات واسعة، فلا يلبث أن يبين لهم أنهم لا يعلمون شيئاً، وأن ما يعلمونه إما ظن، وإما عن إلهام إلهي، وكلاهما مباين للعلم، فاتهموه بأنه ينكر الآلهة، ويفسد الشباب، وحكم عليه بالإعدام، وقبل سقراط الحكم. وفي النصف الأخير من القرن الثاني للميلاد نشأت طائفة من الشكاك بزعامة سكستوس امبيريقوس، أي سكستوس التجريبي. جاء في أحد مؤلفاته أن المبدأ الأساسي للمذهب الشكي يدور على أنه: "لكل حجة حجة مضادة لها" ثم يستطرد قائلاً:"إننا نعتقد أن من لوازم هذا المبدأ الوصول إلى نقطة نمنع فيها عن أن نكون دوجماطيقيين". ومعنى ذلك على حد قوله أن "الشاكُ يرفض الدوجماطيقية" والغريب في أمر سكستوس وأصحابه أن ترجمة مؤلفاته قليلة ومن الصعب العثور عليها. وبسبب جهلنا بنصوص هذه المدرسة الشكية أُفرغ لفظ الشك من مضمونه. وأغلب الظن أن جهلنا بالنصوص مردود إلى سلطان ملاك الحقيقة المطلقة، أي الدوجماطيقيين..... صــ13 ، 14

▬ يمكن القول بأن الأصولية، أياً كانت سمتها الدينية، مسيحية أو إسلامية أو يهودية، أو أية ملة أخرى، تمزج المطلق بالنسبي، والحقيقة الأبدية بالحقيقة العابرة، وبذلك تدافع عن حقيقة لاهوتية ماضوية، وكأنها رسالة أبدية موجهة ضد حقيقة لاهوتية راهنة، فتعجز عن التعامل مع الوضع الراهن، ليس لأنها مجاوزة لهذا الوضع ولكن لأنها تتحدث عن وضع ماضوي فتمنح مصداقية أبدية لرؤية نسبية. وفي هذا السياق تصبح الأصولية ممهدة لما أسميه: (صراع المطلقات). وأقول الأصولية من غير ذكر للسمة الإسلامية: لأن هذه هي الأصولية أيا كانت سمتها الدينية. وصراع المطلقات لا تستقيم معه الدعوة إلى سلام العالم. فسلام العالم ليس ممكناً إلا بسلب الدوجما من الدين، أي نفي الدوجماطيقية. وهذا النفي ليس ممكناً إلا بنفي علوم العقائد بسبب أن مفهوم الحرب كامن في هذه العلوم. ومن هنا فإن حوار الأديان، إذا أقيم على أسس هذه العلوم، محكوم عليه بإفراز الأصولية الدينية. ذلك الحوار يفترض التسامح، أي يفترض مشروعية الرأي المخالف. فإذا ارتقى الرأي والرأي المخالف إلى مستوى المطلق، تحول الحوار إلى نقيضه، أي إلى صراع، لأن المطلق بحكم طبيعته، لا يقبل التعدد. والمفارقة هنا أن تعدد المطلقات مهدد للمطلقات. ومن شأن هذا التهديد أن يقضي مطلقٌ على باقي المطلقات - وهذا هو منطق حوار الأديان وهو أقوى من القصد الطيب في الحوار. صــ 40

▬ [...] بيد أن هذا الانتقال كان، في جوهره، تعبيراً عن نقلة فكرية يمكن تحديدها بعام 1543، وهو العام الذي صدر فيه كتاب من تأليف نيقولا كوبرنيك بعنوان "في دورات الأفلاك السماوية". وهذا التاريخ يمكن أن يُعتبر حداً فاصلاً بين نهاية العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، إذ هو أعمق من حادثة استيلاء الأتراك على القسطنطينية أواكتشاف كولومبوس لأمريكا. ذلك لأنه يرمز إلى نهاية عالم ومولد عالم جديد. فبفضل كوبرنيك، لم يعد الإنسان مركزاً للكون، وتوقف الكون عن الدوران حول الإنسان. وقد عبير كوبرنيك عن ذلك حين قال إن بقاء أكبر الأجرام ثابتاً على حين تتحرك حوله الأجرام الصغرى أفضل من دوران الأجسام حول الأرض، لأننا إذا افترضنا الأرض متحركة وهي المكان الذي نشاهد منه الحركات السماوية حصلنا على صورة للعالم أبسط من الصورة المبنية على افتراض الأجرام السماوية هي المتحركة. وهكذا لم يعد الإنسان مركزاً للكون، ولم يعد الكون متصوراً على دروانه حول الإنسان. وهكذا (اجتث كوبرنيك الأرض من جذورها ورماها في السماء). صــ 46


▬ ومشكلة الأصوليين تدور على أنهم يريدون تحويل ما هو تاريخي إلى ما هو "منطقي" بمعنى أن لديهم اعتقاداً راسخاً هو أن الإسلام يقدم لنا أجوبة عن جميع الأسئلة الهامة الخاصة بالشئون الدنيوية بغض النظر عن الظروف التاريخية. ولهذا فإن موقف الأصوليين من العلمانية هو أنها مرفوضة ليس فقط من الزاوية الدينية بل أيضاً من الزاوية المعرفية. وفي عبارة أخرى يمكن القول بأن موقفهم يدور على أن "معرفة" كيفية تنظيم الشئون الدنيوية مشتقة من "المعرفة الدينية". وإذا أطلقنا على المعرفة أنها "معرفة علمية" فمعنى ذلك أن أساس معرفة الإنسان العلمية يكمن في المعرفة الدينية. صــ 73

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS