مقدمة في الأخلاق النظرية والتطبيقية (أحمد عبد الحليم عطية)


• يريد يكارت أن نفهم آليات انفعالاتنا ليتسنى لنا التحكم فيها، فإذا عرفنا أي عملية حميمة تولد السعادة أو الحزن، وأي مزيج وتشابك في المشاعر ينجم عنه القلق أو يشيع الطمأنينة في الأذهان؛ فسيمكننا هذا من اجتناب الاضطراب المستمر وينزل علينا السكينة ويجعلنا في حالة من الرضا. هذا هو محور "رسالة في الانفعالات".
• لا تفعل إلا بما يتفق مع القاعدة التي يمكنك في الوقت نفسه من أن تريد لها أن تصبح قانوناً عاماً. (كانط)
• افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك بوصفها دائماً وفي الوقت نفسه غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبداً كما لو كانت مجرد وسيلة. (كانط)
• إننا في حاجة إلى نقد القيم الأخلاقية، وإعادة طرح قيمة هذه القيم للبحث، لمعرفة الشروط التي ولدتها ونشأت فيها وتشوهت. (نيتشه)
• لقد كان "جينيالوجيا الأخلاق" متجهاً نيتشاوياً قدمه مقابل الميتافيزيقا للبحث عن الأحكام المسبقة في ميدان الاخلاق.
• إن البيوايتيقا كما تشير روس هي التعبير عن التزامنا ومسئوليتنا عن الإنسانية الحالية والمستقبلية، كما تُعني البحث عما يلزم من صور التقدير والاحترام للفرد الإنساني. وهي بحث يدور في إطار الطب والبيولوجيا وتطبيقاتهما المختلفة.
• تدور مجالات البيوايتيقا في: 1- أخلاقيات العيادة. 2- أخلاقيات البحث العلمي. 3- أخلاقيات السياسة الصحية.
• إن الأخلاق التي يتبناها معظم البيئيين تتطلب الحفاظ على المنظومات البيئية، وبالتحديد الأنواع النباتية، مهما كان الثمن، حتى لو أدى ذلك إلى قتل الحيوانات الثددية العاشبة المألوفة، بينما الأخلاق التي يتبناها الناشطون في تيار تحرير / حقوق الحيوان تفضل الحيوانات الثديية حتى لو أدى ذلك إلى المزيد من التدهور البيئي وتآكل التنوع الحيوي.
• أول ما يجب التسليم به في الدستور المقترح لأخلاقيات البيئة هو تحريم المساس بالبيئة بأي عمل من شأنه جعل حياة الأجيال القادمة أكثر صعوبة. وفي مقدمة هذه الأعمال الإسراف المستهتر في استهلاك الموارد الطبيعية وبخاصة تلك التي لا تتجدد. والعدوان على الأحياء البرية والتناسل بمعدلات تتجاوز الحد الكافي لبقاء النوع..

==========================================
▬ إذا عدنا إلى كتابات ديكارت واستخدمنا عباراته في "المقال في المنهج"؛ الذي يعيد فيه بناء الفلسفة من جديد؛ فإننا نجده يؤكد على أهمية الأخلاق وضرورتها واستحالة الاستغناء عنها؛ فلا يكفي قبل البدء في تجديد المكسن الذي نقيم فيه أن نهدمه وأن نحصل على مواد العمارة وأن نكون قد وضعنا له الرسم بعناية؛ بل يجب أن يكون لنا مسكن آخر نستطيع أن نأوي إليه في راحة أثناء العمل في ذلك المسكن. إن ديكارت هنا قبل أن يعيد بناء الفلسفة وقبل تجديد العلوم لا يستطيع أن يدخل الأخلاق مجال الشك أو أن يعلق الحكم عليها أو أن ينتظر ريثما يتم له تأسيس العلم؛ فهو لا يستطيع أن يحرم نفسه منذ الآن من أسعد حياة يقدرعليها؛ فالأخلاق مهمة جداً في فترة الانتقال، يجب أن هناك، مؤقتا بعض قواعد الأخلاق. ومن الطبيعي ألا تكون هذه القواعد متعلقة بالمسكن القديم الذي يرمي إلى هدمه ولا الجديد الذي يهدف إلى بناءه بل هي أشبه بالإيواء المؤقت أو قل بدقة إنها اتباع بعض العادات والأعراف والقواعد القديمة المتعارف عليها، والتي لا تتعارض مع ما سيكون عليه بناؤه الجديد. فهي تعبر عن مرحلة انتقالية إذا جاز التعبير أو هي قواعد مرحلية لم تكتسب بعد صفة العلم ولا نستطيع أن نصفها بالدوام ومن هنا تسميتها مؤقتة. وإن كانت في حقيقتها كما أوضحنا ضرورية ومهمة حتى وقت الانتقال إلى الفلسفة الجديدة. صــ 23

▬ يعرف ديكارت الفلسفة في بداية كتابه "المباديء" من خلال تشبيه الشجرة؛ الذي يرى فيه أن الفلسفة مثل شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزيقا والفروع التي تخرج من هذا الجذع هي جميع العلوم الأخرى التي ترجع إلى ثلاثة علوم كبرى: هي الطب والميكانيكا والأخلاق، ومن حيث إن المرء لا يجني الثمرات من جذور الأشجار ولا من جذوعها بل من أطراف فروعها فذلك أكبر منفعة للفلسفة تمتد إلى أجزائها التي لا يستطاع تعلمها إلا آخر الأمر". صــ 28

▬ ...وعلى ذلك يمكن القول إن هدف كتابات ديكارت الأخيرة هو أن يوضح لنا كيفية سيطرة الإنسان على الانفعالات، وهذه السيطرة تتم عن طريق إرادة الكائن العاقل، وهي إرادة حرية لا سبيل إلى قهرها، فالإنسان قادر على أن يناضل شهواته وانفعالاته مباشرة. وهو في هذا بحاجة إلى ضرب من السياسة واللباقة من أجل أن تتم له السيطرة على طبيعته أولاً قبل أن يمتد بأفقه للسيطرة على العالم، وهذه السيطرة على طبيعته مناطها الإرادة الإنسانية المسترشدة بنور العقل. إن الإرادة هي الصفة الوحيدة التي تحدد الإنسان. صــ 31

▬ يهدف كانط كما يخبرنا في مقدمة "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" إلى بيان المبدأ الأخلاقي الأعلى وتثبيت دعائمه، ومن أجل ذلك يبدأ بتحليل مفهوم "الإرادة الخيرة" ثم ينتقل إلى صياغة قوانين الأخلاق؛ لينتهي عند مفهوم الحرية. وميتافيزيقا الأخلاق عنده لا تستمد قوانين الأخلاق من الطبيعة الإنسانية ولا من عادات الناس؛ بل من العقل ذاته مباشرة ً، ولهذا فهي لا تستعين بعلم النفس ولا بعلم الإنسان. ويرى أن "الإرادة الخيرة" هي الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يعد خيراً في ذاته، وأن هذه الإرادة لا يُحكم عليها من خلال نجاحها ونتائج أفعالها بل فقط من خلال مقصدها ومسعاها [..] والذي يجعل من إرادة ما إرادة خيرة، هو مفهوم الواجب، فالإرادة الخيرة هي التي تُفعل إقراراً للواجب وليس وفقاً له فقط؛ لأن القيمة الأخلاقية للفعل إقرار بالواجب؛ ليست في الهدف الذي يُتوصل إليه بل تتعلق فقط بمبدأ الإرادة؛ الذي لا يخضع لأي موضوع من موضوعات الميل. ومن هنا يصبح الواجب هو ضرورة القيام بالفعل احتراما "للقانون"، وما يشكل الإرادة الخيرة هو أساساً خضوعها للواجب وليس تعارضها مع الميل. ولا يقصد كانط  أن الميول سيئة، ولكنه يرفض أن تشكل هذه الميول الإرادة ومبدأ الأخلاق. فهو لا يستبعد من الأخلاق الفعل الذي يساعد في إنجازه ميل، ولكنه يرفض الفعل القائم فقط على الميل؛ لأن الإرادة الخيرة هي التي تطيع الواجب مهما كان الميل. صــ 44

▬ تمثل الأخلاق ما يطلق عليه هيجل الروح الموضوعي، الذي نصل إليه بالانتقال من علم المنطق إلى فلسفة الطبيعة إلى فلسفة الروح، حيث نصعد من الروح الذاتي؛ الذي يشمل: علم الإنسان وفينومينولوجيا الروح وعلم النفس إلى الروح الموضوعي، والذي يشمل الحق المجرد، الأخلاق الذاتية، الأخلاق الاجتماعية حتى نصل إلى الروح المطلق، الذي يتجلى في الفن والدين والفلسفة. والحقيقة أن فلسفة الروح هي الجزء الجدير بأن ينتزع الإعجاب من المذهب الهيجلي كما يوضح برييه Brehier في حديثه عن هيجل في كتابه "تاريخ الفلسفة". صــ 55

▬ إن نيتشه الذي عده البعض فيلسوف الحياة، لتأكيده على قيمة الحياة يؤكد لنا على أهمية إعادة النظر في قيمة الحياة ليس فقط من منطلق منطقي بل من خلال الميول الإنسانية، الرغبة، المنفعة، الذاتية. إن قيمة الحياة ترتكز بالنسبة للإنسان العادي على كونه يولي نفسه أهمية أكبر من التي يوليها الناس. فالذاتية أو لنقل الأنانية؛ هي أساس تحديد الأخلاق. وترتيب المنافع. الأنانية مقولة أساسية في أخلاق نيتشه؛ وهي أقرب إلى الدفاع عن النفس. فإذا كان نقبل أخلاقية الدفاع عن النفس فمن الواجب علينا أن نقبل كذلك كل تمظهرات الأنانية - فنحن نفعل الشر كي نضمن بقاءنا وحمايتنا. نسلم بأن الإساءة عن قصد أخلاقية حين يتعلق الأمر بوجودنا أو أمننا. صــ 71

▬ إن ما يهدف إليه نيتشه من تأكيد الذات وتحقيق "إرادة القوة" يظهر في إعادة نظر جذرية للقيم وتحويلها من أخلاق العامة أو العبيد إلى قيم السادة، ونظراً لسيادة الأخلاق العامة في المجتمعات، وهي  الأخلاق السائدة فإن أخلاق النبالة والاستعلاء تعد خطراً، ولا أخلاقية، ونيتشه هو الذي يطالب بأخلاق القوة. ويعد - كما وصف نفسه - لا اخلاقي وهو وصف مضلل للقاريء؛ الذي يتوقف عند المعنى السائد للأخلاق، وقد يكون متناقضاً حيث يصدر عن فيلسوف درات أعماله جميعها حول الأخلاق. إن معنى اللاأخلاقية هنا ليس ضد الأخلاق (السائدة) التي يمكن أن نصف من يتبعها بالأخلاقي، ومن لا يتبعها – وإن كان يؤمن بها ويخضع لها - باللاأخلاقي بل إن المقصود باللاأخلاقي AMoralist هنا هو من يقف خارج هذه الأخلاق السائدة أخلاق العبيد والضعف، بمعزل عن الخير والشر المتعارف عليه. صــ 73

▬ إن نيتشه يؤكد على القول بأن تمرد العبيد على الأخلاق قد بدأ مع اليهود، بينما نجد أن كل أخلاق أرستقراطية تولد من تأكيد لذاتها نجد أن أخلاق العبيد توجه رفضاً لكل ما لا يشكل جزءاً من ذاتها، لما هو مختلف عنها ما هذا الرفض ؟ ، هذا القلب للتقييم ينتمي في جوهره إلى الحقد هنا إذن أصل مزدوج، أصلان لمفهوم الخير، حسب نشأتهم الأول لدى النبلاء، الأرستقراطية، المقاتلة، والآخر لدى الكهنة الذين قلبوا معناه، وبدأ ذلك بدافع العجز والحقد لدى اليهود الذين غيروا دلالة الفضائل وحولوا معنى القيم. صــ 79

▬ يؤكد هابرماس على التفاهم والتواصل والإجماع، وتماشيا مع فهمه للحداثة، باعتبار أن العلم الحديث بمختلف عوامله المعيشة يحتاج إلى "أخلاق تواصلية بهدف خلق شروط معيارية للاتفاق على الحقيقة المبرهن عليها دوماً، على أساس أن ادعاء الحقيقة يفترض نوعا من التنظيم المؤسسي للمناقشة العمومية، لأن نظرية الفاعلية التواصلية تؤكد على العلاقة العضوية بين مختلف أشكال الممارسة العقلانية. نتيجة لذلك كله يتعارض موقف هابرماس مع فلاسفة ما بعد الحداثة الذين يصفهم بأنهم يمثلون نوعا من النزعة الفوضوية؛ فالاحتجاج على الحداثة مطلب مكون للحداثة نفسها، ولكن رفضها مطلقا يعبرعن نفي للذات، وهذا النفي ليس له أي قيمة معيارية. صــ 93

▬ يهدف هابرماس من نقده العقل الأداتي إلى هدم معطيات هذا العقل، وذلك من خلال القضاء على مركزه الفلسفي الوضعي؛ الذي أبرز هذه الرؤية للعقل. ولم يقبل بالنقد العقلاني الذاتي للعقل المتمركز على ذاته. لأن وسيلة نقده هي الذات التي سرعان ما تتمركز على ذاتها، والحل الذي يقترحه هابرماس هو العقل التواصلي؛ الذي يقوم على تنشيط التواصل وقيمة الإنسان في المجتمع؛ فالعقل التواصلي هو المخرج من هيمنة العقل الآداتي. صــ 97

▬ قدم هابرماس نظريته الأخلاقية في عدة أعمال هي: "نظرية الفعل التواصلي"، "الأخلاق والتواصل"، "القول الفلسفي في الحداثة"، و "في أخلاق المناقشة". إن المعرفة عند هابرماس وآبل غير ممكنة إلا انطلاقا من شروط عقلانيات التواصل، فالتواصل غير ممكن إلا انطلاقا من الاستعمال الإنساني. وتستند عقلانية التواصل إلى أخلاقيات المناقشة والبرهنة؛ مؤكدة على الالتزام قبل أي نقاش. والموافقة مسبقاً على معايير منطق الخطاب وخصائصه (الصدق - الصحة - الصلاحية - الدقة - المسئولية - المعقولية) وكلها شروط التواصل العقلاني، ما يعني أن رفض مبدأ البرهنة يعني الانسحاب على الفور من جماعة الكائنات العاقلة. صــ 99

▬ المسئولية عند يوناس تُعني لديه أخلاق المستقبل، وهي الأخلاق التي تهتم بالمستقبل الذي نبحث عن حمايته من خطورة التطورات التقنية في مجال البيئة والهندسة الوراثية والتدخل في طبيعة الإنسان، وذلك لمصلحة الأجيال القادمة. فالمستقبل هو الموضوع الأساسي للمسئولية الأخلاقية. ولا يعني هذا أن المسئولية بعد زماني فقط، بل لها أيضاً بعد مكاني يبحث عن خير الأشياء الموجودة خارج المجال الإنساني، سواء مستقبلية كالأجيال القادمة أو غير بشرية كالكائنات الحية والطبيعة. صــ 117

▬ إن التقدم الذي لازم البشرية في كافة المجالات التقنية؛ يظهر أوضح ما يكون في ميادين علوم الحياة (البيولوجيا). هذا التقدم وصل إلى التحكم في الجسم والإنجاب والجهاز العصبي والوراثة البشرية، مما جعل المجتمعات تواجه وضعيات جديدة ويطرح قضايا غير مسبوقة ويضعنا أمام اختيارات في غاية الإشكالية. يهمنا التعريف بهذه الإشكاليات ومنها: هل يمكننا إجراء تجارب على أشخاص بدون علمهم وإذنهم؟ كيف نواجه قضية الإتجار بالأعضاء البشرية أمام تزايد القدرة على زراعة الأعضاء؟ وهل يمكن أن نضع حداً لحياة أشخاص مستحيل شفائهم؟ وما يتعلق بالعقم والحمل والإنجاب، وهل يمكن للمرأة الحمل بدلاً من غيرها من النساء؟ هل يجوز إجهاض الأطفال المشوهين؟ ما حدود التصرف في الجهاز العصبي؟ وما يتعلق بانتقاء الأجنة؟ وما حقوق الأجنة إزاء التجارب التي تجري عليها؟ وهل مقبول انتقاء أجنة خالية من العيوب الوراثية؟ وما نتائج الاستغلال الاقتصادي والعنصري للجينوم البشري؟ وكيفية التوفيق بين الآمال والمخاوف من اكتشاف "الخلايا الجذعية"؟ وما ينتج عن استنساخ من مخاطر على الطبيعة والهوية والكرامة البشرية؟ وغيرها من قضايا ناتجة عن التقدم العلمي والتكنولوجي الذي نشاهده اليوم. صــ 127 : 128

▬ للفكر البيوايتيقي جذور فلسفية ترجع إلى عصر الأنوار، ولدى البعض للعصر اليوناني وأبقراط في قسم الأطباء. كذلك ساهمت في الفكر البيوايتيقي بعض العوامل الخارجية والداخلية المرتبطة بالمجتمع الذي نشأ فيه. والجذور الأساسية التي تتمثل في: فلسفة التنوير وفكرة حقوق الإنسان والجذور، والجذور الفلسفية ترجع للبراجماتية وفلسفة كلّ من كانط وسارتر، ووقائع محاكمات نورمبرج... صــ 135

▬ تشتمل الإيتيقا على الجانب الأيكولوجي، لكن موضوع التقييم الأخلاقي هنا ليس الطبيعة بحد ذاتها وإنما موقف الإنسان منها، الذي هو في حقيقته موقف اجتماعي. إن الإيتيقا إذ تؤسس واجبات الإنسان إزاء الطبيعة إنما تنظر إلى هذه الواجبات على أنها امتداد لواجباته الاجتماعية. إن التوجه الإنساني الحق في الإيتيقا هو وحده القادر على توفير مناخ أخلاقي يسمح بتذليل (بحل) المصاعب الأيكولوجية عن طريق المجتمع. ومن هنا فإن مصطلح "الإيتيقا الإيكولوجية" أو الأخلاقيات البيئية الذي يستخدم للدلالات على أحد الاتجاهات الأخلاقية الراهنة عليه أن يأخذ في الاعتبار أن موقف الإنسان من الطبيعة لا يخلو من مضمون قيمي وأن الإيتيقا والإيكولوجية علمان وثيقا الارتباط أحدهما بالآخر في حياتنا الراهنة. صــ 166

▬ تتحدد بداية أخلاق العناية بصدور المقالة الرائدة "التفكير الأمومي" التي كتبتها الفيلسوفة سارة ريدك ونشرت عام 1980. وفيها اعتنت بالممارسة العنائية للأمومة والتفكير الخاص والمميز؛ الذي يصدر عنها والمعايير والقيم التي يمكن استشفافها منها. وهي ترى أن الأمومة تهدف إلى حفظ الحياة وتعزيز النمو في الأطفال كأفراد، ومساعدتهم على التطور كأشخاص محترمين. وإن فضائل كالتواضع وروح المرح تنبث في ممارسة الأمومة. لقد بينت في مقالتها كيف أن تجربة النساء في نشاط كالأمومة يمكن أن تنتج نظرة أخلاقية مميزة، وكيف أنه يمكن أن يكون للقيم التي تنبثق عنها علاقة بإطارات أوسع من الممارسة. مثلاً في نشر السلام... صــ189

▬ من خصائص أخلاق العناية : تلبية حاجات الأشخاص الفردية؛ الذين نتولى مسئوليتهم [..] إن النظريات الأخلاقية المبنية على صورة الفرد المستقل العقلاني الذي يحكم ذاته تتجاهل واقع الاعتمادية الإنساني والأخلاقي الذي تستلزمه [..] إن أخلاق العناية تقدر الانفعال ولا ترفضه، فإنها ترى الانفعالات مثل: التعاطف والتقمص العاطفي والحساسية والتجاوب نوعا من الانفعالات الأخلاقية التي تحتاج إلى الصقل [..] وهذا لا يعني أن الانفعالات الصرفة يمكن أن تكون مرشداً للسلوك الأخلاقي، فالانفعالات تحتاج إلى التأمل فيها وتثقيفها، لكن من وجهة نظر العناية، فإن الأبحاث الأخلاقية التي تعتمد كلياً على العقل أو الاستنباطات العقلية أو الحسابات تعتبر ناقصة [..] ترفض "أخلاق العناية" رأي النظريات الأخلاقية السائدة التي تقول: كلما ازداد التفكير في المشكلة الأخلاقية تجريداً ازدادات صحته، وكلما ازداد إمكان تجنب الإنحياز والعشوائية اقتربنا من النزاهة.
.
.
تميل نظريات الأخلاق السائدة كما ترى فريجينيا هليد إلى تفسير المشاكل الأخلاقية وكأنها نزاعات بين مصالح أنانية فردية من ناحية، ومباديء أخلاقية كلية من ناحية أخرى، وهناك اعتراف فالمفهوم المتطرف "الفرد الأناني" والمفهوم المتطرف لـ "الإنسانية"، لكن هناك تجاهلاً لما يقع بين هذين الطرفين. وعلى العكس تركز "أخلاق العناية" بصورة خاصة على ما يقع بين هذين الطرفين، فهؤلاء الذين يعتنون بالآخرين لا ينشدون تعزيز مصالحهم الفردية، وهم يسعون إلى حفظ وتطوير علاقة إنسانية واقعية بينهم وبين أفراد آخرين بعينهم، إن من ينخرطون في علاقات اعتنائية يعملون من أجل أنفسهم والآخرين معاً، وعلى هذا فإن موقفهم ليس بالأناني ولا هو بالغيري فمصلحة العلاقة الاعتنائية تشتمل على مصلحة أطرف تلك العلاقة ومصلحة العلاقة نفسها.
.
.
إن أخلاق العناية، تعيد صياغة التصورات التقليدية للعام والخاص، إن إطار الأسرة إطار خاص يتجاوز السياسة ولا يجوز للحكومة المبنية على التوافق Consent، أن تتدخل عنوة فيه [..] إن "أخلاق العناية" تخاطب القضايا الأخلاقية التي تنشأ عن علاقات بين أشخاص غير متساويين وغير مستقلين، وهي علاقات محملة غالباً بالعواطف، ومن ثم فهي تدرك كيف تنطبق هذه الصفات، ليس فقط على الأسرة، لكن أيضاً على المجتمع الأوسع. صــ 193 : 196


▬ يمكننا مقارنة أخلاق العدالة وأخلاق العناية على النحو التالي: ترتكز أخلاق العدالة على أسئلة تتعلق بالإنصاف والمساواة والحقوق الفردية والمباديء المجردة والتطبيق الذي يتناسب معها. وترتكز أخلاق العناية على العناية والثقة والاستجابة للحاجات وأطياف القصة وتنمية علاقات العناية. وبينما تبحث أخلاق العدالة عن حل منصف بين مصالح وحقوق فردية متنافسة، ترى أخلاق العناية أن مصالح الذين يقومون بالعناية والذين يتلقون العناية مترابطة. وبينما العدالة تحمي المساواة والحرية، فإن العناية تعزز العلاقات الاجتماعية التعاونية [...] وهذا الاختلاف دفع كثيرين إلى أن يستكشفوا كيف يمكن جمعهما في نظرية أخلاقية، وفي الإمكان القول بأننا في حاجة إلى العدالة في سياقات العناية كالأسرة للحماية ضد العنف، وتوزيع العمل الظالم أو معاملة الأطفال الظالمة. ويمكن أيضاً القول أننا في حاجة إلى العناية في سياقات كالعدالة في الشوارع والمحاكم حيث من واجبنا أن نعامل الأشخاص بطريقة إنسانية، وأيضاً نحتاج إلى العناية بطريقة التعامل مع التربية والصحة والخير العام، بوصفها مسئوليات اجتماعية. قد يوحي هذا بأنه لا يجوز فصل العدالة والعناية إلى نوعين مختلفين من "الأخلاق"، وفقاً لموقف سارة رديك Sarah Ruddick "يُنظر إلى العدالة دائماً على أنها متناغمة مع العناية". صــ 198

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الفلسفة اليونانية - من طاليس إلى أفلاطون (هدى الخولي)


• بدايات الانتقال من الفكر الأسطوري ووضع حجر الأساس للمنطق والذي شاء أن يحدث في بلاد الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد، كانت البداية الأولى للفلسفة.
• الفلسفة بمعناها العقلاني هي إنجاز يوناني محض، فالتأريخ للفلسفة يبدأ من طاليس أو من سقراط وكليهما من اليونان. أما الحضارات الشرقية ومتأملو الشرق، فهذا يُصنف عادة ضمن التعاليم الأخلاقية التي تسعى بدورها إلى خدمة الديانة.
• لا يتأمل العامة في طبيعة الأشياء التي يصادفونها ولا يعرفونها معرفة حقيقية، ولكنهم يظنون أنهم يعرفونها. (هرقليطس)
• إذا كان للبهائم والخيل والأسود أيادٍ لترسم الإله، فسوف يرسم كل منها الإله على شاكلته. (إكسينوفان)
• الوجود موجود واللاوجود غير موجود. (بارمنيدس)
• معظم معرفتنا عن السفسطائيين مستقاة من النصوص الأفلاطونية التي تنقلهم بصورة سلبية ربما تصل إلى حد تشويه صورتهم، وتقديم السفسطائي في تاريخ الفلسفة في صورة الدجال والمتاجر بالعلم.

▬ القول بأن ميلاد الفلسفة كان في بلاد اليونان، لا يعني أن الفكر اليوناني كان يفوق عقلانياً باقي الحضارات، لكن القول بأن أصل الفلسفة يوناني يرجع إلى الظروف التي ساهمت في ظهور الفكر الفلسفي في بلاد اليونان، ونقصد الظروف السياسية والثقافية والاقتصادية، فكل ظرف منها على حدة، وكلها مجتمعة ساعدت الفكر اليوناني في القرن السادس ق.م أن يضع خطواته الأولى ويبقى في الوقت نفسه على مسرح الأحداث إلى يومنا هذا. صــ 3

▬ التفلسف هو فعل الفلسفة، وجوهر التفلسف هو الحرية والتحرر من أية وصاية، كما يقول كانت، فإن ذلك لم يكن مسموحاً به في الحضارات القديمة ولم يسمح به النظام السياسي والذي كان يعتمد على حكومة الفرد. التفلسف هو محاولة خروج الإنسان من قصوره الذهني وتجاوز ذاته إلى فهم الوجود وتفسيره وإعطائه معنى أخلاقياً دون أي وصاية؛ بمعنى تفكيك وتفسير وتحليل ونقد إمكانات الإنسان وقدراته. وإذاً كانت الحرية ضرورية لممارسة التفلسف بواسطة الوعي النقدي والذي هو ضروي لتكوين الفكر الفلسفي، الذي يشحذ الفكر وينمي قدراته وطاقته المعرفية فيجد ويجهتد في النظر إلى الوجود بتفكير سببي وليس غيبي. صــ 10

▬ تمثل بدايات الفلسفة الأولى في بلاد اليونان أولى الخطوات على هذا الطريق. ففي البدايات الأولى للتفكير الفلسفي عند اليونان نلاحظ أن الأسطورة والمنطق، الديانة والفلسفة أمور مترابطة تقدم في بعض الأحيان كمزيج مختلط، وكلما تقدمنا تاريخياً نجد الفكر الفلسفي أكثر تحديداً واستقلالاً. ودون أن يعني ذلك أنه في مراحل الفلسفة اليونانية المشرقة كان هذا الاستقلال تاماً ونهائياً! المهم في تاريخ الفلسفة أن نحدد مسيرة الفلسفة في محاولتها للتخلص من الأسطورة والتعرف على العمليات المختلفة التي قام بها كل فيلسوف من الفلاسفة لتحويل العناصر الأسطورية إلى نظام من المفاهيم المحددة بهدف تشكيل فهم دقيق عن الكون في صياغة منطقية. صــ 27

▬ إن هدف الأسطورة و الفلسفة واحد، لكنهما يختلفان في الطريقة والصياغة؛ فالفلسفة تلجأ إلى مخاطبة العقول بواسطة المنطق على حين تخاطب الأسطورة القلوب عن طريق الرمز والصور المليئة بالألوان والأحداث الجذابة. كما تتميز الأسطورة عن الفلسفة بأنها عادة ما ترتبط بالدين فتتأثر به وتتدخل بطريقة أو بأخرى في طقوسه [...] الأسطورة اليونانية القديمة - المثيولوجيا - هي مجموع اعتقادات وتصورات الإنسان لذاته، وللطبيعة وللكون، في صورة ملاحم شعرية تروي القصص الخيالية [...] تتميز الموضوعات التي تدور حولها الأسطورة بالتعميم والشمولية مثل: الموت والعالم الآخر، معنى الحياة وسر الوجود، وغير ذلك من مسائل التقطتها الفلسفة فيما بعد. صــ 28

▬ إذا كانت الفلسفة هي الإدراك في ذاته ومرتبة عليا للوعي الإنساني، فإن الفكر الشرقي القديم كان دوماً مرتبة سُفلى للديانة، غايتها القصوى تيسير الأمور الدينية للمؤمن. وللأسف فإن محاولات إيجاد أصول شرقية للفكر اليوناني تقع في تناقضات واضحة وتكشف هي نفسها عن العجز في إثبات وجود الفكر النظري الخالص كما نصادفه في اليونان القديم في الحضارات الشرقية القديمة. مما لا شك فيه أن العقل اليوناني كان مطلعاً على الفكر الشرقي القديم لكنه لم يأخذه كما هو. فلقد طبعه ببصمته فأخضع الفكر الشرقي، بل الفكر نفسه للنقد الدائم والمراجعة المستمرة، وبهذا أدخل فعل التفلسف إلى منطقة التفكير الإنساني. ثم قدم للعالم كله الفكر الفلسفي الخالص. المهم إذن ليس جذور الفكر الفلسفي أو تأثيره وتأثره، ولكن المهم هو الفكر الفلسفي نفسه وإداركه لذاته. صــ 45

▬ بينما كان طاليس وغيره من فلاسفة ميليتوس يبحثون عن أصل الأشياء جميعها في المادة، كان فيثاغورث يبحث عنه في الشكل. شعر فيثاغورث أن الجوانب الأساسية الخالدة لأي شيء هي العلاقات العددية القائمة بين أجزائه، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما قال بأن الصحة نفسها علاقة رياضية ونسب بين أجزاء الجسم أو عناصره؛ وأن النفس هي الأخرى عدد. واكتشف فيثاغورث ما في الموسيقى من علاقات ونتائج عددية متتالية منتظمة، وافترض وجود هذه العلاقات والنتائج المتتالية في الكواكب نفسها، بعد كل ما تقدم قفز قفزة الفلاسفة نحو الوحدة، وأعلن أن هذه العلاقات والنتائج المتتالية العددية المنتظمة توجد في كل مكان، وأن العامل الجوهري الأساسي في كل شيء هو العدد. صــ66

▬ اشتهر هرقليطس بالغموض، فلُقِبَ بالفيلسوف المظلم. والسبب في ذلك أنه كان يعبر عن آرائه الفلسفية بلغة مجازية رمزية. ومن هنا لُقب بلقب (صاحب الألغاز) ويقول عنه أفلوطين: (كان يتكلم بالتشبيهات، ولا ينشغل بإيضاح مقصوده، ربما لأنه كان من رأيه، أن علينا أن نبحث داخل نفوسنا كما بحث هو بنجاح) [...] يمكننا القول بأن مبدأ الوحدة والنظام متمثلاً في العدد مع الفلسفة الفيثاغورثية؛ قد استبدل بالصراع عند هرقليطس. ولكن هل هناك سبيل للوصول إلى الوحدة في الفلسفة الهرقليطية؟ والإجابة هي نعم؛ فلسفة هرقليطس ترى في التناقض والصراع الطريق الوحيد إلى الهارمونية، بل إن هرقليطس يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما يرى أن تصورنا لتناقض طرفين ما أو صراعهما هو تصور مغلوط؛ فكل من الطرفين يحمل داخله شيئاً من نقيضه، والصراع الظاهر لنا ما هو إلا وحدة للمتناقضات. ويمكنك فهم تصور الفيلسوف عن وحدة المتناقضات؛ إذا نظرت إلى مفهوم الموت نفسه؛ فالحياة والموت هما مرادفان لنفس المعنى: الإنسان يعيش في كل لحظة موته ويقترب نحوه، فكل دقيقة تمر تموت في الحقيقة. نحن نعيش موتنا إذاً، ومن الخطأ أن نتصور أن الموت والحياة هما شيئان مختلفان؛ في الحقيقة هما وجهان لنفس العملة. اللوغوس وحده هو السبيل لفهم الصراع والوصول إلى الهارمونية ووحدة المتناقضات [...] يمكنك تحديد مفهوم اللوغوس وفقا للمصطلحات العلمية الحديثة بمصطلح (القوانين الطبيعية) فطبيعة كل شيء تحمل داخلها نقيضها (الصراع) الذي يتسبب في الحركة والتغير. صــ74

▬ وفقا لفلسفة "ذيمقريطس" فإن الذرات ليست المكون الأساسي للمواد فقط  ولكنها تشكل أيضاً خصائص النفس الإنسانية. إن النظرية اليونانية عن الذرة لها مدلول تاريخي وفلسفي بالغ الأهمية، وبالرغم من عدم دقتها - لأنها لم تقم على أساس القياس أو الاختبار أو التجربة - فإنها معجزة عندما تؤخذ بعين الاعتبار عصرها وإمكانياته! [..] وفقا للنظرية ذاتها الزمان والمكان أبديان، أي فكرة الخلق غائبة هنا تماما؛ وليس هناك أي فعل من أفعال الخلق انتقل بالكون من العدم إلى حيز الوجود. فالكون إذا وفقا لذيمقريطس لا يخدم أي غاية ولكنه مصادفة بحتة. وبالطبع لاقت النظرية الذرية صداما مع النظرية الدينية وجميع النظريات الغائية. صــ103

▬ أعطت المدرسة السوفسطائية أهمية كبيرة لدراسة الواقع وأدخلت النزعة التشكيكية إلى الفكر اليوناني؛ فأصبحت المعرفة والحقيقة والقيم مفاهيم نسبية، وتستند التعاليم السفسطائية بالدرجة الأولى على مباديء الفلسفة الإيلية؛ فكل شيء في الوجود هو مجرد ظواهر خادعة. وفقاً لهذا الاعتقاد وصل أصحاب التيار السفسطائي إلى القول: بأن كل شيء هو مجرد خداع ووهم حتى فكرتنا عن الكون نفسه هي ظاهرية ومخادعة. صــ123

▬ وتعاليم سقراط بجعلها الإنسان محوراً ربما تلتقي مع تعاليم السفطائيين؛ ولكنها تختلف في المنهج؛ فسقراط لم يُنشيء مدرسة فلسفية، ولم يتنقل في المدن يُدَرَس الخطابة كما فعل السفسطائيون، ولم يتلق أجراً في مقابل تعاليمه الفلسفية. ولكن حياته كانت في أرجاء أثينا يتنقل فيها باحثاً عن الحقيقة التي كان يؤمن بوجودها داخل الأذهان؛ فكان دوره الوحيد هو إثارة الدهشة وتوليد الحقيقة من عقول الشباب، عن طريق التساؤل الدائم، في مقابل الذاتية و النسبية عند السفطائية أعلى سقراط من شأن القيم الأخلاقية. صــ 136


▬ لجأ أفلاطون إلى توظيف الأسطورة في نصوصه بمهارة فائقة ليقدم نظاماً ما يصعب على المنطق تقديمه، نظاماً يشبه في بنيته النظام المنطقي، مع الأخذ في الاعتبار جميع الفوارق الأساسية بين النظامين. فأفلاطون يستخدم الميثولوجيا في محاوراته ولكن كوسيلة للاقتراب من الحقيقة، فوظيفة المثيولوجيا في الفلسفة الأفلاطونية أولاً وقبل كل شيء، خدمة البحث الفلسفي عندما تعجز اللغة بواسطة المنطق عن وصف الطريق إلى الحقيقة. دور المثيولوجيا إذاً هو ملء الفراغ المعرفي الناتج عن العجز العلمي. بالطبع لم يطلب أفلاطون من أتباعه أن يؤمنوا بقوله، ولكنه كان يدعوهم إلى تبني أسطورته في كل مرة، لأن في ذلك نجاة للإنسان واقتراباً من الحقيقة. صــ 153

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

جرثومة التخلف (مُراد وهبه)

• إن العقل العربي هو عقل ديني في مجال التقدم .. ولكنه عقل علماني في مجال التخلف!
• غياب الرؤية المستقبلية - في اعتقادي - هو السبب الأساسي لأزمة العقل العربي، فأهمية هذه الرؤية تأتي من أن حركة التاريخ تبدأ من المستقبل وليس من الماضي، فالمستقبل هو المحرك الأساسي للحركة مهما يكن نوعها، ثقافية أو سياسية أو اقتصادية.
• التيارات الفاشية والجماعات الإرهابية هي الوريث الشرعي للدولة العثمانية. ولم يتصد أحد لجوهر هذه التيارات خوفاً منها.
• الإبداع في مجال التعليم معناه رفض الإجابة النموذجية الواحدة التي إذا انحرف عنها الطالب رسب أو قلت الدرجات التي يحصل عليها .. أي أن الإبداع يعني الاجتهاد وقبول تعدد الأجوبة .. أي تعدد الحقائق، وبذلك نربي جيلاً لا يزعم أنه مالك للحقيقة المطلقة.
• أرى أن الهيمنة الآن للأصولية الدينية لأنه لا يوجد تيار مضاد لها. كل ماهو حادث الآن هو مقاومة الأصولية الدينية بوزارة الداخلية وليس بوزارتي الثقافة والتعليم.
• إن الأحزاب تنشأ بفلاسفة. وأحزاب بدون فلاسفة هي أحزاب من ورق..وتعمل في الوقت الضائع.
• إن الأيديولوجيا الوحيدة الموجودة في العالم العربي الآن..هي الأصولية الإسلامية.. أما ماعدا ذلك فأفراد يتجولون بأفكارهم!
• إن المشكلة الأساسية ليست في صدام المثقف مع السلطة وإنما في صدام المثقف مع المجتمع لأن المجتمع متخلف وبالتالي فإن وظيفة المثقف هي الكشف عن جذور هذا التخلف.
• يقول كانط في مقاله الشهير الذي نشره عام 1784 وعنوانه "جواب عن سؤال: ما التنوير؟" يقول: كن جريئاً في إعمال عقلك من غير معونة الآخرين.

========================================
▬ محنة الجامعة تتمثل فيما أسميه بوهم تصور وجود أُستاذ. قد أكون قاسياً في هذا الحكم ولكن كما قلت أنا اطرح هذه القضية في شكلها القاسي حتى أحث أستاذ الجامعة لكي يبحث عن جذور هذا الوهم. يوجد استثناء في هذه القاعدة ولكن الاستثناء لا يحرك التغيير الاجتماعي. هو يعطي نوعاً من الكرامة والاحترام لهذا الأستاذ المستثنى ولكن لا يُعطي الكرامة للمجتمع الذي يمثله. توليد الوعي الاجتماعي ليست مسألة ميسورة بل يستلزم نوعاً من المغامرة. وعلى الأفراد التحمل. وطالما أن الأستاذ التزم فكراً معيناً فعليه أن يتحمل نتائج التزامه بهذا الفكر. صــ15

▬ مشكلة الأحزاب العربية أنها خالية من الفلاسفة، أي من المنظرين بتعبير أبسط. لأن العالم العربي يخلو من العقل الناقد فهو يخلو من الفلاسفة وبالتالي الأحزاب. وأنا اعتقد أن هناك فجوة بين الأحزاب والجماهير، لأن مهمة الحزب تنوير الجماهير، وتنوير الجماهير يستلزم جسراً بين فلاسفة الحزب والجماهير، وهذا الجسر هو جمهور المثقفين، لأن هؤلاء لديهم قدرة تبسيط الأفكار، أي إحالة الفكرة الفلسفية إلى فكرة شعبية بوسائل مختلفة، منها الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، وبالتالي فمهمة الحزب هي تغيير العادات اليومية في تفكير الجماهير بشأن القضايا اليومية، وببساطة أن تعلم الجماهير كيف تطور حياتهم بواسطة العقل. صــ41

▬ أن يعجز عقل ما عن تأسيس "العقلانية" فهذا يعني أنه عاجز عن نقده لذاته في إطار تطوره الاجتماعي أو الحضاري. والعقل العربي بالفعل عاجز عن تأسيس عقلانية، ولكنه ليس عجزا خلقياً، وإنما عجز تاريخي، فثمة عوامل موضوعية وذاتية أدت إلى إصابة العقل العربي بالعجز. العوامل الموضوعية تتمثل في الاستعمار والغزو الخارجي، والعوامل الذاتية تتمثل في همينة القوى الاجتماعية المتخلفة، والتي لم تخرج بعد عن حيز القبلية والعشائرية، وهي قوى قابضة على السلطة السياسية والعسكرية، الأمر الذي أدى إلى إجهاض بزوغ أي عقل ناقد. صــ67

▬ الشائع عن ابن رشد أنه شارح. وأنا أعتقد أن ثمة مؤامرة في هذا المصطلح. إن القول بأن ابن رشد شارح لأرسطو يعني أنه لم يقدم جديداً إلى البشرية، وإنما هو مجرد مردد لأرسطو. ولكن حقيقة الأمر أن ابن رشد ليس شارحاً لأرسطو، وإنما هو فيلسوف استثمر فلسفة أرسطو لتدعيم مقولة جديدة أتى بها ليست واردة في فلسفة أرسطو برمتها، وهي مقولة تأويل النص الديني، أو العلاقة بين النص الديني والعقل البشري. الغزالي رفض رفضاً باتاً إعمال العقل في النص الديني، وطالب بالإلتزام بالمعنى الحرفي، والنتيجة النهائية التي انتهينا إليها من مقولة الغزالي هي تدمير الفلسفة في المشرق العربي. وحاول ابن رشد في المغرب أن يدمر مقولة الغزالي وذلك بتأليفه كتاب "تهافت التهافت" ولكنه لم ينجح. فقد اضطهد وأُحرقت مؤلفاته وانتهت عملية التأويل التي كان ابن رشد يريد أن يروج لها. ولكن هذه المقولة انتقلت إلى أوروبا، وبدأ الصراع في أوروبا حول ابن رشد في داخل الكليات المسيحية. وهناك فلاسفة حرموا من السلطة الكنسية بسبب مؤازرتهم لأراء ابن رشد. وبعد ذلك انحصر ابن رشد في أنه مجرد شارح وهذا وهم. صــ97

▬ إذا حصرنا التراث في علم الكلام والفلسفة الإسلامية، فأنا أعتقد الانحياز ينبغي أن يكون للفلسفة الاسلامية، وليس لعلم الكلام، لأن علم الكلام نشأن في مواجهة قضية واحدة، وهي قضية الشرك في مقابل التوحيد، وبدأ علم الكلام ينفذ إلى جميع القضايا الإنسانية في إطار التوحيد المعارض للشرك، فكبل العقل الإنساني؛ بمعنى أن علم الكلام يرفض اللامتناهي في الرياضيات، وأن اللامتناهي في الرياضيات يعني الشرك، لأن الله لا متناه، فكيف يمكن أن نسمح بلامتناه آخر أياً كان هذا اللامتناهي؟ اذن علينا إما أن نحذف اللامتناهي من الرياضيات أو نعدم الرياضيات. مقولة أخرى في علم الكلام هي مقولة العلة. علم الكلام يحذف كقولة العلة. لماذا؟ لأن الله هو العلة الأولى والوحيدة. فإذن عندما نبحث في العلل الطبيعية فإن علم الكلام يعترض بدعوى أن هذا شرك بالله، أي إضافة علة إلى علة الله. صــ99

▬ تجريم الفكر أياً كان، هو في حد ذاته، جريمة، لأنه ليس من حق أي إنسان أن يتخذ من نفسه حاكماً على أفكار البشر. فالأفكار ذات طابع نسبي، فما كان خاطئاً في فترة، قد يكون صائباً في فترة أخرى. والقيم مثلها في ذلك مثل الأفكار إذ هي من صنع البشر. فالبشر أنفسهم مسئولون عن انتقاء وغربلة الغث من الثمين بالنسبة لهذه القيم إستناداً إلى المعيار العقلاني الذي ينبغي أن يكون معياراً في حكمنا على القيم وعلى غيرها. وتجريم الفكر مردود إلى ما يمكن تسميته بالمحرمات الثقافية وهذه المحرمات من شأنها أن تقتل العقل الناقد الذي هو أساس العقل المبدع. والعلاقة بين المحرمات الثقافية والعقل الناقد المبدع علاقة عكسية، فكلما ازدادت المحرمات قل النقد والإبداع وسيطر التخلف. صــ101

▬ علينا أن نبحث لماذا الإبداع نادر. الإبداع نادر ليس بسبب عوامل ذاتية عند الإنسان، ولكن بسبب عوامل موضوعية وعلى الأخص ما يمكن تسميته بالمحرمات الثقافية. فالمحرمات الثقافية تشل العقل الناقد، وبالتالي تشل عملية الابداع. علينا أن نقتحم هذه المحرمات الثقافية حتى يمكن أن نسمح للإنسان بممارسة الإبداع. وهذا ما حدث في أوروبا. كانت فيها محرمات ثقافية ومع ذلك اقتحمت هذه المحرمات ونشأ ما هو معروف بعصر النهضة، وعصر الإصلاح بالذات إذ معناه إعمال العقل في كل النصوص الدينية بلا استثناء. وعندما انشغل العقل بفهم كل نص أمكنه أن يقتحم مجالات عديدة بدون حساسية، الأمر الذي أدى إلى ما يسمى بعصر التنوير في القرن الثامن عشر. وبفضل عصر التنوير الذي يعني أن لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه بزغت الثورة العلمية والتكنولوجية التي أدت الآن إلى غزو الفضاء. صــ143


▬ الحاصل في التأليف الحالي للكتاب المدرسي أنه يطرح نظرية هندسية، على سبيل المثال، بمعزل عن كيفية ابداعها، وأنا أطالب المؤلف في عملية التأليف أن يبين لنا من خلال العرض التاريخي كيفية ابتداع العالم لعلاقات جديدة بناء على نقده لعلاقات قائمة بحيث يُنشيء نظرية جديدة تحدث تأثيراً في الواقع. وفي هذا الإطار يمكن أن يتذوق الطالب عملية الإبداع. وعندما نقدم له أسئلة فيجب أن تنصب على التذكر بنسبة ضئيلة، وتنصب في الأغلب على العملية الإبداعية بمعنى أن نأتي له بسؤال مثلاً يستلزم الإجابة عنه الاستعانة بفصول من بداية الكتاب المدرسي إلى فصول من نهاية الكتاب بحيث يعطينا علاقة جديدة لم تكن واضحة في مسار الكتاب، وبالتالي لن يكون لدينا نموذج للإجابة كما هو الحاصل في المسار التقليدي للتعليم، وهو أن الأسئلة تأتي في إطار التذكر. وهذا يعني أن ثمة جواباً واحداً صحيحاً، الأمر الذي يؤدي، شئنا أم لم نشأ، إلى إفراز التعصب، والتعصب معناه تصور الإنسان أنه يملك حقيقة مطلقة لا بديل عنها. ولكن في إطار الإبداع يمكن أن تتعدد الأجوبة، أي تتعدد الحقائق وبالتالي ينشأ الطفل في جو من التسامح العقلي. ومن هنايمكن القول بأن الإبداع هو ضد ما يسمى بالدوجماطيقية .. صــ146

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

العمدة في فلسفة القيم (عادل العوّا)


• ينطلق نشاط الفاعلية القيمية، أول ما ينطلق، من بناء الاختيار الحر على فصم لامبالاة، ودفع لااكتراث.
• إن العالِم لا يكون عالماً إلا إذا عني بقيمة العلم.
• إن الأشياء لا تزال تتراىء مختلفة في أعيننا، ولكن فوارقها لا تتحلى بأية دلالة في حال اللامبالاة.
• لقد ذهب (سارتر) إلى أن القيمة هي العوز الدائم، وهي تُعرِبُ عن جهد الشخص الذي هو دائماً على مبعدة من ذاته، وذلك لكي يحقق ذاته بصورة تامة في ذات.
• قد تفر القيمة أو تتبدد حينما نبلغ الغرض المتوخى، ولكنها لا تزول من جهة حتى تظهر من جهة أخرى في شكل مطلب جديد.
• إن العلم يجيب على سؤالنا (كيف) والقيمة تجيب على سؤال (لماذا). بل إن القيمة هي سؤال (لماذا) عن كل الأشياء لأنها تقحم الغاية، وان لم يكن هي ذاتها غائية.
• إن الأفكار السائدة في عصر ليست سوى أفكار الطبقة المسيطرة  فيه (كارل ماركس)

======================================
▬ إن معنى الحياة، أو مغزى الوجود، هو المشكلة الأساسية التي تطرحها التجربة القيمية وتضعها في طليعة المشكلات التي يتناولها فكر المرء منذ أن يبلغ قسطاً من الوعي، كما يطرحها التاريخ الإنساني عندما تعصف به الكوارث وتوقظه المصائب فيجد أن العلم نفسه، والإيمان بالعلم، أعجز عن أن يحدد واجب السلوك إلى جانب تحديده الحقيقة الموضوعية في الآفاق. وتنفرد فلسفة القيم والتفكير القيمي بإتاحة الفرصة أمام العقل الإنساني كيما يُضفي على الحياة معنى يكفل، من ثم، اختياراً به يحدد الإنسان مصيره ومصير العالم بأسره. صــ49

▬ تساءل (نيتشه) عن الحياة قائلاً :"تريدون أن تحيوا بحسب الطبيعة ؟ أيها الرواقيون النبلاء! أي ضلال ضلالكم! تخيلوا منظمة مثل الطبيعة. إنها إسراف بدون اعتدال، بدون نية، بدون احترام، بدون رحمة، بدون عدالة. إنها خصب وعقم معاً. إنها تردد وحيرة. تخيلوا اللامبالاة التي تتحول في الطبيعة إلى قوة وبأس، كيف يمكن أن تعيشوا بحسب هذه اللامبالاة ؟ أليست الحياة - على وجه الدقة - هي إرادة التقويم، والترجيح، والظلم، وان يكون المرء متقيداً على نحو آخر ؟". ان الطبيعة لامبالاة بالدرجة الأولى، والحياة هي أن تقول (لا) حيال الطبيعة. الحياة تقويم. ولكن التقويم هو بالضرورة تقويم متعالٍ. الحياة تطرح القيمة. والقيمة خصومة وصراع. والحياة - جوهرها - قدرة نفي لانهائية...صــ122

▬ لعل من الجائز أن نُطلق على فلسفة (هوسرل) اسم نظرية الذوات وهي تعارض، أول ما تعارض، المذهب الاختباري الذي يبني قيمة كل معرفة على أساس ما يبدو في الإدراك، وقد أدى ذلك إلى ريبة (هيوم). أما (هوسرل) فإنه يوضح أن من يسمع لحناً من الألحان يدرك في الحقيقة شيئاً آخر غير تعاقب الأصوات: فنحن لا ندرك لدى استماعنا هذا التعاقب أو ذاك من أصوات جائزة بل ندرك ماهية اللحن. وكذلك فإن من يجري عملية حسابية يشعر بقسر لاشخصي يلازم تعاقب الكائنات والأشكال الرياضياتية، بحسب ارتباطها الموضوعي. ولذا فإن أصالة الفنومنولوجيا تتجلى في القول بأن كل معرفة هي رؤية ذات، رؤية شكل مطلق، بدون المُضي إلى ما ذهب إليه أفلاطون، حين قرر وجود عالم خاص بالذوات أو المثل. وترجع هذه الأصاله إلى تعريف (برناتو) الشعور من حيث أنه شعور قصدي. صــ148

▬ إن كلمة القيمة لا تتحلى بمعنى إلا إذا دلت على علاقة، ولا علاقة إلا عندما يربط شيء بشيء آخر. ولذا فإن القيمة ليست موضوعية خالصة، ولا ذاتية محضة، بل هي حلقة تصل الشخص بموضوع، وتشير إلى اهتمام فرد أو أكثر من الناس بموضوع. إن القيمة تشير إلى تلك الناحية من الحياة الإنسانية التي تعودنا أن نستعمل لها الكلمات المباركة. وهي تشير أيضاً إلى دلالات أخرى، وتستعير المعنى البراق لصفات مثل :"الخير" و "الأحسن" و "الحق" و " الوجوب" و "جدير" و "جميل" و "مقدس" و "عادل" وأسماء مثل "السعادة" و "الرفاة" و "الحضارة". وهي تشير إلى اسم مشترك لما تسميه هذه الكلمات، أو إلى محاولة إيجاد اسم مشترك. وهي من بين الكلمات التي لها مثل هذا المعنى البراق، والتي تصلح، من ثم، علامات متميزة. وتعتبر كلمة قيمة أحسن كلمة تشير إلى المعنى بتوسيع ومرونة. صــ178

▬ هب أن هناكَ هاوياً شغوفاً بجمع قطع النقود القديمة، وأنه يبحث عما يتمم مجموعته. ان القطعة النادرة التي مازال لا يملكها تتحلى بقيمة لديه، أي أن القيمة ترتبط بآن واحد بالموضوع وتنفصل عنه. فهي تتمثل، من ناحية أولى، في الموضوع، وتلتصق به، لأن أي تغير قد يطرأ عليه يفقده قيمته. وعلى هذا فإن القيمة تتوحد بالموضوع وتزول بزواله. وإذا لم يبق الموضوع على ما هو عليه كفّ تحليه بقيمة. ولكن القيمة، من ناحية أخرى، تتميز عن الموضوع بالضرورة، لأن جامع النقود إذا تخلى عن هواية الجمع، أو تحول عن جمع النقود إلى جمع الطوابع، فقدت قطعة النقد كل قيمتها في نظره. لنتصور ثلاثة أشخاص يعتبرون أن لقطعة النقود قيمة. أولهم جامع النقود الذي تنقصه تلك القطعة. والثاني الشخص الذي تمثل تلك القطعة لديه ذكرى عائلية عزيزة. والثالث سارق محتمل. فلتلك القطعة إذن قيم ثلاث متمايزة. ويزداد تنوع القيم بازدياد عدد الأشخاص المعنيين بالموضوع...صــ297 : 298

▬ إن معنى الفاعلية القيمية، وغائية نشاطها، يتضمنان الحرية والتعالي. وهذه الحرية تضاد السير الآلي، ولكنها ليست حرية عفوية محضة، ولا حرية اختيار مطلق، حرية أن يفعل الإنسان ما يشاء بدون أن يتوافر موضوع للاختيار. "ان الفاعلية التي لا تتجه أيه جهة كانت ليست بفاعلية صحيحة، بل هي حركة انفجارية. والمرء لا يفعل ما يشاء إلا إذا ترتب عليه أن يفعل شيئاً بخضوعه بالتعريف لقواعد هذا "الفعل" الخاص. إن الفاعلية القيمية حرة لأنها ليست نتيجة أسباب تدفعها، بل لأنها تتجه نحو هدف نصب أمامها. وكما أن الحركة التي لا تجد محوراً تعتمده ليست بحركة، فكذلك الحرية التي لا هدف لها ليست شيئاً. وإن الإطار الذي يرجع العمل الحر إليه هو مجموعة القيم المنشودة مع الوضع". إن الفاعلية القيمية تخترع وسائل تحقيق القيمة... صــ317

▬ إن القيم الفنية والجمالية لقوس بيضوي مثلاً تتألف من حوادث بصرية مادامت حواسنا الجمالية هي بالدرجة الأولى النظر وكذلك السمع. ومن البين أن الخواص الهندسية أو الفيزيائية للمنحنيات المتقاطعة بزوايا حادة أومنفرجة إنما هي حوادث حيادية لا تتحلى بقيمة جمالية بذاتها، وغاية ما في الأمر أنها موائمة أو منافية. ولكننا لا نستطيع أن نقول عنها أنها جميلة أو قبيحة، إلا بعد حدوث تركيب يضم عدداً كبيراً يؤدي خلال التطور الإنساني إلى حدوث لحظة القوس المكسور. ومن المستبعد أن يكون هذا القوس جميلاً في نظر الناس جميعاً، وفي جميع العصور وجميع الاصقاع. صــ384

▬ إن وحدة القيمة ليست وحدة مفارقة، وإن تعددها لا يعني نفي القيمة، بل انه يمثل تجليها او تجسدها. وبذا يكون تعدد القيم أشبه بأشكال شتى، أو جوانب معينة، أوطرازاً من طرز القيمة، وان كان كل شكل من هذه الأشكال ينمّ عن سمة وحيدة، عن بعد واحد، من سمات القيمة أوأبعادها، وتكون كل قيمة خاصة مطلقة في نوعها، وتكون القيم أو أشكال القيمة مشاركة في مطلق القيمة الواحدة [..] ومن الخطل أن نقول بقدرة اي انسان على أن يختار قيمة خاصة به من لائحة قيم معينة وينفي سائر القيم، وذلك لأنه لا يستطيع ان يكتشف قيمة ويريدها إلا حيثما تبدو له متكافلة مع سائر القيم. صــ402

▬ لا يخفى أن أحداً لا يستطيع تحقيق (الخير الأسمى) وحده، بل لابد له من عون الضمائر، كل الضمائر. وهذا التطلع إلى تخلق كلي يمنح الفعل دلالته الأخلاقية التامة، ويجعله، من ثم، قيمة من القيم الأخلاقية، لأن اسهامه في الخير الأسمى إنما يعني أن يتحقق هذا الخير الأسمى في نهاية تداخل فاعليات الضمائر كلها، على اعتبار أنها تؤلف فيما بينها فاعليات آخذة تارة، ومبدعة تارة أخرى. إن الفاعل الأخلاقي يتطلع إلى تغيير ضمير الآخر وتحويله إلى فاعل أخلاقي، ويتطلع، عبر ذلك، إلى تحقيق (الخير الأسمى)، القصدية القيمية المُثلى. صــ526

▬ لقد أعتُبر الفن من أفضل ما يعين على إبداع القيم المثالية، لأننا ندرك في الآثار الفنية، أحسن ما ندرك، كيف تبدو القيم الجمالية وكأنها بذاتها. أجل، ان جميع القيم تتطلع إلى أن تكون بذاتها غاية تستقطب الرغبة الإنسانية وتسخّر سائر الغايات لها. إن الذهب يمضي شطر أن يصبح في نظر الناس مطلباً لذاته. والحقيقة العلمية، شأنها شأن الفضائل الأخلاقية، تحظى بنوع من الإجلال يسمو على قصر فيمتها على النفع الإجتماعي. غير أن النفس الإنسانية تستغرق بيسر أعظم في الآثار الفنية فترفض، وهي غارقة في الإنفعال الجمالي، أن تتساءل مثلاً عن فائدة الجمال، وعما يبرهن عليه الحٌسن. فالجمال هو نمط القيمة التي تكفي ذاتها بذاتها. ولذا فإن كل غائية أخرى هي أمر غيب عن الجمال. ذلك أن الهدف المنشود في الجمال ليس بهذا خارجي عن موضوعه. وأن خاصة الموقف الجمالي هي احتواؤه على الحد الأقصى من التجرد. إن جمال، كمال قال (كانت)، غائية لا غاية لها. صــ664


▬ يقول (برجسون) : "إن كل واحد منا ينتسب إلى المجتمع وينتسب إلى نفسه أيضاً. فإذا تعمق المرء نفسه كشف له شعور عن شخصية أصيلة ماتزال تزداد أصالة كلما أوغل في التعمق. وهذه الشخصية لا يمكن أن تقاس بغيرها، ولا يمكن التعبير عنها... ولكن لئن كان هذا صحيحاً، فصحيح أيضاً أننا على السطح من ذواتنا متصلون بالناس. ونحن هاهنا نشبههم، ونتحد بهم، بنظام يوحد فيما بيننا وبينهم ارتباطاً متبادلاً... فالمجتمع هو الذي يرسم للفرد منهاج حياته اليومية [...] فترانا نختار بصورة طبيعية ماهو موافق للقاعدة المرسومة، ولانكاد نشعر بما نفعل، ولا نبذل في ذلك شيئاً من الجهد. فالواجب، بهذا المعنى، يتحقق تحققاً آلياً [...] نعم، إن الواجب يجثم على إرادة الأفراد جثوم العادة. وكل واجب يجر وراءه كتلة الواجبات متجمعة متراكمة...".صــ703

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الدين والعلم (برتراند رسل) - ترجمه (رمسيس عوض)

• إن العلمَ يُشجعُ التخلي عن البحث عن الحقيقة المطلقة ويستبدل بها ما يمكن تسميته بالحقيقة التقنية المنتمية إلى أية نظرية يمكن استخدامها بنجاح في الاختراعات أو التنبؤات بالمستقبل.
• إن الكفرة يقولون أن المذنبات ترجع إلى أسباب طبيعية. ولكن الله لا يخلق شيئاً لا يكون سلفا نذيرا بحدوث كارثة مؤكدة. (مارتن لوثر)
• لقد سدد مذهب داروين إلى علم اللاهوت ضربة قاسية تماما كما فعل كوبر نيكوس في علم الفلك.
• إن الضرر الذي ألحقه اللاهوت لا يتلخص فقط في خلق نوازع القسوة بل أيضا في إضفاء الشرعية على التظاهر بالأخلاق السامية وإضفاء ما يبدو أنه قداسة على ممارسات ترجع إلى عصور أكثر جهلاً وبربرية.
• إن العلم يعتمد على الإدراك والاستدلال وترجع مصداقية العلم إلى حقيقة مفاداه أن مدركاته من النوع الذي يمكن لأي مراقب أن يضعها موضع الاختبار.
• قد يبدو غريباً أن تكون الحياة قد حدثت بالصدفة ولكن يمكن للمصادفات أن تحدث في كون في مثل هذا الاتساع.
• إن المزاج العقلي العلمي يتسم بالحرص والحذر فهو لا يقطع بشيء ويخطو إلى الأمام  خطوة بخطوة. وهو لا يزعم أنه يعرف الحقيقة بأكملها أو حتى يتخيل أن أفضل ما يتوصل إليه من معرفة صائب صواباً كاملاً.

===========================================
▬ العقائد هي المصدر الفكري للصراع المحتدم بين الدين والعلم. ولكن الحدة التي اسمت بها معارضة الدين للعلم ترجع إلى الصلة التي تربط العقيدة بالكنيسة كما تربطها بنظام الأخلاق. فالذين يعبرون عن شكوكهم في العقيدة يُضعفون سلطة رجال الكنيسة وقد يقللون دخلهم. أضف إلى ذلك الاعتقاد بأنهم يدمرون الأخلاق لأن رجال الكنيسة درجوا على استخلاص الواجبات الأخلاقية من العقائد. ومن ثم فإن الحكام الزمنيين ورجال الكنيسة يشعرون بأن هناك من الأسباب ما يجعلهم يخشون التعاليم الثورية التي يقدمها رجال العلم. صــ6

▬ إن العقيدة الدينية تختلف عن النظرية العلمية في أنها تزعم أنها تجسد الحقيقة الخالدة واليقينية بصورة مطلقة في حين أن العلم غير نهائي على الدوام ويتوقع ضرورة إدخال التعديلات على النظريات الحالية إن عاجلاً أم أجلاً. فضلاً عن أنه يدرك أن طريقته من الناحية المنطقية غير قادرة على الوصول إلى براهين كاملة ونهائية. غير أننا نجد في العالم المتقدم أن التغييرات المطلوبة هي في العادة تلك التي توفر له بصوره طفيفة درجة أكبر من الدقة. والنظريات القديمة تظل صالحة للوصول إلى نتائج تقريبية. ولكنها تبقى عاجزة عندما تطرأ بعض مناحي التدقيق على الملاحظة. أضف إلى ذلك أن الاختراعات التقنية التي توفرها النظريات القديمة تبقى دليلاً على تمتعها إلى حد ما بنوع من الحقيقة العملية. صــ10

▬ لقد كان اكتشاف التخدير مناسبة أخرى تدخل فيها اللاهوتيون للحيلولة دون التخفيف من المعاناة الإنسانية. ففي عام 1847 اقترح سيمسون استخدام التخدير في حالات الولادة. ولكن رجال الدين اعترضوا على ذلك وذكروه على الفور بأن الله قال لحواء في الإصحاح الثالث أية 16 من سفر التكوين :"بالوجع تلدين أولادك." فكيف إذن يتحقق ذلك إذا كانت المرأة تحت تأثير مخدر الكلورفورم ؟ غير أن سيمسون نجح في إثبات أنه ليس هناك ثمة ضرر في تخدير الرجال نظراً لأن الله وضع آدم في نوم عميق عندما نزع ضلعه. ولكن رجال الاكليروس - وهم ذكور - رفضوا الإقتناع بتخفيف ألام المرأة وهي في حالة الولادة على أقل تقدير. صــ102

▬ إن الإنسان - وهو صدفة غريبة حدثت في مكان مهمل - واضح ومفهوم فالخليط من الخير والشر الذي يتكون منه الإنسان يجعلنا نتوقع أن يكون قد نشأ بمحض الصدفة، ولا يوجد سوى الرضا المروع عن الذات الذي يرى في خلق الإنسان سببا يعتبره العليم بكل شيء باعثا قويا يدفع الخالق إلى خلق هذا الإنسان. إن ثورة كوبرنيكوس لن تؤت ثمارها حتى يتلقى الإنسان درساً أكبر في التواضع عما نراه في الذين يظنون أن الإنسان دليل كافٍ على وجود غاية في الكون. صــ222

▬ إن الحرب بين العلم واللاهوت كادت أن تنتهي. ولكن هذا لم يمنع دون اندلاع المناوشات بين حين وآخر في المناطق الواقعة على الأطراف، ويعترف المسيحيون أن دينهم أصبح أحسن حالاً بعد انتهاء هذه الحروب تقريباً. وتطهرت المسيحية من عناصرها غير الجوهرية الموروثة من عصر البربرية كما أنها تطهرت من الرغبة في اضهاد المخالفين لها. ويتبقى لدى المسيحين الأكثر ليبرالية مذهب أخلاقي له قيمته يتلخص في قبول تعاليم المسيح المنادية بضرورة حب الجار والإيمان بأنه يوجد في كل فرد شيء يستحق الاحترام حتى وإن لم يعد هذا الشيء يُسمى بالروح. صــ247


▬ قد يصر البعض على أن الاضهاد في زماننا يختلف عن الاضطهاد في الماضي في أنه اضطهاد سياسي واقتصادي أكثر من كونه اضطهادا لاهوتياً ولكن مثل هذا الدفاع يجانبه الصواب من الناحية التاريخية. فهجوم مارتن لوثر على صكوك الغفران سبب للبابا خسارة مالية ضخمة، وثورة هنري الثامن ضده حرمته من الدخل الكبير الذي كان يتمتع به منذ أيام هنري الثالث. وقد اضطهدت الملكة اليزابيث الكاثوليك الرومان لأنهم أرادوا استبدالها بماري ملكة اسكتلندا أو بفيليب الثاني. لقد أضعف العلم من قبضة الكنيسة على عقول الناس، الأمر الذي أدى في النهاية إلى مصادرة كثير من أملاك الإكليروس في بلاد كثيرة. صــ250

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

خطاب إلى العقل العربي (فؤاد زكريا)


• إن المثقف الحقيقي لا يعرف الشبع ولا يتوقف عند لحظة معينة لكي قول: لقد أخذت كفايتي!
• إن الإنسان الذي يعرف معنى وجوده هو ذلك الذي يهتف في اللحظات الحاسمة من حياته : أنا متمرد - إذاً - فأنا موجود.
• في استطاعتنا أن نعرف الكثير عن حضارة شعب من الشعوب، إذا تأملنا طريقة ممارسته للفنون. بل إن هذه الممارسات الفنية تعد - في نظر الكثيرين - أقوى تعبير عن الجوهر الحقيقي للشعوب.
========================================
▬ اننا لو تأملنا وضعنا الحضاري الراهن على أنه سعي إلى حل إشكالية الاتباع أو الإبداع، لكان ذلك أجدى وأنفع وأدق بكثير من تأمل هذا الوضع في ضوء تلك الإشكالية العقيمة الغامضة، المليئة بالمتناقضات... إشكالية الأصالة والمعاصرة. فالتحدي الحقيقي الذي نواجهه ليس اختياراً بين الرجوع إلى الأصالة أو مسايرة العصر، وإنما هو إثبات استقلالنا إزاء الآخرين، سواء أكان هؤلاء الأخرون معاصرين أم قدماء، وابتداع حلول من صنعنا نحن، تعمل حساباً لتاريخنا وواقعنا، وتكفل مكاناً في عالم لا يعترف إلا بالمبدعين. صــ32

▬ فلنذكر دائماً أن الثقافة الحقيقية ليست أماناً واطمئناناً، وليست دعة وهدوءاً، وإنما هي - كما أكد الكثيرون - العيش والخطر، وهي قلق وتوثب وترقب دائم، إن الكتاب العظيم والقصيدة العظيمة والفيلم العظيم يعكر صفو حياتك، ويقضي على استقرارك، ويجلب لك القلق والانشغال، ويثير فيك من الأفكار ما لم يخطر ببالك من قبل. إن العمل الثقافي العظيم ينقلك من حالة الرتابة والسكينة، ويبعث فيك قلقاً وتمراداً، ويقلب مسار القيم التي اعتدت عليها وسكت إليها ورتبت حياتك على أساسها. إن الثقافة الحقة - في كلمة واحدة - تقضي على كل ما كنت تحس به من "أمن". ولو كان الأمر بيدي لحذفت من قاموسنا على نحو نهائي قاطع ذلك التعبير المستحدث المتسلل، "الأمن الثقافي" ولدعوت بدلاً منه إلى "القلق الثقافي"... فبهذا وحده يحقق ذلك الجهد العقلي والروحي الرائع الذي هو أخص ما يميز الإنسان، رسالته ومعناه. صــ45

▬ ما يزال التعليم العربي عندنا نصياً، يحتل فيه "الكتاب المقرر" مكانة قدسية، ولا يقوم المعلم فيه إلا بدور الكاهن الذي يحض سامعيه على الإلتزام بكل حرف في "الكتاب". وتعمل المؤسسة التعليمية ذاتها على توطين فيروس "الطاعة" في خلايا الأدمغة الفتية الغضة، فإذا بمعاييرها لتقييم أداء التلاميذ ترتكز كلها على الترديد الحرفي للمعلومات المحفوظة، وتعطي أعلى درجات التفوق "للتلاميذ المجتهدين". وهي في قاموسها التعليمي لا تُعني إلا "الحافظين" وتُعاقب كل من يُبدي رأياً ناقداً أو مخالفاً فتنزله أسفل سافلين..صــ80

▬ إن الطاعة وباء لا يفلت منه أحد، وإذا أطلقت لها العنان أصابت عدواها الجميع. ذلك لأن كل من يفرض الطاعة على من هم دونه، يجد نفسه مضطراً إلى طاعة من يعلونه، فالأب الذي يمارس سلطات دكتاتورية على أبنائه وزوجته، يجد نفسه خاضعاً في عمله، ومقهوراً مكبوت الحرية على يد حاكمه. وفي جميع الأحوال يظل التسلسل مستمراً، فلا أحد يفلت من ذل الطاعة، ولا أحد يتنازل عن أية فرصة تسنح له كيما يمارس متعة فرض أوامره على غيره. حتى الحاكم المطلق يظل حبيس جبروته، لا ينام مطمئناً، ولا يسافر أو يتحرك إلا تحت أعين حراسه، ولا يملك في لحظة واحدة أن يعصي أمراً لمن يتحكمون في شئون أمنه وسلامته. صــ83


▬ الفن نشاط تلقائي حر. وعندما يُترك الإنسان حراً في ممارسة نشاط ما، فإنه يعبر في هذا النشاط عن أعمق سماته الباطنة. أما أنواع النشاط الأخرى، كالعمل مثلاً، فلا تتسم بنفس القدرة من الحرية: إذ إن هناك ضرورات كثيرة تفرض على الإنسان طريقة ممارسته لعمله، كضرورات المعيشة اليومية، ومدى قدرة البيئة والموارد الطبيعية على تلبية احتياجاته، ونوع العلاقات الاجتماعية التي يمارس الإنسان عمله في ظلها، وغير ذلك من العوامل التي تجعل العمل نشاطاً لا يتسم بالحرية التامة، ومن ثم فإنه لا يعبر تعبيراً كاملاً عن الجوهر الكامن للإنسان. وإذاً، ففي ميدان الفن وحده يُترك الإنسان حراً، لكي يعبر عما في أعماقه، ومن خلال تحليلنا للممارسات الفنية السائدة في الحضارات المختلفة، نستطيع أن نصل إلى الجوهر المميز لهذه الحضارات. صــ196

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

مهزلة العقل البشري (علي الوردي)


|| أُهدي هذا الكتاب إلى القراء الذين يفهمون ما يقرأون. أما أُولئك الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم. إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوا بأخيه "وعَّاظ السلاطين" من قبل، إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم ثم ساروا بها في الأسواق صارخين.... لقد آن لهم أن يعلموا أن زمن الصراخ قد ولَّى، وحل محله زمان التروي والبحث الدقيق.||

• إننا لا ننكر ما للسفور من مساويء ولكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بمساويء الحجاب أيضا. فليس في هذه الدنيا ظاهرة اجتماعية تخلو محاسن أو مساويء. ولعل هذا القول لا يريد أن يفهمه أرباب المنطق القديم.
• إن الإتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً.
• إن التجديد في الأفكار هو الذي يخشاه مشايخ الدين لا الأفكار ذاتها. فهم لا يخشون كروية الأرض بقدر ما يخشون الجدل الذي تثيره هذه الفكرة في عقول الناشئين.
• إن الذين يمارسون المنطق القديم في هذا العصر يشبهون أولئك الأبطال، من طراز عنترة العبسي، الذين يهجمون بالسيف على جندي حديث يحمل بيده رشاشاً سريع الطلقات. فهم مهما تفننوا في إبداء ضروب البسالة والشجاعة فإن الرشاش يحصدهم في أرجح الظن، حيث لا ينفعهم آنذاك بسالة ولا حماسة.
• المتدين المؤمن بعقيدة من العقائد لا يستطيع، مهما حاول، أن يتجرد من عاطفته المذهبية وقد يظن المؤمن أنه متجرد من العاطفة، ولكن ذلك من قبيل الأوهام التي لا أساس لها من الحقيقة.
• يذهب بعض المفكرين إلى القول بوجوب حجر المرأة في البيت وتشديد الحجاب عليها وذلك بحجة أنها ذات عقل ناقص لا تستطيع به أن تحمي نفسها من نزوات العاطفة، نسوا أن عقلها لم ينقص إلا من جراء الحجاب. فهم سببوا ضيق عقلها بالحجاب، ثم أرادوا حجابها بدعوى ضيق عقلها. خلقوا السبب بالأمس ويريدون اليوم أن يتخذوا نتيجة هذا السبب حجة له.
• لا يكفي في الفكرة أن تكون رائعة وجميلة بحد ذاتها. إنها يجب أن تكون عملية قبل كل شيء.
• يعتقد إبن رشد أن الفلاسفة إذا إختلفوا في شيء ردوه حالاً إلى دليل العقل وحجة المنطق فتفاهموا وخضعوا للرأي الذي يرونه معقولاً. على زعم إبن رشد، يستنيرون بنور العقل والمنطق. وليس هنا سخافة أبشع من هذه التي يقول بها إبن رشد وأمثاله من المفكرين الطوبائيين.
• عيب إخواننا الطوبائيين أنهم يصعدون بمثلهم العليا فوق السحاب، ولا ينزلون بها قريباً من الأرض التي يعيشون عليها. ولذا فمثلهم العليا لا تُجدي في تحفيز المجتمع نحو الحركة.
• لقد أخطأ أرسطوطاليس عندما قال: "الإنسان مدني بالطبع". والصحيح أن الإنسان وحشي بالطبع ومدني بالتطبع.
• من مهازل القدر أن نرى الحقيقة النسبية الآن مسيطرة على البحوث الطبيعية، هذا بينما أصحابنا لا يزالون يؤمنون بالحقيقة المطلقة حتى في بحوثهم الإجتماعية والفكرية الخالصة.
• لقد فطنت الشعوب في القرون الحديثة إلى خطأ هذه النظرية الأفلاطونية في مفهوم العدل، وأخذت تميل قليلاً أوكثيراً نحو النظرية السوفسطائية فيه. وبهذا صار مفهوم العدل هو ما ترتأيه أكثرية الناس. فالناس أعرف بحاجاتهم ومشكلاتهم من ذلك المتحذلق الأفلاطوني الذي يتأمل في أمر العدل وهو قابع في برجه العاجي.
• الواقع أن السفسطة كانت فلسفة ذات أهمية إجتماعية لا يُستهان بها. ومن سوء حظها وحظ البشرية، أنها غُلبت أو قُتلت في مهدها، فأصبحت محتقرة. والمغلوب محتقر دائماً. ولذا أخذ المفكرون ينسبون إليها كل نقيصة، ويجردونها من المحاسن.
• يبدو أن أفلاطون كان فيثاغورثياً أكثر مما كان سقراطياً. وهو إنما حرف مباديء سقراط لكي يجعلها ملائمة للمباديء التي كان المذهب الفيثاغورثي يدعو إليها.
• حاول الأفلاطونيون أن يقيسوا البشر بمقياس الأرقام. ونسوا أن المجتمع البشري بحر مواج تتلاطم فيه شتى النزعات والميول، وأن دراسته تستلزم منهجاً خاصاً به يختلف عن منهج الحساب والجمع والطرح إختلافاً أساسياً.
• من مهازل العقل البشري أن وجدنا العامة في بلاد الإغريق يكرهون منطق السفسطة كما كرهها أفلاطون. ومشلكة العامة في معظم الأحيان أنهم يندفعون مع المترفين فيما يناقض مصلحتهم. وهم كما وصفهم الإمام علي: "ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح".
• كان التنازع في عهد عثمان يدور حول مباديء العدالة والمساواة. ولكن معاوية قلبه بعد ذلك  فجعله يدور حول علي وعمر: أيهما أفضل؟ وبهذا نسي الناس كفاح علي ضد معاوية وانشغلوا بالفضائل الشخصية، وكل فريق يأتي لصاحبه من الفضائل ما يكسف بها فضيلة زميله.

===========================================
▬ يحاول بعض المتحذلقين من رجال الدين إدعاء التجديد فيما يكتبون ويخطبون. وتراهم لذلك يحفظون بعض الألفاظ والمصطلحات الحديثة يتلقفونها من المجلات والجرائد المحلية، ثم يكررونها في كلامهم اذ يحسبون أنهم بهذا قد صاروا "مجددين". ويحلو للبعض أن يقال عنه أنه جمع بين القديم والحديث، ثم يرفع أنفه مغروراً بهذا العلم العجيب الذي وعاه في صدره. ومثله في هذا كمثل ذلك القروي الساذج الذي أراد أن "يتمدن" في كلامه، فضيع المشيتين مع الأسف الشديد. ينبغي أن يفهم هؤلاء أن التجديد في الفكر لا يُعني التمشدق بالمصطلحات الحديثة. انه بالأحرى تغيير عام في المقاييس الذهنية التي يجري عليها المرء في تفكيره. صــ9

▬ عندما احتك المسلمون بالحضارة الغربية إنجرفوا بتيارها، وصاروا مجبرين على اقتباس ما جاءت به حسناً كان أم سيئاً. ومن غرائب ما ارتآه الواعظين في هذا الأمر أن قالوا: خذوا من الغرب محاسنه واتركوا مساوئه. كأن المسألة أصبحت انتقاءً طوع الارادة كمن يشتري البطيخ. إن الحضارة جهاز مترابط لا يمكن تجزئته أو فصل أعضائه بعضها عن بعض. فالحضارة حين ترد تأتي بحسناتها وسيئاتها. وليس في الإمكان وضع رقيب على الحدود يختار لنا منها الحسن ويطرد السيء. ومعنى هذا أنها تيار جارف لا يمكن الوقوف في وجهه. صــ16

▬ لقد جاءت المدنية للإنسان بخير عظيم ولكنها جاءت له أيضاً بشر أعظم منه، فهي قد أطلقت الفكر من حبسه فأخذ يجوب الفضاء ويستفهم عن كل شيء وهي مع ذلك قد سارت بالفكر في طريق القلق والإلتياث والعصيان. إنها قد أطمعت البشر من معرفة الخير والشر، على حد تعبير التوراة. وهي بذلك قد أذاقتهم من ويلات الخير والشر قسطاً كبيراً. لقد كان البشر قبل المدنية لا يفكرون وكانوا أيضاً لا يقلقون، وقد يصح أن نقول: أن التفكير والقلق صنوان لا يفترقان. صــ30

▬ كنت ذات يوم في مجلس ضم جماعة من رجال الدين. وقد أجمع هؤلاء الرجال أثناء الحديث على أن سكان الأرض كلهم ملزمون بأن يبحثوا عن الدين الصحيح، فإذا وجدوه اعتنقوه حالاً. فكل إنسان في نظر هؤلاء مجبور أن يترك أعماله ويذهب سائحاً في الأرض ليبحث عن دين الحق. قلت لهم: "لماذا لم تسيحوا أنتم في الأرض للسعي وراء الحق؟". قالوا وهم مندهشون لهذا السؤال السخيف: "إننا لا نحتاج إلى السعي وراء الحق لأن الحق عندنا!". صــ45

▬ كتب ابن طفيل، الفيلسوف الأندلسي المعروف، قصية فلسفية بعنوان "حي ابن يقظان". وكان يقصد من كتابة هذه القصة أن يشرح للقاري طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو. وقد تخيل ابن طفيل فيها انساناً وُلد وترعرع في جزيرة منعزلة، حيث أرضعته ظبية، وظل ينمو في تلك الجزيرة وحيداً حتى بلغ مبلغ الرجال. يقول ابن طفيل: ان عقل هذا الإنسان أخذ ينمو بنمو بدنه حتى تم نضوجه في تلك الجزيرة. واستطاع أن يفكر ويستنتج حتى توصل بتفكيره المجرد إلى كثير من الحقائق الكونية التي توصل إليها الفلاسفة العظام من قبل. يريد ابن طفيل بهذا أن يبين للقاريء أن العقل البشري جهاز فطري وأنه ينمو من تلقاء ذاته، فلا حاجة به إلى التدريس والتلقين. ويبدو أن ابن طفيل يرى بأن العقل البشري حين ينمو بعيداً عن سخافات المجتمع وأباطيله يصبح أسلم تفكيراً وأصح إستنتاجاً. وهو بذلك يحبذ للمفكرين أن يبتعدوا في تأملاتهم عن الناس ويتسامون عن عنجهياتهم. إنه بعبارة أخرى، يدعو المفكرين إلى الصعود إلى البرج العاجي. ولا ريب أن هذا الرأي هو رأي الفلاسفة القدماء جميعاً، فابن طفل إذن لم يأت بشيء جديد. وليس له من الفضل في هذا إلا ابتداعه لقصه شيقة حيث عرض فيها ذلك الرأي القديم في قالب جديد. وقد لاقت قصة "حي ابن يقظان" هذه رواجاً عظيماً بين المفكرين وتُرجمت إلى كثير من اللغات، وحاول تقليدها والإقتباس منها فلاسفة وكتاب من مذاهب شتى. والغريب أن كثيراً من كتابنا ومفكرينا لا يزالون حتى يومنا هذا متأثرين بهذه القصة ويعتبرونها الكلمة الأخيرة في قضية العقل البشري. إنهم لا يزالون يؤمنون بأن العقل موهبة طبيعية تنمو من تلقاء ذاتها سواء أعاش الإنسان في مجتمع أم عاش منذ ولادته وحيداً منعزلاً. أما الأبحاث العلمية الحديثة فهي تكاد تجمع على خطأ هذا الرأي. حيث ثبت اليوم أن العقل البشري صنيعة من صنائع المجتمع، وهو لا ينمو أو ينضج إلا في زحمة الاتصال الاجتماعي. فإذا ولد الإنسان وترعرع بين الحيوانات فإنه يمسى حيواناً مثلهم. وما قصة "حي ابن يقظان" التي إبتدعها خيال فيلسوفنا الرائع إلا وهم أو خرافة لا وجود لها في عالمنا الذي نعيش فيه. صــ132 : 133


▬ كنت أتحدث مع أحد الأمريكيين حول هذا النزاع الرقيع. فسألني الأمريكي عن علي وعمر: "هل هما يتنافسان الآن على رئاسة الحكومة عندكم كما تنافس ترومن وديوي عندنا" فقلت له: "إن عليا وعمر كانا يعيشان في الحجاز قبل ألف وثلاث مئة سنة. وهذا النزاع الحالي يدور حول أيهما أحق بالخلافة!". فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد يستلقي على قفاه. وضحكت معه ضحكاً فيه معنى البكاء. وشر البلية ما يضحك!. والغريب أني نقلت هذه القصة إلى أحد رجال الدين عندنا فقال لائماً: "ولماذا تفضحنا أمام الأجانب؟!". إنه يرتكب الفضيحة ولا يُبالي ثم يتألم حين يسمع بها الأجانب. والأغرب من هذا أن يُعلق الرجل على هذه القصة فيقول: "إن الأجانب عندهم من الفضائح أكثر مما عندنا". وعذره هذا أبشع من ذنبه. صــ247

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS