جمهورية أفلاطون (أحمد المنياوي)


• إهتمام الفلاسفة، الذين كتبوا مدناً فاضلة انصب على قضية تربية حاكم المدينة ووجوب تميزه بخصال علمية ثقافية وأخلاقية. تمكنه من إدارة البلاد على الوجه الأكمل..
• في اللغة اليونانية كلمة جمهورية لا تُعني بلداً بل تُعني الآداب والأخلاق. فالكتاب هو جواب وإثبات أفلاطون على السؤال أيهما أفضل، أن تكون عادلاً أم ظالماً. الإجابة بسيطة ولكن الإثبات صعب جداً.
• لا يظهر أفلاطون في الكتاب ولكن أفكاره وآراءه هي مجسدة في سطور (سقراط). هذا الأسلوب أدى إلى جعل موضوع فلسفي سهل للفهم والإستيعاب مما يلفت النظر في أسلوب أفلاطون هو الطريقة المنظمة والتدريجية في سرد أفكاره.
• شبه أفلاطون طبقات المجتمع بالنفس حيث العاقلة المريدة والمشتهية وقد قدم أول مفهوم للشيوعية التي تخص طبقة الملوك الفلاسفة حيث تنزع ثروتهم ويحدد لهم دخل ثابت ويمنعون من الزواج لأنهم مرجعية كاملة كتشريع وقضاء وحكم.
• يعتقد أفلاطون أن الإنسان يميل بطبعه إلى التعدي أكثر من العدالة، والدولة ينبغي أن تُعلم الأفراد حب العدالة.
• ويقسم الإنسان إلى : الرأس وفيه العقل، وفضيلته الحكمة - القلب، وفيه العاطفة، وفضيلته هي الشجاعة. - البطن، وفيه الشهوات، وفضيلته هي الإعتدال.
• وهذا النظام (الديمقراطية) يستهوي العقول، لكن الواقع أن الناس ليسوا أكفاء بالمعرفة والتهذيب ليتساووا في إختيار الحكام وتعيين الأفضل، وهنا منشأ الخطر.
• يقول: إن أفضل دولة هي التي فيها العقل يكبح جماح الشهوات والعواطف.
• الناس إذا لم يهدهم العلم كانوا جمهوراً من الرعاع من غير نظام، كالشهوات إذا أُطلق العنان لها.
• الدمار يحل بالدولة حين يحاول التاجر الذي نشأت نفسه على حرب الثروة أن يصبح حاكماً، أو حين يستعمل القائد جيشه لغرض ديكتاتورية حربية...
• ثم من غير (خدع ولا إنتخابات) يُعين هؤلاء الناس حكاماً للدولة (أي طبقة الحكام)، ويصرف هؤلاء نظرهم عن كل شيء آخر سوى شؤون الحكم، فيكون منهم مشرعون وقضاء وتنفيذيون. ولا تقل أعمارهم عن خمسين سنة، وهي سن النضوج والحكمة كما يقول سقراط.
• يقول سقراط : إن العدالة هي ليست القوة المجردة، وهي ليست حق القوي، إنما هي تعاون كل أجزاء المجتمع تعاوناً متوازناً فيه الخير للكل.
• لم يقف الإنسان عند حد معين في طموحه، من أجل الإرتقاء، والعيش في حالة معينة، تسبغ عليه السعادة في جميع مناحي الحياة. إنه فكر في إيجاد المدينة الفاضلة، التي تتميز بتقديم الخيرات للإنسان، وتبعد عنه الشرور.
• هؤلاء الفلاسفة كتبوا مدنهم الفاضلة بإخلاص وحماس وإتقان، بحسب ثقافة كل واحد منهم، وبحسب المكان الذي وجد فيه، والعصر الذي إحتواه، وما فيه من تقلبات وأحداث.
• المجتمعات في رأي أفلاطون تسعد إذا ما حكم الملك الفيلسوف.
• إذا كان من الصعب أن يكون الملك فيلسوفاً، فلا بأس، أن يتفلسف الملوك. هذا يعني أن يتزود حكام المدينة بالحكمة، كي يديروا شؤون الدولة على الوجه الأكمل.
• هكذا نجد أن الفيلسوف هو نواة عصره وخلاصة الحضارة الإنسانية. يأخذ بمقدار ما تيسر له من الإطلاع على الثقافات، ويعطي ما يقدر على إعطائه، بحسب ما تزوده معارفه متقدر عليه طاقاته الإبداعية من خَلق وعطاء.
• ولا شك أن كل المدن الفاضلة التي كُتِبَت بعد جمهورية أفلاطون، قد تأثرت بهذا الكتاب، بكثير أو قليل..
• لقد اهتم الفلاسفة، الذين كتبوا مدناً فاضلة بتربية حاكم المدينة ووجوب تميزه بخصال علمية وثقافية وأخلاقية، تمكنه من إدارة البلاد على الوجه الأكمل.
• يعتقد أفلاطون أن الشعب لا يمكن أن يكون قوياً ما لم يؤمن بالله وهو إله حي يستطيع أن يحرك الخوف في القلوب التي استولت عليها الأنانية الفردية ويحملها على الإعتدال في نهمها وشرهها وبعض السيطرة على عواطفها.
• قيل له (أفلاطون): من أجهل الناس ؟ فقال: أعجبهم برأيه، وأقنعهم بتدبيره دون رأي غيره وترك مخالفة نفسه والمتقحم في الأمور بحسن ظنه.
• الملك هو كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار: فإن كان عذباً عذبت وإن كان مالحاً ملحت. (أفلاطون)
• ليس ينتفع بالعلم سارق له ولا محتال فيه لأن هاتين الرذيلتين لا تكونان إلا في نفس قبيحة النظام لا يزكو فيها العلم ولا يتم. (أفلاطون)
• كثير من المحبين يجعلون شهوة الجسد هدفهم الأول..في هذه الحالة تنتهي صداقتهم يوم ينتهون من إرضاء شهوتهم. (أفلاطون)
• يعتبر أفلاطون أن الصراع أزلي بين منظومة قيم الخير والشر، ومعظم التيارات الدينية والسياسية تستمد مفاهيمها وقيمها الأساسية من تلك المنظومتين لتحشد المناصرين لها.
• العدالة لدى أفلاطون تأتي من كونه لا يريد أن تصدر الدولة قراراً ظالماً بحق أي شخص، بعد كل ما حصل لسقراط العظيم. إنه يريد أن تعاقب المجرم لا البريء وتكافيء الإنسان الخيِّر لا الشرير.
• لقد رأى أفلاطون أنه حتى الديمقراطية يمكن أن تحمل في طياتها بذور الطغيان والتعصب والظلم إذا لم تقدها القوانين العادلة والحكيمة.
• أكد أفلاطون بصريح العبارة، أن العبيد واهمون حينما يعتقدون في المساواة، لأن العدالة لا يمكنها أن تكون كذلك أبداً لأن الناس خلقوا غير متساوين بطبعهم.
• العدالة عند أفلاطون مرتهنة بالقدرة على الحكم وفرض الأمر الواقع..
• يعتقد أفلاطون أيضاً بلزوم وجود قانون مكافحة ومعاقبة الملحدين، وأساس ذلك إنكار وجود الآلهة، وإنكار أن الآلهة تعني بأمر وسلوك البشر، والإعتقاد بأن الإلهة ترضى بسهولة عما يُرتكب من الذنوب وجزاء الكفر السجن. وقد يكون الإعدام في الأحوال الخطيرة.
• الجدير بالذكر أن أفلاطون لا يفرق بين الرجال والنساء، بل يرى أن يُعامل الجميع "رجالاً ونساءً" معاملة واحدة. أما بالنسبة للعبيد فإن أفلاطون لم يصنفهم في أي من الطبقات الثلاث. فقد تركهم خارج هذه الطبقات. وعدهم "أدوات ناطقة من أدوات الإنتاج".
• يشترط أفلاطون أن يعيش الحكام وهم من الفلاسفة معيشة مشتركة ولا تكون لهم ملكية خاصة ولا تكون لهم روابط عائلية فلا يتزوجون ولا يكونون عائلات، أي أن أفلاطون يلغي الملكية ويلغي العائلة بالنسبة لطبقة الحكام وطبقة الجنود (الحراس).
• تجدر الإشارة إلى أن أفلاطون قد وقف موقفاً صريحاً ضد الربا، حتى إنه أباح عدم سداد المال الذي يتم إقتراضه بفائدة. وهذا ناتج عن الظروف الإقتصادية السائدة في تلك المرحلة وبخاصة ما يتعلق بإنخفاض الإنتاجية وتخلف القوى المنتجة.
• يرى أفلاطون ألا تسمح الحكومة بالزواج إلا للزوجين الذين تخمن أن ينجبا ذرية موهوبة، هذا إلى جانب إهتمام الحكومة وإشرافها على أدق شؤون الحياة الزوجية وتنظيمها.
• يقول أفلاطون بمنع عمل المواطن في التجارة لأنها من إختصاص المستوطنين الأجانب أو الصناعة لأنها من إختصاص العبيد وهم طبقتان في أسفل الهرم الإجتماعي.
• ولم يحبذ التوسع الإستعماري لأنه ينهك المواطنين والدولة..
• الفضائل عند أفلاطون أربعة وهي : الحكمة - الشجاعة - العفاف - العدالة.
• الفضيلة عند أفلاطون - كما اتضح - زهد تتساوى فيه بنظر الإنسان الملذات والآلام، فالتخلص منها هو السبيل إلى السعادة.
• من عادة المُحبِّين أن يبالغوا في الثناء على كلام المحبوب وأفعاله حتى لو جانب الصواب إما خوفاً من إثارة كراهيته، وإما لأن شهوتهم تضلل أحكامهم.
• يرى أفلاطون أن كرامة النفس تكمن في تأديبها من شهواتها إلا ما تسمح به الشرائع وإن كان في ذلك أذى في عاجل الحال.
• يقول أفلاطون بأن النفس نزلت من عالم الأبدية يعني هذا أن الروح لها وجود سابق على الجسد..
• الكثير من أفكار أفلاطون في كتابه "الجمهورية" المتعلقة بمفهومه لدور المرأة تبدو في غاية البديهية في مجتمعات إنسانية كثيرة في هذا الوقت من الزمن، إلا إنها كانت تعد مفاهيم ذات إحتواء ثوري إجتماعي في العادات اليونانية في مجتمع أثينا في فترته الزمنية.
• يرى أفلاطون على لسان سقراط أن إعادة الروح الإنسانية إلى المرأة لا تتم إلا بالإنتفاع الكامل منها في الدولة والمجتمع وهذا في حد ذاته لا يحدث إلا إذا حررت المرأة من السجن المنزلي والدور المرسوم لها قبل ولادتها.
• يدعو أفلاطون أيضاً إلى أن يكون الأطفال ملكية عامة للمجتمع بمعنى أن يكون المجتمع كله مسؤولاً عن هؤلاء الأطفال لا الوالدين فقط.
• عندما يتحدث أفلاطون عن القصص الأسطورية، فإنه يشير، صراحة، إلى الشعراء وخاصة أشعار "الإلياذة والأوديسة"، التي يعتبرها تروج لأساطير غير حقيقية عن الآلهة والحياة، ومن ثم فهي تساهم في إفساد عقل الطلف وتدخل الرعب في ذاته.
• يلح أفلاطون على أن هذا العلم (الرياضيات) يجب أن يتعلمه كل إنسان قبل غيره من العلوم.
• ليست الرياضيات تخصصاً وإنما هي فرع معرفي مشترك يهيء لمراحل عليا.
• تتجاوز الرياضيات حيز العمليات اليومية العملية لتتحول إلى "رياضة عقلية" تهدف إلى تعويد العقل والنفس على السمو.
• ليست الرياضيات هدفاً في ذاته، بل هي في أبسط صورها وسيلة للعمل، وفي أعلى صورها وسيلة للنظر العقلي.
• إن الجدل في المنظور الأفلاطوني يمكن أن يكون ذا قيمة عليا معرفياً، بل وهو غاية كل تعليم عالٍ، ولكنه يمكن أن يتحول إلى معرفة دنيئة لا تهدف إلا إلى المغالطة.
• إن "الديالكتيك" يكون أساسياً عندما يُعلم بطرق ملائمة وفي المرحلة الملائمة، أما عندما يُلقن بطرق غير مناسبة وفي مرحلة ليست هي مرحلته فإنه يؤدي مفعولاً عكسياً.
• عندما يتم تعليم "الديالكتيك" في مرحلة غير مؤهلة له فإنه لا يؤدي إلا إلى المماحكة الكلامية، والجدل العقيم..
يقول أفلاطون: إن بداية التفلسف هي إمتلاك القدرة على مغادرة الكهف ورؤية الحقيقة بأكبر قدر من الوضوح.
• إن أفلاطون قرر إلغاء هذا الجسد (جسد المرأة) نهائياً بحيث يكون فقط (آلة تفريخ) مجرد أداة للإنجاب، وهكذا أصبحت جميع الصفات التي أراد أفلاطون أن تكتسبها المرأة بعد (تحررها) هي صفات رجولية.
• لم تكن كراهية أفلاطون لجسد الكرأة هي التي دفعته إلى تحويلها رجلاً فهو يكره الجسد بما هو كذلك، ولا يثق أصلاً في الظواهر الحسية التي هي في أحسن الأحوال ظلال للحقيقة.
• لقد تبين أفلاطون في آخر الأمر أي حين لم يعد التأمل وحده يكفي لتحقيق أغراضه، أن الإلتجاء إلى الحواس أمر ضروري لا للتعرف على عالم المحسوسات فقط، وإنما أيضاً للتعرف على عالم المجردات..
• يفرض أفلاطون بين الفضيلة الفلسفية والفضيلة التقليدية، فالفضيلة الفلسفية تقوم على التفكير وفهم الأساس الذي قام عليه العمل الفاضل ولكن الثانية تقوم على التقليد أو العطف والغريزة وما نحو ذلك ويراها أفلاطون مجرد فضيلة النمل والنحل.
• يرى أفلاطون أن السعادة مرتبطة بعالم المُثُل وأنا التثقيف بالعلوم والفنون والتمتع بلذائذها النقية السامية.
• أما عن المرأة فكان يراها أحط من الرجل وأنها فقط للتناسل، أما الصديق الطبيعي للرجل فهو الرجل، كما أجاز الإسترقاق ويراه طبيعياً.
• يرى أفلاطون أن الغرض من الدولة هي إسعاد الأفراد للوصول إلى الحكمة والفضيلة والمعرفة، وأن خير وسيلة لإعانة الأفراد للوصول إلى تلك الغايات هي التربية، فالتربية هي من أهم واجبات الدولة.
• يرى أفلاطون أيضاً أن على الدولة أن تراعي مصلحة المجموع لا مصلحة الفرد وأن تكون الثورة شائعة بين الأفراد كذلك النساء والأولاد، والدولة تملك الأولاد منذ ولادتهم.
• لقد وضع أفلاطون فرضياته من أجل غاية سياسية وهي إعادة الأرستوقراطية إلى السلطة، وكل الفلسفة الأفلاطونية في خدمة هذه الغاية.
• إن الذي يمدحك بما ليس فيك وهو راضٍ عنك، يذمك بما ليس فيك وهو ساخط عليك! (أفلاطون)
• لكي تكون عظيماً لا بد أن يُساء فهمك. (أفلاطون)
• إن نظرية المحاكاة تعد من أقدم وأهم النظريات التي كان لها دور فعال في تطوير حركة النقد الأدبي والتي كان أفلاطون أول من نادى بها - في الفن - في كتابه الجمهورية.
• يرى أفلاطون أن الشعر إلهام، فالشاعر لا يصدر عن العقل؛ لأن مصدره إلهي محض، حيث يفقده الإله شعوره ليتخذه واسطة، فكأن الإله هو الذي يحدثنا بلسانه..
• يثبت أفلاطون وجود الله بدليلين هما: 1-دليل الحركة. 2-دليل النظام.
=================================================
▬ نلاحظ أن أفلاطون على الرغم من أنه كان يسعى إلى تكوين شعب سعيد، ينعم بالحرية والرفاه، ومع أن كتابه عرف بجمهورية أفلاطون، على أنه كاد يخصص لتربية رئيس المدينة. أفلاطون كان يهدف إلى تربية الملك الفيلسوف. لأن المجتمعات - في رأيه - تسعد إذا ما حكم الملك الفيلسوف. صــ10

▬ الدولة المثالية بناء على أفلاطون مكونة من ثلاث طبقات، طبقة إقتصادية مكونة طبقة التجار والحرفيين، طبقة الحراس وطبقة الملوك الفلاسفة يتم إختيار أشخاص من طبقة معينة يتم إخضاعهم لعملية تربوية وتعليمية معينة يتم إختيارا لأشخاص الأفضل ليكونوا ملوكاً فلاسفة حيث استوعبوا المُثُل الموجودة في علم المثل ليخرجوا الحكمة. ربط أفلاطون طبقات المجتمع مع فضائل إجتماعية معينة مثلاً طبقة التجار والحرفيين مرتبطة بفضيلة النفس، طبقة الحراس مرتبطة بالشجاعة وطبقة الملوك الفلاسفة مرتبطة بالحكمة، وفضيلة العدالة مرتبطة بكل المجتمع حيث عا لفصل مهام الطبقات. صــ27

▬ يقول سقراط في المحاورات أن الطمع وحب المزيد من الترف هي العوامل التي تدفع بعض الناس للتعدي على الجيران وأخذ ممتلكاتهم، أو التزاحم على الأرض وثراوتها، وكل ذلك سيؤدي إلى الحروب. ويقول إن التجارة تنمو وتزدهر في الدولة، وتؤدي إلى تقسيم الناس بين فقراء وأغنياء، وعندا تزيد ثروة التجارة تظهر منهم طبقة يحاول أفرادها الوصول إلى المراتب الإجتماعية السامية عن طريق المال، فتنقلب الدولة، ويحكمها التجارب وأصحاب المال والبنوك، فتهبط السياسة، وتنحط الحكومات وتندثر. ثم يأتي زمن الديمقراطية، فيفوز الفقراء على خصومهم ويذبحون بعضهم وينفون البعض الآخر ويمنحون الناس أقساطاً متساوية من الحرية والسلطان. لكن الديمقراطية قد تتصدع وتندثر من كثرة ديمقراطيتها، فإن مبدأها الأساسي تساوي كل الناس في حق المنصب وتعيين الخطة السياسية العامة للدولة. وهذا النظام يستهوي العقول، لكن الواقع أن الناس ليسوا أكفاء بالمعرفة والتهذيب ليتساووا في إختيار الحكام وتعيين الأفضل، وهذا منشأ الخطر. صــ29

▬ إن الملفت للنظر أن أغلب الذين كتبوا في هذا الشأن كانت تنقصهم الخبرة العملية، إن من يدعون إلى تكوين مدينة فاضلة، جدير به أن يمارس الحياة السياسية عملياً من أجل أن تكون خبرته متكاملة، لا أن يقتصر على التأمل الفكري وما يكتنزه من خزين ثقافي، النظرية شيء والواقع شيء آخر. أفلاطون كتب (جمهورية أفلاطون) وهو في الحقيقة المدينة الفاضلة، وهو منعزل عن المجتمع من حوله في بستان أكاديموس، يحاور طلبته ويكتب الكتب. القديس أوغسطين هو الآخر متقوقع في غرفته ليصور روما على أنها مدينة فاضلة. الفارابي لم يمارس الإدارة ولا السياسة عملياً، بل إنه اقترح آراءه الفلسفية للمدينة فاضلة، وهو منعزل في بستان قرب مدينة حلب. ولعل توماس مور، الذي كتب كتابه المدينة الخيالية (يوتوبيا)، بعد أن مارس السياسة وزيراً للملك هنري الثامن. كتابه هذا يعالج كثيراً من المشكلات الإقتصادية ويدعو إلى الإصلاح في إقتراحات عملية. ربما لهذه الأسباب أعدمه الملك هنري الثامن. صــ36

▬ كثيراً من الفلاسفة اليونان قد تأثروا بالحضارات المصرية والهندية والعراقية القديمة. كتاباتهم ونظرياتهم تشهد بذلك. منهم من سافر إلى بلاد وادي الرافدين ودرس فيها مثل فيثاغورث، ومنهم من سافر إلى مصر مثل أفلاطون. الفيلسوف، كل فيلسوف، وعلى مدى تتابع العصور ، ينهل من مختلف الثقافات والحضارات لتحقيق وحدة عملية يرتكز عليها، بعد أن استوعب تراث عقول الإنسانية، ليخرج بعد ذلك إلى الملأ بنظرية جديدة، منسقة متماسكة. صــ40

▬ يعتقد أفلاطون أن الشعب لا يمكن أن يكون قوياً ما لم يؤمن بالله وهو إله حي يستطيع أن يحرك الخوف في القلوب التي استولت عليها الأنانية الفردية ويحملها على الإعتدال في نهمها وشرهها وبعض السيطرة على عواطفها. وفوق ذلك إذا أُضيف على الإيمان بالله والإيمان بوجود حياة أبدية في الآخرة، لأن الإيمان بالحياة الأخرى يمدنا بالشجاعة في مواجهة الموت وتحمل موت أحبائنا ويتضاعف تسلحنا إذا كنا نحارب بإيمان على فرض إستحالة إثبات هذا الإيمان بالله واليوم الآخر. وقد يكون الله بعد كل شيء المثال الذي شخصه حبنا وأملنا وان الروح مثل الموسيقي القيثار تغنى مع الآلة التي أدتها شكلها. صــ45

▬ لقد رأى أفلاطون أنه حتى الديمقراطية يمكن أن تحمل في طياتها بذور الطغيان والتعصب والظلم إذا لم تقدها القوانين العادلة والحكيمة. ألم يقتلوا "سقراط " بإسم الديمقراطية؟ ألم يحكموا عليه بتجرع السم بعد محاكمة جماهيرية ساهمت فيها معظم الفئات في أثينا؟ ألم يصدر الحكم بناء على تصويت شعبي حر؟ ومع ذلك فقد كان حكماً جائراً لأن الناس كانوا مُضللين وخاضعين لقوانين خاطئة. فالقوانين العادلة لا يمكن أن تحكم على شخص كسقراط بالموت. القوانين العادلة لا يمكن أن تدين البريء وتبريء المجرم الحقيقي. صــ73

//الفقرة التالية لا أتفق معها مطلقاً..وأرى أن المشكلة كانت بالأساس (مشكلة لغوية)..والعدالة من وجهة نظري، نعم ، هي إعطاء كل ذي حق حقه، ويبقي الخلاف مسألة لغوية فلسفية تصويرية مفاهيمية...//

▬ يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة إستناداً إلى ما قاله عنها سيمونيدس، أي "قول الحقيقة وإعطاء كل ذي حق حقه". هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضاً يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن "العدل" هو ما ينفع الأقوى..صــ80

▬ هناك سؤال يطرح نفسه كيف يصل أفلاطون إلى تحقيق الدولة بطبقاتها الثلاث؟ الجواب هو "عن طريق التربية". 1-نأخذ الأطفال عند الولادة وندخلهم دور الحضانة ونهتم بتربيتهم لنبقي على الأطفال الأصحاء والقضاء على الأطفال الذين توجد بهم عاهات وعلل. 2-وبعد فترة يبدأون بتلقي الدروس كتعليم القراءة والكتابة، ومزاولة الرياضة، والإستماع إلى الموسيقى. 3-وبعد سن الثانية عشر يجب أن يكون هناك إمتحان، الذي ينجح: سوف يواصل دراسته، والذي تخلف يجب أن يترك المدرسة ويتوجه إلى الحياة العامة لأنهم سوف يشكلون الطبقة العامة. 4-والناجحون سوف يواصلون دراستهم حتى السن الثانية والعشرين فيعطون المزيد من المسائل الرياضياتية والشعر الحماسي الذي يدعو إلى محبة الوطن والشجيع الحماسي. 5-وبعد سن الثانية والعشرين سيعقد إمتحان آخر لهؤلاء الشباب..الناجحون منهم سيواصلون تعليمهم ليكونوا الطبقة الثالثة طبقة الفلاسفة والحكام أو (الملوك) والراسبون منهم فإنهم يكونون طبقة الحراس الذين يقومون بمهمة الدفاع عن الوطن وحفظ النظام في الدولة وأيضاً الطبقة الثالثة الناجحون منهم يواصلون دراستهم حتى السن الثانية والثلاثين وعند ذلك سوف ينقطعون عن وضع القوانين لأنهم برأي أفلاطون ليسوا عرضة للخطأ. صــ83

▬ يعتمد أفلاطون في تحليله لأشكال الفعل الإنساني جملة من التصورات المستمدة من فلسفته العامة القائمة على ثنائية العالم الذي يضم عالمين هما: عالم المُثُل حيث الحقيقة المطلقة التي تنطوري على معايير الحق والخير والجمال في إطلاقها، ويسود فيه العدل المطلق. وعالم الواقع الذي يعيش فيه الناس ويتواصلون مع بعضهم بعضاً. ويتبادلون التعاون بأشكال مختلفة، ويعتمدون في ذلك على حواسهم بشكل رئيسي. صــ115

▬ إن فن الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيكا، هو ما يسمح للنفس بأن تترفع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار لأنه طريق هذه الديالكتيكا المتصاعدة نحو الأصل، يتعرف الفكر إلى العلم إنطلاقاً من الرأي الذي هو المعرفة العامية المتشكلة من الخيالات والإعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ. هنا تصبح دراسة الرياضيات، ذلك العلم الفيثاغورثي المتعلق بالأعداد والأشكال، مجرد دراسة تمهيدية؛ لأنه عندما  نتعلم الرياضيات "من أجل المعرفة، وليس من أجل العمليات التجارية" يصبح بوسعنا عن طريقها "تفتيح النفس للتأمل وللحقيقة". لأن الدرجة العليا من المعرفة، التي تأتي نتيجة التصعيد الديالكتيكي، هي تلك المعرفة الكشفية التي نتعرف عن طريقها إلى الأشياء الجلية .صــ119

▬ لقد كان مركز المرأة في مجتمع أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد أعلى مقداراً شعرة من منزلة العبيد المسترقين الذين كانوا جميعاً ملك أسيادهم. طبقات الرجال التي حكمت المجتمعات والمنازل. كانت نساء أثينا ملكاً لرجالهم يورثن كما تورث البيوت والعبيد والماشية. كان وجودهن يعتبر عدماً وبلا معنى إلا لخدمة غرضين تحيا النسوة وتموت لأجلهن ألا وهما: 1-الأمومة والتي أُعتبرت أسمى وأهم دور لوجود وقصارى ما تستطيع بذله للمجتمع. 2-الخدمة العامة لرعاية الرجل والعائلة في المنزل وتعلن فنون الطبخ الوخدمة في تنظيف البيت. صــ120

▬ يحتل التعليم الموسيقي والتربية البدينة المكانة الأساسية في هذا التعليم الأولي، غير أن إنجاز هذه المهمة يتطلب في نظر أفلاطون تنقية عقول الأطفال مما ترسخه الحكايات الأسطورية، هذه الحكايات التي لها مفعول سحري يصادف فراغ ذهن الطفل مما يسهل رسوخه، فالإتجاه نحو الموسيقى وتربية الجسم يقتضيان أن يمهد لهما بتعويد الطفل على سماع ما يؤهله لما هو جميل وسام، يقول أفلاطون على لسان سقراط: "ذلك لأن الطفل لا يستطيع أن يميز الأسطوري من الواقعي، ولا شك أن كل ما يتلقاه ذهنه في هذه السن ينطبع فيه بعمق لا تمحوه الأيام ولذا كان من أخطر الأمور أهمية أن تكون أولى القصص التي تطرق أسماع الأطفال سامية للأفكار الفاضلة. صــ128

▬ إذا كانت الرياضيات هي ما ينبغي أن يتعلمه المُتلقي الأفلاطوني، فلأن ذلك مرتبط بأمور حيوية، ذلك أن ممارسة شؤون الحياة مهما كانت بساطتها. وإتقان جميع أنواع المعارف... كل ذك يتوقف، بمعنى ما، على الرياضيات، على العلم الذي يهيء لنا شروط التمييز في أولى صوره، ولذلك يلح أفلاطون على أن هذا العلم يجب أن يتعلمه كل إنسان قبل غيره من العلوم .. ليست الرياضيات تخصصاً وإنما هي فرع معرفي مشترك يهيء لمراحل عليا، بالنظري إلى كونها تمثل أساساً لكل تعلم، فإن الرياضيات، في هذه المرحلة، تحتل درجة الضرورة، ضرورة ما دام باقي أنماط التعلم تتوقف عليها، وضرورة لأن من يريد حسن التمييز، وضبط إستعمال عقله لا يتأتى له ذلك إلا بهذا العلم، وليس غريباً، تبعاً لما سبق، أن نجد أفلاطون يضع إتقان الرياضيات كشرط للإنخراط في الأكاديمية، وبالتالي للتفلسف. صــ132

▬ يقول أفلاطون:"ومن أهم الإحتياطات أن نمنعهم من ممارسة الديالكتيك وهم لا يزالون في حداثتهم، ولعلك لاحظت من قبل أن المراهقين الذين تذوقوا الديالكتيك لأول مرة يسيئون استعماله، ويتخذونه ملهاة ولا يستخدمونه إلا للمغالطة، فإذا ما قام أحد بتفنيد حججهم فإنهم يحاكونه ويفندون حجج الآخرين على نفس النحو، شأنهم في ذلك شأن الجرو الذي يجد لذة في جذب كل من يقترب منه وتمزيق ملابسه". صــ134

▬ وقد جاء في جمهورية أفلاطون أن أصول البشر مخلوقات مستيديرة كروية الشكل برأي واحد ووجهين وأربع أقدام وأربع أيدٍ وأربع آذان وزوج من الأعضاء التناسلية. كانت تلك المخلوقات قوية جداً تتحرك بسرعة كبيرة بالتدحرج حول نفسها. وقد حرضها إحساسها بقوتها تلك على التفكير في إرتقاء السماء لمحاربة الآلهة، الأمر الذي دفع بزيوس إلى معاقبتها، بشطرها إلى نصفين اثنين قصد إضعافها، قبل أن يطلب من أبولون أن يعيد ترقيتها وتسويتها (على طريقة العمليات التجميلية) حتى أخذت شكلها الذي نعرفه اليوم. بعد قسمة تلك الكائنات إلى نصفين، شعر كل نصف بالحنين إلى نصفه الآخر الذي انشطر عنه، فأخذ يبحث عنه بين الأنصاف المنفصلة، وعندما كان يجد أحدهما نصفه الآخر، كانا يرتميان في أحضان بعضهما البعض ويتعانقان بقوة. هكذا ومنذ حادثة الفصل تلك يحبث كل نصف عن الإتحاد بنصفه الآخر من أجل إعادة تركيب ذلك الكائن الفريد!! صــ154


▬ نجد في شخصية أفلاطون وفكره السياسي أنه أقرب إلى الخيال من عالم الواقع لكنه تحول إلى الناحية العلمية الواقعية في آخر سني حياته وكان يعتقد أن العدل من أساس الملك وأن الحكم فن بحت لا يجيده إلا من اكتسب خبرة ومراناً فيه كما أنه أثر الإعتدال دائماً ليضمن الحرية. كما شدد على أهمية الفضيلة في بناء الدولة وأهمية التربية والتعليم ويعتبر من أهم المفكرين السياسيين أنصار مصلحة الجماعة أي الدولة على مصالح الأفراد الخاصة أي الأقلية. صــ213


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

حرية الفكر (ج.بيوري)

• إن حرية الكلام قد نراها اليوم مسألة واقعية مألوفة في المجتمعات التي أخذت بنصيب موفور من الحضارة، ولقد نرى أننا تعودناها إلى الحد الذي نراها فيه حقاً طبيعياً، ولكن هذا الحق لم تدركه البشرية إلا بعد أن خاضت إليه أنهاراً من الدماء.
• إن غريزة المحافظة على الذات وما ينتج عنها من مذهب محافظ  يجدان عوناً كبيراً في الخرافاتّ!
• لقد كان سلاح العقل الأوحد هو الإقناع، أما "النقل" فكان يعتمد على القوة المادية والقوة الأدبية والتشريعات المانعة وإثارة السخط الإجتماعي على المفكرين الأحرار.
• إن من الناس من يستنكر أن نرفض مبدأ دينياً إلا إذا استطعنا أن نثبت تهافته وبطلانه. وهذه مغالطة واضحة فإن عبء البرهان على صحة ذلك المبدأ لا تقع علينا وإنما تقع على عاتق أصحابه ومعتنقيه.
• لقد كانوا يرون قصائد هوميروس (الإغريق) بمنظار دنيوي لا بمنظار ديني، كانوا يرونها بمنظار دنيوي مع أنها أشد مراعاة للأخلاق والإنسانية من بعض الكتب المقدسة.
• كان أبيقور يقرر أن الخوف هو الدافع الرئيسي للتدين وكان من أهم أغراضه أن يحرر عقول الناس من ذلك الخوف. لقد كان أبيقور مادياً يفسر الكون بنظرية "ديمقريطس" الذرية، ولا يعترف أن هذا العالم تديره قدرة إلهية.
• لقد كان أبيقور يقرر أن هناك آلهة ولكن آلهته كان وجودهم كالعدم بالنسبة للإنسان، كانوا آلهة يعيشون في خلوة بعيدة وينعمون "بهدوء خالد مقدس". لقد كان وجودهم مجرد قدرة لتحقيق الحياة الأبيقورية المثالية الهانئة.
• إن الفلسفة الرواقية كانت خير معوان لقضية الحرية، ولم يكن مقدراً لها الإنتشار والإزدهار لو لم تنبُت في جو أُطلِقت فيه حرية البحث والمناقشة.
• لقد ظل الرومان دهراً وهم لا يعلمون عن المسيحيين الذين وصلت أخبارهم إلى روما إلا أنهم طائفة من اليهود. وكان الدين اليهودي هو الدين الوحيد الذي يبغضه الوثنيون المتسامحون ويسيئون به الظن نظراً لغطرسته وتعصبه وإنطوائه على نفسه.
• إن طبيعة الكتاب المقدس فضلاً عن تعاليمه مسئولة إلى حد ما عن قسوة المباديء التي اتبعتها الكنيسة المسيحية.
• الواقع أن الكتب المقدسة ما هي إلا موانع وعقبات في سبيل الرقي العقلي والأخلاقي لأنها تمجد آراء عصر معين وعاداته وأخلاقه وتسبغ عليها تقديساً إلهياً.
• كانت الكيمياء توصف بأنها صناعة الشياطين وإنتهى بها الأمر إلى أن حرم البابا الإشتغال بها تحريماً باتاً..
• لقد حاول ابن رشد أن يتجنب التصادم مع السلطات الإسلامية المحافظة فابتكر نظرية (الحق المزدوج) والمقصود بها أن في هذا الوجود حقيقتين مستقلتين متناقضتين. حقيقة دينية وحقيقية فلسفية. ولكن هذه النظرية لم تحل دون نفيه وإبعاده عن بلاد الخليفة الأندلسي.
• إنها لمن حقائق التاريخ العظمى التي لم تكد تنال من التعظيم، أن الحرية الدينية التامة المطلقة قد تحققت للمرة الأولى في حياة الدول الأوروبية الحديثة على يد حاكم مفكر حر هو صديق (الملحد الأكبر) "فولتير".
• ومن العجيب أن البابوية قد عاشت قوية محترمة رغم التناقض الحاد بين مباديء الكنيسة وبين تيار الحضارة الحديثة. عاشت في عالم سادت فيه المباديء التي لعنتها وطالما حملت عليها.
• كان العقل خلال الثلثمائة سنة الماضية يُهشِّم ببطء وإطراد ما جاءت به المسيحية من أساطير ويكشف المزاعم التي قيلت عن الوحي المساوي.
• جاء النقد التارخي فقوض الأساس الذي بُنيت عليه الكتب المقدسة، تلك الكتب التي كانت حتى ذلك الحين معرضة لنقدات الذوق السليم وحده، تلك النقدات التي إن تكن حاذقة فهي غير متسقة.
• إن الخوف الموهوم من الكائنات الغيبية المحجوبة هو خوف يسببه الجهل هو نواة ذلك الشعور الذي يجده المرء في نفسه فيسميه ديناً ويجده عند غيره من الناس بصورة أخرى فيسميه خرافة. (توماس هوبز)
• لابد لنا أن نُلاحظ ها هنا أن صفة "الإلحاد" كانت تطلق جزافاً في القرن السابع عشر والثامن عشر للنيل من المفكرين الأحرار.
• إذا نزعت العقل لتفسح مكاناً للوحي فإنك تُطفيء نورهما معاً، ويكون مثلك كمثل من يُغري إنساناً بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يأتيه من نجم سحيق خلال التلِسكوب. (جون لوك)
• إن مثل هذا الإنسان الذي يعتنق دينه (كما يفعل أكثر الناس) دون أن يحققه كمثل الثور الذي قبل أن توضع في عنقه "عدة المحراث". (فولتير)
• إن الأمر الوحيد الذي يبرر إدعاءنا صدق أية فكرة وصلاحيتها للتنفيذ هو الحرية التامة في مناقضتها وتخطئتها وبغير ذلك لا يستطيع كائن ذو مواهب إنسانية أن يتثبت تثبتاً عقلياً من صواب آرائه.

================================================

▬ لقد كانت في القرون الوسطي "مناطق" واسعة محرمة على العقل ومملؤة بالمعتقدات التي فرض "النقل" والرواية صحتها على الناس فرضاً. ولكن العقل لم يكن ليحترم نفسه لو رضي بتلك النواهي التحكيمية، وهو لا يعترف بوجود "مناطق" ممنوعة عليه؛ لأن ميدانه الواسع وهو التجربة ميدان متشابك متداخل يكاد يشمل كل شيء، والعقل لا يستطيع أن يتنازل عن حقوقه لأي سلطان " منقول" إلا بعد أن يفحص ويدقق أوراق اعتماده ويوافق عليها. صــ25

▬ لقد كانت أرض "أيونيا" في آسيا الصغرى مهد التفكير الحر، ولا ريب في أن تاريخ العلوم الأوروبية والفلسفة الأوروبية يبدأ من "أيونيا" فهناك (في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد) حاول الفلاسفة الأوائل أن ينفذوا بعقولهم إلى أصل هذا العالم وتكوينه. ولا شك في أنهم لا يستطيعون التخلص تخلصاً تاماً من الآراء القديمة، ولكنهم هم الذين بدأوا مهمة تحطيم الآراء السائدة والعقائد الدينية. صــ30

▬ إن الظروف التي حوكم فيها سقراط الفيسلوف لتبين لنا تسامح الأثينيين وتعصبهم في آن واحد، فإن عدم إعتراض أحد على تعاليمه خلال تلك الأعوام الطويلة، وكون إتهامه صادراً بعد ذلك عن دوافع سياسية وربما كان صادراً عن دوافع شخصية، وتلك النسبة الكبيرة من الشعب التي توافق على إدانته، كل هذا يدل على أن الفكر كان حراً بوجه عام وأن الكتلة المتعصبة التي رأيناها قد كانت نتيجة تدبير محكم ربما قصدت به أغراض أخرى غير إضطهاد الحرية. صــ38

▬ إن الفلسفة الرواقية كانت خير معوان لقضية الحرية، ولم يكن مقدراً لها الإنتشار والإزدهار لو لم تنبُت في جو أُطلِقت فيه حرية البحث والمناقشة. وقد كانت تلك الفلسفة تناصر حقوق الأفراد ضد السلطة العامة. وكان سقراط قد أكد من قبل أن القوانين قد تكون ظالمة وأن الجماعات الإنسانية قد تسير إلى الضلال ولكنه لم يرسم مذهباً واضحاً لهداية المجتمع. فجاء الرواقيون وكشفوا عن ذلك المذهب في صورة "قانون الطبيعة" الذي أعتبروه أسبق وأسمى من العرف والعادات والقوانين الوضعية، ذلك المذهب الذي تخطى حدود الجماعات الرواقية وتحكم في العالم الروماني وتأثرت به التشريعات الرومانية. صــ40

▬ كان الملحدون القدماء يعتقدون أن الدين الزائف لا بد منه وجوده لحفظ نظام المجتمع، وهذا رأي نشهده اليوم عند أكثر الناس بصور مختلفة، فهم يدافعون دائماً عن الأديان بإعتبارها شيئاً مفيداً لا بإعتبارها حقاً وصواباً. وهذا الدفاع يرجع إلى السياسة الميكيافلية التي تقدر أن الدين ضروري لقيام الحكومة، وأنه قد يكون من واجب الحاكم أن يناصر ديناً يؤمن بزيفه وبطلانه. صــ41

▬ إن إضطهاد المسيحيين لم يكن يستطيع الدفاع عنه وثني مخلص محافظ، لأنه كان إراقة للدماء بغير نتيجة، كان بعبارة أخرى غلطة كبرى لأنه لم يكن ليكتب له النجاح. ولما كان الإضطهاد ما هو إلا إختيار أحد شرَّين فقد كانت النتيجة لا تخرج عن أحد أمرين: العنف (وهو أمر لا يمكن أن ينكر أنصار الإضطهاد أن شر في ذاته) وإنتشار المعتقدات الضارة: وقد اختير الأول لتجنب الثاني ليس إلا ، بإعتبار أن الثاني هو أعظم الشرين. ولكن الإضطهاد لا بد له أن يُنسق تنسيقاً يؤدي إلى الغاية وإلا أصبحنا أمام شرين بدلاً من شر واحد، وهذا لا يقول به أحد. صــ46

▬ حينما كان المسيحيون طائفة منبوذة مدى قرنين من الزمان كانوا يطالبون بالتسامح محتجين بأن الإيمان الديني أمر إختياري لا يمكن فرضه على الناس. وحينما أصبح دينهم هو الدين الغالب على أمره وصار مدعماً بسلطان الدولة هجروا مبدأ التسامح هجراناً وجعلوا يمنون أنفسهم بجمع الناس وتوحيد آرائهم توحيداً تاماً إزاء مشاكل الكون المبهمة الخفية وبدأوا من فورهم سياسة تتفاوق في الدقة والوضوح وتهدف إلى تقييد التفكير..صــ49

▬ في عام 1689م أصدر "جون لوك" رسالة عن التسامح، كتبها باللغة اللاتينية ثم أردفها بثلاث رسائل أخرى لكي يتمم بحثه ويوضحه. وكان جوهر فكرته أن مهمة الحكومة المدنية تختلف إختلافاً بيناً عن مهمة الدين. وأن الدولة ما هي إلا هيئة تكونت لغرض واحد هو إنماء مصالح أفرادها المدنية، وهذه المصالح المدنية هي الحياة والحرية والصحة وإمتلاك المتاع، أما العناية بعالم الروح فلا تدخل في إختصاص الحكام، وإ،ما شأن الحكام في ذلك كشأن كافة الناس. إذ أن الحاكم لا يملك سوى القوة المنظورة أما الدين الحقيقي فإنه لا يلجأ إلى غير إقناع العقل إقناعاً "داخلياً" وقد أطلق العقل بحيث لا تستطيع القوة الخارجية إجباره على الإيمان. فإن القانون يفقد نفوذه بغير عقاب، والعقاب ها هنا سفاهة لعجزه عن الإقناع. صــ83

▬ يقول (جون لوك) : "إن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله لا يستحقون أن يعاملوا بالتسامح، فإن الكافر لا يقيم وزناً لعهد ولا قسم ولا ميثاق، وتلك الروابط التي يتماسك بها المجتمع الإنساني. إن إستبعاد الله ولو في الفكر ينقض هذه الروابط نقضاً، هذا فضلاً عن أن هؤلاء الذين يقوضون بإلحادهم الأديان كلها لا يمكن أن يزعموا أن لهم ديناً يطالبون بمقتضاه بحق التسامح". وهكذا نرى "لوك" متأثراً بأوهام عصره وتفرضاته. فإن هذين الإستثنائين يتناقضان مع مبدئه الذي يقرر أنه "من السخف أن تفرض أمور لا يستسغها الناس بقوة القانون وإ، الإيمان بصحة هذا الشيء أو ذاك لا دخل فيه لإرادتنا". صــ84

▬ يقول فولتير: "إن الإنسان الأعمى هو الذي يُفضل عقيدة دموية سخيفة، يؤيدها الجلادون ويحوطها الوصوليون الشرسون، عقبة لا يُقبِل عليها إلا من يستفيدون منها سطوة وثروة، عقيدة غريبة لا يعرفها سوى جزء ضئيل من الدنيا، إنه الأعمى ذلك الذي يفضلها على دين (طبيعي) بسيط يشمل الدنيا بأكملها". وفي نقده للأخطاء الجغرافية التي وردت في التوراة يقول : "من الواضح أن الله لم يكن قوياً في الجغرافياً". وأنظر إليه حينما يشير إلى "الجريمة الشنيعة" التي إرتكبتها زوجة سيدنا "لوط" حينما تلفتت إلى الوراء وكيف أنها مُسخت فصارت عاموداً من الملح، ويتمنى لو كانت أقاصيص الكتاب المقدس مدعاة لتهذيبنا مادامت لا تستطيع أن تثير عقولنا. وكان من أقرب الأساليب إلى قلم فولتير أن يتناول المباديء المسيحية كما لو كان إنساناً يسمع عن المسيحيين أو اليهود لأول مرة في حياته. صــ117

▬ كانت أبحاث "كوبرنيكس" بشيراً بمولد العلم الحديث في القرن السابع عشر ذلك القرن الذي شهد ثبوت النظرية الكوبرنيكية، واكتشاف قانون الجاذبية واكتشاف الدورة الدموية، ونشأة علم الطبيعة وعلم الكيمياء. ولقد تأكد العلماء حينئذ من معرفة المذنبات ولم يعد الناس يعتبرونها علامات لغضب الله، ولكن بعضه أجيال كانت لابد أن تمر قبل أن يصبح العلم - عن غير قصد - عدواً للدين في الأمم البروتستنتينية. ولما جاء القرن التاسع عشر لم يكن هنالك سوى نقط محدودة تتصادم فيها الحقائق العلمية الثابتة مع نص الكتاب المقدس كحركة الأرض ودورانها، وكان من الهين اليسير تسوية ذلك التناقض بتأيل جديد للنصوص المقدسة..صــ133

▬ إن معظم الناس الذين شبوا في جو حر في دولة حديثة يرمقون الحرية بعين العطف في كفاحها المتمادي ضد السلطة التحكمية الملزمة، ولا يكادون يتصورون إمكان الدفاع عن تلك السياسة الباغية الجموع التي توسلت بها المجامع والحكومات وأصرت عليها لإخماد الأفكار الجديد وإزهاق حرية التفكير. ولقد تبدو الصورة التي رسمتها في هذه الصفحات كما لو كانت تمثل حرباً بين النور والظلام. وإنا لننادي بأن الذي حبك أطراف هذه المؤامرة المشئومة على الرقي البشري هما: "السلطان المستبد" "والمحراب" وإننا لنتلفت إلى الماضي بقلوب فزعة، نتلفت إلى الكوارث التي عاناها كثير من أبطال حرية الفكر على يد كل أعمى حقود من ذوي السلطان. صــ165


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

العقد الإجتماعي (جان جاك روسّو)


• يولد الإنسان حُراً، ويوجد الإنسان مقيداً في كل مكان، وهو يظن أنه سيد الآخرين، وهو يظل عبداً أكثر منهم، وكيف وقع هذا التحول ؟ أجهل ذلك، وما الذي يمكن أن يجعله شرعياً؟ أراني قادراً على حل هذه المسألة.
• إن الناس ليسوا متساوين بحكم الطبيعة، وإنما يولد بعضهم للعبودية ويولد الآخرون للسيطرة. (أرسطو)
• لا يكون الأقوى قوياً بما فيه الكفاية، مطلقاً، حتى يكون سيداً دائماً، ما لم يُحول قوته إلى حق وطاعته إلى واجب، ومن ثم كان حق الأقوى، هذا الحق الذي يُتلقى بسخرية ظاهراً والذي يوضع كمبدأ حقيقيةً..
• بما أنه ليس لإنسان سلطان طبيعي على مثله، وبما أن القوة لا تُوجب أي حق، فإن العهود تظل أساساً لكل سلطان شرعي بين الناس.
• الذي يخسره الإنسان بالعقد الإجتماعي هو حريته الطبيعية وحق مطلق في كل ما يحاول وما يمكن أن يحصل عليه، والذي يكسبه هو الحرية المدنية وتملك ما يجوز ويجب [..] فالحرية المدنية مقيدة بالإرادة العامة.
• يجب، لإكتشاف أحسن قواعد المجتمع الملائمة للأمم، وجود ذكاء عالٍ يرى جميع أهواء الناس من غير أن يَبتلي واحداً منها..
• إذا بُحِث عن الشيء الذي يقوم عليه أعظم خير للجميع، والذي يجب أن يكون غاية كل طريق إشتراعي، وجِد أنه يُرد إلى أمرين أصليين: الحرية والمساواة.
• ما الحكومة إذن؟ الحكومة هيئة متوسطة قائمة بين الرعايا والسيد ليتواصلا موكول إليها تنفيذ القوانين وصيانة الحرية المدنية والسياسية.
• الواقع أن الإرادات الخاصة كلما قلت نسبتها إلى الإرادة العامة، أي نسبة الطبائع إلى القوانين، وجبت زيادة القوة الزاجرة، ولذا يجب ، لتكون الحكومة صالحة، أن تكون أكثر قوة نسبياً كلما زاد الشعب عدداً.
• إنني أفضل الحرية مع الخطر على السلم مع العبودية.
• لو وجد شعب من الآلهة لكانت حكومته ديمقراطية، فحكومة بالغة الكمال كهذه لا تلائم الآدميين.
• يقوم مبدأ الحياة السياسية على السلطة ذات السيادة، وتعد السلطة التشريعية قلب الدولة، وتعد السلطة التنفيذية دماغها الذي يوجب حركة جميع الأجزاء، وقد يُصاب الدماغ بالفالج ويظل الفرد حياً، وقد يبقى الإنسان الأبله ويعيش، ولكن القلب إذا ما إنقطع عن القيام بوظائفه مات الحيوان.
• كلما كان نظام الدولة صالحاً فُضِّلت الأعمال العامة على الأعمال الخاصة في نفوس المواطنين، حتى إن الأعمال الخاصة تكون قليلة جداً..
• إذا وجِد معارضون عند وضع الميثاق الإجتماعي فإن معارضتهم لا تُبطل العقد، وإنما تحول دون إشتماله عليهم، فيكونون غرباء بين المواطنين.. //هل يمكن لنا أن نقول "سُكنى البلد يعني خضوعاً للسيادة؟ ، أم المسألة لا تكون بهذا الشكل؟//
• إن التصويت بالقُرعة من طبيعة الديمقراطية. (موِنتسيكو)
==================================================

▬ مجتمع الأسرة هو أقدم المجتمعات، وهو المجتمع الوحيد، وذلك إلى أن الأولاد لا يبقون مرتبطين في الأب إلا بالزمن الذي تحتاجون فيه إليه لحفظ أنفسهم، وتَنْحَلُّ الرابطة الطبيعية عند إنقطاع هذا الإحتياج، ويعود الأولاد إلى الإستقلال بالتساوي عندما يُحَلُّون من الطاعة الواجبة ويعود عليهم نحو الأب ويُحَملُّ الأب من رعاية الأولاد الواجبة عليه، وهم إذا ما استمروا على البقاء متحدين عاد هذا لا يكون طبعاً، بل طوعاً، ولم تَدُم الأسرة نفسها إلا عهداً. صــ30

▬ إذا كانت القوة هي التي تصنع الحق فإن المعلول يتغير بتغير العلة، وتَخْلُف الأولى في حقها كل قوة تقهرها، ومتى أمكن العصيان بلا عقاب صار العصيان شرعياً، وبما أن الحق يكون بجانب الأقوى دائماً فإن الأمر الوحيد الذي يُهِمُّ هو أن يُسار بما تُصار به الأقوى، ولكن ما الحق الذي يزول بإنقطاع القوة ؟ وإذا ما لَزِمَت الطاعة قهراً عُدنا غير محمولين عليها، ولذا تَري أن كلمة "الحق" هذه لا تُضيف إلى القوة شيئاً. ولذا فهي لا معنى لها هنا أبداً. صــ33

▬ وهكذا، مهما تكن الجهة التي يُنظر منها إلى الأمور، يكون حق الإسترقاق باطلاً، لا لأنه غير شرعي فقط، بل أنه مخالف للعقل خال من كل معنى أيضاً، فكلمتا الإستعباد والحق متناقضتان، متنافيتان مبادلة، ومن الحماقة أن يقول رجل لرجل أو لشعب: أضع معك عهداً يجعل كل غُرم عليك وكل غُنم لي، وأرعى هذا العهد ما راقني وتراعيه ما راقني..صــ40

▬ أدى الإنتقال من الحال الطبيعية إلى الحال المدنية إلى تغيير في الإنسان جدير بالذكر كثيراً، وذلك بإحلاله العدل محل الغريزة في سيره وبمنحه أفعاله أدباً كان يعوزها سابقاً، وهنالك، فقط ، إذ عّقَب صوت الواجب الصولة الطبيعية، وعقب الحق الشهوة، رأى الإنسان، الذي لم ينظر غير نفسه حتى ذلك الحين، اضطراره إلى السير على مباديء أخرى، وإلى مشاورة عقله قبل الإصغاء إلى أهوائه، وهو ، مع حرمانه نفسه في هذه الحالة منافع كثيرة ينالها من الطبيعة، يبلغ من كسب ما هو عظيم منها، وتبلغ أهلياته من الممارسة والنمو، وأفكاره من الإتساع، ومشاعره من الشرف، وروحه من السمو، ما إذا لم يحطه سوء إستعمال هذه الحال الجديد في الغالب إلى ما تحت الحال التي خرج منها وجب عليه أن يبارك، بلا إنقطاع، تلك السويعة السعيدة التي انتزعته من ذلك إلى الأبد والتي جعلت موجوداً ذكياً وإنساناً من حيوان أرعن قليل العقل..صــ50


▬ ليس من الصالح أن ينفذ القوانين من يضعها، ولا أن تُحول هيئة الشعب انتباهها من المقاصد العامة إلى الاغراض الخاصة، ولا شيء أشد خطراً من تأثير المصالح الخاصة في الأمور العامة، وإن سوء إستعمال الحكومة القوانين أقل شراً من فساد المشترع الذي تكون نتيجة لازمة لأغراض خاصة، فالدولة إذ تكون قد فسدت في جوهرها فإن كل إصلاح يصير متعذراً، وإن الشعب الذي لا ينبغي له أن يسيء إستعمال الحكومة مطلقاً لا ينبغي له أن يسيء إستعمال الإستقلال أيضاً، فالشعب الذي يُحسن الحكم دائماً لا يحتاج إلى أن يُحكم فيه أبداً. صــ114



  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

مدخل إلى التحليل النفسي (سيجموند فرويد)


• قليلون هم من تعلموا التحليل النفسي بصورة منتظمة، كل هذا لا يُعني أنه ليس ثمة من سُبل ومداخل إلى هذا العلم.
• إن دراسة علم النفس في نظرنا هو دراسة مضامين الشعور..
• تحتل الميول الجنسية، بين جملة القوى الغريزية المكبوح جماحها على هذا النحو، مكانة بارزة؛ فهي تعلى وتصعد، أي أنها تحوَّل عن هدفها الجنسي وتوجه نحو أهداف إجتماعية أعلى لا تتصف بأية صفة جنيسة.
• الغرائز الجنيسة يعسر ترويضها، وكل فرد يُسهم في البناء الثقافي يكون عرضة لأن تتمرد غرائزه الجنسية على هذا الكبت.
• أليس ثمة أشياء هامة لا تتظاهر، في بعض الظروف وفي بعض الأحيان، إلا من خلال علامات طفيفة غير ذات شأن؟
• خليق بنا إذن ألا نزدري العلامات الصغيرة: فقد تهدينا إلى أشياء أجلّ شأناً وأعظم أهمية.
• الأقرب إلى الصواب والعقل في البحث العلمي أن يتصدى المرء لما يلقاه أمامه، لمواضيع تعرض نفسها من تلقاء نفسها لبحثه وتنقيبه.
• كثيرة هي الأعمال التي ينفذها المرء بصورة آلية أو بإنتباه غير كافٍ، من دون أن يضر ذلك بإحكماها.
• هذا الميل إلى التحوير، أو بالأولى إلى التحريف، نلحظه لدى الكثير من الناس ممن يسلكون المسلك حباً بالتندر (التنكيت).، وبالفعل، كلما طرق سمعنا تحريف كهذا، وجدنا أنفسنا نتساءل هل قصد المتكلم إلى التنكيت فحسب، أم أن لسانه عثر به بفلته حقيقية؟
• ما هذه الهفوات وليدة المصادفة، وإنما هي أفعال نفسية جدية لها معنى، وناجمة عن تضافر قصدين مختلفين، أو بالأحرى عن تعارضهما.
• كيف السبيل إلى إظهار هذا القصد الخفي؟ وإذا تصورنا أننا أفلحنا في ذلك، فكيف نثبت أن هذا القصد ليس محتملاً فحسب، بل هو القصد الحقيقي الوحيد ؟
• إن الهفوات بحد ذاتها ليست هي، والحق يُقال، ما يستأثر بإهتمامنا، وإنما نريد أن نستخلص من دراستها نتائج قابلة للتطبيق على التحليل النفسي.
• من الخطأ أن نتوهم أن العلم لا يتألف إلا من أطروحات قام صارم البرهان على صحتها، ومن الخطل أن نطلب منه أن يكون كذلك.
• الواقع أن التعليم العلمي لا ينطوي إلا على قدر طفيف من القضايا اليقينية الثابتة؛ وأكثر إثباتاته على درجات شتى من الرجحان.
• إن للهفوات معنى، وهي تهدينا إلى سُبل إستخلاص هذا المعنى على دور الظروف المصاحبة لها.
• فلتات اللسان، وزلات القلم، إلخ ، يمكن أن يكون لها أساس فيزيولوجي محض.
• ما تلك المقاصد التي تفصح عن نفسها على هذا النحو الغريب بتعديها على مقاصد غيرها ؟
• القصد المقموع يشف عن وجوده رغم أنف الشخص المعني، إما بتعديله القصد المجهور به، وإما بالإختلاط والإلتباس به، وإما أخيراً بالحلول محله.
• حتى تلك الفلتات العادمة الدلالة، والتي لا تعلمنا شيئاً ذا بال عن السيرورات النفسية الخفية، لها مع ذلك أسبابها التي لا يعسر كشفها.
• إن نسيان أسماء الأعلام والأسماء والألفاظ الأجنبية، قابل بدوره للتفسير بقصد مُعاكس يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالإسم أو باللفظ المنسي.
• إن الحياة النفسية ميدان حرب وحلبة صراع تتواجه فيها ميول ونزعات متعارضة، أو أنها، بلغة أقل دينامية، تتألف من متناقضات وأزواج من الأضداد.
• القيمة الكبرى للهفوات عندنا تكمن في أنها متواترة ذائعة، وفي أن كل إنسان يستطيع أن يلاحظها بسهولة في نفسه، وفي أن وقوعها ليس مشروطاً بالضرورة بحالة مرضية.

=================================================
▬ تخيلوا لهُنيهة من الزمن أنكم تستمعون، لا إلى محاضرة في الطب العقلي، بل إلى محاضرة في التاريخ، وأن المُحاضر يحدثكم والحالة هذه، على تصديق صحة ما يرويه ؟ للوهلة الأولى، يبدو أن الوضع أشد حرجاً مما في التحليل النفسي، على إعتبار أن أستاذ التاريخ لم يشارك، مثله مثلكم، في حملات الإسكندر، بينما يحدثكم المحلل النفسي على كل حال عن وقائع لعب فيها هو نفسه دوراً...صــ11

▬ أطروحة أخرى يتقدم بها التحليل النفسي يمكن على إنها اكتشافات من اكتشافاته تؤكد ما يلي : إن الحفزات التي يمكن وصفها بأنها محض جنسية، بالمعنى الضيق أو الواسع للكلمة، تلعب، بصفتها عللاً محدِّدة للأمراض العصبية والنفسية، دوراً فائق الأهمية، لم يقدَّر حتى يومنا هذا حق قدره. بل أكثر من ذلك : فالتحليل النفسي يؤكد أن هذه الميول الجنسية عينها تسهم بقسط لا يستهان به في إبدعات العقل البشري في ميادين الثقافة والفن والحياة الإجتماعية.. صــ17

▬ إن الهفوات نفسها تصاحبها طائفة من ظواهر ثانوية صغيرة تستعصي على الفهم ولا تزيدها التفاسير المعتمدة حتى الآن قابلية للفهم. فحين ينسى الإنسان على سبيل المثال كلمة من الكلمات بصورة مؤقتة، نراه يضيق ذرعاً، ويبذل قصاراه ليتذكر الكلمة، ولا يقر له قرار ما لم يهتد إليها. فلمّ لا يفلح، رغم تلهفه وتحرقه، إلا فيما ندر في تركيز إنتابه كله على الكلمة التي يقول هو نفسه أنها "على طرف لسانه"، والتي يستذكرها حالما يتلفظ بها أحدهم أمامه؟ كما أن هناك حالات أخرى تتضاعف فيها الهفوات وتتكاثر، ويتشابك بعضها ببعض، ويقوم بعضها مقام بعض. فقد ينسى المرء، في مرة أولى، موعداً؛ وفي المرة الثانية، وبعد أن يكون قد عزم على ألا ينساه أبداً، يتكشف أنه قد أخطأ في تسجيل الساعة المضروبة له. وقد يسعى أحدنا بكل ما أوتيه من  حيلته إلى أن يتذكر كلمة منسية، فإذا بكلمة ثانية تفلت من ذاكرته مع أنها كان يمكن أن تفيده في إستحضار الأولى؛ وإذ يشرع بالبحث عن هذه الكلمة الثانية، ينسى الثالثة، وهكذا دواليك. ومثل هذه المضاعفات قد تحدث أيضاً، كما نعلم، في الأخطاء المطبعية التي يمكن إعتبارها هفوات يقع فيها منضد الحروف في المطبعة... صــ26

▬ إنني لأعجب حقاً للإستخفاف الذي تعاملون به في صميمكم الوقائع النفسية! تخيلوا أن أحدهم قام بتحليل كيمياوي لمادة معينة، فوجد أن لأحد عناصرها المقومة وزناً معيناً، مقداره كذا مليجرام، مثلاً. وإفترضوا أن نتائج محددة يمكن إستخلاصها من هذا الوزن. فهل لكم أن تتصوروا أن يبادر كيميائي آخر إلى نقض هذه النتائج بحجة أن المادة المذكورة كان يمكن أن يكون لها وزن آخر ؟ إن الإنسان لا يملك إلا أن يسلم بأن الوزن المكتشف هو الوزن الحقيقي، ثم يتخذ من هذه الحقيقة الواقعة، بلا تردد، أساساً للإستناجات اللاحقة. فهل يجوز لنا، عندما تواجهنا واقعة نفسية، قوامها فكرة معينة خطرت ببال شخص رداً على سؤال وجهناه إليه، ألا نطبق القاعدة نفسها، وأن نزعم أن هذا الشخص كان يمكن أن تخطر له فكرة أخرى ؟ الحق أنكم مأخذون بوهم حرية نفسية، وأنتم عن التخلي عنه عازفون! وأني لآسف إذا كنت لا أستطيع مشاطرتكم رأيكم في هذا الموضوع. صــ48


▬ إن من يسمع لأول مرة أن النسيان وسيلة دفاعية للإحتماء من الذكريات المؤلمة لا يتخلف، إلا فيما ندر ، عن إبداء الإعتراض التالي بالإستناد إلى خبرته الذاتية: إن الذكريات المؤلمة هي التي تستعصي بالأحرى على النسيان، وهي التي تعاود المرء مراراً وتكراراً، مهما يفعل ليكتمها ويقمعها، وتقض مضجعه بلا إنقطاع، ومنها على سبيل المثال ذكريات الهوان والمذلة. هذا حق لا ريب فيه، لكن الإعتراض باطل. وخليق بكم ألا يغرب بالكم أن الحياة النفسية ميدان حرب وحلبة صراع تتواجه فيها ميول ونزعات متعارضة، أو أنها، بلغة أقل دينامية، تتألف من متناقضات وأزواج من الأضداد. فإذا ما أثبتنا وجود ميل معين لا نكون قد أثبتنا بذلك عدم وجود أي ميل آخر يفعل فعله في إتجاه معاكس. فثمة مجال لكل منهما. وبيت القصيد أن نعرف العلاقات التي تقوم بين هذين الميلين المتناقضين، والأفعال التي تصدر عن كل منهما. صــ82


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

إعترافات تولستوي وفلسفته (ليو تولستوي)


• لم أبلغ الثامنة عشر من عمري حتى تركت الجامعة في السنة الثانية من دخولي إليها وحررت نفسي من كل ضروب العبادة والإيمان الذي تعلمته.
• قد آمنت بإله، أو بالأحرى لم أنكر وجود إله، ولكن لم أقدر أن أوضح شيئاً عن هذا الإله الذي لم أنكر وجوده..
• في بداءة عملي كنت أعتقد أن الكمال الأدبي هو غايتي الرئيسية، ولكنني لم ألبث أن وجدت نفسي ساعياً وراء الكمال العام في جميع الأعمال.
• لقد كانت أسمى مراتب الأخلاق الصالحة في عقيدتي منحصرة في الطموح، ومحبة القوة، والحصول على الربح، والكبرياء والغرور، والغضب والإنتقام.
• ليس في قاموس الجرائم جريمة واحدة لم أرتكبها، ولكنني كنت مع كل ذلك مكرماً محترماً من أبناء عشيرتي كرجل أديب فاضل.
• رغبتي في الشهرة كانت تقضي على كل إصلاح في فكري. وعلى خداعي الكثير في كتابتي نجحت نجاحاً باهراً، وكان الناس يقرأون كتاباتي مادحين شاكرين.
• كان الإيمان بالشعر، وبنمو الحياة، إيماناً حقيقياً، وكنت كاهناً حقيقياً أبشر به. وكان القائم بمثل هذا العمل إذ ذاك رفيقاً للربح والكرامة في جميع أعماله.
• كانت حياتي في أوروبا، وتعرفي بعظماء مفكريها وعلمائها، عاملاً فعالاً على تأييد عقيدتي بإمكانية البلوغ إلى الكمال العام الذي كان المفكرون في أوروبا يؤمنون به.
• إنني كسائر المجانين كنت أعتقد أن جميع رفقائي مجانين وليس بينهم عاقل غيري..
• يجب أن أحكم على ما هو حق وضروري، وليس بما قاله الناس وفعلوه، ولا بما رتبوه من النظم للتقدم، بل بما أشعر بصوابه في أعماق قلبي.
• كل شيء ينمو ويتغير. وأنا نفسي أنمو وأتغير كل يوم. وسيأتي يوم يدرك فيه الجميع سر هذا النماء.
• لقد رأيت أن كلاً من المعلمين يختلف عن الآخر بطريقة تعليمه، وبما يعلمه، ولذلك يخاصمه، وينازعه عبثاً ليخفي عنه جهالته وغروره.
• كانت فكرة الإنتحار تخطر لي في كل يوم، بل كل ساعة كما كانت فكرة الجهاد في سبيل كمال الحياة، رفيقة لأحلام شبابي.
• لم أكن أبلغ الخمسين من عمري بعد، فقد كان لي زوجة صالحة تحبني وأحبها، وأولاد مهذبون، وأملاك واسعة كانت تنمو وتزداد من غير أن أتعب في سبيلها.
• هكذا أتعلق أنا بغصن شجرة الحياة، عارفاً أن تنين الموت ينتظرني، وهو على أتم الإستعداد ليمزقني إرباً إرباً. ولا أدري لماذا قدر لي أن أحتمل كل هذه المشقات..
• مهما بالغت في التفكير في نفسي لأقنع ذاتي أنني لا أستطيع أن أدرك معنى الحياة، وأنني يجب أن أعيش بدون تفكير، فإنني عاجز عن العمل بهذه النصيحة، لأنني قد عشت متمرداً عليها زمناً طويلا.
• أنا، بما في قلبي من المحبة لهم (أسرتي) لا أقدر أن أُخفي عنهم الحقيقة، لأن كل خطوة يخطونها في طريق المعرفة تُدنيهم من هذه الحقيقة الواحدة التي هي : "الموت!"
• إن الفن زينة الحياة وسحرها. والحياة بعد أن خسر سحرها نفوذه في قلبي، كيف أستطيع أن أجعل غيري يرى هذا الساحر فيها؟
• ظل سؤالي الشخصي:"لماذا أعيش وأرغب وأعمل؟" سراً غامضاً لا جواب عليه. وقد عرفت إذ ذاك أن فروع المعرفة هذه لذيذ درسها، شيق التأمل فيها، ولكنها كانت تظهر، بملء الوضوح عجزها الكامل عن المجاوبة على مسائل الحياة.
• ما هي حياة تلك البشرية أو الإنسانية المجهولة منا، التي لا نعرف منها سوى جزء صغير في قسم من الوقت ؟
• لكي يفهم الإنسان حقيقة ذاته يجب عليه والحالة هذه أن يعرف حقيقة الإنسانية السرية، التي تتألف من ملايين الناس الذين يجهلون حقيقة ذواتهم مثله..
• كلما وضحت سماء المعرفة المنبسطة فوقي، وزادت نقاوتها، وتعاظمت سحرها وتعمقت في إدراك أسرارها، والإطلاع على دقائقها، كنت أجدها بعيدة عن قضاء حاجتي، قاصرة عن مجاوبتي على مسائلي..
• الحكيم يُنشِد الموت في كل ساعة من حياته، ولذلك فالموت لا يُرعب الحكماء.
• كل ما في هذا الوجود من الكائنات، والشموس، والمجرات هو لا شيء بعد زوال إرادتنا أو حياتنا: لأن وجوده، أو بالحري شعورنا بوجوده ناشيء عن وجود هذا الشعور فينا، ولذلك فهو زائل بزوال هذا الشعور فينا..
• كان مركزي صعباً مزعجاً. لأن المعرفة التي يقدمها العقل تنكر الحياة، والمعرفة التي يمنحها الإيمان تنكر العقل، وكلا الأمرين صعب عليّ وخصوصاً الثاني منهما.
• ومع أنني ظللت أعتقد أن الإيمان بعيد عن أحكام العقل، فلم أجد بُداً من التسليم بأن الإيمان وحده منح الإنسان جوابات مغرية على مسائل الحياة، ومهد أمامه العقبات الحائلة دون سعادة حياته.
• المعرفة المبنية على العقل أظهرت لي أن الحياة لا معنى لها، فاحتقرت حياتي، وودت أن أقتل نفسي بيدي. بيد أنني كلما نظرت إلى جماهير الناس حولي أرى أنهم يعيشون فرحين بالحياة عارفين معانيها السامية.
• مهما تعددت أنواع الأجوبة التي يقدمها الإيمان للإنسان فإن كل واحد منها يجعل لحياة الإنسان المحدود معنى غير محدود، معنى لا يزول ولا يفنى مهما اجتمع لمحاربته من جيوش الآلام والوحدة والموت.
• بالإيمان نستطيع أن نجد الحياة، وبه نفهم معانيها السامية.
• ماذا فعلت عندما نشدت جواباً على قضيتي بدرس العلوم الطبيعية؟ رغبتي في معرفتي السبب الذي أعيش لأجله، ولذلك درست كل شيء ما خلا نفسي. ولا شك أنني تعلمت أمور كثيرة بهذا الدرس، ولكنني لم أتعلم شيئاً مما كنت في حاجة إليه.
• ماذا فعلت عندما نشدت الجواب في دروس الفلسفة؟ درست أفكار الذين كانوا في نفس الحالة التي كنت فيها، يجهلون الجواب على السؤال "لماذا أعيش؟" وواضح أنه لم يكن لي أتعلم بهذه الطريقة، إلا ما عرفته من قبل، وهو أنه يستحيل أن أعرف شيئاً.
• من أنا ؟ ــــ جزء من غير محدود. بهذه الكلمات سر القضية بكاملها.
• ما برح الإنسان منذ أبعد أزمنة التاريخ يدرس علاقة المحدود بغير المحدود ويوضحها ويفسرها.
• إن المركز الذي إتخذناه أنا وشوبنهور وسليمان، بالرغم من كل حكمتنا، كان جنونياً محضاً، لأننا مع معرفتنا الحياة شر، لا نزال نتمسك بها..
• فهمت أننا بجميع مباحثنا كنا ندور في دائرة واحدة. ندرس، ونبحث، ونفتش، وندقق، وأخيراً تأتي النتيجة ج تساوي ج . فسر الماء بعد الجهد بالماء.
• بدأت أُدرِك أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان تحتوي على أنقى ينابيع الحكمة البشرية، وأنه لا يجوز لي أن أرفضها لمجرد تمرد العقل عليها، فهي وحدها الكفيلة بحل قضية الحياة.
• قد فهمت كل هذا، ولكنه لم يساعدني على التخلص من شقائي فقد أصبحت مستعداً أن أقبل أي إيمان كان على شرط أن لا يطلب مني نكراناً ظاهراً لعقلي.
• الإنسانية، لكي تعيش، وتواصل حياتها شاعرة بمعنى هذه الحياة، تحتاج إلى نوع آخر من الإيمان أنقى وأصدق من الإيمان الذي عرفته.
• إن في الوجود إرادة كلية تدير كل ما فيه من الكائنات. وهذه الإرادة الكلية لا عمل لها سوى العناية بحياتنا وبحياة الوجود الذي نعيش فيه.
• كنت أفكر بغير انقطاع في الحياة وما أشكل عليّ من أسرارها. ولكن قلبي كان يتألم. وفي أعماقه شعور مذيب لا أستطيع أن أصفه إلا بأنه عاطفة خفية كانت تدفع بي إلى التفتيش عن الله.
• في بعض المرات كنت أراجع مباحث كانط وشوبنهور في أن البرهان على وجود الله مستحيل، وأقبلها بإقتناع، ثم لا ألبث أن أثور عليها في أوقات أخرى، وأفندها وأُظهِر خطأها وضلالها.
• لا أقول مثنى، وثلاث ورباع، بل عشرات ومئات المرات، كانت تنازعني هذه الأفكار المتناقضة، فتارة اؤمن وأشعر بحلاوة الحياة، وتارة يفارقني إيماني ويحل مكانه الشكوك والشعور بشر الحياة وبطلانها.
• لم أشرع في الإختلاط مع المتعلمين من المؤمنين، أو في مطالعة كتبهم حتى عاودتني شكوكي، ورجع إليّ تمردي واضطرابي فشعرت أنني كلما حادثتهم، أو قرأت مؤلفاتهم، يزداد بُعدي عن الحقيقة ودنوي من هوة اليأس والشقاء.
• البراهين التاريخية التي تُصبغها كل طائفة  بصبغتها الرسمية، لا يمكن أن تكون مرجعاً للحكم بين الطوائف.
• ومع أنني لم أعد أجد من الخطأ في إيمان الشعب بمقدار ما في إيمان زعماء الكنيسة فقد رأيت أخيراً أن غير الحقيقي في إيمان الشعب ممتزج بالحقيقي.
• ومما لا شك فيه أن العقائد كانت تحتوي على الكثير مما هو حق، ولكنها كانت أيضاً بدون أقل ريب تحتوي على الكثير مما هو غير حق.
• الحياة الروحية تُعاش لا تُلقَن.

▬ هذا هو حالنا اليوم كما كان من ذي قبل.ــــ فإن تأثير التعليم الديني الذي قبلناه في المدرسة عن طريق الثقة والإيمان البسيط، وحفظته السلطة المطلقة في حياتنا، يضمحل شيئاً فشيئاً تجاه المعرفة التي نستمدها من إختبارات الحياة اليومية التي تُناقض كل مبادئه، ومع أن الفرد منا يعتقد أن إيمانه لا يزال راسخاً في أعماق قلبه فإن هذا الإيمان لا أثر له في حياته العملية. صــ7

▬ لذلك أعترف الآن بأن الإيمان المغروس في أعماقي منذ صبوتي قد زالت آثاره من قلبي كما تزول من قلب كل إنسان، ولكن الفرق بيني وبين الكثيرين هو أنني منذ الخامسة عشرة من عمري شرعت أقرأ كتب الفلاسفة، وأدركت في أعماقي عدم إيماني. فقد انقطعت عن الصلاة وأنا في السادسة عشرة من العمر، وتحولت عن حضور الإحتفالات الكنسية، والمحافظة على صيامات الكنيسة بملء إرداتي وقناعتي. قد طرحت عني الإيمان الذي تعلمته في صباي وما برحت أؤمن بشيء، ولكنني لم أقدر أن أوضح ماهيته. قد آمنت بإله، أو بالأحرى لم أنكر وجود إله، ولكن لم أقدر أن أوضح شيئاً عن هذا الإله الذي لم أنكر وجوده. إنني لم أنكر المسيح ولم أجحد تعاليمه، ولكن الحقيقة التي تدور عليها هذه التعاليم لم أعرف عنها شيئاً. صــ9

▬ قد قتلت الكثيرين في الحرب، وبارزت الكثيرين لأفقدهم حياتهم، وخسرت أموالاً كثيرة بالمقامرة، وأنفقت الأموال الكثيرة التي وصلت إليّ بأعراق الفلاحين، وكنت قاسياً عاتياً في معاملة خدامي، ولم أترك سبيلاً من سبل الفسق والدعارة مع العواهر إلا سلكته، ولم تفتني طريقة من طرق الخداع والمراوغة: كذب وسرقة، وزنا، وسكر وتمرد وقتل.. كل هذا جزء من حياتي في تلك الأيام. فليس في قاموس الجرائم جريمة واحدة لم أرتكبها، ولكنني كنت مع كل ذلك مكرماً محترماً من أبناء عشيرتي كرجل أديب فاضل. صــ12

▬ وقد مر العام الأول وأنا أشتغل في كل دقيقة من يومي بالتحكيم، والتعليم في المدارس، وتحرير جريدتي، حتى شعرت أنني أكاد أرزح تحت أثقال الواجبات الكثيرة التي أُلقيت على كاهلي. وظل الحال هكذا حتى صرت أنظر إلى كل أعمالي في القضاء، والمدرسة، والجريدة، نظرتي إلى ألد أعدائي. فوقعت أخيراً في مرض عقلي، أكثر مما هو جسدي، وتركت أعمالي، وسرت إلى البرية، حيث أصبحت أستنشق نسيم الطبيعة النقي، وأعيش بين الحيوانات البريئة المعيشة الطبيعية الحقة. صــ22

▬ وقد أصابني نفس ما يصيب كل مريض في بداءة مرضه، تعرض له بعض الأيام بسيطة، فلا يعبأ لها، وهي لا تلبث أن تزيد وتتجمع حتى يتألف من مجموعها داء عياء، يقضي على راحته ويسلبه سعادته، فيعمد المريض المسكين إلى مُلاقاه الخطر، ولكنه يرى نفسه قاصراً أمام عدوه، ويدرك أن المسئلة، التي بدت له لأول وهلة تافهة لا أهمية لها، قد أصبحت قضية في الوجود يسعى إلى حلها، ولا يهتدي إلى ما ينقذه منها، وهي قضية موته. صــ24

▬ كانت فكرة الإنتحار تخطر لي في كل يوم، بل كل ساعة كما كانت فكرة الجهاد في سبيل كمال الحياة، رفيقة لأحلام شبابي. وقد لزمني هذا الفكر، وكان يبدو لي جميلاً جذاباً، بهذا المقدار حتى اضطررت أخيراً أن الجأ إلى وسائل عديدة للحؤول دون تنفيذه بسرعة ولم يحملني إلى التردد في الإنتحار سوى رغبتي في إستعمال كل قوى حياتي في تنظيف أفكاري من أقذار الأوهام العالقة بها ولو لم يتم لي هذا لكنت أقتل نفسي في الحال. صــ28

▬ شعرت في فجر شبابي بميل كلي إلى الدروس المجردة، ولكن الرياضيات والعلوم الطبيعية أغوتني بسحرها في فجر رجولتي. وقد كنت قبل أن خطر لي هذا السؤال عن معنى الحياة - السؤال الذي نشأ في أعماقي ونما نمواً عجيباً في فكري وهو يطلب الجواب عليه بفارغ الصبر - راضيا بالأجوبة التقليدية المصطنعة التي كانت تقدمها البشرية لفكري. صــ38

▬ على هذا المنوال ضلت بي السبيل في المعرفة البشرية، فلم أجد لي ملجأ، لا في نور العلوم الرياضياتية والطبيعية، التي كانت سبلها مفتوحة أمامي، ولا في ظلمة الفلسفة، التي كانت تقودني كل خطوة فيها من السيء إلى الأسوأ، ومن المظلم إلى الأكثر ظلاماً ـــــ إلى أن ثبت لدي أخيراً أنه لم يكن، ولن يكن في الوجود شيء مما أفتش عنه؛ لأنني عندما تبعت نور العلم، الذي يتوهم الناس قدرته على حل قضايا الحياة، كنت أجد نفسي أبعد كثيراً عن الحقيقة التي أُنشدها. وكلما وضحت سماء المعرفة المنبسطة فوقي، وزادت نقاوتها، وتعاظمت سحرها وتعمقت في إدراك أسرارها، والإطلاع على دقائقها، كنت أجدها بعيدة عن قضاء حاجتي، قاصرة عن مجاوبتي على مسائلي. صــ46

▬ قال سُقراط وهو يستعد للموت: "نحن ندنو من الحق كلما بعدنا عن الحياة." فلماذا نحن الذين نحب الحق نسعى وراء الموت؟ لكي نتحرر من الجسد والأوجاع التي ترافق الحياة فيه. فإذا كان الحال هكذا، فكيف يجوز لنا أن نخاف من دنو الموت؟ الحكيم يُنشد الموت في كل ساعة من حياته، ولذلك فالموت لا يرعب الحكماء. وهذا نفس ما عبر عنه شوبنهور بقوله: "إن المبدأ الأساسي لكل ما في الوجود هو الإرداة [...] إذا أنكرنا هذه الإرادة، وقضينا على وجودها، فإن كل مظاهر الوجود تزول في الحال بزولها [...] الوجود بأسره ما هو عند التحقيق إلا هذه الرغبة التي في أعماقنا - الرغبة في الحياة التي تحملنا إلى الخوف من المصير إلى عدم... صــ50

▬ وهكذا فإن سياحتي في حقول المعرفة البشرية لم تقتصر على الفشل في شفائي من يأسي بل زادتني يأسياً وشكاً. فالفرع الواحد من المعرفة يقف صامتاً تجاه السؤال عن معنى الحياة. والفرع الثاني أجابني جواباً صريحاً ثبت يأسي، وأراني أن الحالة التي أنا فيها لم تكن نتيجة لضلالي أو ضعفاً طرأ على دماغي، بل إنما  كانت على العكس من هذا تؤكد لي أنني إنما أفكر بدقة، وأن آرائي متفقة مع النتائج الكبرى التي إنتهى إليها أقدر مفكري الإنسانية. صــ57

▬ يحدثني عقلي أن الحياة مناقضة للعقل. فإن لم يكن في الوجود شيء أعلى من العقل، والحقيقة أنه ليس في الوجود أسمى من العقل أو بالحري ليس لنا برهان على مثل هذا، فالعقل إذن هو الذي خلق لي الحياة. فكيف يستطيع هذا العقل، والحالة هذه ، أن ينكر وجود الحياة التي هو أوجدها ؟ وإذا نظرنا إلى الموضوع من الجهة الثانية نقول : لو لم تكن لي حياة لما كان لي عقل، ولذلك فإن العقل بحكم الطبع هو ابن الحياة. فالحياة هي كل شيء. العقل هو ثمرة الحياة، وهذا العقل نفسه ينكر الحياة التي أثمرته شجرتها. صــ63

▬ كان مركزي صعباً مزعجاً. لأن المعرفة التي يقدمها العقل تنكر الحياة، والمعرفة التي يمنحها الإيمان تنكر العقل، وكلا الأمرين صعب عليّ وخصوصاً الثاني منهما. فالمعرفة المبنية على العقل قد برهنت أن الحياة شر، وأن الناس يعرفون هذا وفي منالهم أن يقتلوا أنفسهم ويستريحوا من شر الحياة متى شاؤوا، ولكنهم ما برحوا يعيشون في العالم وينفرون من الإنتحار، وأنا فرد منهم قد عشت طويلاً عالماً أن الحياة شر وحماقة لا معنى لها. ولو عشت بالإيمان لقُضي عليّ أن أهمل عقلي وأعرض عن تطلباته قبل أن أستطيع إدارك معنى الحياة، ولكن عقلي هو القوة الوحيدة فيّ التي تطلب إدارك معنى الحياة، فكيف يمكن أن أفهم الحياة بدونه ؟ صــ71

▬ في جميع مباحثي الفكرية مع نفسي كنت أقابل مضطراً، المحدود بالمحدود، وغير المحدود بغير المحدود، ولذلك كانت النتيجة التي لا بد منها كما يأتي: "القوة هي القوة، والمادة هي المادة، والإرادة هي الإرادة، وغير المحدود هو غير المحدود، ولا شيء هو لا شيء" لا أكثر ولا أقل. فقد حدث لي كما يحدث في الرياضيات، عندما نريد أن نحل معادلة يجب أن نحصل على أعداد متشابهة. فمع أن طريقة الحل صحيحة فإن الجواب يأتي هكذا. ب تساوي ب . ج تساوي ج ، ل تساوي ل . هذا هو نفس ما حدث لي في تفتيشي عن معنى الحياة. فقد تشابهت عندي جميع الأجوبة التي قدمها العلماء على إختلاف طبقاتهم. صــ73

▬ عندما بلغت هذه النتيجة أدركت أنه من العبث السعي وراء جواب على سؤالي في المعرفة المبنية على العقل، ووثقت بأن الجواب الذي تقدمه مثل هذه المعرفة ليس إلا دليلاً واضحاً على أن الجواب مستحيل ما لم يوضع السؤال بطريقة أخرى تجعله شاملاً للعلاقة بين المحدود وغير المحود. وأدركت أيضاً أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان مهما خالفت أحكام العقل وتمردت على شرائعه، فهي تمتاز بأنها تقدم لكل سؤال العلاقة بين المحدود وغير المحدود، وبدون هذه العلاقة لا يمكنا الحصول على جواب ما. فكيف وضعت السؤال: ("كيف يجب أن أعيش؟) فالجواب عليه واحد:ــ "بشريعة الله." س: "وهل بعد حياتي شيء حقيقي ثابت؟ وما هو؟ ج:"عذاب أبدي أو بركة أبدية" س: "وهل في حياتي معنى لا يستطيع الموت أن يذهب به؟" ج:"نعم، وهو الوحدة مع إله غير محدود في الفردوس." على هذا المنوال وجدت نفسي محمولاً إلى التسليم بأن وراء المعرفة العقلية، التي كنت أعتقد أنها المعرفة الوحيدة، وجد ويوجد في كل إنسان نوع آخر من المعرفة لا سلطان للعقل عليها. وهو الإيمان الذي يساعد الناس على الغبطة في الحياة. ومع أنني ظللت أعتقد أن الإيمان بعيد عن أحكام العقل، فلم أجد بُداً من التسليم بأن الإيمان وحده منح الإنسان جوابات مغرية على مسائل الحياة، ومهد أمامه العقبات الحائلة دون سعادة حياته. فالمعرفة المبنية على العقل أظهرت لي أن الحياة لا معنى لها، فاحتقرت حياتي، وودت أن أقتل نفسي بيدي. بيد أنني كلما نظرت إلى جماهير الناس حولي أرى أنهم يعيشون فرحين بالحياة عارفين معانيها السامية؛ لأن الإيمان قد منحهم كما منحني قوة على إدراك معنى الحياة وحمل أثقالها بفرح وصبر. صــ 74 : 75

▬ ليس الإيمان بإعلان غير المنظورات فقط، ولا هو بالوحي الذي ينزل على قلوبنا فقط، لأن مثل هذا التحديد يظهر لنا شكلاً واحداً من أشكال الإيمان المتعددة، كلا ولا هو علاقة الإنسان بالله فقط، (لأن الإيمان يجب أن يتحدد أولاً ثم الله) ولا هو الإذعان لما أخبر به الإنسان فقط، كما يعتقد الكثير من الناس، وإنما الإيمان الحقيقي الكامل هو معرفة معاني الحياة الإنسانية معرفة حقاً تحمل الإنسان على محبة الحياة والمحافظة عليها. الإيمان هو وحده قوة الحياة. فالرجل الحي يؤمن بشيء، وبغير الإيمان لا يستطيع بشر أن يعيش في العالم. لأن الذي لا يؤمن بأن في الوجود غاية يعيش لأجلها هو ميت بالحقيقة. فإذا لم ير ولم يفهم بطلان المحدود فهو يؤمن بغير المحدود. وإذا رأى بطلان المحدود وزواله فهو مضطر إلى الإيمان بغير المحدود في كل حال. فالحياة بغير الإيمان مستحيلة. صــ76

▬ قد فهمت كل هذا، ولكنه لم يساعدني على التخلص من شقائي فقد أصبحت مستعداً أن أقبل أي إيمان كان على شرط أن لا يطلب مني نكراناً ظاهراً لعقلي، لأن مثل هذا العمل يعرضني للكذب. فدرست البوذية والإسلامية بكتبهما الأصلية، ودرست المسيحية بعناية خاصة، بكل ما كتب فيها وبحياة اساتذتها الذين كانوا حولي. فوقف فكري وانتباهي أولاً على درس المؤمنين من أبناء بلادي المقربين منى، علماء الأرثوذكسية وعظماء المفكرين من رجال الدين والرهبان الشيوخ المؤمنين بأن الخلاص يتوقف على الإيمان بالفادي. فكنت أسعى إلى هؤلاء المؤمنين وأسألهم عن  إيمانهم وعن عقائدهم في الحياة والغاية منها. ومع أنني كنت أبذل كل جهدي لتجنب المناظرات والمجادلات معهم فإنني لم أستطع أن أعتنق إيمانهم. فقد رأيت أن الذي كانوا يطلقون عليه إسم الإيمان، لم يوضح لي معنى الحياة، بل عمل بالأحرى على زيادة ظلمتها [...] لم أستفد شيئاً بل رجعت إلى هاوية يأسي الأول، أوفر شقاء وأكثر تعساً. فكنت كلما بالغوا في بسط دقائق عقائدهم أمامي أشعر بملء الوضوح أنهم على ضلال، وأن عقائدهم كلها لا تستطيع أن توضح لي معنى الحياة [...] أدركت أن إيمان هؤلاء ليس بالإيمان الذي نشدته، بل هو شكل من الأشكال التي يلجأون إليها ذوو الشهوات في الحياة لتبرير ذواتهم تجاه الحياة [...] الإنسانية، لكي تعيش، وتواصل حياتها شاعرة بمعنى هذه الحياة، تحتاج إلى نوع آخر من الإيمان أنقى وأصدق من الإيمان الذي عرفته. صــ 80 : 83

▬ ما رأيته في عامة الشعب مناقضاً على خط مستقيم لما رأيته بين الخاصة من أبناء الأشراف والأغنياء، الذين كانت حياتهم بدون الإيمان سهلة جداً عليهم، ولم يكن بين كل ألف منهم مؤمن واحد: في حين أن الفقراء والعامة لم يكن بين الألف منهم رجل واحد غير مؤمن... صــ84

▬ إن حياة طبقتنا الغنية والمتعلمة أصبحت مكرهة في عيني، ولم يبق لها أقل معنى في عقيدتي. فجميع أعمالنا، وأفكارنا وعلومنا ، وفنوننا، ظهرت لي بأشكال جديدة وصور جديدة. فأدركت أنها كلها لعبة صبي صغير لا معنى لها. وثبت لدي أن حياة العمال، وجميع أبناء الإنسانية المشتغلين بالإنتاج، والعاملين على البناء والتعمير، هي وحدها الحياة الحقيقية التي يجدر بي وبكل عاقل أن يسعى إليها. أجل، فقد أدركت جيداً أن هذه هي الحياة الحقيقية، وأن المعنى الذي يجده أبناؤها فيها هو المعنى الحقيقي للحياة ولذلك قبلته بفرح عظيم. صــ86

▬ [...] "إن الحياة شر لا معنى له" كان منطبقاً على حياتي الشخصية إذ ذاك، وليس على الحياة بوجه عام. حينئذ أدركت الحقيقة التي وجدتها فيما بعد في الإنجيل:"إن الناس أحبوا الظلمة دون النور، لأن أعمالهم كانت شريرة. لأن كل من يصنع الشر يبغض النور، ولا يأتي إلى النور، لئلا توبخ أعماله. فرأيت بوضوح أن على الراغب في ادراك معنى الحياة أن يعيش هو نفسه أولاً حياة بعيدة عن الشر ممتلئة بالمعاني الصالحة، وحينئذ تستنير بصيرته فيرى المعنى الحقيقي لحياته. صــ88

▬ شعرت أن قوة الحياة الضرورية ما برحت تعوزني، فعاودتني مخاوفي وشكوكي، وشرعت في الحال أصلي إلى الإله، الذي كنت أفتش عنه، ليساعدني وينقذني من يأسي. بيد أن إفراطي في الصلاة لم يزدني إلا ثقة بأن صلواتي لم يسمعها أحد، وبأنه لا يوجد أحد يستطيع أن يلجأ إليه في عهد محنته. لأجل ذلك صرخت واليأس يملأ قلبي، لعدم مقدرتي على الإهتداء إلى الإله الذي فتشت عنه، قائلاً: "يارب ارحمنى وخلصني. أيها الرب إلهي علمني." ولكن لم يرحمني أحد... صــ94

▬ وقد فارقتني هذه القناعة بوجود الله، إلى درس علاقتنا معه، فعرض أمامي الإله المثلث الأقانيم، خالقنا، الذي أرسل ابنه فادياً لخطايانا. حينئذ رأايت هذا الإله، المنفصل عني وعن العالم، يذوب كالجليد من أمام عيني، فلم يبق لوجوده أثر في ذهني، ولذلك نضب ينبوع الحياة الذي رأيته هنيهة وكنت أعلل النفس بأن أوري ظمأ يأسي من مائه النمير. فسقطت ثانية في هوة اليأس، وشعرت بأنه لم يبق لي سوى العزم على قتل نفسي. ولكن هنالك شعوراً آخر أردأ من هذا لزمني: وهو أنني يجب ألا أُفكر بالإقدام على مثل هذا العمل الفظيع أبداً. صــ95

▬ وجدت نفسي، وأنا الرجل الذي يعتقد من صميم قلبه بأن الإيمان لا يوجد إلا في المحبة المتبادلة المتحدة، نعم وجدتني مضطراً على رغمي أن أري أن عقائد الإيمان تعطل الغاية الوحيدة التي يجب أن تُحييها وتُنعشها، وإنما تظهر هذه العداوة بأتم وضوح لمن يعيش مثلنا في بلاد تعددت مذاهبها، ويرى الإحتقار المعيب، وسوء المعاملة، والإضطهاد، الذي يوجهه الكاثوليك للبروتستانت، والأرثوذكس، فيقابله الأرثوذوكس بأفظع منه للكاثوليك والبروتستانت، ثم لا يبرح الأخيرون أن ينتقموا من الإثنين معاً بشر من فعلهم. ومثل هذا يتناول في الغالب في بقية المذاهب الأخرى. صــ114

▬ نقطة أخرى كانت تربط علاقات الكنيسة بقضايا الحياة هي الصلة التي بين الكنيسة والحرب والقتل. فقد كانت روسيا في هذا العهد منخرطة في حرب، وكان الروسيون، بإسم المحبة المسيحية، يقتلون اخوتهم في الإنسانية. إن عدم التفكير في هذا العمل الفظيع مستحيل عليّ. ومثله عدم التصريح بأن القتل جريمة كبرى في نظر جميع الأديان. ولكن الناس على رغم هذه الحقيقة كانوا يصلون في الكنائس من أجل نصر جيوشنا، وزعماء الكنيسة كانوا يقبلون كل جرائم القتل هذه كأنها نتائج لابد منها للمحافظة على الإيمان. ولم يكن القتل في الحرب وحده مقبولاً في الكنيسة، بل كان قتل المتمردين والثائرين من الشبان على التقاليد الرثة البالية محرماً في نظر أكثرية من عرفت من أعضاء الكنيسة ومعلميها ورهبانها ونساكها. ولذلك نظرت إلى كل ما يجري حولي من الحوادث الفظيعة التي كان يقوم بها رجال يدعون المسيحية فارتعدت في أعماق قلبي..صــ118 : 119


▬ ومهما بدأ الأمر غريباً على آرائي العقلية القديمة التي مارستها زمناً طويلاً فهو الرجاء الوحيد بالخلاص من الشقاء، ولكي يكون هذا مفهوماً يجب أن يُفحص بتدقيق وتَحَفُظ مع أنه لا يمكن أن تكون نتيجته شبيهة بنتائج البحث العلمي. لأن معرفتي للمواضيع الدينية والمباحث اللاهوتية تجعل ترقّب البلوغ إلى نتائج فيها شبيهة بنتائج المباحث العلمية أمراً مستحيلاً. صــ121

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS