مشكلات الفكر العربي المعاصر (مصطفى النشار، رجاء أحمد علي)


▬ إن التخلص من وهم المعجزة الغربية في مجالات العلوم المختلفة إنما ينبع من الإيمان بأن العلم في مختلف فروعه إرث بشري شارك في صنعه كل البشر وكل العلماء في مختلف الحضارات البشرية عبر تطورها الطويل، والإيمان في ذات الوقت بأن استنبات التكنولوجيا والتقدم العلمي داخل كل مجتمع إنما ينبغي أن يتم بآليات وعقليات تراعي ظروف هذا المجتمع ومشكلاته الخاصة في كل مجالات الحياة. صــ 5

▬ لا يوجد نظام الحكم الأمثل بصورة مطلقة، إنما النظام السياسي الأمثل دائمًا هو ذلك الذي يتلاءم مع البيئة السياسية القائمة ويلبي رغبات وطموحات شعب معين في حقبة زمنية معينة في ضوء عقائد هذا الشعب وأخلاقياته بل وعاداته وتقاليده. إن لكل شعب ثقافته الخاصة، وتجربته السياسية المتميزة عبر تاريخه، وعليه أن يستثمر ذلك في تطوير نظامه السياسي دون تقليد أعمى للتجربة الغربية التي قد تكون ملائمة فقط لأصحابها وتحقق أهدافهم وطموحاتهم. وعلى الغربيين في المقابل أن يكفوا عن فرض رؤيتهم السياسية والاقتصادية على الشعوب والثقافات الأخرى التي قد تكون أعرق في خبراتها وجديرة بأن تصنع بنفسها ما تريده من نظام سياسي ونظام اقتصادي يكفل لها الاستقرار ونموذج التقدم الذي تنشده. صــ 11، 12

▬ لقد نشأ الفكر العربي المعاصر نتيجة اللقاء الحضاري بين الحملات الاستعمارية الأوروبية لبلادنا العربية منذ الاحتلال الفرنسي لمصر في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، ونتيجة للصدمة الحضارية التي نتجت عن إدراك العرب لمدى التقدم الغربي والتخلف العربي انقسموا لثلاث فرق متناحرة فيما عرف بقضية الأصالة والمعاصرة التي شكلت الوهم الأول الذي لا يزال يشغل المفكرين العرب حتى الآن، وفي ثنايا ذلك بهروا بالحضارة الغربية ووقعوا في وهم تفوق الحضارة الغربية (المعجزة الغربية) ووهم التنمية والتقدم على الطريقة الغربية ووهم أن الديمقراطية هي النظام السياسي الأمثل. وهذه الأوهام الأربع التي ندعوا للتخلص منها حتى يمكن أن نبدأ عصر نهضتنا الجديد الذي ينبع حقًا من ذاتية العرب وهويتهم الفكرية والحضارية المستقلة والتفاعل تفاعلًا إيجابيًا مع كل عناصر التقدم في عصرنا الحالي. صــ 19

▬ لقد آن الأوان إذن أن نتجاوز كل المشاريع الفكرية العربية المعاصرة سواء ارتمت في أحضان الفكر الغربي وحاولت استنباته في البيئة العربية وهي غير بيئته ولن ينبت الزرع قويًا ومثمرًا حقًا في بيئة غير بيئته، أو عادت إلى التراث لتنهل منه وتتصور أنه يمكن أن يعود بحذافيره لنحياه في عصرنا، إذ لا يمكن لعقارب الساعة أن تعود إلى الوراء وأن يحيا المعاصرن حياة أسلافهم بقضها وقضيضها مهما حاول من يزال يحاول استعادة الماضي في الحاضر. كما أن التوفيق بين هذين البديلين ووضعهما إلى جوار بعض يعد تلفيقًا لا قيمة له ومضيعة للوقت في استجلاء قيم الماضي التي نريد أن نستعيدها لأنه حتى لو نجحنا في استجلائها وأردنا النهوض من خلالها فلن تكون مثلما كانت ولن تعود بنفس صورتها القديمة دافعة للتقدم بصورته المعاصرة.. ولكل ذلك أقول ببساطة أن التفكير في المستقبل والانشغال بقضاياه بعيدًا عن الإلتفات إلى الوراء هو ما سنصنع به ومن خلاله التقدم دون أن ننسلخ عن تاريخنا وهويتنا ودون أن نذوب في حضارة ليست حضارتنا. إننا سنصنع مستقبلنا بقيم العصر وآلياته في ذات الوقت الذي لا نملك فيه الإقلاع عن ذاتيتنا وهويتنا، والمسألة هنا ليست مجرد كلام نظري، بل هي واقع نعيشه ونسعى لتحقيق التقدم في إطاره؛ فالوعي بالتاريخ ليس مجرد وعي نظري، بل قد يكون وعي كامن في الذات يوقظه متطلبات اللحظة الراهنة في علاقتها بما تريد تحقيقه من تقدم في المستقبل، وأنا سأظل أنا؛ أنا الذي أعيش اللحظة وأنا الذي يرسم الطريق لصناعة الغد بآليات الحاضر الأكثر تقدمًا وفعالية بصرف النظر عن مصدرها ومن أبدعها!! تلك هي القضية وذلك هو التحدي. إنه التفكير في المستقبل ممتلكين لإرادة التحدي ولإرادة صنع التقدم. صــ 40 ، 41

▬ إن هذه الدعوة للإستفادة من الحضارة الغربية الحديثة عند طه حسين لم تكن تعني كما ادعى خصومه الارتماء في أحضان الحضارة الغربية والذوبان فيها، وإنما كانت تعني في جوهرها رفض الإشكالية التي تمثلت في ازدواجية الأصالة والمعاصرة، فلسنا في واقع الأمر مخيرين بين إما....أو، وإنما نحن أمة لها أصالتها وتاريخها وثقافتها وهويتها التي لا يمكن أن تضيع إذا ما استفادت من حضارة العصر وتشربت عوامل تقدمها وهضمتها لتكون جزءًا من هذا العصر الذي نعيشه. إن طه حسين في اعتقادي الشخصي لم يقع في فخ إشكالية إما التمسك بالتراث والأصالة وإما الارتماء في أحضان الغرب المعاصر، لأنه وهو يدعو إلى الاستفادة من وسائل الحضارة الغربية لم ينس أبدًا أنه إنسان مصري-عربي-مسلم- له هويته المستقلة ولغته العربية رمز هذه الهوية، ودينه الإسلامي، دين العلم والمدنية وليس دين التخلف والتبعية. صــ 175


▬ يعد مالك بن نبي من أهم المفكرين العرب المعاصرين حيث يمتلك رؤية واضحة لأسس البناء الحضاري الثلاث: الإنسان - التراب - الوقت، وإذا ما نجح الإنسان في استنهاض دافعية البناء الحضاري وهي - في رأي ابن نبي - عادة ما تكون دافعية دينية، واستغل عنصر التراب أي ثروات أرضه وعنصر الوقت الذي يعني استغلال كل لحظة في البناء والعمل الإيجابي، سيكون صانعًا للنهضة الحضارية بحق. واعتبر ابن نبي أن الأمة قادرة على بناء مثل هذه النهضة الحضارية بتغليب الأفكار على الأشياء وبالتوفيق مع روح العصر مع الحفاظ على أصالة الأفكار وامتلاك القدرة على التخطيط الدافع للفعالية الاجتماعية. صــ 206

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلسفة اللغة والأدب (سعيد توفيق)

• كل تفكير تأملي يكون شعرًا، وكل شعر يكون بدوره نوعًا من التفكير (مارتن هيدجر)
• تجربة الشاعر مع اللغة تجربة يشعر فيها الشاعر بحضور اللغة عندما تفر كلماتها منه باستمرار، وعندما يفتش عنها دومًا ويلاحقها كي يستنطقها، أي يتيح لنا أن تتحدث. ص23
• إننا إذا أردنا أن نفهم هيدجر حقًا، فإننا ينبغي أن نتجاوز  مفهومي العقل واللاعقل أو التعقل واللاعقلانية معًأ ليصبح الفهم في مجال الفهم التعاطفي، أي الفهم الذي يحب أن يبقى بقرب الأشياء والموجودات، لينصت إلى نداء الحقيقة والوجود الذي يتجلى في هذه الموجودات من خلال اللغة. ص39
• إن الروح الصوفية تنظر إلى اللغة نظرة خاصة مغايرة، نظرة تؤمن بأن الكلمة أو الإسم ذاته له قدرة خاصة. ليس المتصوفة فحسب، بل والشعراء والفلاسفة ممكن أن يكون إنتاجهم مشبعًا بتلك الروح الصوفية. ص145

▬ إن الصعوبات التي تكتنف فهم هيدجر - لغةً وفكرًا - ترجع إلى طرائقنا ومناهجنا التقليدية في فهم اللغة بوجةٍ عام، وإلى الأسلوب المتوارث الذي نفهم به لغة الخطاب الفلسفي باعتباره خطابًا يتوخى الدقة والوضوح، واجتناب الغموض وعدم التناقض، واستخدام لغة منطقية تتعامل بالمفاهيم المتعلقة أو التصورات المجردة. وهذا الأسلوب المعتاد للغة الخطاب الفلسفي سوف يبدو على النقيض تمامًا من أسلوب الخطاب الفلسفي لدى هيدجر، وسيحول دون فهم لغة هذا الخطاب سواءً كان يتعلق بسياق أطروحاته عن اللغة ذاتها أو بأي سياق آخر. ويمكن هنا أن نسوق الأمثلة التالية من عبارات هيدجر التي تتردد كثيرًا في سياقات مختلفة من كتاباته: "إننا نعرف العدم" ، "إن ماهية الحقيقة هي حقيقة الماهية" ، "إن شيئية الشيء هي الأسلوب الذي به يتشيأ"... إن اعتياد لغة الخطاب الفلسفي التقليدي هو ما سيعوق فهم مثل هذه العبارات الهيدجرية ليس فحسب بالنسبة للقارئ أو المتلقي العادي، وإنما أيضًا بالنسبة لبعض الفلاسفة أنفسهم ممن يشاركون في تعضيد هذا الخطاب التقليدي. وسوف نُحاكم لغة هيدجر هنا باعتبارها كلامًا خلوًا من المعنى، أو خلط فكري وإسراف في الغموض غير المبرر على أفضل تقدير. صــ 4، 5

▬ نتساءل مع هيدجر: هل "المنطق" هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ مطابقة الفكر للحقيقة؟ وهيدجر ينبهنا إلى أنه يضع كلمة "المنطق" بين شولتين ليبين لنا أن "المنطق" ما هو إلا تفسير واحد لطبيعة التفكير. والتفكير المنطقي مضاد للتفكير في الروح الإنساني والوجود، فهو مجرد تفكير حسابي يقوم على ملاحظة وعد الموجود باعتباره شيئًا جزئيًا يضاف إلى شيء جزئي آخر. وفي مقابل هذا التفكير يوجد نوع آخر من التفكير الذي يسميه هيدجر "التفكير الأساسي" من حيث أنه تفكير ينشغل لا بالموجود وإنما بحقيقة الوجود.. الوجود الذي يكون أقرب إلى الإنسان من أي موجود. وهذا التفكير الأساسي في الوجود الذي ينشغل به الوجود الإنساني الأصيل، هو يبتعد بطبيعته عن أي "حساب" ولا يستطيع أي "منطق" أن يدرك حقيقته. صــ 7

▬ هذه التفرقة بين الكلام والقول، أو بين اللغة التي تقول من خلال الكلام المنقول (أي المنطوق والمتخذ مظهرًا صوتيًا)، واللغة التي تقول من خلال الكلام اللامقول (أي من خلال الكلام المسكوت عنه) هذه التفرقة قد أكد عليها جادامر أيضًا في مقاله عن "الصورة الصامتة" في فقرة تستحق الاقتباس برمتها: "عندما نقول إن شخصًا ما يكون صامتًا speechless، فإننا لا  نعني بذلك أنه لا يكون لديه شيء يُقال. بل الأمر عل العكس من ذلك، فإن هذا الصمت هو في الحقيقة نوع من الكلام. وفي اللغة الألمانية نجد أن كل stumm (صامت) لها صلة وثيقة بالكلمة stammlen (يتمم أو يتلعثم). ومن المؤكد أن حيرة المتمتم لا تكمن في أنه لا يكون لديه شيء ما ليقوله. فهو بخلاف ذلك يريد أن يقول الكثير جدًا في الوقت نفسه، ولا يكون قادرًا على أن يجد الكلمات التي يعبر بها عن الثروة الضاغطة من الأشياء التي تدور بذهنه. وبالمثل، فإننا عندما نقول إن شخصًا ما قد أصابه بكم أو ران عليه الصمت فإننا لا نعني ببساطة  أنه كف عن الكلام. فندما نحتار في أن نجد الكلمات المعبرة على هذا النحو، فإن ما نريد أن نقوله يكون بالفعل قد أصبح قريبًا منا على نحو خاص باعتباره شيئًا ما يكون علينا أن نبحث عن كلمات جديد له".. وإذا كان القول لا يوجد فقط في الكلام الذي يقال، وإنما في الكلام الذي لا يقال، أي الذي يبقى في اللاتحجب، باعتباره سرًا غير قابل للإظهار، فإن ذلك يعني أن ماهية اللغة عند هيدجر لا تكمن في مجرد الكلام المنطوق، وإنما في القول. وعلى هذا، فعندما يقول هيدجر أن اللغة تتحدث، فإنه يعني ذلك أن اللغة تتحدث بوصفها قولاً، أي باعتبارها تقول. وفي عملية القول هذه نجد هناك شيئًا يكون حاضرًا أو غائبًا، يظهر ذاته أو يتوارى. وفهم هذه العملية هو ما يمكن أن يقودنا إلى الطريق لفهم حقيقة اللغة " فمن خصوصية اللغة أن تخفي ذاتها في ذلك الأسلوب الذي به يتيح القول لأولئك الذين ينصتون إليه أن يصلوا إلى اللغة. صــ 15، 16

▬ إن كل ما نعرفه عن خبرة اللغة الآن هو أنها الخبرة التي تكشف فيها اللغة عن ماهيتها باعتبار أن اللغة هي التي تتحدث، وأننا نحن الذين نتحدث من خلالها، وأن هذا التحدث هو في حقيقه قول وإفصاح، أي إظهار؛ وبالتالي فإننا عندما نتحدث اللغة نرى أنفسنا كموجودات بشرية، بل نرى الوجود نفسه. فأين، وأنى لنا أن نلقى هذه الخبرة باللغة على نحوٍ جلي؟ أين تتجلى لنا حقيقة اللغة باعتبارها قولاً وإظهارًا.. إظهارًا لأنفسنا وللوجود الذي يكتنفنا مثلما تكتنفا اللغة؟ إن إجابة هيدجر هي: في الشعر والتفكير الشعري. ولهذا يمكن أن نتساءل: كيف ولماذا تتحقق حقيقة أو ماهية اللغة في الشعر؟ وبتساؤل آخر: كيف يمكن أن تضيء خبرة الشعر خبرة اللغة؟ إن معاناة خبرة اللغة - كما اتضح لنا - يعني أن تنصت إلى اللغة ذاتها عندما تتحدث، وأن نصبح مكتفين في وجود اللغة... في حضور اللغة ذاتها. وهذا لا يمكن أن يحدث عندما نتحدث لغة الحياة اليومية، وإنما عندما "تجلب اللغة ذاتها إلى اللغة": فنحن في لغة الكلام اليومي نتحدث عن أشياء بواسطة اللغة، سواء كنا نتحدث عن جملة من الوقائع، أو عن حدث ما، أو سؤال أو مسألة تشغل اهتمامنا. ولكن في  مثل هذا الاستخدام للغة لا يكن أن تجلب اللغة ذاتها إلى اللغة، أي لا يمكن أن تتكشف لنا طبيعة للغة باعتبارها كيانًا له حضوره الخاص الذي يكتنفنا، بل إن طبيعة اللغة تتراجع هنا عندما  نتحدث اللغة (على هذا النحو). فمن العجيب أن اللغة تتحدث ذاتها كلغة عندما لا نستطيع أن نجد الكلمة الملائمة لشيء ما يشغلنا، يحبطنا أو يشجعنا.. فعندئذ نترك ما يجول بخاطرنا لا منطوقًا دن أن نهبه فكرًا صحيحًا، ونمر بلحظات نشعر فيها بحضور اللغة ذاتها التي مستنا عن بعد وبشكلٍ عابر. وهذه الخبرة التي يبقى فيها شيء ما لامنطوقًا ومحتاجًا إلى اللغة التي تمنحه أو تمنع عنه الكلمة الملائمة، هي خبرة الشعر أو الشاعر. صــ 21، 22

▬ ما المقصود بخبرة لشعر هنا؟ إننا نعلم أن هيدجر يستخدم كلمة الشعر بمعنيين: الشعر بمعناه الواسع أو الماهوي Poetry، والشعر  بمعناه الضيق الذي يشير إلى "قرض الشعر" أو "فن القصيد Poesy وعلى هذا، فعندما يتحدث هيدجر عن خبرة الشعر، فإنه يعني في المقام الأول خبرة ممارسة التفكير الشعري الذي يكون ماثلًا في كل فن وكل تفكير أصيل باعتباره عملية جلب وإظهار الموجود على مجال "الانفتاح"؛ فكل فن يكون شعرًا بعذا المعنى الماهوي الواسع للشعر، تمامًا مثلما أن كل فن يكون لغة بالمعنى الواسع الماهوي للغة الذي لا تكون فيه اللغة مجرد أداة للتوصيل، وإنما عملية كشف وإظهار من خلال اللاتحجب والتحجب، ومن هنا أيضًا فإن فن شعب ما  يكشف عن لغة هذا الشعب في التعبير عن عالمه وإظهاره. فالفن يكو شعرًا بهذا المعنى الواسع الذي  تتحقق فيه ماهية اللغة والشعر. صــ 23

▬ ومن هنا كانت أهمية الدور الفينومينولوجي الذي اضطلع به ميرلوبونتي ليبين كيف تتم عملية الاتصال في إطار سابق على الذاتية والموضوعية، وقد وجد ميرلوبونتي هذا التفسير من خلال موقف حي معيش للبدن يلتحم فيه الفكر باللغة، والمعنى بالكلمة، والإيماءة بالدلالة.. ليست هناك كلمات يمكن أن ننظر إليها بدون معناها، وليست هناك معانٍ اصطلاحية كما لو كانت معاني مثالية توجد في قاموس مثالي، فالحقيقة أن الكلمات تكتسب معانيها في استعمالنا اليومي، فالكلمات هي تعبيرات بدنية مخصبة بمعانيها، وليس هناك قاموس لهذا. فعلاقة الكلمات بمعانيها ليست من قبيل علاقة التناظر correspondence التي تعرف في المنطق بإسم "علاقة واحد إلى واحد". one  to one relation ومن هنا يتضح لنا الخطأ الذي يقع فيه الدارسون المبتدئون، حينما يحاولون تعلم لغة أجنبية بالإلتجاء إلى قاموس ذي لغتين. فليس يكفي - على سبيل المثال - أن نربط كلمة فرنسية بكلمة إنجليزية حتى نفهم، ففم اللغة الفرنسية يعني الاستجابة للكلمات على النحو نفسه الذي يستجيب به متحدثو  الفرنسية الأصليون. صــ 57

▬ وليس في وسعنا - ولا هدفنا - أن نتابع تحليلات ميرلوبونتي العديدة للغة، وإنما يهمنا فقط أن نبين كيف يفهم ميرلوبونتي الخبرة الجمالية على أساس من فهم خبرة اللغة كخبرة بتعبير إيمائي محسوس لا يختلف عن سائر الإيماءات البدنية. ويمكن تلخيص الإيماءات عند ميرلوبونتي على النحو التالي: 1- إن الإيماءات باعتبارها مرئية ومسموعة، فإنها تُدرَكُ حسيًا، لأنها فعل من أفعال البدن، والمرء يقصدها أيضًا من خلال خبرة البدن. 2- إن التعبير الإيمائي، هو تعبير لا يكون فيه المعنى منفصلًا عن الإيماءة، بل مباطنًا فيها،  فالمعاني ليست أفكارًا متمثلة، وإنما أفكار مجسدة في - ومتزامنة مع - إيماءات أو وسائط تعبيرية محسوسة. 3- إن معاني الإيماءات لا يمكن فهمها، إلا داخل موقف كلي معيش. صــ 60

▬ ينظر ميرلوبونتي إلى فعلِ الاتصال اللغوي على أنه فعل بدني، وليس فعلًا من أفعال التفكير، فالفكرُ يكون في الحديث نفسه، في الكلمات المنطوقة، لأن العلاقة بين الفكر والكلمات المنطوقة، ليست علاقة خارجية فالكلمة هي جزء من عالمي اللغوي، وجزء من الوسائل التي يستعين بها البدن في الاتصال بعالمه، أو كما يقول ميرلوبونتي. ونلاحظ من هذا أن "مشكلة علاقة الإشارة بدلالتها" هي عند ميرلوبونتي نفس "مشكلة البدن بالذهن"، ولذلك فإن معالجته تعد واحدة في الحالتين، فكما أن الوعي يكون متجسدًا في البدن، ويكون كلاهما مظهرين مرتبطين لأسلوب حضور الإنسان في العالم، كذلك فإن الكلمة والفكر الذي تعنيه أو تشير إليه يكونان مرتبطين معًا، فالكلمة تحمل معناها في باطنها كما تبطن إيماءات البدن دلالاتها في تجسيد نمط سلوكي أو شعوري معين. فالإيماءة اللغوية - شأنها شأن إيماءات البدن الأخرى - هي تعبير محسوس عن معنى يُدرَك بشكلٍ سابق على الوعي التأملي. صــ 62

▬ لم تكن أطروحة موت المؤلف، التي صاغها بارت في مقال له يحمل العنوان ذاته، سوى انعكاس لمناخٍ عام شاع فيه فكرة النهايات، وهي الفكرةُ التي ظهرت بوادرها في القرنِ التاسعِ عشر، وانتشرت بقوةٍ في القرنِ العشرين، لتصبحَ تيمة حاضرة باستمرار في فلسفات النصف الثاني من هذا القرن. وقد عكس هذا الانتشار للفكرة شعورًا عامًا لدى الغرب آنذاك بفقدان الثقة في المقولات التي تأسس عليها المشروع الحداثي الغربي، فجاءت فكرة النهايات لتعلن موت تلك المقولات وضرورة استبدالها بمقولات بديلة تصلح لطبيعة تلك المرحلة. ربما بدأت فكرة النهايات في الظهور بعد وفاة هيجل من خلال تلاميذه، فقد قال إيريك فيل: إن هيجل قد وضع للفلسفة نقطة النهاية. وقد أعلن اشبلنجر بعد ذلك صراحةً نهاية الغرب أو أفوله. ثم جاء نيتشه ليزكي تلك الروح عندما أعلن موت الإله كما كتب بنيامين عن نهاية الفن في عصر الإنتاج الآلي، وأسس هيدجر مشروعه الفلسفي على "تقويض الميتافيزيقا" وأعلن فوكو "موت الإنسان" كما أعلن رورتي "نهاية الفلسفة النسقية" وكتب فوكوياما بعد ذلك "نهاية التاريخ" وفي نفس السياق حاول فاتيمو حصر توجهات النصف الثاني من القرن العشرين الفكرية في خمسة مبادئ رئيسة؛ نهاية الفن وأفوله - موت النزعة الإنسانية - العدمية - نهاية التاريخ - تجاوز الميتافيزيقا. وهي كلها تنويع على فكرة النهايات. لا يوجد علم أو فلسفة أو فن بل إعلان النهاية لكلِ شيء، دق أجراس الموت، كما يشير عنوان أحد مؤلفات دريدا. صــ 91 ، 92

▬ يبدو أن كل الطرق لفهم النتاج الفكري لمفكري النصف الثاني من القرنِ العشرين تفضي بالضرورة إلى نيتشه. كان نيتشه يصف نفسه بأنه "ديناميت" والواقع أن هذا الديناميت قد تضاعف حتى انفجر في النصف الثاني من القرن العشرين محدثًا دويًأ هائلًا. لقد قدم نيتشه نقدًا لمفهوم الحقيقة، كان مؤثرًا بقوة في التصور الذي قدمه بارت لطبيعة النص؛ فقد رأى نيتشه أن هناك فهم ميتافيزيقي مضلل لمفهوم الحقيقة، فالشيء الحقيقي هو الخير والعام والواضح والنافع والجميل، وقد سعى الفلاسفة حول هذا الوهم طوال تاريخ الفلسفة محاولين الوصول إلى ما هو حقيقي. لكن السؤال الذي تناساه هؤلاء: من يملك تحديد الحقيقي؟ وما هو هذا الحقيقي؟ وليست المشكلة عند نيتشه متعلقة بالبحث عن الحقيقة أو محاولة الكشف عنها، بل المشكلة أن كلمة الحقيقة نفسها مضللة، فهي تنفي الاختلاف الذي هو من صميم الحياة. ولم يتوقف مفكر من قبل للتساؤل عن كنه الحقيقة، بل كانت كل الأسئلة متمحورة حول كيفية بلوغها أو شروط إمكانها. فكل الفلسفات اعتبرت أن مسألة الحقيقة ليست في حاجةٍ إلى ما يبررها. بل وأكثر من ذلك غدت مسألة الحقيقة هي المنطلق والأساس الذي تتأسس عليه كل فلسفة، وبالتالي أصبحت الحقيقة صنمًا أو إلهًا يقدسه الفكر باحثًا عن كل سبيل لبلوغه. في مقابل هذا الفهم، ينظر نيتشه للحقيقة على أنها حشد من الاستعارات والكنايات التي تكونت عبر التاريخ، وتم التعامل معها بعد ذلك بوصفها بديهيات أو حقائق. إن هذا المعنى النيتشوي لمفهوم الحقيقة سيجد تجلياته في النص البارتي. لهذا نجد بارت يفرق منذ البداية بين الأثر والنص، ويدعو للانتقال من الأول إلى الثاني؛ فالأثر لا يزعج فلسفات الهوية، والتعدد عند تلك الفلسفات هو الشر بعينه، الأثر له معنى متوارث مغلق لا يقبل التجديد، بل يعتبر التجديد فيه نوع من الهرطقة، أما النص فهو متعدد ولا تعني صفة التعدد التي يحوذها النص أنه يتحوي فقط على معانٍ عدة، وإنما يحقق تعدد المعاني ذاته "فالنص ليس تعدد لمعانٍ، بل هو مجاز وانتقال. وبناء على ذلك لا يمكن أن يخضع للتأويل، وإنما لتفجيرٍ وتشتيت. صــ 98 ، 99

▬ إذا افترضنا مع فرويد أن العمل الفني ما هو إلا انعكاس لحياة الفنان وتجاربه النفسية وحياته الشخصية فإن هذا الافتراض يلغي تعددية العمل الفني ويجهض إمكاناته التأويليه، لأنه في تلك الحالة سيكون ثمة معنى واحد للعمل الفني، وسيفقد العمل الفني قيمته وخلوده في الزمن، سيفقد هالته وبريقه إذا شئنا أن نستخدم مصطلحات فالتر بينامين. إذ يكفينا في تلك الحالة أن نعرف الدلالات السيكولوجية للعمل الفني وعلاقتها بحياة الفنان ليترسخ لدينا في نهاية الأمر أننا أحطنا بالعمل الفني في مجمله وأننا لسنا بحاجة للعودة إليه، فقد استنفد غرضه. وهكذا فعل فرويد في تعامله مع دافنشي، فمن منا بعد قراءة هذا التحليل يرغب في العودة إلى دافنشي ورؤية أعماله، فالمعنى قد تم كشفه، وما كان محتجبًا بالنسبة إلينا أصبح الآن واضحًا جليًا. هذا هو الحال إذا اعتمدنا التحليل النفسي للفن كما قال به فرويد وأصحاب نظري التحليل النفسي. صــ 104

▬ إن غاية كل فيلسوف الوصول إلى صياغات شبه رياضياتية. وبعكس ذلك إن حلم الأديب هو أن يحيط الكلمات بهالة من الغموض، ليس ذلك جريًا وراء الغموض، بل لأن دوره يتمثل في تصوير كيف أن كل عاطفة وكل حالة هي متناقضة وغامضة. فإذا ما قرأنا الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكويني وجدنا أن الله خير والشيطان شرير وانتهى الأمر. لكن لنقرأ الفردوس المفقود لملتون ولنطرح السؤال: هل الشيطان شرير؟ ليس هذا أكيدًا، يجب التعمق في المسألة. وإذا ما طلبنا من ملتون مزيدًا من التوضيح سيجيبنا: لتقرأوا الخلاصة اللاهوتية". يفرق إيكو هنا بين أسلوبين للكتابة، الأسلوب الفلسفي الذي يتخذ من الصياغات الرياضياتية هدفًا له، أسلوب ينشد الوضوح والتميز، يخاطب العقل، يسعى لتحديد المعنى وحصره في أضيق حدود ممكنة. وهذا الأسلوب هو المتبع في الكتابة الفلسفية على مختلف العصور، فهو ذاته الأسلوب الذي عبر به ديكارت وكانط وهيجل ومن قبلهم أفلاطون وأرسطو. هناك بالطبع استثناءات لبعض الفلاسفة الذين حاولوا التعبير بأسلوب مختلف يقع على التخوم بين الأسلوب الفلسفي والأدبي، غير أن هذه المحاولات ليست سوى محاولات فردية ويظل الغلبة في النهاية لأسلوب التعبير الصارم الذي ينشد الدقة ويهدف إلى الوضوح والغموض، ولا يقدم المعاني الجاهزة المباشرة، بل يستفز ملكة التأويل لدى المتلقي ويشحذ قدراته النقدية. جاء بارت إذن ليقول أن النص أنتج في مكان وزمان مجردين، وأن الفنان ما إن يضع فرشاته أو قلمه وينتهي من عمله، فإن مهمته قد انتهت. وبالتالي لن يفيدين كثيرًا أن أقرأ إسم المؤلف على الكتاب. ينتهي دور المؤلف ويكون من باب الخيانة أن يقم بترجيح تفسيرٍ على تفسيرٍ آخر. صــ 107 ، 108

▬ إن العملَ على معنى أو معاني للنص، وفقًا لبارت، لابد أن ينطلق من قاعدة فينومينولوجية، فلا توجد آلة لقراءة المعنى، وليس ثمة خطوات منهجية تفضي إلى نتيجة واحدة، لهذا رفض بارت وصف مقاربته للنص بالمنهج وفضل استخدام كلمة إجراءات لقراءة النص، فالتحليل البنيوي للسرد  ليس فرعًا من فروع المعرفة، كالبيولوجيا وعلم الاجتماع، فهو لا يملك قواعد صارمة تشكل نظامًا ما. كما أن قراءة باحث ما لا تشكل إلزامًا لباحثٍ آخر، وليس بإمكان قارئ أن يتحدث بإسم قارئ آخر. ومن جهةٍ أخرى يظل البحث الفردي على مستوى كلِ باحث في حالة من الصيرورة، إذ أن لكلِ باحث تاريخه الخاص، وليس ثمة وصفة جاهزة للتعامل مع النص". صــ 110

▬ تعددية المعاني لا تشكل - حسب رأي بارت - الجوهر الأساسي للأدب فحسب، وإنما هي المعيار الوحيد للقيمة الجمالية للعمل. فالأدب العظيم هو ذلك الذي يصارع  وبدون هوادة إغواء المعنى الواحد. ومن ناحيةٍ أخرى فإن انفتاح العمل يعني أن القراءة ستتحول إلى عملٍ إبداعي، ليصبح القارئ مبدعًا مشاركًا في النص؛ بمعنى أنه يشارك في إنجاز ما تركه الكاتب "مفتوحًا". وهذه المشاركة تحقق ما يمكن أن نطلق عليه "اللذة الجمالية". فتعدد المعاني يهب اللذة للقارئ، والعكس أيضًا، فإن تأطير النص ليس سوى تقييد لتلك اللذي "فلذة القارئ تبدأ عندما يكون منتجًا، أي عندما يسمح له النص أن يقوم بتشكيل قدراته الخاصة. صــ 112

▬ لكن هل يمكن بالفعل فصل العمل الأدبي، والفني على وجه العموم، عن المحيط الاجتماعي والثقافي السائد في المجتمع والتعامل معه على مستوى الألفاظ والدلالات اللغوية فقط؟ وما قيمة البناء اللغوي إذا كان لا يحيل إلا إلى ذاته؟ يبدو أن هذا ما لم يكن بارت يقصده. فقد كان هدف بارت الرئيس ألا يتم التعامل مع النص الأدبي بفروض مسبقة عن الكاتب والمؤلف وعدم اتخاذ مواقف نفسية من المؤلف قبل الدخول إلى عالمه. إن الفرضية المسبقة تعني أن القارئ لديه فكرة ما يحاول إثباتها والتحقق منها من خلال تعامله مع النص الأدبي، هي أشبه بالنتيجة التي يحاول أن يستقي مقدماتها من داخل العمل، وهذا يفضي في النهاية إلى قراءة أحادية للنص تزعم امتلاك حقيقته واكتشاف غاياته، وهذا الفهم نابع من تصور مؤداه أن ثمة حقيقة كامنة وراء النص، وتلك الحقيقة مرتبطة في الأغلب، بحياة المؤلف أو الإطار الثقافي التي أبدع فيها مؤلفه. هذا الفهم للنص الأدبي وطريقة التعامل معه هو ما جاء بارت ليناهضه من خلال مقولته عن موت المؤلف. فالنص بنية مستقلة بذاته، ودلالته ليست مسبقة بل هي لاحقة، وبالتالي فهو لا يشير إلى الماضي بل إلى المستقل. وبمجرد أن ينتج النص فإنه يترك مداره الخاص وسياقه المرتبط بنشأته حتى يدخل ف مدار آخر وسياق مختلف تمامًا. هذا السياق الجديد هو سياق النصوص الأخرى السابقة عليه والمتزامنة معه، وهذا السياق هو الذي لابد أن يتعامل معه القارئ دون أن يحاول نزعه منه. ولا يعني ذلك أن الوقوف عند حدود الألفاظ والدوال هو المبتغى النهائي للقارئ، إذا أن أطروحة بارت تقطع الطريق أمام الفروض المسبقة التي يدخل بها القارئ على النص لكنها لا تلغي الدلالات المختلفة للعمل الأدبي، فالنص قد يكشف عن أبعاد مختلفة مرتبطة بالواقع والمجتمع، لكن هذه الأبعاد لابد من بنائها واكتشافها داخل النص وليس بصورةٍ مسبقة أو على شكل افتراضاتٍ سابقة يسعى القارئ لإثباتها عبر قراءته. صــ 113، 114

▬ لقد ارتبطت أطروحة "موت المؤلف" عند بارت بفكرةٍ أخرى أشار إليها ضمنًا في مؤلفاته عندما وصف عملية الكتابة بأنها "امتزاج للكتابات"، وأن معنى النص ما هو إلا تعددية لنظمه، وقابليتها اللامتناهية (الدائرية) للنسخ، وهو الوصف الذي أعطته جوليا كريستيفا مصطلح "التناص" وأقره بارت في حينخ. ويعني التناص أن أي نص في النهاية ما هو إلا تجميع واقتباس وتداخل مع نصوص أخرى سبقته "فالكاتب لا يستطيع إلا أن يحاكي حركة سابقة له على الدوام، دون أن تكون هذه الحركة في الأساس أصيلة". ويوضح شلوفسكي هذا بقوله "كلما سلطت الضوء على حقبةٍ ما، ازددت اقتناعًا بأن الصور التي تعتبرها من ابتكار الشاعر إنما استعارها هذا الشاعر من شعراء آخرين وبدون تغيير تقريبًا". فلا يوجد نص أصلي، إنما النص هو تلاقٍ بين النصوص، وكل نص هو امتصاص وتحويل لنصٍ آخر. وفي ضوء ذلك، يكون هدف التفكيك - بحسب دريدا - البحث عن نص داخل نص آخر، وإحالة نص إلى نص، وبناء نص من نصٍ آخر...إلخ. إن التناص نتيجة طبيعية أيضًا لموتِ المؤلف، فالنصوص هي التي تفسر بعضها، ومن ثم وجب إبعاد العوامل الخارجية عن النص، فالسياق الخارجي لا يمكن أن يحدد علاقات النص ودلالته، لأن النص قد تجاوز هذا الخارجي وتحرر عنه واستقل عنه بوجود جديد، ينبني عليه عالم جديد. صــ 115

▬ على الرغم من أن تحليلات بارت بالفعل كان لها الأثر الأهم في أن تخطو الجماليات خطوات متقدمة في نهايات القرن العشرين، خاصةً في مجال النقد الأدبي، إلا أن إعلان بارت موت المؤلف لم يكن مقنعًا بالدرجة الكافية، وأسقط النقد الأدبي فيما أطلق عليه بارت حتمية الشكل، والذي ترتب عليه الاهتمام المفرط بالعلامات والدوال المستخدمة، وما تبع ذلك من الإغراق في التجريد، وافتقاد الشاعرية في التحليل، وصعوبة اللغة المستخدمة. إن من مقتضيات تمام العملية الإبداعية أن تكون هناك صلة نفسية ومعرفية بين أطرافها: المؤلف، النص، القارئ، وذلك يتيح "حرية للقارئ في إعادة بناء النص، وإذا انتفت المسافة النفسية افتقد القارئ القدرة على ممارسة خبرة الإبداع في تذوق العمل الفني وأضحى العمل الفني نوعًأ من التغييب للقارئ، بينما تتيح المسافة النفسية أن يكون حضور القارئ مساويًأ لحضور المؤلف لكي يدير حوارًا معه"، فكيف يحدث ذلك إذا افترضنا موت أحد أطراق عملية الإبداع وهو المؤلف. صــ 121

▬ وبعيدًا عن السيموطيقا نجد بيير بورديو يتخذ موقفًا ناقدًا من هذا الاتجاه وهو بصدد تحليله لحقل الإنتاج الفني. فقد توصل بورديو في كتابه الفن إلى صيغة معتدلة لا تنجرف وراء التحليلات النفسية والاجتماعية، وفي الوقت ذاته ترفض القراءات الداخلية للأعمال الفنية التي تتجاوز الظروف التاريخية التي أنتجتها. فالعمل الفني ليس مجرد تعبير عن عبقرية الفنان، ولا  هو مجرد انعكاس للظروف الاجتماعية والنفسية له، بل يتم إنتاجه من خلال الطابع الثقافي، الذي يعكس الأصل الاجتماعي والمسار الشخصي للفنان، وهو حقل - فضاء منظم من الاحتمالات - يحوي شتى المذاهب والأساليب المتنافسة كما تتحد الاحتمالات ذاتها من قبل التطور التاريخي لذلك الحقل فلا يوجد كاتب (أو فنان) يبتكر ببساطة أسلوبًا فنيًا من عدم، بل هو يختار تكرار ما هو موجود، أو أخذ نوع فني قائم ودفعه إلى اقصاه. لذا فإن كل تصريح يحمل بداخله موقفًا ما من الأعمال القائمة والمواقف الماثلة في الحقل الفني، وتنوع المواقف التي يستطيع أي فنان أن يتخذها في ضوء التاريخ السابق للحقل. وفي رأي بورديو، أن حقل الإنتاج الفني هو عالم من الثورة الدائمة والتمرد على الأساليب القائمة. وأن تفسير هذه الثورة يحتاج إلى فهم الحقل الثقافي بكافة كوناته، خاصةً أن هناك محددات تمارس تأثيرها على العمل الفني وعلى طرق استقباله لا دخل للفنان بها، ومنها الظروف الاجماعية والتاريخية والاقتصادية. صــ 123

▬ وقد اقترح البعض القيام بعملية إزاحة مؤقته لسلطان المؤلف عن النص، ثم يعيده ضيفًأ عليه "إن مفهوم الموت لا يعني الإزالة والإفناء، ولكنه يعني ارتحال القراءة موضوعيًا من حال الاستقبال إلى التذوق، ثم إلى التفاعل وإنتاج النص وهذا يتحقق موضوعيًا بغياب المؤلف، فإذا ما تم إنتاج النص بواسطة القارئ فإنه من الممكن حينئذ أن يعود المؤلف إلى النص ضيفًا عليه. وهذا المعنى نجده عند بارت في أعماله المتأخرة، يقول في مقالة له بعنوان من الأثر إلى النص: "لا يعني هذا أن المؤلف لا يمكن أن يعاود الظهور مجددًا في النص، في نصه، لكنه لو عاد سيعود في صورة مدعو".. أخيرًا،، إن منح القارئ هذه الأهمية لم يكن يتطلب بالضرورة "تهميش المؤلف" واعتباره "آلة ناسخة للكلمات"، فموت المؤلف هو في الأصل تهميش للإنسان ضد الاحتفاء به في الاتجاه الحداثي "فعندما يتم عزل النسق يتم عزل التاريخ أيضًا، فتغدو الأبنية كلية لا زمنية، أو هي أجزاء اعتباطية من عملية تغيير غير تاريخية ومتحولة أبدًا". صــ 124 ، 125

▬ الأديب - خاصةً الروائي - هو الذي يصور لك عالمًا، يأخذك إلى عالمه الرحب الذي سوف تجد نفسك بالتأكيد في شيء منه ربما عايشته يومًا ما أو عايشت شيئًا منه توارى في مملكة الذكريات المطوية، أو تمنيته بالخيال وفي عالم الأحلام. ولكنك في كل الأحوال لن تتمكن من النفاذ إلى هذا العالم ما لم تمتلك مفاتيح فك شفراته، وأولها أن تقرأ دائمًا بين السطور، وأن تعرف لغة الكاتب باعتبارها علامات تؤدي إلى عالمه الخاص القابع هناك. وهو عالم لا يكون معطى لنا على نحوٍ مباشر؛ ولذلك لا يمكن التعرف عليه من ظاهر النص فحسب؛ فاللغة هنا تكون مراوغة دائمًا بحيث تقول شيئًا وتقصد أشياءً. صــ 137، 138

▬ يبين لنا هيدجر أن الإسم ليس مجرد إشارة تعين شيئًا ما؛ فمثل هذه الإشارات إنما هي الأسماء بمعنى الرموز التي نستخدمها في لغة الحياة اليومية والمصطلحات التي نستخدمها في اللغة العلمية. أما حينما تكون اللغة لغةً بحق (كما في اللغة الشعرية أو الصوفية على سبيل المثال)، فإن الأسماء أو الكلمات فيها تستدعي وجودًا أو حضورًا لموجودا بعينها، كما لو كان لها قدرة سحرية أو تعزيمية على استحضار الموجود: فالكلمة هنا لا تشير إلى الخارج، وإنما تجلب الخارج إلى داخل.. تجعل الوجود مباطنًا في الكلمات ذاتها أو بحسب تعبير هيدجر البليغ: "اللغة مسكن الوجود؛ ولذلك فإنه يتوقف وقفة طويلة عند قصيدة شتيفان جئورجه بعنوان "الكلمة" والمؤلفة من سبعة أبيات.. يتوقف بوجه خاص عند البيت السابع والأخير الذي يقول فيه الشاعر: حينما تٌفتَقدُ الكلمة..لايمكن لشيء أن يكون. صــ 146

▬ الشعر والفلسفة أم الفلسفة والشعر؟ هل هناك دلالة للتقديم والتأخير في هذه الحالة؟ أرى أن المسألة هنا هي مجرد المنظور الذي ننظر  منه بحسب الأرض التي نقف عليها، فإذا كانت الفلسفة والشعر أشبه بجبلين يطلان على وادي مشترك بينهما كما صورهما  هيدجر؛ فإن هذا يتوقف على الجبل الذي نقف على قمته.. إذا كنت تنظر إلى الأمر من منظور أرسطو الذي كان يقف على قمة جبل الفلسفة في عصره، ستجد أن الفلسفة هي الاصل والمرجع والمعيار حينما يميز الشعر بقوله: إن الشعر يعبر عن الكلي". ولقد أفاض الفلاسفة في تفسير هذا القول الذي لا يزال صالحًا حتى يومنا هذا؛ لأن الشعر يشارك الفلسفة في أنه يقدم لنا رؤية كلية للوجود، ولكنها مكثفة في اللغة الشعرية؛ فالشاعر لا يعنيه الحدث الجزئي العابر إلا بقدر ما يكون ممثلًا لحالة لها دلالة إنسانية عامة. ولكن الشاعر - في الوقت ذاته - لا يعبر عن هذه الدلالة بلغة التصورات الفلسفية المجردة، وإنما يعبر عنها في طابعها الحسي الملموس الذي يتجسد فيه المعنى والدلالة بلغة لا يمكن استبدالها، أي من خلال الكلمات بصوتياتها وإيحاءاتها التي تؤمئ إلى المعنى دون الإفاضة في شرحه وتفسيره. وإذا كنت تقف على جبل الشعر مثلما وقف حسن طلب وغيره من الشعراء الكبار، فسوف ترى أن الفلسفة لن تعينك بلغتها التقليدية على رؤية المشهد الذي تراه من قمة جبل الشعر. ذلك أن لغة التصورات المجردة لن تعينك على الإمساك بتجربة الحياة في طابعها المحسوس والمعيش والغامض أحيانًا. ولهذا نجد أن بعض الفاسفة قد مالوا إلى التعبير عن رؤاهم الفلسفية بلغة لا تخلو من الحالة الشعرية. ولا شك أن حالة نيتشه جاءت معبرة عن هذا المشهد بصورة إبداعية. كما أن أكثر الفلاسفة صرامةً في صياغتهم للقضايا الفسلسفية، قد وجودا في النهاية أن العالم نفسه أوسع كثيرًا من حدود هذه اللغة المنطقية الصارمة، واكتشفوا بعد طول تأمل أن تجربتنا في فهم العالم تنطوي على مناطق غامضة لها طبيعة صوفية تتجاز حدود معرفتنا المباشرة، ومن ثم لا تستوعبها لغتنا المنطقية. ولا شك أن حالة فتجنشتين قد عبرت عن هذا المأزق على مستوى الدرس الأكاديمي. وإذا كان نيتشه قد تجاوز هذا المأزق بصورة عملية في صياغته لفلسفته، فإن هيدجر قد تمثله وأفصح عنه فلسفيًا، أعني على مستوى الدرس الفلسفي.. وعلى غرار هيدجر و نيتشه  سار فلاسفة عظام من أمثال جاستون باشلار.. ذلك العالم الذي تحول إلى الفلسفة، ولكنه لم يصوغ فلسفته في لغة العلم ولا في لغة الفلسفة التقليدية، وإنما من خلال لغة التأمل الانعكاسي التي تعبر عن خبرات لا يمكن وصفها من خلال لغة العقل أو التصورات المجردة، ولذلك كان يستعين بمقاطع شعرية لشعراء كبار فيما بين ثنايا سرده الفلسفي/الشعري. ويكفي القارئ أن يطلع على ذلك من خلال كتاباته العديدة، وعلى رأسها كتابه الشهير "جماليات الكان". صــ 158 ، 159

▬ البحث عن معنى الشعرية هو بحث في ماهية الشعر، أي في كل ما يجعل أشكال القصيد تشارك في الشعر، وفحواها أن المعنى الذي تومئ له اللغة الشعرية يكمن في اللغة ذاتها بكل صوتياتها وإيقاعاتها وصورها الحسية. والحقيقة أن هذه الشعرية يمكن أن تتجلى عمومًا في سائر أشكال اللغة أو القول؛ ولذلك فإن الحالة الشعرية يمكن أن تتجلى بدرجات متفاوتة في سائر فنون القول بحسب ثقل طرفي العلاقة بين الصوت والمعنى، فكلما كان المعنى مباطنًا  في حسية الكلمة، مال  القول إلى الشعرية. بل إن الشعرية تتجلى أيضًا في سائر الفنون حينما تعمد إلى الإفصاح والقول من خلال لغتها الخاصة المرئية واللامرئية (بالمعنى الواسع للغة هنا)، وبهذا الاعتبار يمكن أن نتحدث عن شاعرية الرواية، بل عن شاعرية الصورة السينمائية على سبيلِ المثال. صــ 166

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الفلسفة الأمريكية المعاصرة (محمد محمد مدين)


• إنَّ ما حَدَثَ في القرنِ الماضي "التاسعِ عشر" من تغيراتٍ هائلة لا يُقارن بما يمكن أن يحدث عندما يتم الاقتناع بضرورة تطبيق المنهج العلمي على القيم. (جون ديوي).
• أحكام القيمة أحكام تتعلق بالشروط الحياتية، ونتائج الموضوعات المختبرة والمعيشة؛ فهي أحكامٌ تتعلقُ بما يجبُ أن يُنظمَ تكوين رغباتنا وعواطفنا ومشاعرنا ومتعنا. (ديوي).

[البراجماتية]

▬ إذا كانت النتائج هي ما يجمع بين أقطاب البراجماتية على اختلاف توجهاتهم، فإليها يرجعُ اختلافهم وتباينهم. فقد كان "شالرلز بيرس" معني بالوظيفة العلمية للأفكار والتصورات، ومن ثم استبعد النواحي الأخلاقية والجمالية والدينية، أو ما أسماه بالقيم والعلوم المعيارية واعتبرها أمورًا تتعلق بالمشاعر والانفعالات، ومن ثم لا يمكن في نظره، تناولها بالمناهج العلمية أو الرياضياتية، وذلك لأن الإنسان الحكيم عندما يكون بصدد أمور جليلة يتبع حدسه وقلبه ولا يثق في رأسه وفكره.. وعلى ذلك يُعد "تشارلز بيرس"، في نظرنا، المسؤول عن كل الحركات الوضعية ونظرتها الضيقة للقيم الإنسانية وذلك لأنه ضيق من حدود استخدام التفكير العلمي، ولم يمتد به ليشمل أفاق الفاعلية الإنسانية. ولكن وليم جيمس لم يقف هذا الموقف المتشدد. وإنما نظر إلى الخبرة الإنسانية نظرة أوسع وأرحب، وذلك لأن براجماتية جيمس لا تعني أكثر من كونها (اتجاه للتوجيه، أي الاتجاه نحو التخلي عن كل الأشياء والمبادئ والمقولات الأولى والضرورات المزعومة، ثم الاتجاه إلى البحث عن الأشياء والنتائج والثمار والحقائق الأخيرة، وذلك لأن وليم جيمس بعد أن أوضح وجهة نظر تشارلز بيرس في أن الأفكار عبارة عن قواعد للعمل والسلوك وأن كل فكرة نكونها لأنفسنا عن موضوع ما هي فكرتنا عن النتائج الممكنة لهذا الموضوع، أوضح لنا أن الاختيار النهائي للحق هو السلوك الذي يبعث إليه، فمعنى الفكرة يمكن أن يرتبط بنتيجة معينة في سلوكنا العملي المستقلبي، ومن ثم فإن وليم جيمس يؤكد على النتائج الخاصة ويحلها محل القاعدة العامة التي وضعها "بيرس"، فلم يكن جيمس يعنى بالعملي إلا ما هو "مميز" و "محسوس" وفردي" و "جزئي" و "فعال" مقابل ما هو "مجرد" وساكن" و "راكد" و "آسن" فمعنى أي قضية ينبغي أن نحدده في إطار بعض النتائج الجزئية في خبرتنا العملية المستقبلية سواء كانت هذه الخبرة سلبية أو خبرة إيجابية وفعالة.. وعلى هذا يمكننا أن نقول إن براجماتية وليم جيمس براجماتية "إسمية"، بينما كانت براجماتية بيرس "عقلية" "منطقية"، فقد كان وليم جيمس يرى أن الأفكار العامة ليست إلا كلمات أو أسماء ليس لها وجود حقيقي، وإنما الوجود هو مسمياتها. فالاختيار البراجماتي للأفكار عنده هو "معناها الجزئي"، وقد استمد وليم جيمس هذه الإسمية من نزعته الإنسانية أو فرديته الواضحة، فهو لا يعتبر مشكلة الكليات مشكلة علمية أو منطقية ولكنها في المقام الأول مشكلة إنسانية؛ فهذه الكليات فارغة إذا لم تكن تلخيصًا للجزئيات، فالتصورات العامة لا تصير ذات معنى، من الوجه البراجماتي إلا إذا كان لها تأثر على خبرتنا؛ فمن صميم المنهج البراجماتي يكون اختبارنا لهذه الأفكار العامة والكلية، وذلك لنرى ما لها من معانٍ جزئية ملموسة ومحسوسة، فأن نختبر فكرة كلية بأخرى كلية لا ينتهي بنا إلا لحلول نظرية لا معنى لها.. وإذا كان وليم جيمس قد وسع من نطاق الخبرة، إلا أنه قد أقام فصلًا مزعومًا بين "المنطق" من جهة و "الخبرة" من جهةٍ أخرى، وذلك لأنه رأى أن أمور الدين والأخلاق لا نستطيع حسمهما على المستويين الفكري والنظري فقط، وذلك لأن الإنسان ليس مكتوبًا عليه أن ينتظر دومًا حتى يأتيه الشاهد والدليل العلمي، وذلك لأن هذا الدليل قد يغيب ولا يأتي قبل قيام الساعة، ومن ثم أفسح وليم جيمس المجال لما أسماه بإرادة الاعتقاد "The will to believe" أو الرغبة في الاعتقاد، لأن هناك حالات يتعذر فيها مجيء الحقيقة إلا إذا كان هناك (إيمان بمجيئها)، فالإيمان أو الرغبة في الحقيقة جزء لا يتجزأ من وجودها.. ص18 ، 19

▬ لقد لعب كتاب وليم جيمس في "علم النفس" 1890 دورًا أسياسيًا في أداتية جون ديوي، واعتبره دستور البراجماتية الذي يعتبر عنها حتى أكثر من كتاب (البراجماتية). ومن الممكن اعتباره، وبدون مبالغة، علامة مميزة في تاريخ الإنسان العقلي، وقد قدم هذا الكتاب لجون ديوي تصورًا جديدًا للعقل، فالعقلُ، في نظر وليم جيمس، ليس شيئًا مغايرًا للطبيعية ولا مخالفًا لها، ولا مفروضًا عليها من مصدر يتجاوزها، وإنما العقل (عملية) وعي موضعية مستمرة يتم عن طريقها التآزر والتفاعل بين (الإنسان) ومحيطه، فما العقلُ في أساسهِ إلا وظيفة هدفها خدمة الإنسان في علاقته ببيئته الطبيعية والاجتماعية وهو أداة مثله مثل العين التي ترى والأنف الذي يشم، ولا نجانب الصواب إذا قلنا أن هذا التصور البيولوجي الذي قدمه (وليم جيمس) للعقل، لم يؤد إلى تغيرات حاسمة في أفكار (جون ديوي) فقط وإنما كان له تأثير كبير على فلسفة (جورج هربرت ميد) الذي كان يعتبر وهو أيضًأ (العمليات العقلية) مجرد وظائف في عملية التكيف المستمرة بين الكائن ومحيطه. صــ 32

▬ إن تطور (جون ديوي) الروحي يعبر عن فيلسوف أصيل، فأداتيته الطبيعية تطورت عن (بيرس) و (جيمس) ولكنه تميز عنهما بأنه كان واعيًا بالبعد الاجتماعي للفكر الفلسفي، فلم يكن مختصًا في المنطق مثل (تشارلز بيرس) ولا مشغولًا بالفلسفة بهدف تهدئة التوترات الشخصية مثل (وليم جيمس) وإنما كان مهتمًا بالإصلاح والنقد الاجتماعيين، أي أن (جون ديوي) كان براجماتيًا أكثر منهما، فقد طور نظرية متكاملة في القيم، ولا نبالغ لو قلنا أنه بالرغم من أصالة وجدة كتابات (بيرس) و (وليم جيمس) إلا أنها تبدو مجرد إعداد لفلسفة لم تكتمل إلا على يد (ديوي)، وإذا اعتبرنا (بيرس) بطل البراجماتية المنطقي، وجيمس بطلها الديني، فإن (ديوي) هو بطلها العلمي، وإذا كنا لا نستطيع أن نفهم البراجماتية إلا في كتابات (ديوي) فإننا لا نستطيعُ أيضًا أن نفهمَ الفلسفةَ في القرنِ العشرين دون أن نضع البراجماتية في حسابنا. صــ 37

▬ ترى البراجماتية أن إخفاقنا في تحقق الاتصال بين الأحكام العلمية والأحكام العملية مرده إلى عدم وجود تنظيم اجتماعي بين العلماء وهذا من جهة وطبيعة أبحاث العلماء المجردة، ومبالغتهم في التخصص، وقد أدى هذا إلى نعدام الثقة فيما يستطيع العلم أن يقدمه لنا في نطاق (القيم) و (الغايات)، إلى الحد الذي يضع فيه غلاة (العلمانية) كلًا من (العلم) و (القيم) على طرفي نقيض، ويزعمونَ أن كلًا منهما يمثل نسقًا معرفيًا متميزًا عن الآخر، وذلك لأن العلم يدرس (ما هو كائن) بينما تدرس القيم (ما ينبغي أن يكون)، والمشكلة تظهر بوضوحٍ عندما نعرف أن الأحكام العلمية (تقريرية) Assertive ، ويمكن التأكد منها بالرجوعِ إلى (الواقع) ، بينما أحكام القيمة تقديرية ومعيارية Normative، فليس لها من ثم صلة بالمنهجِ العلمي. ولكن (البراجماتيين)، وخلافًا لذلك، يؤكدون على فكرة أن للقيم (قوة توجيهية وإيعازية). فعنصر (التوجيه) بواسطة فكرة القيمة ينطبق على العلم، كما ينطبق على كلِ شيءٍ آخر، إذ في كلِ عمل علمي خطوات متتابعة مستمدة من التقديرات مثل (من الجدير أن نبحث هذه الوقائع كمعطيات أو أدلة)، (من المستحسن محاولة هذه التجربة أو تسجيل هذه الملاحظة أو التمسك بهذا الغرض أو ذاك)، أو إجراء هذا الحساب.. وهكذا، فالأحكام العلمية دائمًا مرتطبة بأحكام القيمة، وغير منفصلة عنها [...] وإذا كانت أحكام القيمة لا تخضع خضوعًا مباشرًا للمنهجِ العلمي، إلا أن هذا لا يجعلنا نتسرع ونرفضها، لأن في هذا إسرافًا في تطبيق المنهج العلمي وحصره في نطاق (الكم) فقط، فإبمكاننا دراسة القيم على أساس أنها تعبير غير مباشر عن طواهر إنسانية مباشرة اندمجت وتداخلت وأنتجت تلك الأحكام، بمعنى أن بإمكاننا أن ندرس العناصر الأساسية التي أدت إلى إحكام القيمة بالمنهج العلمي، إذا كان من الصعب دراسة القيمة علميًا بطريقةٍ مباشرة. صـ 69، 70

▬ إذا كان أقطابُ البراجماتية يتفقون على أن النتائج العملية، على الرغم من اختلافهم في فهمها، هي التي تحدد معنى التصورات العقلية المختلفة، فإن البراجماتية تصبح، بناءً على ذلك، (نظرية معيارية)، أعني (نظرية في القيمة)، فهي عبارة عن معيار (قيمي) يتم على أساسه توجيه سير أفكارنا، كما أنها تبين لنا على أي نحوٍ ينبغي أن نوضح أفكارنا، ونحكم عليها بالصدق وبالكذب، وبعبارةٍ أخرى، تقدم البراجماتية (معيارًا) يتم على أساسه تحديد معنى التصورات والفروض المختلفة وتقييم هذه الفروض والحكمِ عليها، وذلك على ضوء ما يترتب عليها من نتائج وآثار عملية، ومن ثم يمكننا التمييز بين المشكلات الحقيقية والمشكلات غير الحقيقية (الوهمية)، والإجابات الشافية ذات معنى والقيمة والأخرى التي تخلو منها، وذلك على مستويات الفعالية الإنسانية، سواء في مجال الإدارك أو الشعور أو الوجدان، فنحن إذا طبقنا هذا المعيار البراجماتي على كثيرٍ من المسائل الميتافيزيقية التي يختلف حولها الفلاسفة مثل مشكلة (الوحدة والكثرة)، والخلاف بين المثاليين والواقعيين حول طبيعة الوجود والخلاف بين العقليين والتجريبيين حول أداة المعرفة، فإن هذه الخلافات تصبح لا معنى لها، وذلك لأن المثالي والواقعي، رغم اختلافهما في المذهب، يسلكان حيال العالم سلوكًا واحدًا، ومع ذلك لا يترتب عليه أي اختلاف في النتائج والآثار العملية، فعلى الرغم من أن باركلي يؤكد على أن (الوجود إدراك) وزميله الواقعي يصر على أن الوجود موجود حتى لو لم يكن هناك فعل الإدراك، فالإثنان يتصرفان تصرفات واحدة تجاه العالم المادي، ولا يترتب على تصرفاتهما أي اختلاف عملي، وذلك لأن باركلي لا يستطيع أن يعلق نفسه في حبل ملفوف حول عنقه دون أن تزهق روحه، وعلى هذا فإننا نؤكد على أن البراجماتية في جوهرها ليست إلا نظرية في القيمة، فهي تقدم لنا معيارًا نستطيع على أساسه أن نحسمَ كل المشكلات والصراعات الفلسفية.. صــ 72، 73

▬ إن كان "وليم جيمس" قد ساهم في تشكيل الروح الأمريكية، وباتت الفلسفة البراجماتية العملية السمة المميزة للفكر الأمريكي، فإن "جوزايا رويس" كان هو الفيلسوف الذي حاول صياغة هذه النزعة العملية صياغة مثالية، فقال بالبراجماتية المطلقة. ولئن كان "وليم جيمس" قد حاول إحياء هذه الروح بمطق عملي براجماتي، تمثل فيه الفردية المقام الأول، فلكل فرد معياره الخاص للصدق، وله تجربته الدينية الخاصة، فإن رويس قد حاول بعث هذه الروح بصهر الشعوب والأجناس التي كونت المجتمع الأمريكي في وحدةٍ واحدة. وإن كان جيمس قد ربط قيمة الفرد بعمله ونتيجة هذا العمل في الواقع، فإن رويس قد جعل من مبدأ (الولاء للولاء) مقياسًا لقيمةِ الفرد. صــ 76

▬ ينتقد جوزايا رويس نظرية الصدق البراجماتية على أساس أننا إذا قلنا إن صدق الفكرة يتحدد بالنتائج التي تترتب على الاعتقاد بها فلابد وأن تكون على وعي بمعيار اختيار النتائج وانتقائها، وذلك لأن هذه النتائج كثيرة كما أنها غير محدودة، وفي حالة غياب هذا المعيار فإننا سوف نستمر إلى ما لا نهاية، ومن ثم فإننا لن نستطيع أن نعرف أين ومتى نقف. وبالتالي فإننا إذا لم نكن على علمٍ بالمطلق، فلن يكون بمقدورنا على الإطلاق أن نحدد الصدق المرغوب فيه، وبالتالي فإن البراجماتية تدفعنا منطقيًا إلى مذهب المثالية المطلقة absolute idealism. فجوزايا رويس يتساءَل عن السبب الذي من أجله تعمل الأفكار الصادقة، وما هو الضمان الذي يكفل لها الاستمرار في العمل؟ فهو يرى أن (الاختبار أو المحك الإنساني) من ناحية و (الاختيار القائم على الخبرة) من ناحية أخرى، سيؤديان، بالضرورة، إلى الفشل والإخفاق، فالفكرة الصادقة ينبغي أن تعمل (فعلًا) أو تعمل (باستمرار)، وعلى نحوٍ دائم، ولكن البراجماتية ليس لديها مكان للمطلق، ومن ثم فهي، في نظر رويس، تفشل في تزويدنا بنظرية متكاملة في الصدق. فالصدق ينبغي أن يكون أزليًا ومطلقًا بجانب كونه عمليًا وأداتيًأ، وذلك لكي يكون متسقًا كاملًا.. صــ 81

[الواقعية الجديدة]

▬ تتخذ المذاهب المثالية جميعها نقطة بدئها من الذات أو الشعور. وتنظر إلى الذات على أنها ليست فقط مسؤولة عن إدراك أو معرفة الأشياء بل عن وجوده أيضًا. فالذات عند هذه المذاهب المثالية بمثابة الشاشة التي ننظر من خلالها لنرى العالم، أو بمثابة المركز الذي لابد أن نبدأ به لنصل إلى الوجود. لكن الفلاسفة المثاليين كثيرًا ما بدأوا بالذات وانتهوا عندها أي أنهم كثيرًا ما ضلوا في متاهات الذات، واتخذوا منها مدار تفكيرهم، ونسوا أو تناسوا أن يفكروا في الوجود الطبيعي الواقعي. وعندما فكروا في هذا الوجود لم يقدموا لنا عنه إلا صورة باهتة له هي "صورته المعقولة" التي تختلف دون شك عن "صورته الواقعية".. فكان على الفلاسفة الواقعيين أن يبدأوا بداية أخرى. فاتخذوا بدئهم من العالم الحسي، أو بمعني أدق من العالم الطبيعي. ونقول بمعنى أدق لأن البدء بالعالم الحسي لم يؤد إلى نتائج واقعية عند الفلاسفة التجريبيين الحسيين (الفلاسفة الإنجليز). وذلك لأنهم فهموا الإحساس على أنه الإحساس الذاتي أو مجموعة التأثيرات الذاتية الحسية. أما البدء بالعالم الطبيعي أو بالطبيعة عند الفلاسفة الواقعيين فيرجع إلى رغبتهم في تصور الكون على نحوٍ مستقل عن العقل أو الذات العارفة أو الإحساس الذاتي. وكلها بمعنى واحد أو وسائل مختلفة لنتيجة واحدة. وهو يمثل كذلك عندهم ضمانًا أكيدًا لعدم الحيدة عن أرض الواقع الصلبة. صــ 92، 93

▬ لجأ الفلاسفة الواقعيون إلى وسيلةٍ أخرى يقررون بها استقلال الطبيعة عن الذاتِ العاقلة. فالعقلُ أو الذات العاقلة عند الفلاسفة المثاليين تؤثر في الوجود الواقعي عن طريق العلاقات أو الراوابط التي تفرضها على الأشياء المادية وتخلعها عليها، وتمنحها نوعًأ من الوحدة تنظم كثرتها المادية وتردها إلى ضربٍ من التأليف العقلي. فالعقل عندهم إذن مصدر وحدة هذا العالم المادي. أما الفلاسفة الواقعيون فلا يوافقون على منح العقل هذه المهمة: مهمة إقامة العلاقات العقلية بين الأشياء. ومن أجل ذلك ذهبوا إلى أن العلاقات التي توحد وتربط الأشياء والتي يقول عنها العقليون أنها تصدر عن العقل، قائمة في الطبيعة قيامًا موضوعيًا بين الأشياء المادية نفسها، عن طريق ما تستطيع أن تقوم به هذه الأشياء من "تشكيلات" وتنظيمات نابعة من الطبيعة نفسها. صــ96

▬ بالرغمِ من التأثير الكبير الذي كان للبراجماتية على الواقعية الجديدة، فإن هؤلاء الواقعيين قد وجهوا انتقاداتٍ كثيرة لهذه البراجماتية، وفيما يلي نقدم بعض الانتقادات التي وجهها (مونتاجيو للبراجماتية ونظريتهم في الصدق. يوجه (وليم مونتاجيو) نقدًا مزودجًا إلى النظرية التي تربط بين (الصدق) و (النتائج)، فهو يرى أننا إذا قلنا أن القضية يمكن الاعتقاد في صحتها إذا كانت نافعة من الناحية العملية، أو إذا أدت إلى نتائج ناجحة، فالعقيدة الدينية مثلًا قد يمكن الإيمان بصحتها على أساس أنها تُمكِّن معتنقيها من إجادة العمل. وهي بهذا المعنى تكون مفيدة عمليًا. وقد تؤدي إلى نتائج ناجحة في التطبيق، ولكن (وليم مونتاجيو) يعتبر أن هذا المقياس يعتبر غاية في النقص، فما أكثر الاعتقادات الباطلة التي أحرز بها كثير من الناس النجاح العملي لفتراتٍ طويل من الزمن، وكذلك ما أكثر القضايا الصادقة التي تجلب اليأس، بل وفشل الحركة عند بعض معتنقيها.. ويرفضُ (وليم مونتاجيو) (التوحيد بين اعتبار النتائج مقياسًا لصحة الاعتقاد)، وبين (العملية التي يُقام بها الدليل على صحةِ القضية)، وذلك لأن هذا يؤدي بالصدق الفعلي إلى أن يُصبح (مسألة سيكولوجية)، ومن ثم يدخل في نطاق (الخبرة الفردية)، ويصبح (نسبيًأ) عند كل فرد مرت به التجربة. فقد أجني نتائج ناجحة في اعتقادي بأن القضية صحيحة، ولعل غيري يجني نتائج ناجحة لاعتقاده في (بطلان) القضية، فهل تكون القضية صادقة وكاذبة في آنٍ واحد؟.. ولهذا فهو يرفض هذه النسبية ويرى أن صدق القضية أو كذبها يسبق عملية التحقق على ضوء النتائج.. ولكن هل يقبل البراجماتيون نقد وليم مونتاجيو، وهو الفيلسوف الواقعي؟ يرى البراجماتيون، أن الواقعيين، الذي ينتمي إليهم وليم مونتاجيو، يتخذون من (الحقيقة بمعناها المجرد) صنمًا يعبدوه دون أن يختبوره.  ولذلك  لا يمكن أن يكون له أي فائدة أو معنى. وقد يعترضون أيضًا بأن الواقعيين إذا كانوا يرون أن الصدق الفعلي هو (علاقة الاتفاق بين الأحكام والحقائق والوقائع الخارجية)، فينبغي أن يسلموا بأن مثل هذا الاتفاق لا يمكن أن يحدث إلا على أساس الخبرات الفردية التي تتصل بهذه الحقائق وهذه الوقائع والتي يعتمد عليها.. ولكن وليم مونتاجيو يُسلم بأن (الاتفاقات) لا يمكن اكتشافها بغير الخبرة التي تثبتها، ولكنه يرى أنها حين تُكتَشف بهذه الخبرة، فإنها تقدم على ما يثبت عدم اعتمادها على هذه الخبرة. أعني أنه في لحظة المعرفة نكتشف استقلال الحقائق والوقائع عن الذات العارفة. ففي حالة كولمبس الذي اكتشف وجود أرض على الغرب من أوروبا، ونيوتن الذي أثبت فرضية الجاذبية، وفيثاغورث الذي أثبت فرضه الهندسي، في كل حالة من هذه الحالات، نجد أن الصدق الذي تحقق يكشف، وبوضوح، عن أمرٍ لم يكن ليعتمد على عملية التحقق. (فوظيفة الخبرة، ووظيفة تحقيق الصدق على الخصوص، ليست أن نخلق الأشياء والاتفاقات التي عرفناها وأثبتناها، بل أن (تكشف) لنا هذه الحقائق. صــ 98، 99 ، 100

[المقولات الجامعة للفلسفةِ الأمريكية المعاصرة]

▬ يجمع الفلاسفة البراجماتيون والواقعيون في الفلسفة الأمريكية المعاصر على رفض كل صورة الثنائية Duality فبدلًا من أن يكون هناك ذات عارفة في مقابل العالم باعتباره موضوعًا للمعرفة، فإنه عن طريق هذا التفاعل يكون لدينا معابر بين الكائن الحي والبيئة التي يتعيش فيها، ولكن هذا لا يعني أن الكائن يمثل جانبًا أو طرفًا والبيئة تمثل جانبًا أو طرفًا مقابلًا، ثم يتوسطهما أو يجمعهما التفاعل باعتباره طرفًا ثالثًا، فالتكامل بين الإثنين (الكائن الحي وبيئته) أعمق أساسًا من التفرقة أو التمييز الذي لا يحدث إلا على فترة زمنية، ولا تدل إلا على تفكك جزئي بين ما كان متكاملًا بادئ ذي بدء، ولكنه تفكك، ولكنه يتمتع بطبيعته الحركية التي تدفعه دفعًا، ما دامت الحياة قائمة، إلى إصلاح ما فسد. والواقع أن تفاعل الكائن الحي مع بيئته إنما هو المصدر المباشر وغير المباشر لكل خبرة، كما أن البيئة هي الأصل الذي تنبعث منه الصدمات والمقاومات والمساعدات والاتزانات التي تكون الصورة حينما تتلاقى مع طاقات الكائن الحي على أنحاء ملائمة ومناسبة. صــ 104

▬ مقولةُ الاتصال: تعتبر في نظر الفلاسفة الأمريكان أهم مقولة أو خاصية تميز الخبرة، ومما لا شك فيه أن هذا يعكس أثر الفيلسوف الألماني هيجل، فما يقصده البراجماتيون بمتصل الخبرة يتفق إلى حدٍ بعيد مع متصل العقل ومتصل الطبيعة ومتصل العقول في مثالية هيجل الموضوعية، فالاتصال إذا كان أساس فلسفة (هيجل) فهو أيضًا أساس فلسفة (ديوي) ولكن إذا كانت تجريبية (ديوي) تؤكد على اختلاف وتنوع الظروف على مسرحِ الأحداث الطبيعية، فإن البراجماتتين، بهذا المعنى، يختلفون عن (هيجل)، وذلك في تأكيدهم على (الفردية) و (الأصالة) و (التعدد) و (الكثرة)، وهذه الأشياء إنما تحدث في صميم عالمٍ واحد، فالطبيعة والخبرة لا تمثلان أشياء منفصلة، مستقلة، تضاف حسابيًا إلى بعضها بل أن الخبرة هي الصورة التي تفرضها الطبيعة في التفاعلات التي تحدث على المستوى العضوي أو غير العضوي أو هي هذا الجانب من الطبيعة، والذي تصبح سماته قابلة للمعرفة والتحديد بفضل افتراض الاتصال. وعلى ذلك فالاتصالُ كما هو أساس فلسفة هيجل، هو أيضاً أساس في فلسفة البراجماتيين بل أنهم اعتبروه المصادرة الأولى لنظرية المعرفة البراجماتية، التي تقوم على أساسٍ طبيعي بيولوجي، ويرفض البراجماتيون وغيرهم من الفلاسفة الأمريكان أي فصل تعسفي بين (الخبرة) و (الطبيعة) وأي نوع من أنواع الثنائية على أي مستوى، مثل الثنائية القائمة بين الفرد والمجتمع، وبين (الدافع والنتيجة) و (السلوك والشخصية) و (القيم والوقائع) و (الوسائل والغايات) و (الواقعي والمثالي) و (القيم الذاتية والقيم الموضوعية) و (الفنون الجميلة والفنون النافعة) ولكن، برغم ذلك، نجد أن بين البراجماتيين بعض الخلاف اليسير حول هذه الثنائيات، فتشارلز بيرس نجده يعترف بثنائية (الشعر والحياة) أو (المنطق والخبرة) وأيضًا وليم جيمس الذي أقر بثنائية (الخبرة والعقل)، ومن الممكن أن نستمر إلى ما لانهاية في تعداد هذه الثنائيات التي أقحمها الفلاسفة مثل (أفلاطون قديمًا وديكارت حديثًا - دون وجه حق وبتعسف على الخبرة والطبيعة والحياة الإنسانية فمزقوا ما كان في الأصل متصلًا)... مما سبق نتبين العلاقة الوثيقة بين مقولتي (التفاعل) و (الاتصال)، فهما تلتقيان وتتحدان حتى يمكن اعتبار الاتصال الجانب (الطولي) في الخبرة بينما التفاعل جانبها (العرضي)، فعلى أساس الاستمرار والاتصال تمتد الخبرة وتتشعب ويتعالق أطرافها، وعلى أساس التفاعل تزداد الخبرة عمقًا ومعنى، فالخبرة ظاهرة متصلة لا تنقطع نظرًا لأن التفاعل القائم بين المخلوق الحي والظروف المحيطة به واقعة متضمنة في صميم عمليات الحياة. صــ 109، 110، 111

▬ وعلى هذا يترتب بعض النتائج التي يأتي في مقدمتها التأكيد على الجانب الزمني Temporal، والدينامي في الخبرة والطبيعة، فالبراجماتيون والواقعيون وغيرهم من الفلاسفة الأمريكان، يرون أن الصيرورة والتطور سمات جوهرية في فهمنا للخبرة والطبيعة، وعلى أساسها نرفض كل ما هو مطلق وخالد وأزلي، ومن ثم تتبدل نظرتنا لقيم الحق والخير والجمال، فبعد أن كانت صفات الموجود مطلق خالد أزلي تصبح مرتبطة بالأحداث والمواقف المختلفة، فهي بمثابة (الحد المثالي) لأي موقف، أو (الغاية) التي نضعها نصب أعيننا باعتبارها حلًا لإشكال، وعلى ذلك ترتبط أحكام القيمة بالتقريرات المقبولة (المؤكدة) Warranted assertibility في أحكام الواقع، وبهذا التمييز المزعوم بين (القيم) فالقيم الأخلاقية لا تنفصل عن القيم السياسية والاقتصادية، ولا تنفصل القيم الجمالية عن القيم الأداتية، فعلى أساس مقولتي (التفاعل) و (الاتصال) تتحقق وحدة القيم. صــ 111، 112

▬ يختلف الفلاسفة الأمريكان عن الفلاسفة الإنجليز (جون لوك - ديفيد هيوم - وغيرهما) الذين ردوا الخبرة إلى مجرد مجموعة متفرقة من الحالات العقلية أو الإحساسات والانطباعات وهو ما يتناقض تمامًا مع ما تعلمناه في (البيولوجيا) التي تكشف لنا عن (كائن) يوجد في (بيئة) يتفاعل معها بكل الوسائل المتاحة له في (الخبرة) التي هي في جوهرها عبارة عن مجموعة من الوظائف والعادات لأنواع التَّكَيُّف الفعالة والفعاليات المتنوعة والملامح التي تميز البيئة في المكان والزمان. صــ 118

[الفن في الفلسفة الأمريكية المعاصرة]

▬ لعلنا لا نجانب الصواب لو قلنا أن كتاب جورج سانتيانا "الإحساس الجمالي" وكتاب جون ديوي "الفن خبرة" هما الكتابان الأشهر والأكثر ذيوعًا في الساحة الفلسفية الجمالية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكننا نرى أن كتاب "جون ديوي" هو، ومن جهة نظرنا" الذي ُعبر وبصدق عن التصور الأمريكي المعاصر للفن وللخبرة الجمالية، وذلك لارتباط الأفكار التي وردت فيه، وخلافًا لما ورد في كتاب جورج سانتيانا، بالعلم والتجربة العلمية والخبرة الإنسانية. وإذا كان جون ديوي هو "فيلسوف الخبرة" فإن فلسفة الفن عنده هي الأخرى فلسفة الخبرة، ولكن في صورتها المصفاة المكررة.. ولقد ربط جون ديوي بين الفن من جهة وجوانب الفعالية الإنسانية من جهةٍ أخرى. ولا جدال في أن الفكرة الأساسية في نظرية جون ديوي الجمالية هي ما أسماه "بالاتصال بين الخبرة الجمالية والخبرة العادية" وتبعًا لذلك فإن كل من يتصدى للكتابة في فلسفة الفنون الجميلة عليه أن يعمل على إعادة أسباب الاتصال بين صور الخبرة في حالات تركزها ونقائها.. ألا وهي الأعمال والمنجزات الفنية من جهة وبين الأحداث والأفعال والآلام اليومية التي تؤلف صميم الخبرة وذلك من جهةٍ أخرى، والواقع أن قمم الجبال لا تطفوا في الهواء دون أن ترتكز على أي شيء، كما أنها لا تستند إلى الأرض أو تقوم عليها فحسب، وإنما هي الأرض نفسها في مظهر من مظاهر فعاليتها، وليست مهمة المشتغلين، بدراسة الأرض سوى العمل على إيضاح هذه الواقعة، والكشف عما تنطوي عليه من مضمونات عديدة، وثمةً مهمة مماثلة تقع على عاتق من يتصدى لدراسة الفن الجميل، فنحن إذا أردنا أن نفهم الظاهرة الجمالية في أسمى صورها، فلابد أن نبدأ بدراستها في شكلها الخام، وهذا يعني أن الفن ينبغي دراسته في علاقته بصور الفعالية الإنسانية الأخرى وأنماط الوجود الطبيعي وهذا من ناحية، وأن نوائم بينه وبين ما هو عملي وذهني وهذا من ناحيةٍ أخرى، وذلك عن طريق تفسير الجمال بأنه "البعد المثالي" أو "الجانب المصفى" أو "المكرر" للسمات والكيفيات التي نجدها في الخبرة العادية. صــ 124، 125

▬ إذا كانت الخبرة عملية process، وذلك لأن كل ما هو طبيعي عبارة عن (عملية)، فإن ما يظهر لنا على أنه مباشر هو في الحقيقة "مختار"، تم انتقائه واختياره، وذلك لأن الإدراك نفسه عبارة عن (عملية تتم فيها الاستجابة لشيء ما متميز في البيئة؛ فليس هناك كائن حي يستطيع أن يستجيب للبيئة ككل، فالإدراك يلتقط الأشياء التي يستجيب لها، وهو يقوم بتشييد بيئته، والفنُ خبرة نامية، ومن ثم فإن جوهره هو (العملية) process، ونستطيع أن نقول أن هدف جون ديوي من كتابه "الفن خبرة" هو أن يقنع القارئ بأنه لا بديل لنا عن الحساسية المباشرة للأعمال الفنية، وأن التقدير الفني إنما يتضمن الاستجابة الفعالة من جانب (المدرك) أو القائم بتقدير العمل الفني إذا كان هذا العمل الفني يتضمن معاني خصبة غنية. صــ 131

▬ إن الإيقاع rhythm هو الشرط الضروري الذي لا بد من توفره لقيام الصورة الفنية، وهو موجود في الطبيعة قبل ظهور الفن بصوره، وإلا لكان شيئًا مفروضًا على المادة من الخارج، وذلك بدلًا من أن يكون عملية تحقق المادة عن طريقها غايتها في الخبرة، ولا شك أن الإيقاعات الأولى في الطبيعة ترتبط بالوجود الإنساني، فالشروق والغروب والليل والنهار والمطر والصحو، في تعاقبها المستمر، إنما هي عوامل تهم الموجودات البشرية مباشرةً، وقد استطاع الإنسان بعد ذلك، مشاركة الطبيعة في إيقاعاتها، ثم نجح في فرض الإيقاع على تغيرات كانت تفتقر إليه، ويرى جون ديوي أن مصطلح "القانون الطبيعي" هو مجرد مرادف للمصطلح "الإيقاع الطبيعي"، فليست القوانين العلمية أكثر من مجرد صيغ للإيقاعات التي تزخرُ بها الطبيعة. صــ 137

▬ يرى جون ديوي أن للفن علاقة وثيقة بالحضارة والثقافة، فالفنُ، فيما يرى، كيفية تشيع في أية خبرة، ولكن الخبرة الجمالية تكون أكثر من مجرد شيء جمالي، لأن فيها جسمًا من المواد والمعاني، التي لا تعد في ذاتها جمالية، ولكنها لا تلبثُ أن تصبح كذلك عندما تندرج في حركة إيقاعية منتظمة تتجه نحو التحقق والاكتمال، والمادة ذاتها (بشرية)، ومن ثم فهي (اجتماعية)، فالخبرة الجمالية مظهر لحياة الحضارة، وسجل لها، وإحياء لذكراها، ووسيلة للنهوضِ بها، وهي بمثابة الحكم عليها، ولئن كانت هذه الخبرة نتاجًا يستحدثه الأفراد ويستمتعون به إلا أنهم ليسوا على ما هم عليه في مضمون خبرتهم إلا بسببِ ارتباطهم بثقافةٍ وحضارة معينة. صــ 150، 151

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

اتجاهاتُ الفلسفة ِالآسيوية المعاصرة (علي محمد مبروك، هالة أبو الفتوح)


• يوجد في عالمِ اليوم ما يكفي من الأديان لكي يكره الناس أحدهم الآخر، ولكن لا يوجد ما يكفي من الروح الدينية لتلهم البشر بأن يحب أحدهم الآخر. ص9
• غالبًا ما تصف الهندوسية الله بأنه جوهرة انعكاس الرغبات؛ إذ يجد فيه كل إنسان انعكاسًا لمثاله الخاص عن الحقيقة والخير والجمال. ص10
• الطقوس والميثولوجيا والفلسفة عوامل ضرورية للتطور الديني فهي بمثابة القشور التي تحمي لب الحقيقة الدينية واللب هو الجزء الأساسي من البذرة ولكنه دون القشرة عندما يظهر البرعم تسقط القشرة وعندما يبدأ المرء بالغوص عميقًا في بحثه عن الله يستبعد من الطقوس والميثولوجيا والفلسفة ما هو غير ضروري. ص13
• لقد أعيت الروحُ أذكى العقولِ في التاريخ فاحتضنت العقل البشري وآمن بها دون أن يدركها ويكشفُ مكنونها. ولذلك نجدُ أن الثقافاتِ الكبرى وقفت أمام معضلات لا تحصى أثناء تناولها قضايا الروح. كما لو أنها تكشفُ عن الحقيقةِ القائلة إن البحثَ عن الروحِ هو عينُ البحثِ عن اليقين؛ وهنا يكمنُ مصدر الشك واليقين، القلقُ والثبات، وهي الحالة التي يجد الإنسان دومًا نفسه فيها عندما يقف أمام تلك القضية التي ترهق عقله والتي تؤكد على العدم هو مصير الإنسان أينما كان. ص18
• نحن مجرد ظلال وهمية للمطلق، والظلُ ليس له وجود حقيقي ومع ذلك، ليس عدمًا.. العالم ظل للحقيقة ولذلك يتعلق به الحمقى. (سوامي فيفي كاناندا) ص31
• كل هذا الجهل يمكن التخلص منه، فقط عندما أدركُ أنني والإله شيء واحد. (سوامي فيفي كاناندا) ص32
• الحريةُ ليس مما يُمنع أو يُمنَح للإنسان وفقًا لظروفه وأحواله، كما أنها لا تُكتَسبُ حسبُ جدارةٍ علمية أو أخلاقية أو حتى التزام ديني؛ ذلك لأن الحرية هي ماهية الروح. إننا نعثرُ في أعماقنا على معنى الحرية والكمال، لأن الإله الذي يشكلُ حقيقتنا يحركُ فينا ذلك السعي حتى نُحقق مقولةَ (الكل في واحد). ص56
• إذا كان الإحلال البشري قد نجح بشريًا وثقافيًا في خلق امتداد حقيقي لأوروبا في العالم الجديد فإن الإحلال الثقافي في العالم القديم لم يفلح إلا في إنتاج أوروبا شائهة أو بالأحرى استهلاكها والسعي الدؤوب إلى استنساخها. ص134
• إن طبيعة الإنسان والموجودات هي ذاتها طبيعتي، لكن عندما يتم منح كل موجود بمنحة مادية مختلفة وصورة فيزيقية كذلك، عندئذ يحدث الاختلافات. (تشوهسي) ص204

▬ غالبًا ما كان راما كريشنا يصف التجارب الدينية المختلفة بأنها ألحان موسيقية مختلفة. ذات يوم، وبينما كان يستمع إلى حفلٍ موسيقي، قال لأحد القادة الدينيين الذي كان يرفض الديانات المختلفة عن ديانته "هل تسمع كم هي شجية هذه الموسيقى؟ أحد العازفين يصدر صوتًا رتيبًا على مزماره بينما يبدع الآخر موجات لحنية بطرقٍ متنوعة. لماذا أنتج صوتا رتيبًا عندما أمتلك آلة لها سبعةً ثقوب؟ لماذا أردد "أنا هو، أنا هو "فقط؟ أريدُ أن أعزف ألحانًا مختلفة على آلتي ذات الثقوبِ السبعة لماذا أكتفي بقول "براهما! براهما!"أريد أن أتحد مع الله من خلال علاقاتٍ مختلفة. وقال في مناسبةٍ أخرى متوجهًا إلى بعضِ أعضاء مذهب ديني يؤمن بإله مجرد من الشكل: "إننا جميعًا ننادي بالله ذاته. لذلك يجب التخلي عن الأنانية والمكر. بعضهم يقول إن الله مجرد من الشكل وبعضهم الآخر يقول إن اللهَ أشكالًا. أقولُ فليتأمل المرء في اللهِ ذي الشكلِ إن كان يؤمنُ بالشكلِ وليتأمل الآخرُ في اللهِ المجرد من الشكلِ إن كانَ لا يرمنُ بأيِ شكل. ما أعنيه أن التعصب شيء، من السيء  أن أشعر أن ديانتي وحدها دين حق وأن الدياناتُ الأخرى محقة أو مخطئة، حقيقة أو مزيفة. أقول هذا لأن المرء لا يستطيع أن يعرف الطبيعة الحقيقية لله إلا إذا نجح في تحقيقه. هل تعلمون ما هي الحقيقة؟ لقد خلقَ اللهُ أديانًا مختلفة لتلائم التواقيت والأزمنة والبلدان على اختلافها، العقائد دروب عديدة ولكن أيًا منها لا يمثل الله بذاته. بالتأكيد يستطيع المرء بلوغ الله إذا اتبع بإخلاص أي طريق من الطرق. وإذا افترضنا أن هناك أخطاء في الديانة التي قبلها المرء، صحح له الله هذه الأخطاء، إن كان صادقًا ومجتهدًا. صــ 7، 8

▬ نجحت طبقة البراهمة في تحديد غاية الوجود في ذلك السعي الروحي لإدراك المطلق في ذاته، ذاتًا وصفاتًا، إذ أن من عرف هذه الذات وتلك الصفات وسعى لتحقيقها نال النعيم والخلود، الذي لا يعقبه ميلاد ولا شقاء ولا موت. الأمر الذي أدى إلى ظهور الدعوى لإنكار العالم وإرادة الحياة ومن ثم هيمنة نزعة الزهد والتقشف على الفكر الهندي بمختلف تياراته. ومن اللافتِ أن هذه الغاية الروحية قد كُتِبَ لها السيادة والهيمنة على الفكر الهندي القديم والحديث ليس فحسب بين التيارات والمذاهب التي دعمت سلطة البراهمة ولكن أيضًا بين المذاهب التي اختلفت معها فكريًا. وكأن الخلاف مع البراهمة لم يكن خلافًا فقهيًا أو عقائديًا بقدر ما كان خلافًا سياسيًا أو - إذا جازَ لنا ذلك - سلطويًا.. وهكذا سعت السلطة إلى تحويل المجتمع الإنساني إلى مجتمع روحاني أي إلى أرواح تسعى في الأرض بلا رغبات ولا شهوات ولا أماني تخص هذا العالم أملًا في أن تشارك المطلق الإلهي، ولذلك يبدو أن تاريخ الإنسانية لم يشهد هذه القسوة في إهمال البدن في مقابل المغالاة في الاهتمام بالروح وبضرورة هيمنة هذه الروح على كل جوانب الحياة اليومية كما حدث في الهند. صــ 21

▬ [...] ومن ثم فإن ما نراه في واقعنا المعيش ليس هو الإنسان الحقيقي، الإنسان في ذاته، إنما هو الإنسان الظاهري المنفصل عن حقيقته بفعل الجهل أو الوهم. وهذا يعني أنه يقدم تصورًا للعلاقة بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية، حيث أصبح الإله والإنسان وحدة واحدة، فاللامتناهي يتجلى دومًا في المتناهي، ولهذا يجب على كل إنسان أن يعي حقيقته الإلهية ويعمل على إظهارها بحيث تصبح الإنسانية كلها تجليًا للإلهي وهو ما يخالف الوعي الديني المسيحي الذي عبر عن وحدة الإلهي والإنساني في إطار تجسد المسيح فقط، حيث اتحد فيه اللاهوت والناسوت وهو ما يرمز إلى استعادة العلاقة التي فسدت بفعلِ الخطيئة. والسؤالُ الآن: هل حقًا كان المعلم الروحي فيفيكانندا يعني ما يقول بأن كل روح إلهية على نحوٍ كامن؟ أم أنها مجرد دعوة للثقة في الروح الإنسانية التي أرهقها الزهد وحط من شأنها التسول؟ صــ 27

▬ إذا كانت الكلاسيكيات قد حسمت علاقة اللامتناهي بالمتناهي، المقدس والدنيوي، عبر قضية "الإتمان" الذي هو جزء أو نفحة من البراهمان، فإن فيفيكانندا قد رفض فكرة أننا جزء من المطلق، حيث المطلق كل لا يتجزأ، رغم أنه يبدو أنه قابل للتجزئة عندما ننظر إليه في إطار الزمان والمكان  والسببية. أما عندما نتجاوز هذا العالم الحسي فنحن هو. ومن ثم فإن فكرته عن أن الأرواح مجرد تجليات وهمية للواحد المطلق، كانت من أجل التأكيد على أنه لا يوجد سوى المطلق الذي يمكن إداركه فيما وراء التعدد الظاهري. ولعل ذلك يرجع في الحقيقة إلى أن تعدد الأراوح يتناقض مع إيمانه بقضية محورية لديه، ألا وهي وحدة الوجود والتي أزعم أنها لم تكن مطروحة عبر الكلاسيكيات. وهكذا كانت قضية الظل نقطة انطلاق للتوحيد بين العلة والمعلول حيث لا يوجد اختلاف بين المطلق وما يصدر عنه، إذ إن الاختلاف يبدو فقط خلال هذا العالم، فالعلة لا تختلف عن المعلول، فأنا هو، ومن يرى أن ثمة اختلافًا بين الإله (العلة) والإنسان (المعلول) فهو واهم.. وفي الحقيقة فإن فيفيكانندا كان أكثر إخلاصًا للتصور الذي يذهب إلى أن كل الأرواح انعكاسًا لحقيقة واحدة، وذلك للحفاظ على غاية أعم وأشمل يريد أن يدشنها ليس داخل الهند بمذاهبها المتنوعة فحسب، بل أيضًا داخل العالم كله، ألا وهي وحدة الإنسانية كلها استنادًا إلى وحدة الروح، ومن ثم التأكيد على المساواة بين البشر، ثم الانتقال منها إلى وحدة الوجود كله. أما تصور أن كل روح إلهية قد تنطوي في ذاتها على ما يدمر هذه الوحدة المنشودة، ولكن إذا كنا جميعًا ظلالًا لحقيقةٍ واحدة وأن المطلق متحقق فينا جميعًأ دون فرق بين شعبٍ وآخر، أو بين طبعة وأخرى، كيف يمكن تفسير الاختلاف فيما بيننا؟. يرجع فيفيكانندا هذا الاختلاف إلى أن تجلي المطلق بين البشر يتحقق على نحوٍ متفاوت بحيث يختلف هذا التحقق من شخصٍ لآخر، غير أن هذا الاختلاف  ليس اختلافًا في النوع بقدر ما هو اختلاف في درجةِ التجلي أو الظهور، وعليه فلا يوجد فرق بين الآثم والقديس سوى في درجة التجلي، فكلاهما إله ولكن نجح أحدهما في تحقيق ألوهيته، بينما فشل الآخر. صــ 33 ، 34

▬ كثيرًا ما يوظف فيفيكانندا في هذا السياق أقوال السيد المسيح كنموذج يؤكد من خلاله على أن للدينِ خطابان، خطابٌ للعامة، التي هي دائمًا في احتياج إلى كل ما هو ملموس ومدرك بالحواس، والآخر للخاصة (الصفوة) التي تبحث عن أشياء تسمو على المادة بل ويناضلون من أجل ذلك. ولهذا يرى أن الإنسان قبل أن يحقق تلك المعرفة الصوفية نخاطبه بعبارة (صلِ لأبيكِ الذي في السماء). ولكن بعد أن يصل إلى أعلى درجات الوعي الروحي حيث لا يرى فرقًا بين الأشياء من حوله، وعندما يدرك الألوهية التي هي طبيعته الحقة، وعندما يعي مقولة أنا وأبي حقيقةً واحدة، يتعلمها ثم يكررها على نفسه ويتأملها حتى تمتزج بكل قطرة من دمائه وتختلط بأقواله وأفعاله، وعندئذٍ يقول له المسيح (مملكة السماء في داخلك).. وهكذا لم يعد العالم منقسمًا إلى مملكتين، مملكة السماء ومملكة الأرض، الأولى يطمح المؤمن إليها والثانية يعيشها العامي الذي يجهل الحقيقة ويستمتع بلذتها الوقتية ورغباته الزائلة، وإنما أصبحت مملكة السماء من نصيب العامة، التي تضع عالمًأ آخر مقابلًا لعالمنا الدنيوي، يسمو عليه ويجعل السماء مقرًا لها، أما العالم الآخر وهو عالم الصفوة فهو عالم الذات، الذي يوجد في أعماق كل منّا، هو عالم الروح حيث التوحد مع الكل. صــ 39

▬ إننا جميعًا نحيا في هذا العالم ونرى أن التغير يهيمن على كلِ شيء ومع ذلك فنحن نتعلق به ونظن أنه ثابت، فالأشياء تظهر ثم تختفي ولا يبقى شيء، ولا يستطيع أحد أن يوقف هذا التدفق وتلك الصيرورة ومع ذلك فنحن نتعلق بتلك الأشياء ونحزن عندما تختفي. فنحن نرى الموت في كلِ لحظة ونرى الحزن والألم يعقب كل شعور بالسعادة، ورغم ذلك نسعى دائمًا لتناسي هذا الأمر، إننا نسعى لخلق نمط من السلوان لأنفسنا وذلك عبر الاستغراق في كل أشكال المتع، والتي بالضرورة تولد قدرًا مساويًا من الألم، وتلك هي المايا، (الجهل)، ولهذا فإن الاستغراق في خلق مزيد من المباهج الحسية بجانب المعاناة التي نصطدم بها يؤديان إلى مزيد من الاغتراب عن حقيقتنا الخالدة. فكلاهما له ذات التأثير في تشكيل الحجاب الذي يحجب عنا الحقيقة، وكلاهما يجعلنا عبيدًا للمايا، ومن ثم يزداد تعلقنا بالجسد والعالم المادي، فلا نعود نرى الإله لا في الداخل ولا في الخارج. صــ 47

▬ في الوقت الذي يقلل فيه فيفيكانندا من قيمةِ المعرفة العقلية وما تشمله من عمليات التفكير والتعقل إلا أنه يُعلي من شأنٍ التأمل باعتباره النقطة التي تمثل الانفصال عن العالم المادي وتجاوز الواقع المعيش عبر الاستغراق في مقولات تتجاوز كل ما هو ظاهر، حيث أن جوهر المعرفة يكمن في التجاوز بل والتخلي عن العالم المادي وهذا هو دور التأمل وليس دور التعقل، لأن التعقل يتعلق دائمًا وبشكلٍ ما بما هو محسوس. صـ 59

▬ إنَّ جمع الأفغاني بين السلطتين (الدينية والسياسية) قد كان بمثابة إرهاصٍ بما سوف تنتهي إليه لاحقًا فيالق الإسلام السياسي من اعتبار أن "السلطة السياسية" هي أحد الأصول الهامة التي لا قيام للدين من دونها؛ وبحيث راحت "الدولة" تأخذ موقع الشرط اللازم لإكمال إقامة الدين؛ بل إنه راح يجري اعتبارها ركنًا جوهريًا من أركانه. حيث إن ثمة من سيمضي من الجماعاتِ المتأخرة - كجماعة التكفير والهجرة" المصرية مثلًا - إلى تعليقِ أداءِ بعضِ العباداتِ والفروضِ الواجبةِ على المسلم - كصلاةِ الجمعة - طالما أن "الجماعة المسلمة" لم تبلغ حد "التمكين" في الدولة؛ وبمعنى أنها لم تُمسكُ بدولابِ السلطة بعد. صــ 112


▬ رغم أن الفكر الصيني عامة والكونفوشية خاصة يعدا - إلى حدٍ ما - من أكثر الأنساق وضوحًا وموضوعية في القضايا التي يتم تناولها نظرًا لتحررهما من الطابع المجرد وتعلقهما بالواقعِ المعيش، حيث اصطبغا بالطابع العقلي العملي، فإن البوذية - مع دخولها إلى الصين - قد أخذت الفكر الصيني إلى منعطفٍ بات فيه أكثر انشغالًا بالقضايا المجردة؛ وبما ترتب على ذلك من ازدياد مساحة الغموض في معالجة القضايا المثارة بسبب صعوبة التمييز بين الفيزيقي والميتافيزيقي فيها [..] وهكذا فإن التأسيس الميتافيزيقي الذي أعاد إحياء الكونفوشية في سياقه لم يتسبب في انكماش الدور الإنساني في الكون، أو الإقلال من قيمةِ عالمنا الدنيوي لصالح عالمٍ آخر، بل على العكس من ذلك فقد أدى العنصر الغيبي إلى انفتاح الممكن الإنساني على آفاق تتجاوز ما هو ملموس ولكنه يقوم ضمن حدود عالمنا الواقعي. فما زال العالم الدنيوي هو الحيز المكاني الوحيد المتاح أمام الإنسانية لكي تحقق وجودها المثالي تأكيدًا لاعتقادهم بأنه أفضل العوالم الممكنة. صــ 189 ، 190

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

حيونةُ الإنسان (ممدوح عدوان)

• لقد بذل الجانب "البشري" الاستغلالي المسيطر جهودًا كبيرة لإخفاء توحشه، ولبست جهود كثيرة منها لبوس العلم أو الدين. ص46
• توفير حاجات الرفاه والابتعاد عن الجهد العضلي واستنباط متع جديدة (غير حسية) في الأدب والموسيقى والفنون الأخرى، وتربية النشء الجديد تربية حضارية تساعد، كلها على الابتعاد عن الوحش (الكامن في الإنسان) وعلى تقليص دوره تدريجيًا حتى إفنائِه. ص58
• تاريخُ الإنسانِ المقموع، وهو الغالبيةُ العُظمى من البشر، هو تاريخُ الإنسانِ المتحولِ إلى شيءٍ آخرَ غير الإنسان. هو تاريخ تشويه الإنسان وتزويره. ص77
• مجتمعاتُ القمعِ هي المجتمعاتُ التي تضعُ هدفَها أنه لا بد من أن يتغير شيء ما في الإنسان لضمانِ انصياعه التام والدائم. ص93
• الشخصُ الذي يأنف في أعماقهِ من السرقة والقتل والاعتداء قد يرى نفسه وهو ينفذ هذه الأفعال بشيء من اليسر حين يؤمَرُ بفعلها من قِبَل سُلطة معينة. ص94
• حين تسكت عن حقك الواضح، بسبب الخوف غالبًا، فإنك لن تتوقع من الآخر أن يحترم لك هذا الحق، سيتصرف في المرةِ القادمة وكأن التطاول على حقوقك من المسلمات. ص104
• إن الذي حول الوحوش الضارية إلى مخلوقات مسلية في السيرك، وجعل الفيلة تقف على رؤوسها، والأسود تقفز كالبهلوانات، قد اكتشف أنه يستطيع أن يجري التحويل ذاته على الإنسان، حوله إلى مخلوق مسلوب الإرادة. ص105
• لا بد لنا أن ننتبه إلى الازدواجية المرعبة في بعض المجتمعات القائمة على العنف، فالأرستقراطية البيضاء التي تسمع الموسيقى الكلاسيكية، والتي يغمى عليها إذا شاهدت فأرًا، هي نفسها التي تعلق رؤوس الحيوانات في صالونها، وإلى جانب هذه الرؤوس فروات رؤوس هنود حُمر. ص106
• إن المقموعين تاريخيًا، حين يجدون متنفسًا ويتوصلون إلى سلطة ما، فإنهم يريدون أن ينتقموا داخل نفوسهم من كلِ مشاعر الخوف والتذلل التي عرفوها، ولذلك يصبحون أشد قسوة من مضطديهم.. ص112

▬ كم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني وإحساسنا بإنسانيتنا حتى صرنا نتعود الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟! وحتى صرنا نقبل هذا العنف والتعامل غير الإنساني الذي نُعامل نحن به أو يُعامل به غيرنا على مرأى منا في الحياة أو حين نقرأُ عنه أو نراه على شاشات التلفزيون. (وسنتجاهل أننا نحن نعامل غيرنا أحيانًا بهذه الطريقة: أولادنا أو مرؤوسينا أو الذين يقعون بين أيدينا من أعدائنا مثلًا، أو السجناء الذين بين أدينا، مفترضًا أن بعض من يقومون بهذه المهمات يمكن أن يقرؤوا ما أكتب). وينعكس تعودنا على هذا الإذلال في أننا صرنا نعد أن تعذيب السجين أمر مفروغ منه. لم نعد نساءل عن أثر ذلك التعذيب في السجين الضحية، حتى بعد خروجه من السجن، كما أننا لم نعد نتساءل عن أثر التعذيب في منفذه. وهل يستطيع بسهولة أن يعود إلى حياته اليومية العادية بعد خروجه من غرفة التعذيب، كما لو أنه خرج من المرحاض لكي يستأنف حياته. صــ 13

▬ يشيرُ كتاب "التعذيب عبر العصور" بحذر إلى استمتاعنا جميعًا برؤية مشاهد العنف والقسوة في السينما والتلفزيون والأدب. وهناك الجلاد الذي يعذب ضحاياه وهو لم يعد يريد معلومات أو اعترافات، يعذب ليستمتع. وهناك تجارة "فنية" واسعة تقوم على تسويق أفلام تحتوي على نحو أساس على التعذيب. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى آخر ما توصلت إليه هذه التجارة التي تقوم أصلًا لإرضاء أذواق مستهلكيها، وهي تجارة الأفلام المهربة، وهذه أفلام لا يمكن لأي سلطة مهما كانت بدائية أو متحضرة أن تسمح بعرضها على جمهورها، أي لا يمكن لها أن تتحمل مسؤولية الاعتراف بأن الناس، لديها، يستمتعون بهذه الوحشية. ولكن بالمقدار ذاته لم تستطع أي سلطة منه تهريبها، ولهذا تظل التجارة قائمة، وتُرصد لها الملايين لكي تجني منها الأرباح بالمليارات. ما يعني استمرار وجود من "يستهلكونها، أي يستمتعون بها.. صــ 39 ، 40

▬ إن اللغة، هنا، تبدو فقيرة، وحين نضطر لاستخدام كلمات "وحش" و "وحشي" و "متوحش"؛ فإننا نتواطأ مع جنسنا البشري لكي نظلم الوحوش. فقد دلت الأبحاث والتجارب على أن ما نصفه بالوحشية هو سلوك خاص بالإنسان. وإيريك فروم يقول إن الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة كونه قاتلًا، لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفرادًا من بني جنسه ويعذبهم، دونما سبب بيولوجي أو اقتصادي، ويحس بالرضى التام من فعل ذلك. وفي كتاب "التعذيب عبر العصور" ترد هذه الفقرة الهامة في التمييز بين الإنسان والحيوان: "فالوحوشُ لا تقتلُ المخلوقات الأخرى من أجل الابتهاج والرضى فقط، والوحوش لا تبني معسكرات اعتقال أو غرف غاز، ولا تعذب الوحوش أبناء جنسها إلى أن تهلكم ألمًا، ولا تستنبط الوحوش متعة جنسية منحرفة من معاناة أقرانها وآلامهم". صــ 49 ، 50

▬ في دراسةٍ عن الاغتصاب، نشرت مجلة التايم العدد (5 أيلول/ سبتمبر 1983م)، ومن خلال بحث بين مرتكبي جرائم الاغتصاب أن الجنس ليس وحده ما يحرك المغتصب، بل "الاغتصاب هو التعبير الجنسي عن العدوانية"، وتبين أن معظم هؤلاء المغتصبين ينظرون إلى الفعل الجنسي ليس فقط على أنه مفرج عن الكبت؛ بل على أنه يحط من قدر الطرف الآخر. وهم بهذا نتاج لثقافة تؤكد على هذا الرأي. ومن ثم فإن المغتصب يستخدم الجنس كسلاح للحط من قدر المرأة (أو قومها)، أو كما يقول أحدهم: "الطريقة الوحيدة التي تجعلني أحس بأنني أفضل منها هي أن أجعلها تحس هي بأنها أسوأ منها". صــ 51 ، 52

▬ إذا نظرنا إلى الجانب الأفضل من الإنسان وتاريخه نستطيع أن نستنتج أن تاريخ "تطور" البشرية هو تاريخ محاولات الإنسان الابتعاد عن هذا الوحش الكامن في أعماقه، أو عدم السماح له بالنمو على أمل التواصل إلى التخلص منه نهائيًا. وهذا الوحش الذي صار قابعًا في الأعماق مشكلة أساسية من المشكلات التي حاول رجال الفكر والأدب معالجتها، والتي حاولت الأديان ترويضها بالدعوة إلى التسامح والمحبة والإخاء. صــ 53

▬ الإنسان نفسه كما يقول جوزيه دي كاسترو في كتابه الهام والخطير "جغرافية الجوع"، فهو خبير تغذية في الأمم المتحدة، "إذا تسلط عليه الجوع التام صار سلوكه من العنف مثل سلوك الحيوان تمامًا... والجوع يهدم الشخصية ويقضي على التجاوب الطبيعي بين الإنسان وجميع مؤثرات البيئة التي لا تمت بصلة إلى إشباع غريزة الأكل. أما العوامل الأخرى التي تصوغ السلوك البشري فلا يبقى لها أثر، وكذلك دوافع المحافظة على الحياة وتحكم العقل تختفي بالتدريج إلى أن ينتهي بانعدام كل حذر وكل وازعٍ من ضمير، وعندئذ يستحيل الإنسان، كما يقرر شبنجلر، أكثر مما يستحيل في أي وقتٍ آخر، إلى حيوانٍ ضارٍ..". صــ 93

▬ كل نظام استبدادي يطرح هذه الظاهرة الخطيرة. إن صلاحيات الجلادين المذعورين الراغبين في الانتقام من ماضيهم لا تقتصر على الزنزانات، بل إن هؤلاء الجلادين ينقلون زنزاناتهم وسياطهم ووحشيتهم معهم أينما تنقلوا ويحولون المجتمع كله إلى زنزانة واحدة كل إنسان فيها معرض للضرب والإذلال والإهانة والسلب في أي لحظة، ومن دون سبب واضح بالضرورة. وهؤلاء الذين ينشرون الذعر يشعرون، بوعي أو من دون وعي، بأنهم يتحركون ضمن مجتمع مذعور، فتظل غرائزهم العدوانية مستيقظة ومستمتعة بذلك الذعر الذي يسود المجتمع. صــ 113، 114

▬ هناك مقولة تكرر الأيام إثبات صحتها، وهي أن مجتمعات القمع، القامعة والمقموعة، تولِّد في نفس كل فرد من أفرادها ديكتاتورًا، ومن ثم فإن كل فرد فيها، ومهما شكا من الاضطهاد، يكون مهيأً سلفًا لأن يمارس هذا القمع ذاته الذي يشكو منه، وربما ما هو أقسى وأكثر عنفًأ، على كل من يقع تحت سطوته، فالمثل المحتذى متوفر أمامه كل يوم في من يضطهدونه، وهو شاء أم أبى يرى فيهم ما يمكنه أن يقلده، ولهذا يتبين أن الموظف الضعيف الهزء والمسخرة له أنياب لا تقل حدة وإيذاء عن أنياب من يهزؤون منه ويسخرون أو يسخرون منه، ولا تظهر هذه الأنياب، أنيابه، إلا حين تتاح له الفرصة للترقي الوظيفي، وحين يصبح آمرًا على آخرين يستطيع أن يضرهم وينفعهم. صــ 147

[كُتُب يمكن الرجوعُ إليها]

1- التاريخ الطبيعي للاغتصاب (روندي ثورنيل و كريغ ت)
2- تاريخ الشيطان (وليام وودز)
3- التعذيب عبر العصور (بيرنهاردت هروود)
4- رواية "العسكري الأسود" (يوسف إدريس)
5- مسرحية "الرجلُ الذي صارَ كلبًا" (أوزفالدوا دراغون)
6- رواية "الناسُ والسراطين" (جوزيه دي كاسترو)
7- جغرافية الجوع (جويه دي كاسترو)
8- طاعة السلطة، نظرة تجريبية (ملغرام)
9- التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور (مصطفى حجازي)
10- دفاعًا عن الجنون (ممدوح عدوان)
11- المتنمر تحت النظر (تيم فيلد)
12- في أصلِ العنفِ والدولة (علي حرب)
13- اغتصاب الجماهير بالدعاية السياسية (سيرج تشاكوتين)
14- الطاغية (إمام عبد الفتاح إمام)
15- رواية "مزرعة الحيوانات" (جورج أورويل)
16- رواية "1984" (جورج أورويل)

17- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد (عبد الرحمن الكواكبي)

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

سيكولوجية الجماهير (غوستاف لوبون)، ترجمة (هاشم صالح)


• إن معظم القواعد والقوانين الخاصة بحكم البشر وقيادتهم والتي استخلصها ماكيافيلي لم تعد صالحة منذ زمنٍ طويل. وعلى الرغم من مرور أربعة قرون على هذا الرجل العظيم فإن أحدًا لم يحاول إكمال عمله. (في كتابه "علم النفس السياسي")
• لقد كانت الحضارات قد بُنِيتْ ووجهت حتى الآن من قبل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تُبنَ أبدًا من قبل الجماهير. فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير. كما أن هيمنتها تمثل دائمًا مرحلة من مراحلِ الفوضى. ص47
• إن معرفة نفسية الجماهير تشكل المصدر الأساسي لرجل الدولة الذي يريد ألا يُحكَم كليًا من قبلها، ولا أقول يَحكُمها لأن ذلك قد أصبح اليوم صعبًا جدًا. ص48
• إن الجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنهم متراصو الصفوف للحظة من الزمن. إنهم يشبهونَ بالضبط خلايا الجسد الحي التي تشكل عن طريق تجمعها وتوحدها كائنًا جديدًا يتحلى بخصائص جديدة مختلفة جدًا عن الخصائص التي تمتلكها كل خلية. ص56
• إن الظواهر اللاوعية تلعب دورًا حاسمًا ليس فقط في الحياة العضوية أو الفيزيولوجية، وإنما أيضًا في طريقة اشتغال الذهن أو آلية العقل. والحياة الواعية للروح البشرية لا تشكل إلا جزءًا ضعيفًا جدًا بالقياس إلا حياتها اللاوعية. ص56، 57
• إن الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياحُ على هواها. ص60
• إن الإنفعالات التحريضية المختلفة التي تخضع لها الجماهير يمكنها أن تكون كريمة أو مجرمة، بطولية أو جبانة وذلك بحسب نوعية هذه المحرضات. ولكنها سوف تكون دائمًا قوية ومهيمنة على نفوس الجماهير إلى درجة أن غريزة حب البقاء نفسها تزول أمامها. (بمعنى أنها مستعدة للموتِ من أجلها). ص64
• إن الجماهير تشبه الأوراق التي يلعب بها الإعصار ويبعثرها في كل اتجاه قبل أن تتساقط على الأرض. إن دراسة بعض الجماهير الثورية تقدم لنا بعض الأمثلة عن تغير عواطفها وتنوعها وتقلبها. ص65
• الإنسان المعزول يعرف جيدًا أنه لا يستطيع أن يحرق قصرًا أو ينهب مخزنًا، وبالتالي فإن مجرد التفكير بذلك لا يخطر على باله. ولكنه ما إن ينخرط في الجمهور حتى يحس بالقوة الناتجة عن العدد والكثرة. ص65
• الأحداث الأكثر شبهة هي تلك الأحداث التي لاحظها أكبر عدد من الأشخاص. وإذا قلنا بأن حادثة ما قد لوحظت في نفس الوقت من قبل آلاف الشهود، فإن ذلك يعني أن الحادثة الحقيقية هي بشكل عام مختلفة جدًا عن الرواية المنقولة عنها. ص72
• إن بساطة عواطف الجماهير وتضخيمها يحميها من عذاب الشكوك وعدم اليقين. فالجماهيرُ، كالنساء، تذهب مباشرةً نحو التطرف. فما إن يبدر خاطر ما حتى يتحول إلى يقين لا يقبل الشك. والشعور البسيط بالنفور من شيء أو عدم استحسانه يظل في حجمه الطبيعي لدى الشخص العادي، ولكنه يتحول مباشرةً إلى حقدٍ هائج لدى الفرد المنخرط في الجمهور. ص74
• بما أنه لا يمكن تحريك الجماهير والتأثير عليها إلا بواسطة العواطف المتطرفة، فإن الخطيب الذي يريد جذبها ينبغي أن يستخدم الشعارات العنيفة. ينبغي عليه أن يبالغ في كلامه ويؤكد بشكلٍ جازم ويكرر دون أن يحاول إثبات أي شيء عن طريق المحاجّة العقلانية. وهذه هي الطريقة الشعبية التي يستخدمها الخطباء في الملتقيات الشعبية. ص75
• المسرحية التي يتحمس لها الجمهور في بلدٍ ما لا تلقى أي نجاح في بلدٍ آخر أو أنها تلقى نوعًا من الإحترام المحدود لأنها لا تجيش الحوافز القادرة على إثارة حماسة جمهورها الجديد. ص75 ، 76
• إن نزعتي الاستبدادية والتعصب عامتان لدى كل فئات الجماهير، ولكنهما تتجسدان بأنواعٍ ودرجات متفاوتة جدًا. ص76
• الجماهير التي تضرب عن العمل تفعل ذلك من أجل إطاعة الأوامر أكثر مما تفعله من أجل الحصول على زيادة الرواتب. نادرًا ما تكون المصلحة الشخصية محركًا قويًا لدى الجماهير، هذا في حين أنها تشكل المحرك الكلي تقريبًا لدوافع الفرد الواحد. ص79
• لما كانت الأفكار تستعصي على الجماهير إذا لم تتخذ هيئة بسيطة جدًا فإنه لكي تصبح شعبية أن تتعرض لتحويل كامل. وعندما يتعلق الأمر بأفكار فلسفية أو علمية عالية نسبيًا، فإننا نلاحظ  مدى عمق التحويل اللازم لكي تنزل من طبقة إلى طبقة حتى تصل إلى مستوى الجماهير. ص83
• إن الفكرةَ تتعرض لتحولات تجعلها في متناول أيدي الجماهير فإنها لا تفعل فعلها ولا تؤثر إلا بعد أن تدخل إلى اللاوعي وتصبح عاطفة متماسكة أو متينة.. وهذا التحول يكون عادةً طويلًا جدًا، فالأفكار الفلسفية التي أدت إلى الثورة الفرنسية أخذت وقتًا طويلًا قبل أن تنغرس في الروح الشعبية. ص84
• كل ما يؤثر على مخيلة الجماهير يقدم نفسه على هيئة صورة مؤثرة وصريحة مُخَلَّصة من كل تأويل ثانوي، أو غير مصحوبة إلا من قبل بعض الوقائع العجيبة الساحرة: كالنصر الكبير، أو المعجزة الكبيرة، أو جريمة كبيرة، أو أمل كبير.. صــ 88
• إن معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها. ص89
• الإنسان ليس متدينًا فقط عن طريق عبادة آلهة معينة، وإنما أيضًا عندما يضع كل طاقاته الروحية وكل خضوع إرادته، وكل احتدام تعصبه في خدمة قضية ما أو شخص ما كان قد أصبح هدف كل العواطف والأفكار وقائدها. ص92
• إن الشعبَ عبارة عن كائن عضوي مخلوق من قِبَل الماضي. وهو، ككل الكائنات العضوية الأخرى، لا يمكنه أن يتغير إلا بواسطة التراكمات الوراثية البطيئة. ص101
• الشعب لا يمتلك أبدًا أية قدرة حقيقية على تغيير مؤسساته. لا ريب في أنه يستطيع تعديل اسمها عن طريق إشعال الثورات العنيفة، ولكن المضمون لا يتغير. ص104، 105
• طباع الشعب - وليس الحكومات - هي التي تحسم مصيرها. ص105
• الكلمات ليس لها إلا معانٍ متحركة ومؤقتة ومتغيرة من عصرٍ إلى عصر، ومن شعب إلى شعب. وعندما نريد أن نؤثر على الجمهور بواسطتها، فإنه ينبغي علينا أولًا أن نعرف ما هو معناها بالنسبة له في لحظة معينة، وليس معناها في الماضي أو معناها بالنسبة لأفراد ذوي تكوين عقلي مختلف. فالكلمات تعيش كالأفكار. صــ 118
• قوة الكلمات وتأثيرها من الضخامةِ بحيث أنه يكفي على القادة أن يعرفوا اختيار الكلمات لكي يجعلوا الجماهير تقبل أبشع أنواع الأشياء. ص119
• إن سبب وجود الآلهة والأبطال والشعراء أو مبرر هذا الوجود هو خلع بعض الأمل والوهم على حياة البشر الذين لا يمكنهم أن يعيشوا بدونها. وقد بدا لبعض الوقت أن العلم يضطلع بهذه المهمة. ولكن الشيء الذي حط من مكانته في نظر القلوب الجائعة للمثال الأعلى، هو أنه لم يجرؤ على توزيع الوعود هنا وهناك، كما أنه لا يعرف أن يكذب بما فيه الكفاية. ص121
• لنترك إذن العقل للفلاسفة، ولكن ينبغي ألا نطلب منه ما لا يستطيع: أي أن يتدخل كثيرًا في قيادة البشر وحكمهم. وليس بالعقل، بل غالبًا ضده، أُبدِعَت عواطف كعاطفة الشرف والتفاني والإيمان الديني وحب المجد والوطن. ومن المعروف أنها كانت حتى الآن تمثل أكبر البواعث التي تقف خلف تشييد الحضارات. ص126
• إن دور القادة الكبار يكمن في بث الإيمان سواء أكان هذا الإيمان دينيًا أم سياسيًا أم اجتماعيًا. ص128
• الشيء الذي يهيمن على روح الجماهير ليس الحاجة إلى الحرية وإنما إلى العبودية. ذلك أن ظمأها للطاعة يجعلها تخضع غرائزيًا لمن يعلن بأنه زعيمها. ص130
• في الجماهير نجد أن الأفكار والعواطف والانفعالات والعقائد الإيمانية تمتلك سلطة عدوى بنفس قوة وكثافة سلطة الجراثيم. ص134
• إن التأثير المزدوج للماضي والتقليد المتبادل يؤديان في نهاية المطاف إلى جعل كل البشر التابعين لنفس البلد ونفس الفترة متشابهين إلى درجة أنه حتى أولئك الذين يتوقع منهم أن يفلتوا من هذا التشابه كالفلاسفة والعلماء والأدباء يبدون متشابهين في أسلوبهم ومطبوعين بطابع الفترة التي ينتمونَ إليها. ص135
• إن العدوى من القوةِ بحيث إنها تفرض على البشر ليس فقط بعض الآراء وإنما أيضًا بعض الطرق في الإحساس والشعور. فهي التي تجعل الناس يحتقرون في فترة ما عملًا أدبيا ما، وهي التي تجعلهم بعد بضع سنوات يعجبون بنفسِ العمل، هم الذين كانوا قد تنكروا له واحتقروه. ص135
• يمكنك أن تذل الناس وأن توقع فيهم المجازر بالملايين وأن تقود غزوًا وراءَ غزو، كل شيء مباح لك بشرط أن تملك الهيبة الشخصية والموهبة القادرة على الحفاظ عليها. ص141
• الهيبة التي تصبح عرضة للنقاش لا تعود هيبة. فالآلهة والأشخاص الذين عرفوا المحافظة على هيبتهم لم يسمحوا أبدًا بالمناقشة. فلكي تعجب بهم الجماهير وتعبدهم ينبغي دائمًا إقامة مسافة بينها وبينهم. ص144
• بدءًا من اللحظةِ التي يأخذ فيها الناس بمناقشة عقيدة كبرى ونقدها فإن زمن احتضارها يكون قد ابتدأ. وبما أن كل عقيدة عامة ليست إلا وهمًا فإنها لا تستطيع أن تستمر إلا إذا نجت من التفحص والنقد. ص146
• ليس هناك من طغيان حقيقي أكبر من ذلك الذي يمارس نفسه على النفوس بشكلٍ لاواعٍ لأنه الوحيد الذي لا يمكننا أن نحاربه. ص148
• إنَّ روح العِرق تهيمن كليًا على روح الجمهور. إنها الجوهر القوي الذي يحد من التذبذب والتغير. وتكون خصائص الجماهير أقل حدة وبروزًا كلما كانت روح العِرق أكثر قوة. صــ 159
• إنَّ جرائم الجماهير ناتجة عمومًا عن تحريضٍ ضخم، والأفراد الذين ساهموا فيها يقتنعون فيما بعد بأنهم قد أطاعوا واجبهم. وهذه ليست أبدًا حالة المجرم العادي فتاريخ الجرائم التي ارتكبها الجماهير توضح لنا ما سبق. ص161
• في الجمهور يتساوى البشر كلهم دائمًا. ورأي أربعين عالم من الأكاديمية الفرنسية بخصوص القضايا العامة لا يختلف إطلاقًا عن رأي أربعين سقاءً (أو ناقل مياه). ص180
• إن القادة المحركين، ولنكرر ذلك مرةً أخرى، يتحركون قليلًا جدًا بواسطة العقل والمحاكمة العقلية، وكثيرًا جدًا بواسطة هيبتهم الشخصية. وإذا ما عرَّتهم منها حالة ظرفية ما فإنهم يفقدون كل تأثير ونفوذ. ص185
• إن القادة المحركين في كل العصور، وخصوصًا أولئك الذين برزوا أثناء الثورة الفرنسية، كانوا محدودي العقل جدًا، ومع ذلك فقد مارسوا تأثيرًا كبيرًا. ص189
• نلاحظ فيما يخص المجالس النيابية أن نجاح خطاب ما يعتمد تقريبًا بشكلٍ كلي على الهيبة الشخصية للخطيب، وليس أبدًا على الحجج أو المقترحات التي يحتويها. ص190
• المجالس النيابية المستثارة بما فيه الكفاية والمنوَّمة مغناطيسيًأ تبرز نفس الخصائص كبقية الجماهير. فهي تصبح عبارة عن قطيع غنم متحرك يخضع لكل الدوافع الغريزية. ص192

[أجزاء من مقدمة المترجم "هاشم صالح" لأهميتها البالغة: من ص7 إلى ص34]

♦♦♦ ينبغي التفريقُ هنا قليلاً بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الجماعي. فالثاني يمكن اعتباره فرعًا من فروع الأول. ذلك أن علم النفس الاجتماعي يدرس العلاقة بين الفرد والمجتمع. ثم إن عمليات دمج الإنسان في المجتمع أو تحويله إلى كائن اجتماعي. إنه يقوم بالدراسة العلمية للفرد بصفته إنسانًا متأثرًا بأفرادٍ آخرين وبالمجتمعِ ككل. وبالتالي فهو يدرس كل المشاكلِ المتعلقة بالتربية والتثاقف والوسط الاجتماعي الثقافي والتمرين الاجتماع وتأثيره على الدائرة العاطفية والسلوكية للفرد. وفيها نجد المفاهيم التي تتضمنها: كمفهوم الدور الذي يلعبه الفرد، ومكانته، ومعايير السلوك الطبيعية أو الشاذة ثم علاقات الأشخاص ببعضهم البعض مع كل عمليات التفاعل والتواصل [..] أما علمُ النفس الجماعي فهو ليس إلا الفرع الأخير من فروع علم النفس الاجتماعي، وكثيرًا ما يدرس كآخر فصل من فصوله، وكأنه شيء مهمل أو ثانوي. ولكن يبدو من الصعبِ في عصرنا هذا إهمال مثل هذا العلم الخطير حيث نجد أن كل شيء يعبر عن نفسه بواسطة الكمية والعدد (كالاقتصاد، والدعاية، والإعلان، والأيديولوجيات السياسية أو الحزبية أو النقابية أو الدينية، ثم الاضطرابات الاجتماعية التي تقوم بها الجماهير، والاضطرابات العمالية أو الطلابية، والثورات، إلخ...). كل هذه الظواهر تندرج تحت إطار علم النفس الجماعي، أو علم نفسية الجماهير وبالتالي فمن الصعب إهمالها أو استبعادها من ساحة الدراسة العلمية. نقول ذلك وخصوصًا أن علم النفس الجماعي سابق من حيثُ المنشأ الزمني على علم النفس الاجتماعي، فهو قد نشأ في القرن التاسع عشر على يد بعض الباحثين الإيطاليين قبل أن يتبلور بشكلٍ علمي على يد غوستاف لوبون. يضاف إلى ذلك أن علم النفس الجماعي أو الجماهيري كان أول من اهتم بمسألة هامة جدًا: هي مسألة تلك الجاذبية الساحرة التي يمارسها بعض القادة أو الديكتاتوريين على الجماهير والشعوب. وعلم النفس الجماعي يفيدنا ويضيء عقولنا عندما يشرح لنا جذور تصرفاتنا العمياء والأسباب التي تدفعنا للإنخراط في جمهور ما والتحمس أشد الحماسة للزعيم، فلا نعي ما فعلناه إلا بعد أن نستفيق من الغيبوبة. وربما جعلنا ذلك أكثر حيطة وحذرًا في "الإنطباح" أمام زعيم جديد قد يظهر [..] إن النفسية الجماعية لفئة ما ليست هي مجموع النفسيات الفردية لأعضائها. كما أن الجماعة ليست محصلة لمجموع الأفراد. وهذا يشبه ما يقوله لوبون عن اختلاف الفرد المعزول أو الواحد عن الجمهور. فما أن ينخرط الفرد في الجمهور حتى يتغير وينصهر [..] يقول الباحث ب.أدليمان: "لقد حلت السياسة محل الدين، ولكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية. بمعنى آخر أصبحت السياسة دينًا معلمنًا، وكما في الدين فقد أصبح البشر عبيدًا لتصوراتهم الخاصة بالذات". ولكننا شهدنا في السنواتِ الأخيرة تجييشًا كبيرًا للجماهير بواسطة الدين أو بالأحرى الأيديولوجيات الدينية في البلدان غير الأوروبية غير المعلمنة [..] الحقائق ليست مطلقة ولا أبدية، وإنما لها تاريخ محدد بدقة، وعمرها قد لا يتجاوز عمر الزهور، أو قد يتجاوز عمر القرون. إن لها لحظة ولادة ونمو وازدهار مثلها مثل الكائنات الحية، ثم لحظة ذبول فشيخوخة فموت [..] علمُ النفسِ يعلمنا أن هناك "روحًا للجماهير" وهذه الروح مكونة من الانفعالات البدائية، ومكرسة بواسطة العقائد الإيمانية القوية. وهي أبعد ما تكون عن التفكير العقلاني والمنطقي [..] هكذا نجد أن الفكرة الأساسية في نظرية غوستاف لوبون بسيطة وواضحة جدًا: فهو يريد أن يقول بأن كل كوارث الماضي القريب التي مُنِتْ بها فرنسا وكل هزائمها والصعوبات التي تواجهها تعود إلى هجوم الجماهير على مسرحِ التاريخ وعدم معرفة مواجهته [..] ومن المعروفِ أن الشيء الذي صعق فلاسفة مدرسة فرانكفورت هو كيف أن الجماهير قد ثارت باسم الفاشية والنازية في أكثر دول أوروبا تحضرًأ ورقيًا: أي ألمانيا. وكان سؤالهم الأساسي: لماذا لم يستطع عصر التنوير أن يمنع ذلك ؟ بمعنى كيف أن البربرية تعود للإنبثاق من جديد حتى بعد التنوير والتحديث وانتصار العلم والتكنولوجيا [..] لولا الحلم والهم لما ثارت الجماهير الجائعة لا في الماضي ولا في الحاضر تحت قيادة الزعماء والمحركين. ولولا الوهم الطوباوي بتحقيق الجنة على الأرض لما ثارت الجماهير العمالية في أوروبا تحت قيادة الأحزاب الشيوعية [..] الجماهير مجنونة بطبيعتها. فالجماهير التي تصفق بحماسة شديدة لمطربها المفضل أو لفريق كرة القدم الذي تؤيده تعيش لحظة هلوسة وجنون. والجماهير التي تصطف على جانبي الطريق ساعات وساعات كي تشهد من بعيد مرور شخصية مشهورة أو زعيم كبير للحظات خاطفة هي مجنونة. والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تتأكد من هو المذنب هي مجنونة أيضًا، فإذا ما أحبت الجماهير دينًا ما أو رجلًا ما تبعته حتى الموت كما يفعل اليهود مع نبيهم والمسيحيون المتعصبون وراء رهبانهم والمسلمون وراء شيوخهم. والجماهير تحرق اليوم ما كنت قد عبدته بالأمس، وتغير أفكارها كما تغير قمصانها.  ((إلى هناك انتهى تلخيص المقدمة))

▬ إن الكُتَّاب المقربين من بورجوازيتنا الحاكمة والذين يعتبرون أفضل ممثلين لأفكارها الضيقة ووجهات نظرها المحدودة وشكوكيتها المختزلة وأنانيتها المفرطة أحيانًا قد أخذوا يشعرون بالهلع والخوف أمام هذه السلطة الجديدة التي يرونها تبزغ وتكبر أمام أعينهم. وهم لكي يحاربوا هذا الإضطراب الذي يصيب النفوس راحوا يوجهون النداءات اليائسة للقوى الأخلاقية للكنيسة، هذه الكنيسة التي طالما احتقروها في الماضي. وقد أخذوا يتحدثون عن إفلاس العلم ويذكِّرونا بتعاليم الوحي وحقائقه. ولكن هؤلاء المعتنقين الجدد للإيمان ينسون أنه إذا كانت العناية الإلهية قد مسَّتهم أخيرًا، فإنها لا تمارس نفس التأثير على الآخرين غير المكترثين بمشاكل الدار الآخرة. والجماهير التي لم تعد تريد اليوم آلهة كان أسيادها السابقون قد تنكروا لها بالأمسِ وحطموها. صــ 46

▬ إن ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد يشكل الخصيصة الأولى للجمهور الذي هو في طور التشكل. ولكن ذلك لا يتطلب بالضرورة الحضور المتزامن للعديد من الأفراد في نقطة واحدة. ذلك أنه يمكن لآلاف الأفراد المنفصلين عن بعضهم البعض أن يكتسبوا صفة الجمهور النفسي في لحظة ما وذلك تحت تأثير بعض الإنفعالات العنيفة أو تحت تأثير حدث قومي عظيمٍ مثلًا. وإذا ما جمعتهم صدفة ما كانت كافية لكي يتخذ سلوكهم فورًا الهيئة الخاصة بأعمال الجماهير. ويمكن لنصف دزينة من البشر أن يشكلوا، في ساعات معينة من التاريخ، جمهورًا نفسيًا، هذا في حين أن المئات من البشر المجتمعين بطريق الصدفة في مكان ما يمكنهم ألا يشكلوه. من جهة أخرى نلاحظ أن شعبًا بأكمله يمكنه أن يصبح جمهورًا بتأثير من هذا العامل أو ذاك بدون أن يكون هناك تجمع مرئي. صــ 54

▬ إن الظواهر اللاوعية تلعب دورًا حاسمًا ليس فقط في الحياة العضوية أو الفيزيولوجية، وإنما أيضًا في طريقة اشتغال الذهن أو آلية العقل. والحياة الواعية للروح البشرية لا تشكل إلا جزءًا ضعيفًا جدًا بالقياس إلا حياتها اللاوعية. والمحلل الأكثر فطنة والمراقب الأكثر ذكاءً ونفاذًا لا يستطيع التوصل إلا إلى اكتشاف عدد ضئيل جدًا من البواعث اللاوعية التي تحركه. فأفعالنا الواعية متفرعة عن جوهر لا واعٍ مُشكَّل من التأثيرات الوراثية بشكلٍ خاص. وهذا الجوهر ينطوي على البقايا اللانهائية الموروثة عن الأسلاف، وهي التي تشكل روح عرق بشري ما. ذلك أنه وراء الأسباب الظاهرية لأعمالنا تربض أسباب سرية مجهولة من قَبَلنا. ومعظم أعمالنا اليومية ناتجة عن دوافع مخبوءة تتجاوزنا. صــ 56، 57

▬ إنَّ أفراد عِرق ما يتشابهون خصوصًا بواسطة العناصر اللاوعية التي تشكل روح هذا العرق. وهم يختلفون عن بعضهم البعض بواسطة العناصر الواعية الناتجة عن التربية ثم بشكل أخص عن الوراثة الاستثنائية. والبشر الأكثر اختلافًا وتمايزًا من حيث الذكاء لهم غرائز وانفعالات وعواطف متماثلة أحيانًا. والرجال الأكثر عظمة وتفوقًا لا يتجاوزون إلا نادرًا مستوى الناس العاديين في كل ما يخص مسائل العاطفة: من دين وسياسة وأخلاق وتعاطف وتباغض، إلخ... فمثلًا يمكن أن توجد هوة سحيقة بين عالم رياضيات شهير وصانع أحذية على المستوى الفكري، ولكن من وجهة نظر المزاج والعقائد الإيمانية فإن الاختلاف معدوم غالبًا، أو قل إنه ضعيف جدًا. صــ 57

▬ القرارات ذات المصلحة العامة التي تتخذها جمعية متميزة من البشر ولكن من اختصاصات مختلفة ليست متفوقة كثيرًا على القرارات التي يتخذها تجمع من البلهاء. ذلك أنه يمكنهم أن يجمعوا هذه الصفات المتدنية التي يمتلكها الجميع. فالجماهير لا تجمع الذكاء في المحصلة وإنما التفاهة. فليس الجميع يمتلك ذكاءً أكثر من فولتير كما يرددون غالبًا. وإنما فولتير يمتلك ذكاءً أكثر من المجموع إذا كان "المجموع" يعني الجماهير. صــ 57، 58

▬ إليكم الآن مجموع الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور: تلاشي الشخصية الواعية، هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار، الميل لتحويل الأفكار المحرَّض عليها إلى فعل وممارسة مباشرةً. وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه، وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلي ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده. هذا يعني أنه بمجرد أن ينضوي الفرد داخل صفوف الجمهور فإنه ينزل إلى درجات عديدة في سُلم الحضارة. فهو عندما يكون فردًا معزولًا ربما يكون إنسانًا مثقفًا متعقلًا، ولكنه ما إن ينضم إلى الجمهور حتى يصبح مقودًا بغريزته وبالتالي همجيًا. وهو عندئذٍ يتصف بعفوية الكائنات البدائية وعنفها وضراوتها وحماستها وبطولاتها أيضًا. ويقترب منها أكثر بالسهولة التي يترك نفسه فيها عرضة للتأثر بالكلمات والصور التي تقوده إلى اقتراف أعمال مخالفة لمصالحه الشخصية بشكلٍ واضحٍ وصريح. إن الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياحُ على هواها. صــ 60

▬ إن العديد من خصائص الجماهير الخصوصية من مثل سرعة الإنفعال والنَزَق والعجز عن المحاكمة العقلية وانعدام الرأي الشخصي والروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر، وغيرها، كل ذلك نلاحظه لدى الكائنات التي تنتمي إلى الأشكال الدنيا من التطور كالشخص المتوحش أو الطفل مثلًا. وهذه المقارنة التشبيهية لا أثيرها هنا إلا عَرَضًا. فالبرهنة عليها تتجاوز حدود هذا الكتاب وإطاره. وسوف تكون بلا جدوى بالنسبة للمطلعين على علم نفس الأشخاص البدائيين، وسوف يكون إقناعها ضعيفًا بالنسبة لألئك الذين يجهلونه. صــ 63

▬ إن خلق الأساطير التي تنتشر بمثل هذه السهولة في أوساط الجماهير ليس فقط ناتجًا عن سرعة كاملة في التصديق، وإنما عن تشويه هائل أو تضخيم هائل للأحداث في مخيلة الأفراد المحتشدين (أي الجمهور). فالحدث الأكثر بساطة يتحول إلى حدث آخر مشوه بمجرد أن يراه الجمهور. فالجمهور يفكر عن طريق الصور، والصور المتشكلة في ذهنه تثير بدورها سلسلة من الصور الأخرى بدون أي علاقة منطقية مع الأولى. ويمكننا أن نتصور بسهولة هذه الحالة عن طريق التفكير بالتتابع الغريب للأفكار الذي يقودنا إليه تذكر حدث معين. والعقل يبين لنا عدم تماسك مثل هذه الصور، ولكن الجمهور لا يرى ذلك. فالواقع إنه يخلط بين التضخيم الذي يلحقه بالحدث وبين الحدث ذاته. وبما أنه غير قادر على التمييز بين الذاتي والموضوعي فإنه يعتبر الصورة المثارة في خياله بمثابة الواقعية والحقيقية، وهذا على الرغم من أنها ذات علاقة بعيدة جدًا مع الواقعة المرئية. صــ 67

▬ ليس من الضروري أن تمضي القرون العديدة على أبطال التاريخ لكي تتشكل أسطورتهم ويتم تحويرها بواسطة خيال الجماهير. فالتحوير قد يتم خلال بضع سنوات. فقد شهدنا بأم أعيننا تحول أسطورة أحد كبار أبطال التاريخ مرات عديدة خلال الخمسين سنة الماضية أو أقل. أقصد بذلك نابليون بونابرت. فقد أصبح نوعًا من الشخصيات المثالية والمحبة للإنسانية والليبرالية في ظل حكم سلالة آل بوربون. لقد أصبح صديقًا للضعفاء والفقراء الذين احتفظوا بذكراه تحت أكواخهم لفترةٍ طويلة بحسب أقوال الشعراء. ولكن بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ تحولت صورة هذا البطل الطيب القلب والرحيم إلى نوع من المستبد الدموي المبتز للسلطة والحرية والذي ضحى بثلاثة ملايين رجل من أجل طموحاته في السلطة والمجد. ونلاحظ  الآن أن أسطورته قد أخذت تتحول أيضًا من جديد. وبعد أن تمر عشرات القرون على ذكراه، فإن علماء المستقبل سوف يقفون محتارين أمام كل هذه الروايات المتناقضة عنه وربما شكُّوا في وجوده أصلًا، كما نشك نحن أحيانًا بوجود بوذا. ولا يعودون يرون فيه إلا أسطورة شمسية أو نوعًا من التكبير لأسطورة هرقل. وسوف يتعزون بسهولة عن هذه الشكوك لأنهم سيكونون عندئذٍ أكثر دراية بعلم نفس الجماهير، وبالتالي فيلعمون أنه لا يمكن للتاريخ أن يُخلِّد إلا الأساطير. صــ 73، 74

▬ إن الإستبداد والتعصب يشكلان بالنسبة للجماهير عواطف واضحة جدًا، وهي تحتملها السهولة التي تمارسها. فهي تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلًا من أشكال الضعف. وما كانت عواطفها متجهة أبدًأ نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا بقوة وبأس. وهي لا تقيم تلك النصب التذكارية العالية إلا لهم. وإذا كانت تدعس بأقدامها الديكتاتور المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقرين وغير المهابين. إن نمط البطل العزيز على قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القيصر. فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها، وسيفه يرهبها. صــ 77

▬ أيًا ما تكن الأفكار التي تُوحَى للجماهير أو تُحَرَّض عليها، فإنه لا يمكنها أن تصبح مهيمنة إلا بشرط أن تتخذ هيئة بسيطة جدًا وأن تتجسد في نفوسها على هيئة صور. وليس هناك أي رابط منطقي من النوع القياسي أو المتوالي يربط هذه الأفكار - الصور فيما بينها. فيمكنها بسهولة أن تحل الواحدة محل الأخرى كزجاجات المصباح السحري التي يسحبها العامل الميكانيكي من العلبة حيث تكون مصفوفة فوق بعضها البعض. وهكذا يمكننا أن نجد الأفكار الأكثر تناقضًا تتابع على الجمهور. وبحسب اللحظات وصدفها فإن الجمهور يتعرض لتأثير إحدى الأفكار المتنوعة والمختزنة في عقله، وبالتالي فهو يرتكب الأعمال الأكثر تناقضًا واختلافًا. فانعدام الروح النقدية لديه لا يسمح له برؤية التناقضات. صــ 82

▬ وهكذا نجد أن الأفراد يبرزون بتناقضاتهم الأكثر وضوحًا وسطوعًأ. وهذه التناقضات ظاهرية أكثر مما هي حقيقية، وذلك لأن الأفكار الوراثية هي وحدها القوية والمهيمنة لدى الفرد الواحد، وبالتالي فهي وحدها القادرة على أن تصبح حوافز مؤثرة فعلًا على سلوكه ومحركة له. وفي حالة واحدة فقط يجد المرء نفسه عن طريق التقاطعات متوزعًا بين دوافع وراثية مختلفة، وبالتالي فإن أعماله يمكن أن تكون متناقضة تمامًا من لحظة إلى أخرى. صــ 83

▬ المُحَاجَّات المتدنية للجماهير مرتكزة على الترابط والضم مثلها في ذلك مثل المحاجات العالية للمثقفين. ولكن الأفكار الموصولة ببعضها البعض ليس بينها إلا روابط ظاهرية من التشابه أو التوالي. فهي تتلاحم على طريقة أفكار الأسكيمو الذين يعرفون عن طريق التجربة أن الجليد يشكل جسمًا شفافًا ويذوب في الفم عندما نضعه فيه. وبما أن الزجاج شيء شفاف أيضًا فإنهم يعتقدون أنه يذوب في الفم أيضًا! أو تشبه "منطق" الإنسان المتوحش الذي يعتقد أنه إذا ما أكل قلب عدو شجاع فإنه يكتسب شجاعته، أو منطق العامل المستغل من قبل رب عمل معين فيستنتج من ذلك أن كل أرباب العمل مستغلون. صــ 85

▬ إن الخيال الخاص بالجماهير، كخيال كل الكائنات التي لا تفكر عقلانيًا، مهيأ لأن يتعرض للتأثير العميق. فالصور التي تثيرها في نفوسهم شخصية ما أو حدث ما أو حادث ما لها نفس حيوية وقوة الأشياء الواقعية ذاتها. فالجماهير تشبه إلى حد ما حالة النائم الذي يتعطل عقله مؤقتًا ويترك نفسه عرضة لانبثاق صورة قوية ومكثفة جدًا، ولكنها سرعان ما تتبخر على محك التفكير. ولما كانت الجماهير غير قادرة لا على التفكير ولا على المحاكمة العقلية فإنها لا تعرف معنى المستحيل أو المستبعد الحدوث. ونحن نعلم أن الأشياء الأكثر استحالة هي عادةً الأكثر ادهاشًا وتأثيرًا. ولهذا السبب فإن الجوانب الساحرة والأسطورية من الأحداث هي التي تدهش الجماهير دائمًا وتؤثر عليها. والواقع أن العجيب الساحر والأسطوري هما الدعامتان الحقيقيتان للحضارة. ونلاحظ أن المظهر قد لعب دائمًا في التاريخ دورًا أكثر من أهمية الواقع. فاللاواقعي يهيمن فيه على الواقعي. صــ 86، 87

▬ يقول نابليون: "لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي. ولم أستطع الإستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا. ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبًا من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان"! ربما لم يفهم أي رجل كبير في العالم منذ الإسكندر المقدوني والقيصر كيف ينبغي جذب الجماهير والتأثير على مخيلتها مثلما فهم نابليون. فقد كان همه الأول والدائم الضرب على وترها وإدهاشها. وكان يفكر فيها أثناء انتصاراته وخطبه وخطاباته وفي كل حالاته. وحتى على فراش الموت كان يفكر في الجماهير ومخيلتها. صــ 88

▬ لو أمكن فرض الإلحاد على الجماهير لاتخذت كل ضراوة التعصب الخاص بالعاطفة الدينية، ولأصبحت بسرعة في أشكالها الخارجية نوعًا من الطقس الشعائري. والتطور الأخير للطائفة الوضعية الصغيرة يقدم لنا برهانًا غريبًا على ذلك. فهي تشبه العدمي الذي روى لنا الكاتب العميق دوستويفسكي قصته. فبعد أن أضاءته أنوار العقل يومًا ما، فإنه كسر صور الآلهة والقديسين التي كانت تزين هيكل مصلاه الصغير، وأطفأ الشمعات، وبدون أن يضيع لحظة واحدة فإنه استبدل بالصور الممزقة مؤلفات بعض الفلاسفة الملحدين، ثم أعاد من جديد إشعال الشمعات. لا ريب في أن موضوع عقائده الدينية قد تحول، ولكن هل يمكننا القول فعلًا بأن عواطفَه الدينية قد تغيرت ؟ صــ 94

▬ إن الزمنَ هو الذي يطبخ أراء وعقائد الجماهير على ناره البطيئة، بمعنى أنه يهيئ الأرضية التي سينشأ عليها ويتبرعم. نستنتج من ذلك أن بعض الأفكار التي يمكن تحقيقها في فترة ما تبدو مستحيلة في فترة أخرى. فالزمنُ يراكمُ البقايا العديدة جدًا للعقائد والأفكار، وعلى أساسها تولد أفكار عصر ما. فهذه الأفكار لا تنبت بالصدفة أو عن طريق المغامرة. وإنما نجد جذورها تضرب عميقًا في ماضٍ طويل. وعندما تزهر يكون الزمن قد هيَّأ المجال لتفتحها. وإذا ما أردنا أن نفهم منشأها فينبغي دائمًا أن نرجع في الزمنِ إلى الوراء. فهي بنات الماضي وأم المستقبل وعبدة الزمن دائمًا (أي تابعة له). صــ 103

▬ إن قوةَ الكلمات مرتبطة بالصور التي تثيرها، وهي مستقلة تمامًا عن معانيها الحقيقية. والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكلٍ دقيق هي التي تمتلك أحيانًا أكبر قدرة على التأثير والفعل. نضرب على ذلك مثلًا الكلمات التالية: ديمقراطية، اشتراكية، مساواة، حرية، إلخ.. فمعانيها من الغموض بحيث إننا نحتاج إلى مجلدات ضخمة لشرحها. ومع ذلك فإن حروفها تمتلك قوة سحرية بالفعل، كما لو أنها تحتوي على حل لكل المشاكل. فهي تجمع المطامحة اللاواعية المتنوعة وتركبها، وتحتوي على الأمل بتحقيقها. فالعقل والمحاجات العقلانية لا يمكنها أن تقاوم بعض الكلمات والصياغات التعبيرية. فما إن تُلفَظ بنوعٍ من الخشوع أمام الجماهير حتى تعلو آيات الاحترام على الوجوه وتنحني الجباه بها. والكثيرون يعتبرونها بمثابة قوة من قوى الطبيعة، أو قوى خارقة للطبيعة. فهي تثير في النفوس صورًا مجيدة وغامضة، ولكن الغموض الذي يظللها يزيد من قوتها السرية. ويمكننا أن نقارنها بتلك الآلهة المرعبة المختبئة وراء خيمة لا يقترب منها الرجل الورع إلا وهو يرتجف مرتعشًا. صــ 116

▬ على الرغمِ من كل هذا التقدم الذي تحقق فإن الفلسفةَ لم تستطع أن تقدم للشعوب أي مثال أعلى قادر على أن يجذبها ويسحرها. وبما أن الأوهام تشكل ضرورة حتمية بالنسبة لها فإنها تتوجه بالغريزة نحو الخطباء البلاغيين الذين يقدمونها لها كما تتوجه الحشرة نحو الضوء غرائزيًا أيضًا. والعامل الكبير لتطور الشعوب ما كان الحقيقة أبدًا، وإنما الخطأ. وإذا كانت الإشتراكية تشهد اليوم ازدياد قوتها وانتشارها لدى الجماهير، فذلك لأنها تشكل الوهم الوحيد الذي لا يزال حيًا حتى الآن. فالبرهنة الرياضية والعلمية على خطئها لا تعرقل أبدًا مسارها الصاعد والمتدرج. وتعود قوتها الأساسية إلى أن المدافعين عنها أو حاملي لوائها هم من الجهلة بواقعِ الأمور، وبالتالي فهم قادرون على توزيع الوعود بتحقيق السعادة للإنسان. إن الوهمَ الإجتماعي يسيطر اليوم على كل أنقاض الماضي المتراكمة، والمستقبل له بدون شك. فالجماهير لم تكن في حياتها أبدًا ظمأى للحقيقة. وأمام الحقائق التي تزعجهم فإنهم يحولون أنظارهم باتجاه آخر، سيدًا لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم. صــ 122

▬ ما إن يتجمع عدد ما من الكائنات الحية، سواء أكان الأمر يتعلق بقطيع من الحيوانات أو بجمهور من البشر، حتى يضعوا أنفسهم بشكلٍ غريزي تحت سلطة زعيم ما، أي محرِّك للجماهير أو قائد. ونلاحظ أن القائد يلعب  دوراً ضخمًا بالنسبة للجماهير البشرية. فإرادته تمثل النواة التي تتحلق حولها الآراء وتنصهر فيها. والجمهور عبارة عن قطيع لا يستطيع الإستغناء عن سيد. والقائد كان غالبًا في البداية شخصًا مقودًا منبهرًا بالفكرة التي أصبح فيما بعد رسولها ومبشرًا بها. فقد غزته وهيمنت عليه إلى حد اختفاء كل شيء آخر ما عداها، وكل رأي معاكس لها يبدو له خطأ وخزعبلات. نضرب على ذلك مثلًا روبسبيير المبهور بافكاره الوهمية، والذي استخدم أساليب محام التفتيش من أجل نشرها. إن القادةَ ليسوا في الغالب رجال فكر، ولا يمكنهم أن يكونوا، وإنما رجال ممارسة وانخراط. وهم قليلو الفطنة وغير بعيدي النظر. صـ 127

▬ إن التأكيد المجرد والعاري من كل مُحَاجّة عقلانية أو برهانية يشكل الوسيلة الموثوقة لإدخال فكرة ما في روح الجماهير. وكلما كان التأكيد قاطعًا وخاليًا من كل برهان كلما فرض نفسه بهيبة أكبر. فالكتب الدينية وقوانين كل العصور قد استخدمت دائمًا أسلوب التوكيد المجرد عن كلِ شيء. ورجال الدولة المدعوون للدفاع عن قضية سياسية معينة يعرفون قيمة التوكيد، وكذلك الأمر فيما يخص رجال الصناعة الذين ينشرون سلعهم عن طريق الإعلان. ولكن الإعلان لا يكتسب تأثيرًا فعليًا إلا بشرط تكراره باستمرار، وبنفس الكلمات والصياغات ما أمكن ذلك. كان نابليون يقول بأنه لا يوجد إلا شكلٌ واحدٌ من أشكال البلاغة هو: التكرار. فالشيء المؤكد يتوصل عن طريق التكرار إلى الرسوخ في النفس إلى درجة أنه يُقبَل كحقيقة برهانية. صــ 132، 133

▬ إن الإنسان يشبه الحيوانات فيما يخص ظاهرة التقليد. فالتقليدُ يشكل حاجة بالنسبة له بشرط أن يكون هذا التقليد سهلًا بالطبع. ومن هذه الحاجة بالذات يتولد تأثير الموضة (أو الأزياء الدارجة). وسواء أكان الأمر يتعلق بالآراء أم بالأفكار أم بالتظاهرات الأدبية أم بالأزياء بكل بساطة فكم هو عدد الذين يستطيعون التخلص من تأثيره؟ فنحن نستطيع قيادة الجماهير بواسطة النماذج والموديلات وليس بواسطة المحاجّات العقلانية. وفي كل فترة نلاحظ أن عددًا قليلًا من الشخصيات هي التي تطبعها بطابعها وتؤثر عليها، ثم تقلدهم الجماهير اللاوعية.. صــ 134، 135

▬ إن التاريخ، والتاريخ الأدبي والفني بشكلٍ خاص، هو فقط عبارة عن تكرار لنفس الأحكام التي لا يبحث أي شخص عن مجرد التحقق منها. فكل واحد ينتهي به الأمر إلى تكرار ما سمعه في المدرسة. وتوجد بعض الأسماء وبعض الأشخاص التي لا يجرؤ أحد على المسِّ بها أو بهم. أضرب على ذلك مثلًا أعمال هوميروس. فهي مضجرة جدًا بالنسبة للقارئ الحديث ولكن من يجرؤ على قول ذلك؟ وقصر البارتينون مثلًا ليس في حالته الراهنة إلا أنقاضًا خالية من أيةَ أهمية، ولكنه يمتلك هيبة عالية إلى درجة أننا لم نعد نراه إلا من خلال موكب الذكريات التاريخية التي ترافقه. والخاصية الأساسية للهيبة هي أننا لا نعود نرى الأشياء كما هي عليه في الواقع، فتنشلَّ بذلك قدرتنا على المحاكمة والتقييم. فالجماهير بحاجةٍ دائمًا إلى الأفكار الجاهزة، وكذلك الأفكار بحاجةٍ إليها في الغالب. ونجاح هذه الأفكار مستقل عن جزء الحقيقة أو الخطأ الذي تحتوي عليه. إنه يكمن فقط في هيبتها وحظوتها. صــ 138

▬ إن التقليد هو في الأغلب الأعم لا واعٍ، وهذا هو بالضبط الشيء الذي يجعله كاملًا. فالرسامون المحدثون الذين يقلدون الألوان الباهتة لبعض البدائيين ومواقفهم المتصلبة لا يشكّون مطلقًا بمصدر إلهامهم. فهم مؤمنون بأنهم صادقون في تجربتهم. ولولا أن أحد العلماء الكبار لم يكشف عن هذا النوع من الفن لاستمرينا في النظر إليه من خلال جوانبه الساذجة والمتدنية. وأما أولئك الذين يقلدون المشاهير من المجددين ويغرقون لوحاتهم بالظلال البنفسجية فإنهم لا يرون في الطبيعة ألوانًا بنفسجية أكثر مما كان موجودًا قبل خمسينَ سنة، ولكنهم مُحرَّضون على ذلك من قبل الانطباع الشخصي والخصوصي لفنان عرف كيف يكتسب هيبة وشهرة كبيرة... والهيبة الشخصية تختفي دائمًا مع الفشل. فالبطل الذي صفقت له الجماهير بالأمس قد تحتقره علنًا في الغد إذا ما أدار الحظ له ظهره.. فروبسبيير الذي أمر بقطع رؤوس زملائه وعدد كبير من معاصريه كان يمتلك هيبة شخصية ضخمة. وعندما نقصه بعض الأصوات فقط فَقَدَ رأسَه هو الآخر وتبعته الجماهير إلى المقصلة بنفس اللعنات التي لاحقت بها ضحاياه بالأمس. فالمؤمنون يحطمونَ دائمًا بنوعٍ من الهيجان تماثيل آلهتهم السابقة. صــ 143

▬ لقد أحست الشعوب دائمًا بفائدة تشكيل العقائد الإيمانية العامة وفهمت عن طريق الغريزة أن تلاشيها يعني بداية انحطاطها. والعبادة المتعصبة لروما كانت هي العقيدة الإيمانية التي جعلت من الرومان أسيادًا للعالم. ولكن ما إن ماتت هذه العقيدة حتى انهارت روما. ولم يستطع البرابرة الذين دمروا الحضارة الرومانية أن يتوصلوا إلى بعض التماسك والخروج من حالة الفوضى إلا بعد أن اكتسبوا بعض العقائد المشتركة. صــ 147

▬ يمكن تقسيم فئات الجماهير المختلفة التي نستطيع العثور عليها لدى كل شعب على الطريقة التالية: أ- جماهير غير متجانسة: 1-جماهير مُغْفَلة (كجماهير الشارع مثلًا). 2- جماهير غير مغفلة (كهيئات المُحلَّفين، والمجالس البرلمانية، إلخ...). ب- جماهير متجانسة: 1- الطوائف (الطوائف السياسية، الطوائف الدينية، إلخ..). 2- الزُمَر (زمرة عسكرية، زمرة كهنوتية، زمرة عملية، إلخ..). 3- الطبقات (الطبقة البرجوازية، الطبقة الفلاحية، إلخ..). صــ 158

▬ لا أحد يستطيع أن يجحد أن الحضارات هي من صنع أقلية صغيرة متفوقة تشكل قمة الهرم الإجتماعي. وتتسع طبقات هذا الهرم كلما نزلنا نحو القاعدة ويتوافق ذلك مع تناقض القيمة العقلية لكل طبقة سفلى بالقياس إلى الطبقة العليا حتى نصل إلى القاع. وهذه كلها تشكل الطبقات العميقة لكل أمة. وعظمة حضارة ما لا يمكن أن تعتمد على تصويت العناصر الدنيا من الأمة، فهذه لا تمثل إلا الكثرة العددية. لا ريب في أن تصويت الجماهير لا يزال خطر حتى الآن. فهو الذي جلب علينا غزوات عديدة. وإذا ما انتصرت الإشتراكية فإن نزوات السيادة الشعبية سوف تكلفنا ثمنًا غاليًا أيضًا، بل وأغلى من السابق. صــ 179


▬ الخطيب المجهول يصل إلى البرلمان بخطاب مليء بالحجج العقلانية الجيدة ولكن ليس له أي حظ في أن يُستَمع إليه إذا اكتفى بذلك.. وقد كتب نائب سابق هو السيد ديكوب السطور التالية وقدم لنا صورة عن الخطيب الذي لا يتمتع بهيبة شخصية. قال: "عندما جلس على المنصة أخرج من حقيبته إضبارة ونشرها بتؤدةٍ أمامَه وابتدأ الكلام بكلِ ثقة. وشعر بالزهو لأنه نقل إلى نفوس السامعين تلك القناعة التي تعمر صدره. ثم درس حججه وأعاد دراسته مرارًا وتكرارًا، وكانت مليئة بالأرقام الدقيقة والبراهين. وكان واثقًا من أنه على حق. وكل اعتراض على البراهين التي يقدمها راح يبدو عبثًا لا معنى له. وابتدأ كلامه وكله ثقة بأحقية موقفه وبمقاصد زملائه أيضًا، هؤلاء الزملاء الذين ينتظرون شيئًا واحدًا هو: الإنحناء أمام هذه الحقيقة. وراح يتكلم ويتكلم، ولكنه دهش فجأة لصدور حركة عن القاعة وشهر بالإنزعاج لهذه الضوضاء الصادرة. راح يتساءل: لماذا لا يستتب الصمت؟ لم هذه اللامبالاة العامة تجاه خطابي؟ بم يفكر إذن أولئك النواب الذين يتحدثون فيما بينهم؟ ما الباعث الملح إلى مثل هذا الحد والذي يجعل النائب الفلاني يترك مكانه؟ وهكذا خيم القلق على جبينه، وقطَّب حاجبيه وسكت. ثم شجعه الرئيس فانطلق من جديد ورفع صوته. ولكن إصغاءهم له انخفض أكثر. فشدد لهجته وراح يهيج ويثور، ولم ينفه ذلك في شيء فقد ازدادت الضجة حوله. ولم يعد يسمع حتى نفسه فتوقف من جديد. ولكنه خشي من أن يؤدي صمته إلى إثارة الصرخة المشهورة: أُقفِلت الجلسة! فانطلقَ بقوةٍ من جديد، ولكن الضوضاء أصبحت لا تُحتَمل". صــ 190، 191

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS