اتجاهاتُ الفلسفة ِالآسيوية المعاصرة (علي محمد مبروك، هالة أبو الفتوح)


• يوجد في عالمِ اليوم ما يكفي من الأديان لكي يكره الناس أحدهم الآخر، ولكن لا يوجد ما يكفي من الروح الدينية لتلهم البشر بأن يحب أحدهم الآخر. ص9
• غالبًا ما تصف الهندوسية الله بأنه جوهرة انعكاس الرغبات؛ إذ يجد فيه كل إنسان انعكاسًا لمثاله الخاص عن الحقيقة والخير والجمال. ص10
• الطقوس والميثولوجيا والفلسفة عوامل ضرورية للتطور الديني فهي بمثابة القشور التي تحمي لب الحقيقة الدينية واللب هو الجزء الأساسي من البذرة ولكنه دون القشرة عندما يظهر البرعم تسقط القشرة وعندما يبدأ المرء بالغوص عميقًا في بحثه عن الله يستبعد من الطقوس والميثولوجيا والفلسفة ما هو غير ضروري. ص13
• لقد أعيت الروحُ أذكى العقولِ في التاريخ فاحتضنت العقل البشري وآمن بها دون أن يدركها ويكشفُ مكنونها. ولذلك نجدُ أن الثقافاتِ الكبرى وقفت أمام معضلات لا تحصى أثناء تناولها قضايا الروح. كما لو أنها تكشفُ عن الحقيقةِ القائلة إن البحثَ عن الروحِ هو عينُ البحثِ عن اليقين؛ وهنا يكمنُ مصدر الشك واليقين، القلقُ والثبات، وهي الحالة التي يجد الإنسان دومًا نفسه فيها عندما يقف أمام تلك القضية التي ترهق عقله والتي تؤكد على العدم هو مصير الإنسان أينما كان. ص18
• نحن مجرد ظلال وهمية للمطلق، والظلُ ليس له وجود حقيقي ومع ذلك، ليس عدمًا.. العالم ظل للحقيقة ولذلك يتعلق به الحمقى. (سوامي فيفي كاناندا) ص31
• كل هذا الجهل يمكن التخلص منه، فقط عندما أدركُ أنني والإله شيء واحد. (سوامي فيفي كاناندا) ص32
• الحريةُ ليس مما يُمنع أو يُمنَح للإنسان وفقًا لظروفه وأحواله، كما أنها لا تُكتَسبُ حسبُ جدارةٍ علمية أو أخلاقية أو حتى التزام ديني؛ ذلك لأن الحرية هي ماهية الروح. إننا نعثرُ في أعماقنا على معنى الحرية والكمال، لأن الإله الذي يشكلُ حقيقتنا يحركُ فينا ذلك السعي حتى نُحقق مقولةَ (الكل في واحد). ص56
• إذا كان الإحلال البشري قد نجح بشريًا وثقافيًا في خلق امتداد حقيقي لأوروبا في العالم الجديد فإن الإحلال الثقافي في العالم القديم لم يفلح إلا في إنتاج أوروبا شائهة أو بالأحرى استهلاكها والسعي الدؤوب إلى استنساخها. ص134
• إن طبيعة الإنسان والموجودات هي ذاتها طبيعتي، لكن عندما يتم منح كل موجود بمنحة مادية مختلفة وصورة فيزيقية كذلك، عندئذ يحدث الاختلافات. (تشوهسي) ص204

▬ غالبًا ما كان راما كريشنا يصف التجارب الدينية المختلفة بأنها ألحان موسيقية مختلفة. ذات يوم، وبينما كان يستمع إلى حفلٍ موسيقي، قال لأحد القادة الدينيين الذي كان يرفض الديانات المختلفة عن ديانته "هل تسمع كم هي شجية هذه الموسيقى؟ أحد العازفين يصدر صوتًا رتيبًا على مزماره بينما يبدع الآخر موجات لحنية بطرقٍ متنوعة. لماذا أنتج صوتا رتيبًا عندما أمتلك آلة لها سبعةً ثقوب؟ لماذا أردد "أنا هو، أنا هو "فقط؟ أريدُ أن أعزف ألحانًا مختلفة على آلتي ذات الثقوبِ السبعة لماذا أكتفي بقول "براهما! براهما!"أريد أن أتحد مع الله من خلال علاقاتٍ مختلفة. وقال في مناسبةٍ أخرى متوجهًا إلى بعضِ أعضاء مذهب ديني يؤمن بإله مجرد من الشكل: "إننا جميعًا ننادي بالله ذاته. لذلك يجب التخلي عن الأنانية والمكر. بعضهم يقول إن الله مجرد من الشكل وبعضهم الآخر يقول إن اللهَ أشكالًا. أقولُ فليتأمل المرء في اللهِ ذي الشكلِ إن كان يؤمنُ بالشكلِ وليتأمل الآخرُ في اللهِ المجرد من الشكلِ إن كانَ لا يرمنُ بأيِ شكل. ما أعنيه أن التعصب شيء، من السيء  أن أشعر أن ديانتي وحدها دين حق وأن الدياناتُ الأخرى محقة أو مخطئة، حقيقة أو مزيفة. أقول هذا لأن المرء لا يستطيع أن يعرف الطبيعة الحقيقية لله إلا إذا نجح في تحقيقه. هل تعلمون ما هي الحقيقة؟ لقد خلقَ اللهُ أديانًا مختلفة لتلائم التواقيت والأزمنة والبلدان على اختلافها، العقائد دروب عديدة ولكن أيًا منها لا يمثل الله بذاته. بالتأكيد يستطيع المرء بلوغ الله إذا اتبع بإخلاص أي طريق من الطرق. وإذا افترضنا أن هناك أخطاء في الديانة التي قبلها المرء، صحح له الله هذه الأخطاء، إن كان صادقًا ومجتهدًا. صــ 7، 8

▬ نجحت طبقة البراهمة في تحديد غاية الوجود في ذلك السعي الروحي لإدراك المطلق في ذاته، ذاتًا وصفاتًا، إذ أن من عرف هذه الذات وتلك الصفات وسعى لتحقيقها نال النعيم والخلود، الذي لا يعقبه ميلاد ولا شقاء ولا موت. الأمر الذي أدى إلى ظهور الدعوى لإنكار العالم وإرادة الحياة ومن ثم هيمنة نزعة الزهد والتقشف على الفكر الهندي بمختلف تياراته. ومن اللافتِ أن هذه الغاية الروحية قد كُتِبَ لها السيادة والهيمنة على الفكر الهندي القديم والحديث ليس فحسب بين التيارات والمذاهب التي دعمت سلطة البراهمة ولكن أيضًا بين المذاهب التي اختلفت معها فكريًا. وكأن الخلاف مع البراهمة لم يكن خلافًا فقهيًا أو عقائديًا بقدر ما كان خلافًا سياسيًا أو - إذا جازَ لنا ذلك - سلطويًا.. وهكذا سعت السلطة إلى تحويل المجتمع الإنساني إلى مجتمع روحاني أي إلى أرواح تسعى في الأرض بلا رغبات ولا شهوات ولا أماني تخص هذا العالم أملًا في أن تشارك المطلق الإلهي، ولذلك يبدو أن تاريخ الإنسانية لم يشهد هذه القسوة في إهمال البدن في مقابل المغالاة في الاهتمام بالروح وبضرورة هيمنة هذه الروح على كل جوانب الحياة اليومية كما حدث في الهند. صــ 21

▬ [...] ومن ثم فإن ما نراه في واقعنا المعيش ليس هو الإنسان الحقيقي، الإنسان في ذاته، إنما هو الإنسان الظاهري المنفصل عن حقيقته بفعل الجهل أو الوهم. وهذا يعني أنه يقدم تصورًا للعلاقة بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية، حيث أصبح الإله والإنسان وحدة واحدة، فاللامتناهي يتجلى دومًا في المتناهي، ولهذا يجب على كل إنسان أن يعي حقيقته الإلهية ويعمل على إظهارها بحيث تصبح الإنسانية كلها تجليًا للإلهي وهو ما يخالف الوعي الديني المسيحي الذي عبر عن وحدة الإلهي والإنساني في إطار تجسد المسيح فقط، حيث اتحد فيه اللاهوت والناسوت وهو ما يرمز إلى استعادة العلاقة التي فسدت بفعلِ الخطيئة. والسؤالُ الآن: هل حقًا كان المعلم الروحي فيفيكانندا يعني ما يقول بأن كل روح إلهية على نحوٍ كامن؟ أم أنها مجرد دعوة للثقة في الروح الإنسانية التي أرهقها الزهد وحط من شأنها التسول؟ صــ 27

▬ إذا كانت الكلاسيكيات قد حسمت علاقة اللامتناهي بالمتناهي، المقدس والدنيوي، عبر قضية "الإتمان" الذي هو جزء أو نفحة من البراهمان، فإن فيفيكانندا قد رفض فكرة أننا جزء من المطلق، حيث المطلق كل لا يتجزأ، رغم أنه يبدو أنه قابل للتجزئة عندما ننظر إليه في إطار الزمان والمكان  والسببية. أما عندما نتجاوز هذا العالم الحسي فنحن هو. ومن ثم فإن فكرته عن أن الأرواح مجرد تجليات وهمية للواحد المطلق، كانت من أجل التأكيد على أنه لا يوجد سوى المطلق الذي يمكن إداركه فيما وراء التعدد الظاهري. ولعل ذلك يرجع في الحقيقة إلى أن تعدد الأراوح يتناقض مع إيمانه بقضية محورية لديه، ألا وهي وحدة الوجود والتي أزعم أنها لم تكن مطروحة عبر الكلاسيكيات. وهكذا كانت قضية الظل نقطة انطلاق للتوحيد بين العلة والمعلول حيث لا يوجد اختلاف بين المطلق وما يصدر عنه، إذ إن الاختلاف يبدو فقط خلال هذا العالم، فالعلة لا تختلف عن المعلول، فأنا هو، ومن يرى أن ثمة اختلافًا بين الإله (العلة) والإنسان (المعلول) فهو واهم.. وفي الحقيقة فإن فيفيكانندا كان أكثر إخلاصًا للتصور الذي يذهب إلى أن كل الأرواح انعكاسًا لحقيقة واحدة، وذلك للحفاظ على غاية أعم وأشمل يريد أن يدشنها ليس داخل الهند بمذاهبها المتنوعة فحسب، بل أيضًا داخل العالم كله، ألا وهي وحدة الإنسانية كلها استنادًا إلى وحدة الروح، ومن ثم التأكيد على المساواة بين البشر، ثم الانتقال منها إلى وحدة الوجود كله. أما تصور أن كل روح إلهية قد تنطوي في ذاتها على ما يدمر هذه الوحدة المنشودة، ولكن إذا كنا جميعًا ظلالًا لحقيقةٍ واحدة وأن المطلق متحقق فينا جميعًأ دون فرق بين شعبٍ وآخر، أو بين طبعة وأخرى، كيف يمكن تفسير الاختلاف فيما بيننا؟. يرجع فيفيكانندا هذا الاختلاف إلى أن تجلي المطلق بين البشر يتحقق على نحوٍ متفاوت بحيث يختلف هذا التحقق من شخصٍ لآخر، غير أن هذا الاختلاف  ليس اختلافًا في النوع بقدر ما هو اختلاف في درجةِ التجلي أو الظهور، وعليه فلا يوجد فرق بين الآثم والقديس سوى في درجة التجلي، فكلاهما إله ولكن نجح أحدهما في تحقيق ألوهيته، بينما فشل الآخر. صــ 33 ، 34

▬ كثيرًا ما يوظف فيفيكانندا في هذا السياق أقوال السيد المسيح كنموذج يؤكد من خلاله على أن للدينِ خطابان، خطابٌ للعامة، التي هي دائمًا في احتياج إلى كل ما هو ملموس ومدرك بالحواس، والآخر للخاصة (الصفوة) التي تبحث عن أشياء تسمو على المادة بل ويناضلون من أجل ذلك. ولهذا يرى أن الإنسان قبل أن يحقق تلك المعرفة الصوفية نخاطبه بعبارة (صلِ لأبيكِ الذي في السماء). ولكن بعد أن يصل إلى أعلى درجات الوعي الروحي حيث لا يرى فرقًا بين الأشياء من حوله، وعندما يدرك الألوهية التي هي طبيعته الحقة، وعندما يعي مقولة أنا وأبي حقيقةً واحدة، يتعلمها ثم يكررها على نفسه ويتأملها حتى تمتزج بكل قطرة من دمائه وتختلط بأقواله وأفعاله، وعندئذٍ يقول له المسيح (مملكة السماء في داخلك).. وهكذا لم يعد العالم منقسمًا إلى مملكتين، مملكة السماء ومملكة الأرض، الأولى يطمح المؤمن إليها والثانية يعيشها العامي الذي يجهل الحقيقة ويستمتع بلذتها الوقتية ورغباته الزائلة، وإنما أصبحت مملكة السماء من نصيب العامة، التي تضع عالمًأ آخر مقابلًا لعالمنا الدنيوي، يسمو عليه ويجعل السماء مقرًا لها، أما العالم الآخر وهو عالم الصفوة فهو عالم الذات، الذي يوجد في أعماق كل منّا، هو عالم الروح حيث التوحد مع الكل. صــ 39

▬ إننا جميعًا نحيا في هذا العالم ونرى أن التغير يهيمن على كلِ شيء ومع ذلك فنحن نتعلق به ونظن أنه ثابت، فالأشياء تظهر ثم تختفي ولا يبقى شيء، ولا يستطيع أحد أن يوقف هذا التدفق وتلك الصيرورة ومع ذلك فنحن نتعلق بتلك الأشياء ونحزن عندما تختفي. فنحن نرى الموت في كلِ لحظة ونرى الحزن والألم يعقب كل شعور بالسعادة، ورغم ذلك نسعى دائمًا لتناسي هذا الأمر، إننا نسعى لخلق نمط من السلوان لأنفسنا وذلك عبر الاستغراق في كل أشكال المتع، والتي بالضرورة تولد قدرًا مساويًا من الألم، وتلك هي المايا، (الجهل)، ولهذا فإن الاستغراق في خلق مزيد من المباهج الحسية بجانب المعاناة التي نصطدم بها يؤديان إلى مزيد من الاغتراب عن حقيقتنا الخالدة. فكلاهما له ذات التأثير في تشكيل الحجاب الذي يحجب عنا الحقيقة، وكلاهما يجعلنا عبيدًا للمايا، ومن ثم يزداد تعلقنا بالجسد والعالم المادي، فلا نعود نرى الإله لا في الداخل ولا في الخارج. صــ 47

▬ في الوقت الذي يقلل فيه فيفيكانندا من قيمةِ المعرفة العقلية وما تشمله من عمليات التفكير والتعقل إلا أنه يُعلي من شأنٍ التأمل باعتباره النقطة التي تمثل الانفصال عن العالم المادي وتجاوز الواقع المعيش عبر الاستغراق في مقولات تتجاوز كل ما هو ظاهر، حيث أن جوهر المعرفة يكمن في التجاوز بل والتخلي عن العالم المادي وهذا هو دور التأمل وليس دور التعقل، لأن التعقل يتعلق دائمًا وبشكلٍ ما بما هو محسوس. صـ 59

▬ إنَّ جمع الأفغاني بين السلطتين (الدينية والسياسية) قد كان بمثابة إرهاصٍ بما سوف تنتهي إليه لاحقًا فيالق الإسلام السياسي من اعتبار أن "السلطة السياسية" هي أحد الأصول الهامة التي لا قيام للدين من دونها؛ وبحيث راحت "الدولة" تأخذ موقع الشرط اللازم لإكمال إقامة الدين؛ بل إنه راح يجري اعتبارها ركنًا جوهريًا من أركانه. حيث إن ثمة من سيمضي من الجماعاتِ المتأخرة - كجماعة التكفير والهجرة" المصرية مثلًا - إلى تعليقِ أداءِ بعضِ العباداتِ والفروضِ الواجبةِ على المسلم - كصلاةِ الجمعة - طالما أن "الجماعة المسلمة" لم تبلغ حد "التمكين" في الدولة؛ وبمعنى أنها لم تُمسكُ بدولابِ السلطة بعد. صــ 112


▬ رغم أن الفكر الصيني عامة والكونفوشية خاصة يعدا - إلى حدٍ ما - من أكثر الأنساق وضوحًا وموضوعية في القضايا التي يتم تناولها نظرًا لتحررهما من الطابع المجرد وتعلقهما بالواقعِ المعيش، حيث اصطبغا بالطابع العقلي العملي، فإن البوذية - مع دخولها إلى الصين - قد أخذت الفكر الصيني إلى منعطفٍ بات فيه أكثر انشغالًا بالقضايا المجردة؛ وبما ترتب على ذلك من ازدياد مساحة الغموض في معالجة القضايا المثارة بسبب صعوبة التمييز بين الفيزيقي والميتافيزيقي فيها [..] وهكذا فإن التأسيس الميتافيزيقي الذي أعاد إحياء الكونفوشية في سياقه لم يتسبب في انكماش الدور الإنساني في الكون، أو الإقلال من قيمةِ عالمنا الدنيوي لصالح عالمٍ آخر، بل على العكس من ذلك فقد أدى العنصر الغيبي إلى انفتاح الممكن الإنساني على آفاق تتجاوز ما هو ملموس ولكنه يقوم ضمن حدود عالمنا الواقعي. فما زال العالم الدنيوي هو الحيز المكاني الوحيد المتاح أمام الإنسانية لكي تحقق وجودها المثالي تأكيدًا لاعتقادهم بأنه أفضل العوالم الممكنة. صــ 189 ، 190

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

حيونةُ الإنسان (ممدوح عدوان)

• لقد بذل الجانب "البشري" الاستغلالي المسيطر جهودًا كبيرة لإخفاء توحشه، ولبست جهود كثيرة منها لبوس العلم أو الدين. ص46
• توفير حاجات الرفاه والابتعاد عن الجهد العضلي واستنباط متع جديدة (غير حسية) في الأدب والموسيقى والفنون الأخرى، وتربية النشء الجديد تربية حضارية تساعد، كلها على الابتعاد عن الوحش (الكامن في الإنسان) وعلى تقليص دوره تدريجيًا حتى إفنائِه. ص58
• تاريخُ الإنسانِ المقموع، وهو الغالبيةُ العُظمى من البشر، هو تاريخُ الإنسانِ المتحولِ إلى شيءٍ آخرَ غير الإنسان. هو تاريخ تشويه الإنسان وتزويره. ص77
• مجتمعاتُ القمعِ هي المجتمعاتُ التي تضعُ هدفَها أنه لا بد من أن يتغير شيء ما في الإنسان لضمانِ انصياعه التام والدائم. ص93
• الشخصُ الذي يأنف في أعماقهِ من السرقة والقتل والاعتداء قد يرى نفسه وهو ينفذ هذه الأفعال بشيء من اليسر حين يؤمَرُ بفعلها من قِبَل سُلطة معينة. ص94
• حين تسكت عن حقك الواضح، بسبب الخوف غالبًا، فإنك لن تتوقع من الآخر أن يحترم لك هذا الحق، سيتصرف في المرةِ القادمة وكأن التطاول على حقوقك من المسلمات. ص104
• إن الذي حول الوحوش الضارية إلى مخلوقات مسلية في السيرك، وجعل الفيلة تقف على رؤوسها، والأسود تقفز كالبهلوانات، قد اكتشف أنه يستطيع أن يجري التحويل ذاته على الإنسان، حوله إلى مخلوق مسلوب الإرادة. ص105
• لا بد لنا أن ننتبه إلى الازدواجية المرعبة في بعض المجتمعات القائمة على العنف، فالأرستقراطية البيضاء التي تسمع الموسيقى الكلاسيكية، والتي يغمى عليها إذا شاهدت فأرًا، هي نفسها التي تعلق رؤوس الحيوانات في صالونها، وإلى جانب هذه الرؤوس فروات رؤوس هنود حُمر. ص106
• إن المقموعين تاريخيًا، حين يجدون متنفسًا ويتوصلون إلى سلطة ما، فإنهم يريدون أن ينتقموا داخل نفوسهم من كلِ مشاعر الخوف والتذلل التي عرفوها، ولذلك يصبحون أشد قسوة من مضطديهم.. ص112

▬ كم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني وإحساسنا بإنسانيتنا حتى صرنا نتعود الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟! وحتى صرنا نقبل هذا العنف والتعامل غير الإنساني الذي نُعامل نحن به أو يُعامل به غيرنا على مرأى منا في الحياة أو حين نقرأُ عنه أو نراه على شاشات التلفزيون. (وسنتجاهل أننا نحن نعامل غيرنا أحيانًا بهذه الطريقة: أولادنا أو مرؤوسينا أو الذين يقعون بين أيدينا من أعدائنا مثلًا، أو السجناء الذين بين أدينا، مفترضًا أن بعض من يقومون بهذه المهمات يمكن أن يقرؤوا ما أكتب). وينعكس تعودنا على هذا الإذلال في أننا صرنا نعد أن تعذيب السجين أمر مفروغ منه. لم نعد نساءل عن أثر ذلك التعذيب في السجين الضحية، حتى بعد خروجه من السجن، كما أننا لم نعد نتساءل عن أثر التعذيب في منفذه. وهل يستطيع بسهولة أن يعود إلى حياته اليومية العادية بعد خروجه من غرفة التعذيب، كما لو أنه خرج من المرحاض لكي يستأنف حياته. صــ 13

▬ يشيرُ كتاب "التعذيب عبر العصور" بحذر إلى استمتاعنا جميعًا برؤية مشاهد العنف والقسوة في السينما والتلفزيون والأدب. وهناك الجلاد الذي يعذب ضحاياه وهو لم يعد يريد معلومات أو اعترافات، يعذب ليستمتع. وهناك تجارة "فنية" واسعة تقوم على تسويق أفلام تحتوي على نحو أساس على التعذيب. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى آخر ما توصلت إليه هذه التجارة التي تقوم أصلًا لإرضاء أذواق مستهلكيها، وهي تجارة الأفلام المهربة، وهذه أفلام لا يمكن لأي سلطة مهما كانت بدائية أو متحضرة أن تسمح بعرضها على جمهورها، أي لا يمكن لها أن تتحمل مسؤولية الاعتراف بأن الناس، لديها، يستمتعون بهذه الوحشية. ولكن بالمقدار ذاته لم تستطع أي سلطة منه تهريبها، ولهذا تظل التجارة قائمة، وتُرصد لها الملايين لكي تجني منها الأرباح بالمليارات. ما يعني استمرار وجود من "يستهلكونها، أي يستمتعون بها.. صــ 39 ، 40

▬ إن اللغة، هنا، تبدو فقيرة، وحين نضطر لاستخدام كلمات "وحش" و "وحشي" و "متوحش"؛ فإننا نتواطأ مع جنسنا البشري لكي نظلم الوحوش. فقد دلت الأبحاث والتجارب على أن ما نصفه بالوحشية هو سلوك خاص بالإنسان. وإيريك فروم يقول إن الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة كونه قاتلًا، لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفرادًا من بني جنسه ويعذبهم، دونما سبب بيولوجي أو اقتصادي، ويحس بالرضى التام من فعل ذلك. وفي كتاب "التعذيب عبر العصور" ترد هذه الفقرة الهامة في التمييز بين الإنسان والحيوان: "فالوحوشُ لا تقتلُ المخلوقات الأخرى من أجل الابتهاج والرضى فقط، والوحوش لا تبني معسكرات اعتقال أو غرف غاز، ولا تعذب الوحوش أبناء جنسها إلى أن تهلكم ألمًا، ولا تستنبط الوحوش متعة جنسية منحرفة من معاناة أقرانها وآلامهم". صــ 49 ، 50

▬ في دراسةٍ عن الاغتصاب، نشرت مجلة التايم العدد (5 أيلول/ سبتمبر 1983م)، ومن خلال بحث بين مرتكبي جرائم الاغتصاب أن الجنس ليس وحده ما يحرك المغتصب، بل "الاغتصاب هو التعبير الجنسي عن العدوانية"، وتبين أن معظم هؤلاء المغتصبين ينظرون إلى الفعل الجنسي ليس فقط على أنه مفرج عن الكبت؛ بل على أنه يحط من قدر الطرف الآخر. وهم بهذا نتاج لثقافة تؤكد على هذا الرأي. ومن ثم فإن المغتصب يستخدم الجنس كسلاح للحط من قدر المرأة (أو قومها)، أو كما يقول أحدهم: "الطريقة الوحيدة التي تجعلني أحس بأنني أفضل منها هي أن أجعلها تحس هي بأنها أسوأ منها". صــ 51 ، 52

▬ إذا نظرنا إلى الجانب الأفضل من الإنسان وتاريخه نستطيع أن نستنتج أن تاريخ "تطور" البشرية هو تاريخ محاولات الإنسان الابتعاد عن هذا الوحش الكامن في أعماقه، أو عدم السماح له بالنمو على أمل التواصل إلى التخلص منه نهائيًا. وهذا الوحش الذي صار قابعًا في الأعماق مشكلة أساسية من المشكلات التي حاول رجال الفكر والأدب معالجتها، والتي حاولت الأديان ترويضها بالدعوة إلى التسامح والمحبة والإخاء. صــ 53

▬ الإنسان نفسه كما يقول جوزيه دي كاسترو في كتابه الهام والخطير "جغرافية الجوع"، فهو خبير تغذية في الأمم المتحدة، "إذا تسلط عليه الجوع التام صار سلوكه من العنف مثل سلوك الحيوان تمامًا... والجوع يهدم الشخصية ويقضي على التجاوب الطبيعي بين الإنسان وجميع مؤثرات البيئة التي لا تمت بصلة إلى إشباع غريزة الأكل. أما العوامل الأخرى التي تصوغ السلوك البشري فلا يبقى لها أثر، وكذلك دوافع المحافظة على الحياة وتحكم العقل تختفي بالتدريج إلى أن ينتهي بانعدام كل حذر وكل وازعٍ من ضمير، وعندئذ يستحيل الإنسان، كما يقرر شبنجلر، أكثر مما يستحيل في أي وقتٍ آخر، إلى حيوانٍ ضارٍ..". صــ 93

▬ كل نظام استبدادي يطرح هذه الظاهرة الخطيرة. إن صلاحيات الجلادين المذعورين الراغبين في الانتقام من ماضيهم لا تقتصر على الزنزانات، بل إن هؤلاء الجلادين ينقلون زنزاناتهم وسياطهم ووحشيتهم معهم أينما تنقلوا ويحولون المجتمع كله إلى زنزانة واحدة كل إنسان فيها معرض للضرب والإذلال والإهانة والسلب في أي لحظة، ومن دون سبب واضح بالضرورة. وهؤلاء الذين ينشرون الذعر يشعرون، بوعي أو من دون وعي، بأنهم يتحركون ضمن مجتمع مذعور، فتظل غرائزهم العدوانية مستيقظة ومستمتعة بذلك الذعر الذي يسود المجتمع. صــ 113، 114

▬ هناك مقولة تكرر الأيام إثبات صحتها، وهي أن مجتمعات القمع، القامعة والمقموعة، تولِّد في نفس كل فرد من أفرادها ديكتاتورًا، ومن ثم فإن كل فرد فيها، ومهما شكا من الاضطهاد، يكون مهيأً سلفًا لأن يمارس هذا القمع ذاته الذي يشكو منه، وربما ما هو أقسى وأكثر عنفًأ، على كل من يقع تحت سطوته، فالمثل المحتذى متوفر أمامه كل يوم في من يضطهدونه، وهو شاء أم أبى يرى فيهم ما يمكنه أن يقلده، ولهذا يتبين أن الموظف الضعيف الهزء والمسخرة له أنياب لا تقل حدة وإيذاء عن أنياب من يهزؤون منه ويسخرون أو يسخرون منه، ولا تظهر هذه الأنياب، أنيابه، إلا حين تتاح له الفرصة للترقي الوظيفي، وحين يصبح آمرًا على آخرين يستطيع أن يضرهم وينفعهم. صــ 147

[كُتُب يمكن الرجوعُ إليها]

1- التاريخ الطبيعي للاغتصاب (روندي ثورنيل و كريغ ت)
2- تاريخ الشيطان (وليام وودز)
3- التعذيب عبر العصور (بيرنهاردت هروود)
4- رواية "العسكري الأسود" (يوسف إدريس)
5- مسرحية "الرجلُ الذي صارَ كلبًا" (أوزفالدوا دراغون)
6- رواية "الناسُ والسراطين" (جوزيه دي كاسترو)
7- جغرافية الجوع (جويه دي كاسترو)
8- طاعة السلطة، نظرة تجريبية (ملغرام)
9- التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور (مصطفى حجازي)
10- دفاعًا عن الجنون (ممدوح عدوان)
11- المتنمر تحت النظر (تيم فيلد)
12- في أصلِ العنفِ والدولة (علي حرب)
13- اغتصاب الجماهير بالدعاية السياسية (سيرج تشاكوتين)
14- الطاغية (إمام عبد الفتاح إمام)
15- رواية "مزرعة الحيوانات" (جورج أورويل)
16- رواية "1984" (جورج أورويل)

17- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد (عبد الرحمن الكواكبي)

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

سيكولوجية الجماهير (غوستاف لوبون)، ترجمة (هاشم صالح)


• إن معظم القواعد والقوانين الخاصة بحكم البشر وقيادتهم والتي استخلصها ماكيافيلي لم تعد صالحة منذ زمنٍ طويل. وعلى الرغم من مرور أربعة قرون على هذا الرجل العظيم فإن أحدًا لم يحاول إكمال عمله. (في كتابه "علم النفس السياسي")
• لقد كانت الحضارات قد بُنِيتْ ووجهت حتى الآن من قبل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تُبنَ أبدًا من قبل الجماهير. فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير. كما أن هيمنتها تمثل دائمًا مرحلة من مراحلِ الفوضى. ص47
• إن معرفة نفسية الجماهير تشكل المصدر الأساسي لرجل الدولة الذي يريد ألا يُحكَم كليًا من قبلها، ولا أقول يَحكُمها لأن ذلك قد أصبح اليوم صعبًا جدًا. ص48
• إن الجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنهم متراصو الصفوف للحظة من الزمن. إنهم يشبهونَ بالضبط خلايا الجسد الحي التي تشكل عن طريق تجمعها وتوحدها كائنًا جديدًا يتحلى بخصائص جديدة مختلفة جدًا عن الخصائص التي تمتلكها كل خلية. ص56
• إن الظواهر اللاوعية تلعب دورًا حاسمًا ليس فقط في الحياة العضوية أو الفيزيولوجية، وإنما أيضًا في طريقة اشتغال الذهن أو آلية العقل. والحياة الواعية للروح البشرية لا تشكل إلا جزءًا ضعيفًا جدًا بالقياس إلا حياتها اللاوعية. ص56، 57
• إن الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياحُ على هواها. ص60
• إن الإنفعالات التحريضية المختلفة التي تخضع لها الجماهير يمكنها أن تكون كريمة أو مجرمة، بطولية أو جبانة وذلك بحسب نوعية هذه المحرضات. ولكنها سوف تكون دائمًا قوية ومهيمنة على نفوس الجماهير إلى درجة أن غريزة حب البقاء نفسها تزول أمامها. (بمعنى أنها مستعدة للموتِ من أجلها). ص64
• إن الجماهير تشبه الأوراق التي يلعب بها الإعصار ويبعثرها في كل اتجاه قبل أن تتساقط على الأرض. إن دراسة بعض الجماهير الثورية تقدم لنا بعض الأمثلة عن تغير عواطفها وتنوعها وتقلبها. ص65
• الإنسان المعزول يعرف جيدًا أنه لا يستطيع أن يحرق قصرًا أو ينهب مخزنًا، وبالتالي فإن مجرد التفكير بذلك لا يخطر على باله. ولكنه ما إن ينخرط في الجمهور حتى يحس بالقوة الناتجة عن العدد والكثرة. ص65
• الأحداث الأكثر شبهة هي تلك الأحداث التي لاحظها أكبر عدد من الأشخاص. وإذا قلنا بأن حادثة ما قد لوحظت في نفس الوقت من قبل آلاف الشهود، فإن ذلك يعني أن الحادثة الحقيقية هي بشكل عام مختلفة جدًا عن الرواية المنقولة عنها. ص72
• إن بساطة عواطف الجماهير وتضخيمها يحميها من عذاب الشكوك وعدم اليقين. فالجماهيرُ، كالنساء، تذهب مباشرةً نحو التطرف. فما إن يبدر خاطر ما حتى يتحول إلى يقين لا يقبل الشك. والشعور البسيط بالنفور من شيء أو عدم استحسانه يظل في حجمه الطبيعي لدى الشخص العادي، ولكنه يتحول مباشرةً إلى حقدٍ هائج لدى الفرد المنخرط في الجمهور. ص74
• بما أنه لا يمكن تحريك الجماهير والتأثير عليها إلا بواسطة العواطف المتطرفة، فإن الخطيب الذي يريد جذبها ينبغي أن يستخدم الشعارات العنيفة. ينبغي عليه أن يبالغ في كلامه ويؤكد بشكلٍ جازم ويكرر دون أن يحاول إثبات أي شيء عن طريق المحاجّة العقلانية. وهذه هي الطريقة الشعبية التي يستخدمها الخطباء في الملتقيات الشعبية. ص75
• المسرحية التي يتحمس لها الجمهور في بلدٍ ما لا تلقى أي نجاح في بلدٍ آخر أو أنها تلقى نوعًا من الإحترام المحدود لأنها لا تجيش الحوافز القادرة على إثارة حماسة جمهورها الجديد. ص75 ، 76
• إن نزعتي الاستبدادية والتعصب عامتان لدى كل فئات الجماهير، ولكنهما تتجسدان بأنواعٍ ودرجات متفاوتة جدًا. ص76
• الجماهير التي تضرب عن العمل تفعل ذلك من أجل إطاعة الأوامر أكثر مما تفعله من أجل الحصول على زيادة الرواتب. نادرًا ما تكون المصلحة الشخصية محركًا قويًا لدى الجماهير، هذا في حين أنها تشكل المحرك الكلي تقريبًا لدوافع الفرد الواحد. ص79
• لما كانت الأفكار تستعصي على الجماهير إذا لم تتخذ هيئة بسيطة جدًا فإنه لكي تصبح شعبية أن تتعرض لتحويل كامل. وعندما يتعلق الأمر بأفكار فلسفية أو علمية عالية نسبيًا، فإننا نلاحظ  مدى عمق التحويل اللازم لكي تنزل من طبقة إلى طبقة حتى تصل إلى مستوى الجماهير. ص83
• إن الفكرةَ تتعرض لتحولات تجعلها في متناول أيدي الجماهير فإنها لا تفعل فعلها ولا تؤثر إلا بعد أن تدخل إلى اللاوعي وتصبح عاطفة متماسكة أو متينة.. وهذا التحول يكون عادةً طويلًا جدًا، فالأفكار الفلسفية التي أدت إلى الثورة الفرنسية أخذت وقتًا طويلًا قبل أن تنغرس في الروح الشعبية. ص84
• كل ما يؤثر على مخيلة الجماهير يقدم نفسه على هيئة صورة مؤثرة وصريحة مُخَلَّصة من كل تأويل ثانوي، أو غير مصحوبة إلا من قبل بعض الوقائع العجيبة الساحرة: كالنصر الكبير، أو المعجزة الكبيرة، أو جريمة كبيرة، أو أمل كبير.. صــ 88
• إن معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها. ص89
• الإنسان ليس متدينًا فقط عن طريق عبادة آلهة معينة، وإنما أيضًا عندما يضع كل طاقاته الروحية وكل خضوع إرادته، وكل احتدام تعصبه في خدمة قضية ما أو شخص ما كان قد أصبح هدف كل العواطف والأفكار وقائدها. ص92
• إن الشعبَ عبارة عن كائن عضوي مخلوق من قِبَل الماضي. وهو، ككل الكائنات العضوية الأخرى، لا يمكنه أن يتغير إلا بواسطة التراكمات الوراثية البطيئة. ص101
• الشعب لا يمتلك أبدًا أية قدرة حقيقية على تغيير مؤسساته. لا ريب في أنه يستطيع تعديل اسمها عن طريق إشعال الثورات العنيفة، ولكن المضمون لا يتغير. ص104، 105
• طباع الشعب - وليس الحكومات - هي التي تحسم مصيرها. ص105
• الكلمات ليس لها إلا معانٍ متحركة ومؤقتة ومتغيرة من عصرٍ إلى عصر، ومن شعب إلى شعب. وعندما نريد أن نؤثر على الجمهور بواسطتها، فإنه ينبغي علينا أولًا أن نعرف ما هو معناها بالنسبة له في لحظة معينة، وليس معناها في الماضي أو معناها بالنسبة لأفراد ذوي تكوين عقلي مختلف. فالكلمات تعيش كالأفكار. صــ 118
• قوة الكلمات وتأثيرها من الضخامةِ بحيث أنه يكفي على القادة أن يعرفوا اختيار الكلمات لكي يجعلوا الجماهير تقبل أبشع أنواع الأشياء. ص119
• إن سبب وجود الآلهة والأبطال والشعراء أو مبرر هذا الوجود هو خلع بعض الأمل والوهم على حياة البشر الذين لا يمكنهم أن يعيشوا بدونها. وقد بدا لبعض الوقت أن العلم يضطلع بهذه المهمة. ولكن الشيء الذي حط من مكانته في نظر القلوب الجائعة للمثال الأعلى، هو أنه لم يجرؤ على توزيع الوعود هنا وهناك، كما أنه لا يعرف أن يكذب بما فيه الكفاية. ص121
• لنترك إذن العقل للفلاسفة، ولكن ينبغي ألا نطلب منه ما لا يستطيع: أي أن يتدخل كثيرًا في قيادة البشر وحكمهم. وليس بالعقل، بل غالبًا ضده، أُبدِعَت عواطف كعاطفة الشرف والتفاني والإيمان الديني وحب المجد والوطن. ومن المعروف أنها كانت حتى الآن تمثل أكبر البواعث التي تقف خلف تشييد الحضارات. ص126
• إن دور القادة الكبار يكمن في بث الإيمان سواء أكان هذا الإيمان دينيًا أم سياسيًا أم اجتماعيًا. ص128
• الشيء الذي يهيمن على روح الجماهير ليس الحاجة إلى الحرية وإنما إلى العبودية. ذلك أن ظمأها للطاعة يجعلها تخضع غرائزيًا لمن يعلن بأنه زعيمها. ص130
• في الجماهير نجد أن الأفكار والعواطف والانفعالات والعقائد الإيمانية تمتلك سلطة عدوى بنفس قوة وكثافة سلطة الجراثيم. ص134
• إن التأثير المزدوج للماضي والتقليد المتبادل يؤديان في نهاية المطاف إلى جعل كل البشر التابعين لنفس البلد ونفس الفترة متشابهين إلى درجة أنه حتى أولئك الذين يتوقع منهم أن يفلتوا من هذا التشابه كالفلاسفة والعلماء والأدباء يبدون متشابهين في أسلوبهم ومطبوعين بطابع الفترة التي ينتمونَ إليها. ص135
• إن العدوى من القوةِ بحيث إنها تفرض على البشر ليس فقط بعض الآراء وإنما أيضًا بعض الطرق في الإحساس والشعور. فهي التي تجعل الناس يحتقرون في فترة ما عملًا أدبيا ما، وهي التي تجعلهم بعد بضع سنوات يعجبون بنفسِ العمل، هم الذين كانوا قد تنكروا له واحتقروه. ص135
• يمكنك أن تذل الناس وأن توقع فيهم المجازر بالملايين وأن تقود غزوًا وراءَ غزو، كل شيء مباح لك بشرط أن تملك الهيبة الشخصية والموهبة القادرة على الحفاظ عليها. ص141
• الهيبة التي تصبح عرضة للنقاش لا تعود هيبة. فالآلهة والأشخاص الذين عرفوا المحافظة على هيبتهم لم يسمحوا أبدًا بالمناقشة. فلكي تعجب بهم الجماهير وتعبدهم ينبغي دائمًا إقامة مسافة بينها وبينهم. ص144
• بدءًا من اللحظةِ التي يأخذ فيها الناس بمناقشة عقيدة كبرى ونقدها فإن زمن احتضارها يكون قد ابتدأ. وبما أن كل عقيدة عامة ليست إلا وهمًا فإنها لا تستطيع أن تستمر إلا إذا نجت من التفحص والنقد. ص146
• ليس هناك من طغيان حقيقي أكبر من ذلك الذي يمارس نفسه على النفوس بشكلٍ لاواعٍ لأنه الوحيد الذي لا يمكننا أن نحاربه. ص148
• إنَّ روح العِرق تهيمن كليًا على روح الجمهور. إنها الجوهر القوي الذي يحد من التذبذب والتغير. وتكون خصائص الجماهير أقل حدة وبروزًا كلما كانت روح العِرق أكثر قوة. صــ 159
• إنَّ جرائم الجماهير ناتجة عمومًا عن تحريضٍ ضخم، والأفراد الذين ساهموا فيها يقتنعون فيما بعد بأنهم قد أطاعوا واجبهم. وهذه ليست أبدًا حالة المجرم العادي فتاريخ الجرائم التي ارتكبها الجماهير توضح لنا ما سبق. ص161
• في الجمهور يتساوى البشر كلهم دائمًا. ورأي أربعين عالم من الأكاديمية الفرنسية بخصوص القضايا العامة لا يختلف إطلاقًا عن رأي أربعين سقاءً (أو ناقل مياه). ص180
• إن القادة المحركين، ولنكرر ذلك مرةً أخرى، يتحركون قليلًا جدًا بواسطة العقل والمحاكمة العقلية، وكثيرًا جدًا بواسطة هيبتهم الشخصية. وإذا ما عرَّتهم منها حالة ظرفية ما فإنهم يفقدون كل تأثير ونفوذ. ص185
• إن القادة المحركين في كل العصور، وخصوصًا أولئك الذين برزوا أثناء الثورة الفرنسية، كانوا محدودي العقل جدًا، ومع ذلك فقد مارسوا تأثيرًا كبيرًا. ص189
• نلاحظ فيما يخص المجالس النيابية أن نجاح خطاب ما يعتمد تقريبًا بشكلٍ كلي على الهيبة الشخصية للخطيب، وليس أبدًا على الحجج أو المقترحات التي يحتويها. ص190
• المجالس النيابية المستثارة بما فيه الكفاية والمنوَّمة مغناطيسيًأ تبرز نفس الخصائص كبقية الجماهير. فهي تصبح عبارة عن قطيع غنم متحرك يخضع لكل الدوافع الغريزية. ص192

[أجزاء من مقدمة المترجم "هاشم صالح" لأهميتها البالغة: من ص7 إلى ص34]

♦♦♦ ينبغي التفريقُ هنا قليلاً بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الجماعي. فالثاني يمكن اعتباره فرعًا من فروع الأول. ذلك أن علم النفس الاجتماعي يدرس العلاقة بين الفرد والمجتمع. ثم إن عمليات دمج الإنسان في المجتمع أو تحويله إلى كائن اجتماعي. إنه يقوم بالدراسة العلمية للفرد بصفته إنسانًا متأثرًا بأفرادٍ آخرين وبالمجتمعِ ككل. وبالتالي فهو يدرس كل المشاكلِ المتعلقة بالتربية والتثاقف والوسط الاجتماعي الثقافي والتمرين الاجتماع وتأثيره على الدائرة العاطفية والسلوكية للفرد. وفيها نجد المفاهيم التي تتضمنها: كمفهوم الدور الذي يلعبه الفرد، ومكانته، ومعايير السلوك الطبيعية أو الشاذة ثم علاقات الأشخاص ببعضهم البعض مع كل عمليات التفاعل والتواصل [..] أما علمُ النفس الجماعي فهو ليس إلا الفرع الأخير من فروع علم النفس الاجتماعي، وكثيرًا ما يدرس كآخر فصل من فصوله، وكأنه شيء مهمل أو ثانوي. ولكن يبدو من الصعبِ في عصرنا هذا إهمال مثل هذا العلم الخطير حيث نجد أن كل شيء يعبر عن نفسه بواسطة الكمية والعدد (كالاقتصاد، والدعاية، والإعلان، والأيديولوجيات السياسية أو الحزبية أو النقابية أو الدينية، ثم الاضطرابات الاجتماعية التي تقوم بها الجماهير، والاضطرابات العمالية أو الطلابية، والثورات، إلخ...). كل هذه الظواهر تندرج تحت إطار علم النفس الجماعي، أو علم نفسية الجماهير وبالتالي فمن الصعب إهمالها أو استبعادها من ساحة الدراسة العلمية. نقول ذلك وخصوصًا أن علم النفس الجماعي سابق من حيثُ المنشأ الزمني على علم النفس الاجتماعي، فهو قد نشأ في القرن التاسع عشر على يد بعض الباحثين الإيطاليين قبل أن يتبلور بشكلٍ علمي على يد غوستاف لوبون. يضاف إلى ذلك أن علم النفس الجماعي أو الجماهيري كان أول من اهتم بمسألة هامة جدًا: هي مسألة تلك الجاذبية الساحرة التي يمارسها بعض القادة أو الديكتاتوريين على الجماهير والشعوب. وعلم النفس الجماعي يفيدنا ويضيء عقولنا عندما يشرح لنا جذور تصرفاتنا العمياء والأسباب التي تدفعنا للإنخراط في جمهور ما والتحمس أشد الحماسة للزعيم، فلا نعي ما فعلناه إلا بعد أن نستفيق من الغيبوبة. وربما جعلنا ذلك أكثر حيطة وحذرًا في "الإنطباح" أمام زعيم جديد قد يظهر [..] إن النفسية الجماعية لفئة ما ليست هي مجموع النفسيات الفردية لأعضائها. كما أن الجماعة ليست محصلة لمجموع الأفراد. وهذا يشبه ما يقوله لوبون عن اختلاف الفرد المعزول أو الواحد عن الجمهور. فما أن ينخرط الفرد في الجمهور حتى يتغير وينصهر [..] يقول الباحث ب.أدليمان: "لقد حلت السياسة محل الدين، ولكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية. بمعنى آخر أصبحت السياسة دينًا معلمنًا، وكما في الدين فقد أصبح البشر عبيدًا لتصوراتهم الخاصة بالذات". ولكننا شهدنا في السنواتِ الأخيرة تجييشًا كبيرًا للجماهير بواسطة الدين أو بالأحرى الأيديولوجيات الدينية في البلدان غير الأوروبية غير المعلمنة [..] الحقائق ليست مطلقة ولا أبدية، وإنما لها تاريخ محدد بدقة، وعمرها قد لا يتجاوز عمر الزهور، أو قد يتجاوز عمر القرون. إن لها لحظة ولادة ونمو وازدهار مثلها مثل الكائنات الحية، ثم لحظة ذبول فشيخوخة فموت [..] علمُ النفسِ يعلمنا أن هناك "روحًا للجماهير" وهذه الروح مكونة من الانفعالات البدائية، ومكرسة بواسطة العقائد الإيمانية القوية. وهي أبعد ما تكون عن التفكير العقلاني والمنطقي [..] هكذا نجد أن الفكرة الأساسية في نظرية غوستاف لوبون بسيطة وواضحة جدًا: فهو يريد أن يقول بأن كل كوارث الماضي القريب التي مُنِتْ بها فرنسا وكل هزائمها والصعوبات التي تواجهها تعود إلى هجوم الجماهير على مسرحِ التاريخ وعدم معرفة مواجهته [..] ومن المعروفِ أن الشيء الذي صعق فلاسفة مدرسة فرانكفورت هو كيف أن الجماهير قد ثارت باسم الفاشية والنازية في أكثر دول أوروبا تحضرًأ ورقيًا: أي ألمانيا. وكان سؤالهم الأساسي: لماذا لم يستطع عصر التنوير أن يمنع ذلك ؟ بمعنى كيف أن البربرية تعود للإنبثاق من جديد حتى بعد التنوير والتحديث وانتصار العلم والتكنولوجيا [..] لولا الحلم والهم لما ثارت الجماهير الجائعة لا في الماضي ولا في الحاضر تحت قيادة الزعماء والمحركين. ولولا الوهم الطوباوي بتحقيق الجنة على الأرض لما ثارت الجماهير العمالية في أوروبا تحت قيادة الأحزاب الشيوعية [..] الجماهير مجنونة بطبيعتها. فالجماهير التي تصفق بحماسة شديدة لمطربها المفضل أو لفريق كرة القدم الذي تؤيده تعيش لحظة هلوسة وجنون. والجماهير التي تصطف على جانبي الطريق ساعات وساعات كي تشهد من بعيد مرور شخصية مشهورة أو زعيم كبير للحظات خاطفة هي مجنونة. والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تتأكد من هو المذنب هي مجنونة أيضًا، فإذا ما أحبت الجماهير دينًا ما أو رجلًا ما تبعته حتى الموت كما يفعل اليهود مع نبيهم والمسيحيون المتعصبون وراء رهبانهم والمسلمون وراء شيوخهم. والجماهير تحرق اليوم ما كنت قد عبدته بالأمس، وتغير أفكارها كما تغير قمصانها.  ((إلى هناك انتهى تلخيص المقدمة))

▬ إن الكُتَّاب المقربين من بورجوازيتنا الحاكمة والذين يعتبرون أفضل ممثلين لأفكارها الضيقة ووجهات نظرها المحدودة وشكوكيتها المختزلة وأنانيتها المفرطة أحيانًا قد أخذوا يشعرون بالهلع والخوف أمام هذه السلطة الجديدة التي يرونها تبزغ وتكبر أمام أعينهم. وهم لكي يحاربوا هذا الإضطراب الذي يصيب النفوس راحوا يوجهون النداءات اليائسة للقوى الأخلاقية للكنيسة، هذه الكنيسة التي طالما احتقروها في الماضي. وقد أخذوا يتحدثون عن إفلاس العلم ويذكِّرونا بتعاليم الوحي وحقائقه. ولكن هؤلاء المعتنقين الجدد للإيمان ينسون أنه إذا كانت العناية الإلهية قد مسَّتهم أخيرًا، فإنها لا تمارس نفس التأثير على الآخرين غير المكترثين بمشاكل الدار الآخرة. والجماهير التي لم تعد تريد اليوم آلهة كان أسيادها السابقون قد تنكروا لها بالأمسِ وحطموها. صــ 46

▬ إن ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد يشكل الخصيصة الأولى للجمهور الذي هو في طور التشكل. ولكن ذلك لا يتطلب بالضرورة الحضور المتزامن للعديد من الأفراد في نقطة واحدة. ذلك أنه يمكن لآلاف الأفراد المنفصلين عن بعضهم البعض أن يكتسبوا صفة الجمهور النفسي في لحظة ما وذلك تحت تأثير بعض الإنفعالات العنيفة أو تحت تأثير حدث قومي عظيمٍ مثلًا. وإذا ما جمعتهم صدفة ما كانت كافية لكي يتخذ سلوكهم فورًا الهيئة الخاصة بأعمال الجماهير. ويمكن لنصف دزينة من البشر أن يشكلوا، في ساعات معينة من التاريخ، جمهورًا نفسيًا، هذا في حين أن المئات من البشر المجتمعين بطريق الصدفة في مكان ما يمكنهم ألا يشكلوه. من جهة أخرى نلاحظ أن شعبًا بأكمله يمكنه أن يصبح جمهورًا بتأثير من هذا العامل أو ذاك بدون أن يكون هناك تجمع مرئي. صــ 54

▬ إن الظواهر اللاوعية تلعب دورًا حاسمًا ليس فقط في الحياة العضوية أو الفيزيولوجية، وإنما أيضًا في طريقة اشتغال الذهن أو آلية العقل. والحياة الواعية للروح البشرية لا تشكل إلا جزءًا ضعيفًا جدًا بالقياس إلا حياتها اللاوعية. والمحلل الأكثر فطنة والمراقب الأكثر ذكاءً ونفاذًا لا يستطيع التوصل إلا إلى اكتشاف عدد ضئيل جدًا من البواعث اللاوعية التي تحركه. فأفعالنا الواعية متفرعة عن جوهر لا واعٍ مُشكَّل من التأثيرات الوراثية بشكلٍ خاص. وهذا الجوهر ينطوي على البقايا اللانهائية الموروثة عن الأسلاف، وهي التي تشكل روح عرق بشري ما. ذلك أنه وراء الأسباب الظاهرية لأعمالنا تربض أسباب سرية مجهولة من قَبَلنا. ومعظم أعمالنا اليومية ناتجة عن دوافع مخبوءة تتجاوزنا. صــ 56، 57

▬ إنَّ أفراد عِرق ما يتشابهون خصوصًا بواسطة العناصر اللاوعية التي تشكل روح هذا العرق. وهم يختلفون عن بعضهم البعض بواسطة العناصر الواعية الناتجة عن التربية ثم بشكل أخص عن الوراثة الاستثنائية. والبشر الأكثر اختلافًا وتمايزًا من حيث الذكاء لهم غرائز وانفعالات وعواطف متماثلة أحيانًا. والرجال الأكثر عظمة وتفوقًا لا يتجاوزون إلا نادرًا مستوى الناس العاديين في كل ما يخص مسائل العاطفة: من دين وسياسة وأخلاق وتعاطف وتباغض، إلخ... فمثلًا يمكن أن توجد هوة سحيقة بين عالم رياضيات شهير وصانع أحذية على المستوى الفكري، ولكن من وجهة نظر المزاج والعقائد الإيمانية فإن الاختلاف معدوم غالبًا، أو قل إنه ضعيف جدًا. صــ 57

▬ القرارات ذات المصلحة العامة التي تتخذها جمعية متميزة من البشر ولكن من اختصاصات مختلفة ليست متفوقة كثيرًا على القرارات التي يتخذها تجمع من البلهاء. ذلك أنه يمكنهم أن يجمعوا هذه الصفات المتدنية التي يمتلكها الجميع. فالجماهير لا تجمع الذكاء في المحصلة وإنما التفاهة. فليس الجميع يمتلك ذكاءً أكثر من فولتير كما يرددون غالبًا. وإنما فولتير يمتلك ذكاءً أكثر من المجموع إذا كان "المجموع" يعني الجماهير. صــ 57، 58

▬ إليكم الآن مجموع الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور: تلاشي الشخصية الواعية، هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار، الميل لتحويل الأفكار المحرَّض عليها إلى فعل وممارسة مباشرةً. وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه، وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلي ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده. هذا يعني أنه بمجرد أن ينضوي الفرد داخل صفوف الجمهور فإنه ينزل إلى درجات عديدة في سُلم الحضارة. فهو عندما يكون فردًا معزولًا ربما يكون إنسانًا مثقفًا متعقلًا، ولكنه ما إن ينضم إلى الجمهور حتى يصبح مقودًا بغريزته وبالتالي همجيًا. وهو عندئذٍ يتصف بعفوية الكائنات البدائية وعنفها وضراوتها وحماستها وبطولاتها أيضًا. ويقترب منها أكثر بالسهولة التي يترك نفسه فيها عرضة للتأثر بالكلمات والصور التي تقوده إلى اقتراف أعمال مخالفة لمصالحه الشخصية بشكلٍ واضحٍ وصريح. إن الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياحُ على هواها. صــ 60

▬ إن العديد من خصائص الجماهير الخصوصية من مثل سرعة الإنفعال والنَزَق والعجز عن المحاكمة العقلية وانعدام الرأي الشخصي والروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر، وغيرها، كل ذلك نلاحظه لدى الكائنات التي تنتمي إلى الأشكال الدنيا من التطور كالشخص المتوحش أو الطفل مثلًا. وهذه المقارنة التشبيهية لا أثيرها هنا إلا عَرَضًا. فالبرهنة عليها تتجاوز حدود هذا الكتاب وإطاره. وسوف تكون بلا جدوى بالنسبة للمطلعين على علم نفس الأشخاص البدائيين، وسوف يكون إقناعها ضعيفًا بالنسبة لألئك الذين يجهلونه. صــ 63

▬ إن خلق الأساطير التي تنتشر بمثل هذه السهولة في أوساط الجماهير ليس فقط ناتجًا عن سرعة كاملة في التصديق، وإنما عن تشويه هائل أو تضخيم هائل للأحداث في مخيلة الأفراد المحتشدين (أي الجمهور). فالحدث الأكثر بساطة يتحول إلى حدث آخر مشوه بمجرد أن يراه الجمهور. فالجمهور يفكر عن طريق الصور، والصور المتشكلة في ذهنه تثير بدورها سلسلة من الصور الأخرى بدون أي علاقة منطقية مع الأولى. ويمكننا أن نتصور بسهولة هذه الحالة عن طريق التفكير بالتتابع الغريب للأفكار الذي يقودنا إليه تذكر حدث معين. والعقل يبين لنا عدم تماسك مثل هذه الصور، ولكن الجمهور لا يرى ذلك. فالواقع إنه يخلط بين التضخيم الذي يلحقه بالحدث وبين الحدث ذاته. وبما أنه غير قادر على التمييز بين الذاتي والموضوعي فإنه يعتبر الصورة المثارة في خياله بمثابة الواقعية والحقيقية، وهذا على الرغم من أنها ذات علاقة بعيدة جدًا مع الواقعة المرئية. صــ 67

▬ ليس من الضروري أن تمضي القرون العديدة على أبطال التاريخ لكي تتشكل أسطورتهم ويتم تحويرها بواسطة خيال الجماهير. فالتحوير قد يتم خلال بضع سنوات. فقد شهدنا بأم أعيننا تحول أسطورة أحد كبار أبطال التاريخ مرات عديدة خلال الخمسين سنة الماضية أو أقل. أقصد بذلك نابليون بونابرت. فقد أصبح نوعًا من الشخصيات المثالية والمحبة للإنسانية والليبرالية في ظل حكم سلالة آل بوربون. لقد أصبح صديقًا للضعفاء والفقراء الذين احتفظوا بذكراه تحت أكواخهم لفترةٍ طويلة بحسب أقوال الشعراء. ولكن بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ تحولت صورة هذا البطل الطيب القلب والرحيم إلى نوع من المستبد الدموي المبتز للسلطة والحرية والذي ضحى بثلاثة ملايين رجل من أجل طموحاته في السلطة والمجد. ونلاحظ  الآن أن أسطورته قد أخذت تتحول أيضًا من جديد. وبعد أن تمر عشرات القرون على ذكراه، فإن علماء المستقبل سوف يقفون محتارين أمام كل هذه الروايات المتناقضة عنه وربما شكُّوا في وجوده أصلًا، كما نشك نحن أحيانًا بوجود بوذا. ولا يعودون يرون فيه إلا أسطورة شمسية أو نوعًا من التكبير لأسطورة هرقل. وسوف يتعزون بسهولة عن هذه الشكوك لأنهم سيكونون عندئذٍ أكثر دراية بعلم نفس الجماهير، وبالتالي فيلعمون أنه لا يمكن للتاريخ أن يُخلِّد إلا الأساطير. صــ 73، 74

▬ إن الإستبداد والتعصب يشكلان بالنسبة للجماهير عواطف واضحة جدًا، وهي تحتملها السهولة التي تمارسها. فهي تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلًا من أشكال الضعف. وما كانت عواطفها متجهة أبدًأ نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا بقوة وبأس. وهي لا تقيم تلك النصب التذكارية العالية إلا لهم. وإذا كانت تدعس بأقدامها الديكتاتور المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقرين وغير المهابين. إن نمط البطل العزيز على قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القيصر. فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها، وسيفه يرهبها. صــ 77

▬ أيًا ما تكن الأفكار التي تُوحَى للجماهير أو تُحَرَّض عليها، فإنه لا يمكنها أن تصبح مهيمنة إلا بشرط أن تتخذ هيئة بسيطة جدًا وأن تتجسد في نفوسها على هيئة صور. وليس هناك أي رابط منطقي من النوع القياسي أو المتوالي يربط هذه الأفكار - الصور فيما بينها. فيمكنها بسهولة أن تحل الواحدة محل الأخرى كزجاجات المصباح السحري التي يسحبها العامل الميكانيكي من العلبة حيث تكون مصفوفة فوق بعضها البعض. وهكذا يمكننا أن نجد الأفكار الأكثر تناقضًا تتابع على الجمهور. وبحسب اللحظات وصدفها فإن الجمهور يتعرض لتأثير إحدى الأفكار المتنوعة والمختزنة في عقله، وبالتالي فهو يرتكب الأعمال الأكثر تناقضًا واختلافًا. فانعدام الروح النقدية لديه لا يسمح له برؤية التناقضات. صــ 82

▬ وهكذا نجد أن الأفراد يبرزون بتناقضاتهم الأكثر وضوحًا وسطوعًأ. وهذه التناقضات ظاهرية أكثر مما هي حقيقية، وذلك لأن الأفكار الوراثية هي وحدها القوية والمهيمنة لدى الفرد الواحد، وبالتالي فهي وحدها القادرة على أن تصبح حوافز مؤثرة فعلًا على سلوكه ومحركة له. وفي حالة واحدة فقط يجد المرء نفسه عن طريق التقاطعات متوزعًا بين دوافع وراثية مختلفة، وبالتالي فإن أعماله يمكن أن تكون متناقضة تمامًا من لحظة إلى أخرى. صــ 83

▬ المُحَاجَّات المتدنية للجماهير مرتكزة على الترابط والضم مثلها في ذلك مثل المحاجات العالية للمثقفين. ولكن الأفكار الموصولة ببعضها البعض ليس بينها إلا روابط ظاهرية من التشابه أو التوالي. فهي تتلاحم على طريقة أفكار الأسكيمو الذين يعرفون عن طريق التجربة أن الجليد يشكل جسمًا شفافًا ويذوب في الفم عندما نضعه فيه. وبما أن الزجاج شيء شفاف أيضًا فإنهم يعتقدون أنه يذوب في الفم أيضًا! أو تشبه "منطق" الإنسان المتوحش الذي يعتقد أنه إذا ما أكل قلب عدو شجاع فإنه يكتسب شجاعته، أو منطق العامل المستغل من قبل رب عمل معين فيستنتج من ذلك أن كل أرباب العمل مستغلون. صــ 85

▬ إن الخيال الخاص بالجماهير، كخيال كل الكائنات التي لا تفكر عقلانيًا، مهيأ لأن يتعرض للتأثير العميق. فالصور التي تثيرها في نفوسهم شخصية ما أو حدث ما أو حادث ما لها نفس حيوية وقوة الأشياء الواقعية ذاتها. فالجماهير تشبه إلى حد ما حالة النائم الذي يتعطل عقله مؤقتًا ويترك نفسه عرضة لانبثاق صورة قوية ومكثفة جدًا، ولكنها سرعان ما تتبخر على محك التفكير. ولما كانت الجماهير غير قادرة لا على التفكير ولا على المحاكمة العقلية فإنها لا تعرف معنى المستحيل أو المستبعد الحدوث. ونحن نعلم أن الأشياء الأكثر استحالة هي عادةً الأكثر ادهاشًا وتأثيرًا. ولهذا السبب فإن الجوانب الساحرة والأسطورية من الأحداث هي التي تدهش الجماهير دائمًا وتؤثر عليها. والواقع أن العجيب الساحر والأسطوري هما الدعامتان الحقيقيتان للحضارة. ونلاحظ أن المظهر قد لعب دائمًا في التاريخ دورًا أكثر من أهمية الواقع. فاللاواقعي يهيمن فيه على الواقعي. صــ 86، 87

▬ يقول نابليون: "لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي. ولم أستطع الإستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا. ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبًا من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان"! ربما لم يفهم أي رجل كبير في العالم منذ الإسكندر المقدوني والقيصر كيف ينبغي جذب الجماهير والتأثير على مخيلتها مثلما فهم نابليون. فقد كان همه الأول والدائم الضرب على وترها وإدهاشها. وكان يفكر فيها أثناء انتصاراته وخطبه وخطاباته وفي كل حالاته. وحتى على فراش الموت كان يفكر في الجماهير ومخيلتها. صــ 88

▬ لو أمكن فرض الإلحاد على الجماهير لاتخذت كل ضراوة التعصب الخاص بالعاطفة الدينية، ولأصبحت بسرعة في أشكالها الخارجية نوعًا من الطقس الشعائري. والتطور الأخير للطائفة الوضعية الصغيرة يقدم لنا برهانًا غريبًا على ذلك. فهي تشبه العدمي الذي روى لنا الكاتب العميق دوستويفسكي قصته. فبعد أن أضاءته أنوار العقل يومًا ما، فإنه كسر صور الآلهة والقديسين التي كانت تزين هيكل مصلاه الصغير، وأطفأ الشمعات، وبدون أن يضيع لحظة واحدة فإنه استبدل بالصور الممزقة مؤلفات بعض الفلاسفة الملحدين، ثم أعاد من جديد إشعال الشمعات. لا ريب في أن موضوع عقائده الدينية قد تحول، ولكن هل يمكننا القول فعلًا بأن عواطفَه الدينية قد تغيرت ؟ صــ 94

▬ إن الزمنَ هو الذي يطبخ أراء وعقائد الجماهير على ناره البطيئة، بمعنى أنه يهيئ الأرضية التي سينشأ عليها ويتبرعم. نستنتج من ذلك أن بعض الأفكار التي يمكن تحقيقها في فترة ما تبدو مستحيلة في فترة أخرى. فالزمنُ يراكمُ البقايا العديدة جدًا للعقائد والأفكار، وعلى أساسها تولد أفكار عصر ما. فهذه الأفكار لا تنبت بالصدفة أو عن طريق المغامرة. وإنما نجد جذورها تضرب عميقًا في ماضٍ طويل. وعندما تزهر يكون الزمن قد هيَّأ المجال لتفتحها. وإذا ما أردنا أن نفهم منشأها فينبغي دائمًا أن نرجع في الزمنِ إلى الوراء. فهي بنات الماضي وأم المستقبل وعبدة الزمن دائمًا (أي تابعة له). صــ 103

▬ إن قوةَ الكلمات مرتبطة بالصور التي تثيرها، وهي مستقلة تمامًا عن معانيها الحقيقية. والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكلٍ دقيق هي التي تمتلك أحيانًا أكبر قدرة على التأثير والفعل. نضرب على ذلك مثلًا الكلمات التالية: ديمقراطية، اشتراكية، مساواة، حرية، إلخ.. فمعانيها من الغموض بحيث إننا نحتاج إلى مجلدات ضخمة لشرحها. ومع ذلك فإن حروفها تمتلك قوة سحرية بالفعل، كما لو أنها تحتوي على حل لكل المشاكل. فهي تجمع المطامحة اللاواعية المتنوعة وتركبها، وتحتوي على الأمل بتحقيقها. فالعقل والمحاجات العقلانية لا يمكنها أن تقاوم بعض الكلمات والصياغات التعبيرية. فما إن تُلفَظ بنوعٍ من الخشوع أمام الجماهير حتى تعلو آيات الاحترام على الوجوه وتنحني الجباه بها. والكثيرون يعتبرونها بمثابة قوة من قوى الطبيعة، أو قوى خارقة للطبيعة. فهي تثير في النفوس صورًا مجيدة وغامضة، ولكن الغموض الذي يظللها يزيد من قوتها السرية. ويمكننا أن نقارنها بتلك الآلهة المرعبة المختبئة وراء خيمة لا يقترب منها الرجل الورع إلا وهو يرتجف مرتعشًا. صــ 116

▬ على الرغمِ من كل هذا التقدم الذي تحقق فإن الفلسفةَ لم تستطع أن تقدم للشعوب أي مثال أعلى قادر على أن يجذبها ويسحرها. وبما أن الأوهام تشكل ضرورة حتمية بالنسبة لها فإنها تتوجه بالغريزة نحو الخطباء البلاغيين الذين يقدمونها لها كما تتوجه الحشرة نحو الضوء غرائزيًا أيضًا. والعامل الكبير لتطور الشعوب ما كان الحقيقة أبدًا، وإنما الخطأ. وإذا كانت الإشتراكية تشهد اليوم ازدياد قوتها وانتشارها لدى الجماهير، فذلك لأنها تشكل الوهم الوحيد الذي لا يزال حيًا حتى الآن. فالبرهنة الرياضية والعلمية على خطئها لا تعرقل أبدًا مسارها الصاعد والمتدرج. وتعود قوتها الأساسية إلى أن المدافعين عنها أو حاملي لوائها هم من الجهلة بواقعِ الأمور، وبالتالي فهم قادرون على توزيع الوعود بتحقيق السعادة للإنسان. إن الوهمَ الإجتماعي يسيطر اليوم على كل أنقاض الماضي المتراكمة، والمستقبل له بدون شك. فالجماهير لم تكن في حياتها أبدًا ظمأى للحقيقة. وأمام الحقائق التي تزعجهم فإنهم يحولون أنظارهم باتجاه آخر، سيدًا لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم. صــ 122

▬ ما إن يتجمع عدد ما من الكائنات الحية، سواء أكان الأمر يتعلق بقطيع من الحيوانات أو بجمهور من البشر، حتى يضعوا أنفسهم بشكلٍ غريزي تحت سلطة زعيم ما، أي محرِّك للجماهير أو قائد. ونلاحظ أن القائد يلعب  دوراً ضخمًا بالنسبة للجماهير البشرية. فإرادته تمثل النواة التي تتحلق حولها الآراء وتنصهر فيها. والجمهور عبارة عن قطيع لا يستطيع الإستغناء عن سيد. والقائد كان غالبًا في البداية شخصًا مقودًا منبهرًا بالفكرة التي أصبح فيما بعد رسولها ومبشرًا بها. فقد غزته وهيمنت عليه إلى حد اختفاء كل شيء آخر ما عداها، وكل رأي معاكس لها يبدو له خطأ وخزعبلات. نضرب على ذلك مثلًا روبسبيير المبهور بافكاره الوهمية، والذي استخدم أساليب محام التفتيش من أجل نشرها. إن القادةَ ليسوا في الغالب رجال فكر، ولا يمكنهم أن يكونوا، وإنما رجال ممارسة وانخراط. وهم قليلو الفطنة وغير بعيدي النظر. صـ 127

▬ إن التأكيد المجرد والعاري من كل مُحَاجّة عقلانية أو برهانية يشكل الوسيلة الموثوقة لإدخال فكرة ما في روح الجماهير. وكلما كان التأكيد قاطعًا وخاليًا من كل برهان كلما فرض نفسه بهيبة أكبر. فالكتب الدينية وقوانين كل العصور قد استخدمت دائمًا أسلوب التوكيد المجرد عن كلِ شيء. ورجال الدولة المدعوون للدفاع عن قضية سياسية معينة يعرفون قيمة التوكيد، وكذلك الأمر فيما يخص رجال الصناعة الذين ينشرون سلعهم عن طريق الإعلان. ولكن الإعلان لا يكتسب تأثيرًا فعليًا إلا بشرط تكراره باستمرار، وبنفس الكلمات والصياغات ما أمكن ذلك. كان نابليون يقول بأنه لا يوجد إلا شكلٌ واحدٌ من أشكال البلاغة هو: التكرار. فالشيء المؤكد يتوصل عن طريق التكرار إلى الرسوخ في النفس إلى درجة أنه يُقبَل كحقيقة برهانية. صــ 132، 133

▬ إن الإنسان يشبه الحيوانات فيما يخص ظاهرة التقليد. فالتقليدُ يشكل حاجة بالنسبة له بشرط أن يكون هذا التقليد سهلًا بالطبع. ومن هذه الحاجة بالذات يتولد تأثير الموضة (أو الأزياء الدارجة). وسواء أكان الأمر يتعلق بالآراء أم بالأفكار أم بالتظاهرات الأدبية أم بالأزياء بكل بساطة فكم هو عدد الذين يستطيعون التخلص من تأثيره؟ فنحن نستطيع قيادة الجماهير بواسطة النماذج والموديلات وليس بواسطة المحاجّات العقلانية. وفي كل فترة نلاحظ أن عددًا قليلًا من الشخصيات هي التي تطبعها بطابعها وتؤثر عليها، ثم تقلدهم الجماهير اللاوعية.. صــ 134، 135

▬ إن التاريخ، والتاريخ الأدبي والفني بشكلٍ خاص، هو فقط عبارة عن تكرار لنفس الأحكام التي لا يبحث أي شخص عن مجرد التحقق منها. فكل واحد ينتهي به الأمر إلى تكرار ما سمعه في المدرسة. وتوجد بعض الأسماء وبعض الأشخاص التي لا يجرؤ أحد على المسِّ بها أو بهم. أضرب على ذلك مثلًا أعمال هوميروس. فهي مضجرة جدًا بالنسبة للقارئ الحديث ولكن من يجرؤ على قول ذلك؟ وقصر البارتينون مثلًا ليس في حالته الراهنة إلا أنقاضًا خالية من أيةَ أهمية، ولكنه يمتلك هيبة عالية إلى درجة أننا لم نعد نراه إلا من خلال موكب الذكريات التاريخية التي ترافقه. والخاصية الأساسية للهيبة هي أننا لا نعود نرى الأشياء كما هي عليه في الواقع، فتنشلَّ بذلك قدرتنا على المحاكمة والتقييم. فالجماهير بحاجةٍ دائمًا إلى الأفكار الجاهزة، وكذلك الأفكار بحاجةٍ إليها في الغالب. ونجاح هذه الأفكار مستقل عن جزء الحقيقة أو الخطأ الذي تحتوي عليه. إنه يكمن فقط في هيبتها وحظوتها. صــ 138

▬ إن التقليد هو في الأغلب الأعم لا واعٍ، وهذا هو بالضبط الشيء الذي يجعله كاملًا. فالرسامون المحدثون الذين يقلدون الألوان الباهتة لبعض البدائيين ومواقفهم المتصلبة لا يشكّون مطلقًا بمصدر إلهامهم. فهم مؤمنون بأنهم صادقون في تجربتهم. ولولا أن أحد العلماء الكبار لم يكشف عن هذا النوع من الفن لاستمرينا في النظر إليه من خلال جوانبه الساذجة والمتدنية. وأما أولئك الذين يقلدون المشاهير من المجددين ويغرقون لوحاتهم بالظلال البنفسجية فإنهم لا يرون في الطبيعة ألوانًا بنفسجية أكثر مما كان موجودًا قبل خمسينَ سنة، ولكنهم مُحرَّضون على ذلك من قبل الانطباع الشخصي والخصوصي لفنان عرف كيف يكتسب هيبة وشهرة كبيرة... والهيبة الشخصية تختفي دائمًا مع الفشل. فالبطل الذي صفقت له الجماهير بالأمس قد تحتقره علنًا في الغد إذا ما أدار الحظ له ظهره.. فروبسبيير الذي أمر بقطع رؤوس زملائه وعدد كبير من معاصريه كان يمتلك هيبة شخصية ضخمة. وعندما نقصه بعض الأصوات فقط فَقَدَ رأسَه هو الآخر وتبعته الجماهير إلى المقصلة بنفس اللعنات التي لاحقت بها ضحاياه بالأمس. فالمؤمنون يحطمونَ دائمًا بنوعٍ من الهيجان تماثيل آلهتهم السابقة. صــ 143

▬ لقد أحست الشعوب دائمًا بفائدة تشكيل العقائد الإيمانية العامة وفهمت عن طريق الغريزة أن تلاشيها يعني بداية انحطاطها. والعبادة المتعصبة لروما كانت هي العقيدة الإيمانية التي جعلت من الرومان أسيادًا للعالم. ولكن ما إن ماتت هذه العقيدة حتى انهارت روما. ولم يستطع البرابرة الذين دمروا الحضارة الرومانية أن يتوصلوا إلى بعض التماسك والخروج من حالة الفوضى إلا بعد أن اكتسبوا بعض العقائد المشتركة. صــ 147

▬ يمكن تقسيم فئات الجماهير المختلفة التي نستطيع العثور عليها لدى كل شعب على الطريقة التالية: أ- جماهير غير متجانسة: 1-جماهير مُغْفَلة (كجماهير الشارع مثلًا). 2- جماهير غير مغفلة (كهيئات المُحلَّفين، والمجالس البرلمانية، إلخ...). ب- جماهير متجانسة: 1- الطوائف (الطوائف السياسية، الطوائف الدينية، إلخ..). 2- الزُمَر (زمرة عسكرية، زمرة كهنوتية، زمرة عملية، إلخ..). 3- الطبقات (الطبقة البرجوازية، الطبقة الفلاحية، إلخ..). صــ 158

▬ لا أحد يستطيع أن يجحد أن الحضارات هي من صنع أقلية صغيرة متفوقة تشكل قمة الهرم الإجتماعي. وتتسع طبقات هذا الهرم كلما نزلنا نحو القاعدة ويتوافق ذلك مع تناقض القيمة العقلية لكل طبقة سفلى بالقياس إلى الطبقة العليا حتى نصل إلى القاع. وهذه كلها تشكل الطبقات العميقة لكل أمة. وعظمة حضارة ما لا يمكن أن تعتمد على تصويت العناصر الدنيا من الأمة، فهذه لا تمثل إلا الكثرة العددية. لا ريب في أن تصويت الجماهير لا يزال خطر حتى الآن. فهو الذي جلب علينا غزوات عديدة. وإذا ما انتصرت الإشتراكية فإن نزوات السيادة الشعبية سوف تكلفنا ثمنًا غاليًا أيضًا، بل وأغلى من السابق. صــ 179


▬ الخطيب المجهول يصل إلى البرلمان بخطاب مليء بالحجج العقلانية الجيدة ولكن ليس له أي حظ في أن يُستَمع إليه إذا اكتفى بذلك.. وقد كتب نائب سابق هو السيد ديكوب السطور التالية وقدم لنا صورة عن الخطيب الذي لا يتمتع بهيبة شخصية. قال: "عندما جلس على المنصة أخرج من حقيبته إضبارة ونشرها بتؤدةٍ أمامَه وابتدأ الكلام بكلِ ثقة. وشعر بالزهو لأنه نقل إلى نفوس السامعين تلك القناعة التي تعمر صدره. ثم درس حججه وأعاد دراسته مرارًا وتكرارًا، وكانت مليئة بالأرقام الدقيقة والبراهين. وكان واثقًا من أنه على حق. وكل اعتراض على البراهين التي يقدمها راح يبدو عبثًا لا معنى له. وابتدأ كلامه وكله ثقة بأحقية موقفه وبمقاصد زملائه أيضًا، هؤلاء الزملاء الذين ينتظرون شيئًا واحدًا هو: الإنحناء أمام هذه الحقيقة. وراح يتكلم ويتكلم، ولكنه دهش فجأة لصدور حركة عن القاعة وشهر بالإنزعاج لهذه الضوضاء الصادرة. راح يتساءل: لماذا لا يستتب الصمت؟ لم هذه اللامبالاة العامة تجاه خطابي؟ بم يفكر إذن أولئك النواب الذين يتحدثون فيما بينهم؟ ما الباعث الملح إلى مثل هذا الحد والذي يجعل النائب الفلاني يترك مكانه؟ وهكذا خيم القلق على جبينه، وقطَّب حاجبيه وسكت. ثم شجعه الرئيس فانطلق من جديد ورفع صوته. ولكن إصغاءهم له انخفض أكثر. فشدد لهجته وراح يهيج ويثور، ولم ينفه ذلك في شيء فقد ازدادت الضجة حوله. ولم يعد يسمع حتى نفسه فتوقف من جديد. ولكنه خشي من أن يؤدي صمته إلى إثارة الصرخة المشهورة: أُقفِلت الجلسة! فانطلقَ بقوةٍ من جديد، ولكن الضوضاء أصبحت لا تُحتَمل". صــ 190، 191

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

حلم رجل مضحك (فيودور دوستويفسكي) ترجمة (ثائر زين الدين)


▬ أنا رجلٌ مضحك، وهم ينعتونني الآن بالمجنون، وقد كان من شأن هذا النعت أن يكونَ رفعًا من قدري لو أنهم تراجعوا عن اعتباري مضحكًا، كما فعلوا في السابق. لكنني بعد اليوم لن أغضبَ عليهم، فجميعهم لطفاء بالنسبة لي حتى وهم يهزؤون بي، بل لعلهم يصبحونَ أكثرَ لطفًا حينَ يفعلونَ ذلك، ولو لم أكن شديد الحزنِ وأنا أنظرُ إليهم لضحكتُ معهم - ليسَ على نفسي بالطبع - ولكن لكي أُسرّي عنهم، شديد الحزن لأني أراهم يجهلونَ الحقيقة؛ بينما أعرفُها أنا، ما أصعبَ الأمرَ على من يعرف الحقيقةَ وحده، إنهم لن يفهموا ذلك..

▬ كنتُ أسيرُ في الطريق فأُصطدمُ بالناس، والأمرُ ليسَ بسببِ استغراقي في التفكير: فبماذا سأفكر، يومها كنتُ قد توقفتُ عن التفكير في أي شيء: لقد استوت الأمورُ كلها في عيني، وما عدتُ أهتمُ لأمرٍ ولا فكرت في حل سؤال واحد؟ ثم هل كان ثمة أسئلة شغلتني؟ (لم أكن معنيًا بشيء) ولهذا تناثرت الأسئلة مبتعدة.

▬ لقد تصورتُ بوضوحٍ تام أن الحياةَ والعالمَ الآن إنما يتعلقانِ بي، ويمكنني حتى أن أقول: لكأنَ العالمَ قد وُجِدَ لأجلي وحدي، فيكفي أن أُطلَقَ النارَ عليَّ حتى يختفي العالمَ ولا يعودُ موجودًا، على الأقل بالنسبةِ لي؛ ولا أقول الآن أن لا شيءَ سيبقى في حقيقة الأمر للجميع من بعدي أنا، وما أن ينطفئُ وعيي حتى يتلاشى العالم كلهُ في اللحظةِ نفسها كما يتلاشى شبح، لأن كل هذا ينتمي إلى وعيي أنا وحدي، ربما لأن هذا العالمَ كله، والناس كلهم ليسوا سوى (أنا) وحدي [...] المسدسُ يضطجعُ أمامي على الطاولة، ولا بدُّ أنني سأنتحرُ؛ لكن هناك الأسئلة تثيرُ في أعماقي النار وتمنعني من الموتِ قبل أن أحلها [...] إن تلك الحياة التي تعلونَ من شأنها كنتُ سأنهيها بطلقة مُسدس، لكن حلمي، حلمي أنا - فقد حَمَلَ إليّ حياةً جديدة عظيمة متجددة وقوية!

▬ الأحلام، كما هو معروف، أشياءٌ غريبة، بعضها يُعرَضُ لك رهيبًا حادًا وجليًا بكل تفاصيله، كقطعةٍ نقديةٍ تَخرجُ من بين يدي الصائغ. وفي بعض الأحيان تسبحُ عبرَ الزمانِ والمكان ولا تلتقطُ شيئًا. من الجلي تمامًا أن ما يُحرّك الأحلام فينا هو الرغبة وليس العقل، هو القلب وليس الرأس، ورغم هذا فإن عقلي في أحيان كثيرة يلعب دورًا كبيرًا في أحلامي، ويطرحُ أشياءً عجيبة صعبة التفسير!. من ذلك أن أخًا توفي منذ خمس سنوات، وهو يظهر في أحلامي أحيانًا: فيشاركُ في أعمالي، ونشعرُ بمتعةٍ كبيرة، وخلال كل ذلك لا يغيب عن بالي أن أخي هذا ميتٌ ومدفون.

▬ على أرضنا لا نستطيع أن نحب إلا مع الألم والعذاب، وفقط من خلالهما، وإلا فإننا لا نستطيع أن نحب، بل لا نعرفُ حبًا آخر. لهذا أن أطلبُ العذابَ كي أتمكن أن أحب، كم أتعطش في هذه اللحظة أن أقبلَ الأرضَ وأغسلها بدموعي، تلك الأرض التي هجرتها والتي لا أريد، بل لا أستطيعُ العيشَ إلا عليها فقط!

▬ أنا إن خُدِعتُ فليس إلى زمنٍ طويل، لأنني رأيتُ الحقيقة، لقد رأيتُ وعرفتُ أن البشرَ يمكن أن يكونوا رائعين وسعداء دون أن يفقدوا القدرة على الحياة فوق سطح الأرض. أنا أريدُ ولا أستطيعُ أن أصدق أن الشر حالة طبيعية للإنسان، غير أنهم جميعًا يسخرون مني بسبب اعتقادي هذا، ولكن كيف بإمكاني ألا أؤمن بذلك: لقد رأيتُ الحقيقةَ ولم أختلق أمرًا ذهنيًا، لقد رأيتها.. رأيتها، وامتلأت روحي "بأنموذجها الحي" إلى الأبد. شاهدتُها في تجلّيها المطلق، ولم أصدّق أنها لن تتحقق عند البشر. وهكذا، كيف لي ألا أضل؟ وأنحرف، بالطبع سيحدثُ ذلكَ أكثرَ من مرة، وقد أتحدث بكلامٍ غريب، ولكن ليس لوقيتٍ طويل: فالأنموذج الذي رأيته سيبقى معي دائمًا، يُصحح لي ويوجهني..


▬ حلمٌ؟ وما هو الحُلم؟ وهل حياتنا أكثر من حلم؟ وسأقول أكثر من ذلك: فليكن أن كل ذلك لن يتحقق وأن الجنة لن توجد أبدًا (وأنا أفهم تمامًا ذلك) - لكنني رغم ذلك سأنطلق مبشرًأ، فما أسهل الأمر رغم كل شيء: فمن الممكنِ في يومٍ واحد، بل (في ساعةٍ واحدة) - أن يُعاد بناء كل شيء وبالسرعة القصوى؛ وإنما المهم - أن تُحبَّ الآخرين كما تحب نفسك، وهذا الأمرُ الرئيسي الذي لا يعدله أمر: فمتى حققتموه بنيتم الجنة. وبالمناسبة هذه حقيقةٌ قديمة قرأها البشرُ ورددها بلايين المرات. فكيف إذًا يمكن التعايش مع الفكرة التي تقول: "إن وعي الحياة فوق الحياة نفسها، ومعرفة قوانين السعادة هي أعلى من السعادة" - إن ما يجب النضال ضده هي هذه الفكرة بالتحديد! وسأفعل ذلك. ما إن يرغب الجميعُ في شيء حتى يتحقق من لحظتها.

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الأخوة كارامازوف (فيودور دوستويفسكي)، ترجمة (سامي الدروبي)

[الجزء الأول]

• الإنسان الشاذ ليس حتمًا - ليس دائمًأ - ذلك الذي يسلك سبيل الخصوص والتفرد، حتى لقد يتفق، خلافًا لهذا، أن يحمل في ذاتِه حقيقة عصره، بينما يكون الناس، جميعُ الناس، من معاصريه، قد ابتعدوا عن هذه الحقيقة إلى حين، كأنهم دفعتهم عنها ريحٌ هبّت عليهم على حين فجأة... ص 26
• إن في البشرِ - حتى أعتى المجرمين - من السذاجة والطيبة فوق ما قد نتخيل. وهذا يصدق علينا نحنُ أيضًا. ص38
• حين يختار المريد شيخًا لنفسه يتنازل عن حريته، ويلزم نفسه بطاعةٍ مطلقة، ناسيًا ذاته كل النسيان. ص73
• إن الكذابين العريقين الذين ظلوا طوال حياتهم يمثلون يبلغون أحيانًا من عمقِ تقمصهم للدور الذي يمثلونه أنهم يرتعشون انفعالاً ويبكون، رغم قدرتهم على أن يقولوا لأنفهسم في الوقتِ نفسه (أو بعد بضع دقائق): "أنت تكذب أيها الكذاب العريق! ص168
• إن مشكلة آل كارامازوف جميعًا تكمن هنا: هم أناس شهوانيون، أناس طماعون، أناس بسطاء! صــ 182
• أفظع ما في الجمال ليس أنه مخيف، بل إنه سر لا يُفهم. في الجمالِ، يصطرعُ الرحمن مع الشيطان.. وفي قلبِ الإنسان إنما تدور رحى هذا الصراع. لئن تكلمتُ على هذا كثيرًا، فلأن بي منه عذابًا.. صــ 240

▬ ولكني أعتقدُ أن أليوشا (أليكسي – الإبنُ الثالث لفيدور كارامازوف) كان واقعيًا أكثر من أي إنسان آخر. صحيح أنه اكتسب في الدير إيمانًا بالمعجزات وأنه كان صلبًا جدًا في هذه الناحية، ولكن المعجزت لا تستطيع في رأيي أن تزعز فكر إنسان واقعي. ذلك أن المعجزت ليست هي التي تولِّد الإيمان لديه. إن الواقعي الحقيقي إذا كان غير مؤمن يستطيع دائمًا أن يجد في نفسه القوة والقدرة على إنكار معجزة من العجزات، فإذا أكدت هذه المعجزة نفسها بحادثة لا سبيل إلى جحودها آثر أن يشك في صدق حواسه على أن يسلم بالواقع. حتى إذا قرر أخيرًا أن يعترف بهذا الواقع عدَّهُ ظاهرة طبيعية كانت إلى ذلك الحين مجهولة له لا أكثر.. إن المعجزات لا تولِّد الإيمان لدى الواقعي. بالعكس: فإن الإيمان هو الذي يستدعي لديه المعجزات. فمتى أصبح مؤمنًا سلَّم بالمعجزاتِ حتمًا، بحكم واقعيته نفسها. لقد أعلن الرسول توما أنه لن يؤمن بشيء قبل أن يرى، ولكنه حين رأى قال: "أنت ربي وإلهي". فهل المعجزة هي التي أدت به إلى الإيمان؟ أغلب الظن أن لا... وأنه إنما آمنَ لأنه كان يريدُ أن يؤمن، بل لعله كان مؤمنًا إيمانًا عميقًا، من قبل، في سره منذ كان يقول: "لن أؤمن ما لم أشاهد". صــ 69، 70

▬ ورَفَعَ دمتري فيدوروفتش (الإبنُ الأول لفيدور كارامازوف) رأسه مفكرًا، ثم أخذ يتلو هذه الأبيات من الشعر بلهجةٍ نافذة: سكان الكهوف الخائفون الوجِلون.. اختبأوا شبه عراة في المغاورِ، بينما كان البداة العتاة يسلبون السهول والغابات.. كان الصيادون المسلحون بالحرابِ والنبالِ.. يبثون الذعر في قلبِ كلِ حي يتنفس، ويلٌ لمن ترميه الأمواج الهائجة على شاطئ أجنبي.. من أعلى الأولمب الهادىء.. هبطت الأم على الأرض.. تبحث عن بروزربين. ناصبتها الأرضُ العداء، لم يستقبلها أحد.. لم تجد مأوى لها في مكان.. بَحَثَت الآلهة عبثًا عن معبد يمجدُ ألوهيتها. لا يرى أحد في المآدب.. ثمار الطبيعة مضيئة ساطعة، وعلى الهياكلِ الدامية يتصاعد دخن القرابين المضحى بها. تأملتْ سيريس المشهد الأليم، بنظرات تفيض حزنًا وأسى.. في كلِ مكان يذل الإنسان.. وعذابه شديد لا حدود له!.. صــ 236، 237

[الجزء الثاني]

• لقد مَلَكتَ نصفَ الحقيقة ما دُمتَ تُحب الحياة، ولم يبقَ عليك إلا أن تملك نصفها الآخر حتى تحقق لنفسك الخلاص والسلامة. (أليكسي) ص152
يكون المرء أقرب إلى الحقيقة حين يكون غبيًأ.إن الغباء يمضي نحو الهدفِ رأسًا. الغباء بساطة وإيجاز، أما الذكاءُ فمكرٌ ومخاتلة. إن الفكر الذكي فاجرٌ فاسد، أما الغباء فمستقيمٌ شريف. (إيفان فيدوروفتش) ص 163
• إنني لم أستطع في يومٍ من الأيام أن أفهم أن يحب المرء الناس القريبين منه. ففي رأيي إن أقرب الناس إلينا يستحيل علينا أن نحبهم، بل قد نستطيع أن نحب البعيدين عنا. (إيفان فيدوروفتش كارامازوف) ص164
• إننا لا نستطيعُ أن نُحب إنسانًا إلا إذا ظل مختفيًا عن نظرنا. فمتى لمحنا وجهه تبدد الحب. (إيفان) ص164
• إن الكون يقوم على سخافات بدونها قد لا يوجد شيء وقد لا يحدث شيء. (إيفان) ص178
• إنني في حاجة إلى قصاص وعدل، وإلا دمرتُ نفسي. وهذا القصاص الذي أطالبُ به أنا لا أريده في "لا نهاية" لا يمكن الوصول إليها، وفي "أبدية" تفوقني، وإنما أنا أريدُ أن اراه على هذه الأرض، أنا أراه بعيني. ص179
• إنه لا قلق أرسخ في قلب الإنسان من قلق الحاجة إلى العثور على من يستطيع أن يُضحي له سريعًا بالحرية التي وهِبَت له، هو المخلوق التعس منذ وُلِد. (إيفان - على لسان المفتش الأكبر) ص 199
• إن سر الوجود الإنساني ومبرره ليس في إرادة الحياة، بل في الحاجةِ إلى معرفة السبب الذي يدعو الإنسان إلى الحياة. فالإنسان ما لم يكن على يقين من هدف حياته، لا يقبل أن يوجد في العالم بل يؤثر أن يدمر نفسه، ولو ملك الخبز وافرًا كل الوفرة. (إيفان على لسان المفتش الأكبر) ص199
• الحقَ الحقَ أقولُ لكم: إن لم تقع حبةُ القمحِ في الأرض وتَمُتْ فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت فهي تأتي بثمرٍ كثير. (إنجيل يوحنا، الإصحاح 12، الآية 24) ص 305
• أيها الإنسان لا يحملنك كبرياؤك على التعالي على الحيوانات، فهي بلا خطيئة، أما أنت فإنك مع عظمتك تُدنس الأرض بوجودك وتخلف أثرًا نجسًا حيث تمر. (الشيخ زوسيما) ص324
• الحب يا إخوتي معلمٌ كبير، ولكن يجب أن نعرف كيف نملكه. إنه لا يُكتَسَب بسهولة؛ وإنما يحصل عليه الإنسان بثمنٍ باهظ، بجهد متصل وفي زمنٍ طويل. ذلك أن المقصود ليس هو أن تحب مؤقتًأ ومصادفةً، بل أن تحب حبًا مستمرًا مطردًا. إن أي إنسان، حتى المجرم، يمكن أن يشعر بحبٍ طارئ عابر. (الشيخ زوسيما) ص325
• لقد تسائلتُ: "ما الجحيم؟" فأجبتُ: "هو عذاب الإنسان من أنه أصبح لا يستطيع أن يحب". (الشيخ زوسيما) ص330

[جاء على لسان الأب فيدودور بافلوفيتش كارامازوف وهو يحاور ابنه أليوشا (ألكسي)]

إنني أسترسلُ في خلاعتي إلى آخرِ أيام عُمُري. إنَّ الخلاعةَ تُلَطِّفُ الحياة: جميعُ الناسِ يعيبونَ الخلاعة، ولكنهم جميعًا يتعاطونها. كل ما هنالك أنهم يتعاطونها سرًا على حين أنني أتعاطاها علانيةً. إنّ صراحتي وسذاجتي هما اللتان تُعرضاني لهجوم ونقد تلك العُصبة الفاسقة من الوعاظينَ بالأخلاق. أما جنتُكَ يا ألكسي فيدوروفتش فإنني لا أريدُها لنفسي... اعلم هذا... وسيكون من غيرِ الحشمةِ أن يذهب الإنسان اللائق إلى جنتك، إذا وجدت هناك جنة. وفي رأيي أنا أن المرء ينام ثم لا يستيقظ، ولا شيء بعد ذلك. صلّوا من أجلي بعد موتي إذا شئتم، وإن لم تشاؤوا فلا تصلوا... شيطان يأخذكمز... تلك هي فلسفتي في الحياةِ كلها. صــ 31

[جاء على لسان إيفان فيدوروفيتش موجهًا كلامه إلى أخيه ألكسي في حضرة كاترينا إيفانوفنا]

▬ أنت مُخطىء يا عزيزي أليوشا. فإن كاترينا إيفانوفنا ما أحبتني في يومٍ من الأيام! وكانت تعلم منذ  البداية أنني أحبها، رغم أنني لم أحدثها في حبي قط. كانت تعلم ذلك، ولكنها لم تحبني. لا ولا كنتُ صديقها في ظرفٍ من الظروف. إن هذه المرأة المتكبرة لم تكن في حاجةٍ إلى صداقتي. وهي لم تحتفظ بي إلى جانبها إلا لتستطيع إرواءَ ظمئها إلى الإنتقام، إلا لتثأر مني، نعم مني أنا، لجميع الإذلالات والإهانات التي أنزلها فيها دمتري منذ أول لقاء بينهما... ذلك أن ذكرى هذا اللقاء الأول قد بقيت في نفسها إهانة أليمة وجُرحًا بالغًا. هذه هي كاترينا إيفانوفنا! أما أنا لم يكن أمامي طوال الوقت سوى الإصغاء إليها متحدثةً عما تحمله من حب دمتري. وسأنصرفُ الآن. ولكن اعلمي يا كاترينا إيفانوفنا أنكِ لا تحبين حقًا إلا دمتري. وستحبينه مزيدًا من الحب على قدرِ ما سيذلك مزيدًا من الإذلال. ذلك هو تَمَزُّقكِ كله فأنت تحبينه كما هو؛ أنت إنما تحبينَ الرجلَ الذي يهينك. ولو أصلحَ نفسهَ في يومٍ من الأيام، إذًا لأشحتِ وجهكِ عنه فورًا، ولكففتِ عن حبه حتمًا. ولكنكِ محتاجةٌ إليه، كيما تستطيعي أن تتأملي منظر وفائك البطولي، وكيما يُتاح لكِ أن تأخذي عليه خياناته. وذلك كله زهوًا وتكبرًا. إن ههنا جحيمًا من مذلة تريدينها وتتحملينها، والكبرياءُ هي التي تدفعكِ إلى السعي وراء هذا الجحيم... إنني مازلتُ في ريعانِ الشباب، ولقد أحببتكِ فأسرفتُ. والآن أدرك أنه ما كان عليّ أن أقول ذلك وأن ابتعادي صامتًا أحفظُ لكرامتي أنا، وأخف وطأة على جروحكِ أنتِ. ولكنني سأسافرُ إلى مدينةِ نائية، ولن أعودُ بعدئذ أبدًا. إننا نفترق إلى الأبد... لقد سئمتُ من أن أكون شاهدًا على تمزقاتك النفسية... صــ 71 ، 72

[جاء على لسان سمردياكوف (الإبنُ غير الشرعي للأب كارامازوف)]

▬ ما الشعرُ إلا سخفٌ وحماقة!. الشعرُ هزلٌ ولا جد. إقضي في الأمر بنفسكِ: من ذا الذي يتكلم في هذا العالمِ مُقَفِّا؟ ولو أخذ جميع الناس يتكلمون شعرًا، حتى بأمر صادر عن السلطات مثًلا، لما وجدوا أشياء كثيرة يقولونها. لا... صدقيني يا ماريا كوندراتيفنا: ما الشعرُ إلا كذبٌ وتصنّع! صــ 138

[إيفان فيدوروفيتش موجهًا حديثه إلى أخيه أليكسي]

▬ لستُ أرفض الله... افهمني جيدًا... وإنما أنا أرفض العالم الذي خلقه ولا أستطيعُ الموافقةَ على قبولِه. وها أنذا أشرح لكَ ما أريد قوله: إنني أؤمن إيمانًا جازمًا، كإيمانِ الطفل، بأن آلام هذا العالم ستخف شيئًا بعد شيء وستزول آخر الأمر، وأن هذه المهزلة الحقيرة، مهزلة التناقضات الإنسانية ستتبدد تبدد سراب باطل، تبدد شيء تافه اخترعه ذهن إنساني ضعيف صغير، وستتبدد تبدد الذرة في ذهن إقليدس. أؤمن بأن حقيقة ستنبثق أخيرًا في خاتمة المطاف من هذه الحياة، حين يتأكد الإنسجام الأدبي، فإذا هي تبلغ من السمو والنقاء أنها تهدىء جميع القلوب، وتُسكّن جميع أنواع الغضب، وتكفّر عن جميع جرائم الإنسانية، وتفدي كل الدم الذي سُفح على الأرض. وهذه الحقيقة لن تتيح العفو عن جميع الأخطاء الإنسانية فحسب، كائنة ما كانت تلك الأخطاء، وإنما هي ستسوِّغها فوق ذلك. لنسلّم بهذا كله! ولكن حتى في هذه الحالة، فإنني لن أقبل الأمر ولن أريد أن أقبله! ألا فلتلتقِ الخطوط المستقيمة المتوازية ولأرى ذلك، فأعترف بأنها التقت، ولكنني لن أقبل ذلك. تلك طبيعتي يا أليوشا، وتلك أحساسيسي ووجهة نظري بالعالم. لقد حدَّثتك حديثًا جادًا كل الجدة في هذه المرة. تعمدتُ أن أبدأ حديثنا على أغبى نحوٍ ممكن، ولكنني قدته إلى حيث أبلغ اعترافًا كاملاً صداقًا، لأن ذلك وحده يهمك. ليس الحديث عن الله هو ما كنتَ تريد أن تسمعه مني، وإنما كنت تريد أن تعرف ما يدور في نفس أخٍ تحبه. فها أنت عَرَفتَ. صــ  162

[جاء على لسان إيفان فيدوروفتش موجهًا حديثه إلى أخيه أليوشا (ألكسي)]

▬ الأطفال يمتازون على الأقل بأن المرء يستطيع أن يحبهم من قرب، مهما تكن وساختهم ودمامتهم (وإن كنتُ أعتقدُ أن وجهَ طفلٍ لا يمكن أبدًا أن يكون دميمًا)؛ ثم إنني لا أحب أن أتكلم عن الكبار، ليس لأنهم يبعثون على الاشمئزاز ولا يستحقون الحب فحسب بل لأنهم يتمتعون من وجهة أخرى بتعويض: فهم قد أكلوا التفاحة وعرفوا الخير والشر وأصبحوا "شبيهين بالآلهة"، وما يزالون يأكلون منها... أما الأطفال فإنها لمّا يذوقوا تلكَ الثمرة، فبراءتهم ما تزال سليمة لم يمسها سوء... هل تحب الأطفال يا أليوشا؟ إنني أعلمُ أنك تحبهم، ولسوف تفهم إذًا لماذا لن أحدثك إلا عنهم. إذا اتفق للأطفال أن يتألموا ألمًا قاسيًا في هذا العالم، فذلك لا يمكن إلا أن يكون بذنب آبائهم الذين أكلوا التفاحة، ومن أجلِ أن يُكفّروا عن تلك الخطيئة. ألا إن هذا فهم ليس من هذا العالم، وسيظل قلب الإنسان على هذه الأرض عاجزًا عن إداركه. إن من الظلمِ أن يُعّذب أبرياء - أبرياء إلى هذه الدرجة من البراءة - لذنبٍ اقترفه غيرهم. أنا أيضًا أحبُ الأطفال كثيرًا يا أليوشا، تخيل هذا... سجّل هذا! إن القساة الضواري أصحاب الأهواءِ الجامحة، من أمثال آل كارامازوف، كثيرًا ما يحبون الأطفال، فالأطفال يختلفون عن الكبار اختلافًا عظيمًا ما ظلوا صغارًا لمّا يتجاوزاً السابعة من أعمارهم، حتى لكأنهم ينتمون إلى نوعٍ آخر، لأن طبيعتهم ليست كطبيعتنا... صــ 166، 167

[شخص يحب فعل الخير موجهًا حديثه للشيخ زوسيما (عندما كان الشيخ شابًا)]

▬ ... واستأنف كلامه قائلاً: "إن كلاً منا يحمل في نفسه جنة مدفونة. إن هذه الجنة قائمة في نفسي وإن تكن مختبئة. وحسبي أن أريد، حتى أجعلها تنبجس منذ اليوم فأحتفظ بها طوال حياتي". كان يتكلم بشيء من الحماسة والتأثر؛ وفي نظرته الغامضة رأيتُ ما يشبه أن يكون سؤالاً مستترًا. وتابع كلامه يقول: "إنه لصحيح كل الصحة أن كل إنسان مرتكب كل الذنوب في حق كل الناس، هذا عدا خطاياه الخاصة. تلك حقيقةٌ كبرى عبَّرتَ عنها، ولا يسعني إلا أن يدهشني أنك استطعتَ أن تكتشفها كاملة، دفعةً واحدة. ومن المحقق أن ملكوت السموات سيكون واقعًا لا حلمًا فحسب، في اليوم الذي تفهم الإنسانية فيه هذه الحقيقة". صــ 292

[الجزء الثالث]

• لعلني لم أغفر له بعد. قلبي يتهيأ للمغفرة، وسأحاول أن أقاومه. آه، يا أليوشا! ما كان أعظم تلذذي بالدموع التي سكبتُها طوال خمس سنين. إن عذابي هو ما أحب. إنني أحبُ ألمي، ولا أحبه هو! (جروشنكا) ص65
• يجب أن نغفر الأقوال الطائشة، لأنها تهدئ النفوس... وبدونها يصبح ألم الإنسان أشد من أن يُطاق.. (أليوشا) ص72
• إن أي إنسان يمكن أن يكون وغدًا، ولا شك أننا جميعًا أوغاد بدرجاتٍ متفاوتة. (ديمتري كارامازوف) ص334

[الجزء الرابع]

• لا أقُدِّر تاريخ العالم. إنه دراسة الحماقات البشرية، لا أكثر. (الصبي كوليا أو نيقولاي)ص81
• الحق أنني لا اعتراض لي على الله. صحيح أن فكرة الله ليست إلا افتراضًا.. ولكنني أعترف بأن الله ضروري، بل ولا غنى عنه للمحافظة على النظام.. وهلم جرا.. إذا كان الله غير موجود فيجب أن نخترعه! (كوليا متأثرًا بمقولة فولتير) ص86
• الحقيقة أن الأفراد الذين يملكون مواهب عالية، في هذا العصر، يخشون أن يعدهم الناس مضحكين، وهم أشقياء لهذا السبب. (أليوشا) ص94
• كن مختلفًا ولو صرت وحيدًا.. الواقعُ أنك لا تشبه الآخرين. (أليوشا) ص94
• إن الإنسانَ يستطيع أن يحلم بأشياء مسلية، أما الحياة فهي مضجرة دائمًا. (ليزا) ص146
• الحاجة إلى تحطيم شيء ما، أو إشعال المنزل (كما قلتِ منذ هنيهة). هذه العواطف توجد في نفوسنا أحيانًا. (أليوشا) ص147
• البشر يحبون الجريمة.. لا في بعض الساعات فحسب. وكأن هناك اتفاقًا عامًا بين الناس على الكذب، في هذا الأمر ما من أحد يحب أن يكون صادقًا. هم جميعًا يؤكدون أنهم يكرهون الشر، مع أنهم يحبونه في سريرة أنفسهم. (ليزا) ص148
• ليس يهمني الألم. لن أخشى الألم بعد الآن، كنتُ أخافه في الماضي، ولكنني أصبحتُ لا أخاف منه. (ميتيا أو دمتري) ص168
• إذا لم يوجد الإله اللانهائي، فالفضيلةُ إذًا باطلٌ لا جدوى منه ولا داعي إليه. (إيفان) ص250
•  إنَ العذابَ هو الحياة. ما عسى أن تصيرَ إليهِ الفرحةُ بالحياةِ في هذا العالمِ إذا لم يوجدِ الألم؟ لن يكونَ هنالكَ عندئذٍ إلا نشيدٌ متصلٌ ولطفٌ لا ينتهي. وذلكَ شيءٌ نبيلٌ جدًا، مقدسٌ جدًا، ولكنهُ باعثٌ على أشدِّ المللِ وأعمقِ السأم. (الشيطان الذي تحدث إلى إيفان فيوروفتش)

[الصبي "كوليا كراسوتكين" ذو الثلاثة عشر عامًا موجهًا حديثه إلى الصبي الذي يصغره بعامين "سموروف"]

▬ كلا.. ليس في الطبيعةِ ما يَضحِك، رغم كل ما قد يظنه الإنسان لامتلاء عقله بأوهامٍ حمقاء! لو كان في وسع الكلاب أن تفكر وأن تنتقد لوَجَدَتْ حتمًا في السلوك الاجتماعي لدى البشر، سادتهم، من الأمورِ المضحكة في نظرها مثل ما نجد نحن في سلوكها، وربما أكثر من ذلك! أكرر ذلك: لأنني مقتنعٌ بأننا نرتكبُ من الحماقات أكثر مما ترتكب الحيوانات... صــ 33

وأيضاً:

▬ هل لاحظتَ يا سموروف إن المرء، حين تهبط الحرارة في وسط الشتاء إلى خمس عشرة درجة تحت الصفر أو حتى إلى ثماني عشرة درجة، لا يشعر بالبردِ مثلما يشعر به في بداية الشتاء حين تتجمد المياه عرضًا ولا تهبط الحرارة إلى أكثر من اثنتي عشرة درجة تحت الصفر، ولا يكون هنالك إلا ثلجٌ قليل. كما هي الحال اليوم؟ ذلك إن الناس لا يكونون قد اعتادوا البرد. كل شيء في الإنسانية عادة، والأمرُ كذلك في ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية. إن العادةَ هي المحرك الكبير للحياة الإنسانية.. صــ 33

[قال أليوشا مبتسمًا موجهًأ حديثه إلى الصبي كوليا]

▬: فكر قليلًا.. في المسرح تُمَثَّل التمثيليات للكبار، ومع ذلك نرى فيها مغامرات أبطال، ومعارك حروب، بل ونرى فيها لصوصًا من قُطّاع الطرق في بعض الأحيان. أليس هذا هو ذلك اللعب نفسه في حقيقة الأمر، وإنما اكتسى صورةً أخرى؟ اعلم أن الصبيان الصغار، حين يلعبون لعبة الحروب أو لعبة اللصوص من قطاع الطرق أثناء فترات الاستراحة بين الدروس، إنما يقومون بعمل فني أيضًا على طريقتهم الخاصة. هذا فنٌ ناشئ هذه تطلعات فنية تتجلى في نفوس الصغار. وإن هذه الألعاب لتكون في بعض الأحيان أجمل من تمثيليات المسرح. الفرق الوحيد هو أن الناس يجيئون إلى المسرح ليروا الممثلين، على حين أن الأطفال في ألعابهم هم ممثلون ومشاهدون في آنٍ واحد... صــ 55

[دمتري "ميتيا" موجهًا حديثه إلى أليوشا "أليكسي"]

▬ حماك الله يا فتاي الصغير من استغفار امرأة تحبها، على خطيئة ارتَكَبْتَها فعلاً... لا سيما المرأة التي تحبها، مهما تكن أخطاؤك في حقها، لأن المرأة مخلوقة لا يعرفُ إلا الشيطان ما في نفسها. أنا خبير في هذا على الأقل. حاول مرة أن تعترف لها بأنك أذنبت في حقها، وأن تقول لها: "أنا مذنب، فاغفري لي، اغفري لي". لتسمعنَّ منها عندئذ سيلاً من ملامات. لن ترضى قط أن تغفر لك ببساطة، بل ستأخذ تذلك وتخفضك إلى الأرض، معددة جميع أخطائك، حتى تلك التي لم تقترفها. لن تنسى شيئًا، وسوف تضخم كل شيء، وستختلق أخطاء جديدة عند الحاجة، وبعد ذلك فقط سترضى أن تغفر لك. وخير النساء هن اللواتي يغفرن على هذا النحو. ولكنها ستفرغ أولاً أعماقَ دروجِ أحقادها وتلقيها على رأسك. تلك هي القسوة الكاسرة المفترسة القابعة فيهن جميعًا. أعلم هذا. كذلك خُلِقن، من أولاهن إلى آخرهن. هاته الملائكة اللواتي لا نستطيعُ أن نحيا بدونهن. سأطلعك بغير تكلف ولا تحرج على حقيقة كبرى يا صغيري الطيب: إن كل رجل يحترم نفسه يجب عليه أن يعيش تحت حذاءِ امرأة. ذلك هو اقتناعي العميق. بل هو أكثر من اقتناع: هو شعورٌ عميق وعاطفة حميمة. إن على الرجل أن يكون كريمًا، وهذا لن يغض من قيمته أبدًا، ولو كان بطلاً أو قيصرًا. أما أن يستغفر، فكلا ثم كلا! يجب على الرجل أن لا يستغفر امرأة بحال من الأحوال. تذكر دائمًا هذه القاعدة التي علمك إياها أخوك "ميتيا"، أخوك ميتيا الذي أوردته النساء موارد الهلاك. إنني أوثر أن أصلح أخطائي في حقِ "جروشنكا" بطريقةٍ أخرى، دونَ استغفار. إنني أعظمها وأقدسها حقًا يا ألكسي. ولكنها للأسف تعذبني بحبها. لم يكن هذا أمرًا ذا بال في الماضي. كنت في الماضي لا أحبها إلا بسبب منحيات جسمها الجهنمية. أما الآن فإن روحها هي التي نفذت في نفسي فصرنا روحًا واحدة. بها إنما أصبحتُ رجلاً. هل يزوجوننا في السجن؟ إن لم يزوجونا فلأموتن غيرة. كل يوم أحلم بأمورٍ فظيعة تثير غيرتي... صــ 172، 173

[جزء من مرافعة وكيل النيابة في المحكمة بعد اتهامه بقتل الإبن الأكبر "دمتري" لأبيه]

▬ أعودُ الآن إلى الإبن الثالثِ من أبناء رب هذه الأسرة الحديثة (دِمتري) ترونه أمامكم جالسًا في قفصِ الاتهام، وأمام أبصاركم تخطر حياته كلها، أعماله وسلوكه: لقد حانت الساعة التي يتضح فيها كل شيء. إنه يمثل خلافًا لما يمثله أخواه من اتجاهاتٍ أوروبية أو ميول شعبية، إنه يمثل روسيا على حالتها الطبيعية إن صح التعبير، ولكن لا روسيا من حسنِ الحظ، لا روسيا كلها والحمد لله! ولكننا نجدُ روسيا فيه، نشم رائحتها المألوفة، نُحزِّر حضورها! نعم، نحن أناس على حالةٍ طبيعية، يختلط فينا الخير والشر اختلاطًأ غريبًا. نحب الثقافة ونُعجَب بشيلر، ولكننا نعربد في الحانات ونجد لذة في جرِّ رفاق السكر من لحاهم. صحيح أننا نعرف كيف نكون أخيارًا طيبين وكرامًا أسخياء في المناسبات، ولكن ذلك لا يحدث لنا إلا حين نكون سعداء راضين عن أنفسنا. نحن نحب الأفكار النبيلة، ونلتهب حماسةً لها، نعم نلتهبُ حماسةً لها، ولكن شريطة أن تهبط علينا من السماء بغير جهد نبذله، وأن لا تُكلّفنا شيئًا، خاصةً أن ألا تكلفنا شيئًا. نحن لا نريد أن نبذل في سبيلها شيئًأ، نحن نكره أن نكون مضطرين إلى العطاء. ولكننا في مقابل ذلك نحب أن نأخذ، نحب الأخذ في جميع الميادين. لسان حالنا يقول: اعطونا، اعطونا جميع خيرات الحياة (أقول جميع الخيرات لأننا لا نرضى بأقل من ذلك)، ولا تعارضوا رغباتنا في شيء، تروا عندئذ كيف نستطيع أن نكون لطافًا محببين؛ ما نحن بالطماعين النهمين طبعًا، ولكننا نريد أن تعطونا مالاً، أن تعطونا مالاً كثيرًا، أن تعطونا أكبر قدر ممكن من المال: وسوف ترون عندئذ كيف نستطيع، باحتقارٍ نبيل كريم للمعدن الخسيس، أن نُبدده وأن نتلفه في ليلة واحدة أثناء قصفٍ محموم ولهوٍ مسعور. فإذا شاء سوء الحظ أن يُمنع عنا هذا المال، أظهرنا ما نحن قادرون على أن نفعله للحصول عليه متى اشتدت حاجتنا إليه... صــ 386، 387


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS