فلسفة الحضارة وحوار الحضارات (هُدى الخولي)

• الحضاراة بمعناها الواسع، تعني كل المظاهر الإبداعية الفكرية والمادية للحياة الإنسانية في المجتمعات المختلفة. ص8
• الحضارات مثلها مثل الكائن الحي تتميز بصفات عقلية ومادية تولّد وتنمو، ثم تتداعى وتنهار وتفنى. ص9
• إن الفن والدين والعلم والفلسفة هي ركائز للحضارات الإنسانية، بوصفها وبالترتيب المذكور أول الأنشطة التي مارسها الإنسان منذ خليقته. ص53
• إذا كان الفن هو الخيال فالدينُ هو الخوف، والعلم هو القوة والفلسفة هي الشك؛ الفلسفة آخر درجات الإدراك الإنساني وأعلاها، يصل إليها الإنسان بعد استيفاء الخطوات الثلاثة في رحتله لإدراك ذاته. ص53
• وَقَفَ الفيلسوف اليواني أبيقور ليقدم طوق النجاة للإنسان أملاً واعتقادًا منه في أن للحرية الإنسانية عدوًا واحدًا في معركتها الأولية نحو الخلود وهو الخوف. ومن الخوف جاء الدين، فالإنسانُ يحتاج دائمًا إلى الاعتقاد والإيمان في وجود قوة عُظمى تعتني به ويُفسر بها ضعفه وهفواته. ص56
• الفن والدين والعلم والفلسفة كانت أمورًا مترابطة تقدم في بعض الأحيان كمزيج مختلط من خلال الأساطير، وكلما تقدمنا تاريخيًا نجدها تنفصل وتصبح أكثر تحديدًا واستقلالًا. ص60
• كانت اليونان في القرنِ السادس قبل الميلاد مفترق طرق للقاء الحضارات في حوض البحر المتوسط، فعلى المستوى الجغرافي كانت اليونان حلقة وصل لدخول وخروج الحضارات الأخرى بما تحمله من أفكار وخبرات، فكان تناقل الحضارات مثله مثل تبادل السلع بين اليونان والشعوب الأخرى يتم بسهولة ويسر. ص88
• لقد انتصر الرومان على اليونان بسلاحهم على حين انتصرت اليونان على الرومان بحضارتها. (الشاعر الروماني هوراس) ص109
• بعد أن ولى العصر الذهب للفلسفة النظرية مع سقراط وأفلاطون وأرسطو ولم يعد الاشتغال بنظريات عظماء الفلاسفة اليونانيين يفي باحتياج مواطن العصر الهلينستي؛ أصبحت روح العصر تميل إلى الفلسفة العملية. تغيرت إذن الاحتياجات فتغيرت معها الاختيارات. ص 114

▬ أصبح امتزاج الحضارات وتنوع الثقافات أمرًا واقعًا في عالمنا المعاصر نتيجة العولمة والتوسع الجغرافي والهجرة غير الشرعية أزمة اللاجئين وهي واحدة من أكبرى المشاكل في أوروبا لعام 2015. وتعتبر منطقتنا - منطقة الشرق الأوسط - واحدة من المناطق الأكثر تنوعًا في العالم من حيث اللغة والدين والقومية والخلفية الثقافية. والحوار بين الحضارات هو الأداة التي يمكن من خلالها تحقيق وتعزيز التنوع الثقافي واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية وتعزيز مفهوم المجتمع والهوية المشتركة ضمن المجال الثقافي متعدد الألوان الذي نعيش فيه. ولا بد أن نعلم مشاكل بلدنا (مصر) ليست فريدة من نوعها؛ فنحن نتقاسم فيها مع الشعوبِ الأخرى في "وطننا المشترك" وتعزيز التواصل بين شعوب البحر المتوسط وأفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا يهدف إلى التعاون في كل المشاكل المشتركة. واختلاف الحضارات يجب أن نرى فيه مصدرًا للمعرفة والإبداع بدلًا من التنافس والصراع. صـ 7

▬ غالبًا ما يخُلَط بين مصطلح الثقافة والحضارة في اللغة العربية فيستخدمان بالتبادل. والخلط نفسه لا تسلم منه اللغة الإنجليزية Culture-Civilization: فكثيرًأ ما يُستَخدم مفهوم الثقافة بشكل مترادف مع الحضارة في اللغة الإنجليزية. ولكن علماء الإجتماع يؤكدون على وجود فروق واضحة بين الثقافة والحضاراة وأنهما ظاهرتان مختلفتان. وفقًا لعلماء الاجتماع في القرنِ التاسعِ عشر الثقافة سابقة على الحضارة. الثقافة هي من إبداع الإنسان، والحضارة هي نتاج التقدم الثقافي. وقد مرت الثقافة بثلاث مراحل، تُعتبَر الحضارة آخر مراحلها: الوحشية والهمجية ثم الحضارة. أراد تايلور أن يشمل مصطلح الحضارة تلك العناصر التي يعبر عنها الألمان بمصطلح ثقافة؛ وقدم تايلور مفهومًا شاملًا للحضارة بوصفها كلاً مركبًا يتضمن المعرفة والعقيدة والفن والقانون والأخلاق، والعرف، وجميع القدرات وكذلك العادات والتقاليد التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع. صــ 14، 15

▬ المشكلة الرئيسية في موضوع بحث فلسفة الحضارة هي مشكلة طبيعة الحضارة الفكرية نفسها، ومعالجة هذا الموضوع يعتمد على النظرة الذاتية للفيلسوف والمنهج الفلسفي الذي يتبعه في كل مرة في الدارسة والتحليل. فالنظرة المثالية في الفلسفة تعتقد أن طبيعة الحضارة ترتبط بالسلوك الإنساني تجاه العالم الخارجي. على هذا النحو تصبح فلسفة الحضارة المثالية هي مجرد فرع من فروع الفلسفة العقلية. وتؤمن الفلسفة المثالية أن هناك حضارة واحدة وثابتة للعالم بأسره، لكون العقل واحدًا وثابتًا ومشتركًا. ولذلك ووفقًا للنظرة المثالية؛ هناك حضارة ثقافية عالمية واحدة فقط رغم تعدد الثقافات واختلافها. طبيعة الحضارة وفقًا للفلسفة المثالية هي مجرد الانعكاسات العقلية - للإنسان - المختلفة على الواقع المادي.. الفلسفة المادية من ناحية أخرى؛ تقبل أن تكون طبيعة الحضارة مادية خالصة. ومن وجهة النظر المادية تصبح الثقافة هي الانعكاس المادي الخارجي على وعي الإنسان. لهذا السبب تعتبر فلسفة الحضارة المادية فرعًا من علم الاجتماع.. وهكذا تقدم الفلسفة المادية الثقافة بوصفها انعكاسًا للمادة.. ويبقى رأي عالم الاجتماع الأمريكي أوجبورن هو الأقرب للصواب عندما ذهب إلى أن الثقافة والحضارة هما وجهان لنفس العملة، وتأكيده على جانبين من جوانب الحضارة: جانب مادي وآخر فكري. صـ 23

▬ الحاجات الأساسية عند الكلبيين تنحصر في الاحتياجات البيولوجية فقط؛ فالآلهة عندهم تتصف بالألوهية لأنها تحقق الاكتفاء الذاتي ولا تحتاج إلى شيء خارج عنها. هكذا تسجل لنا الفلسفة الكلبية أول المواقف التي ترفض التقدم التكنولوجي - وهو ما يصفه البعض بالحضارة المادية - وتدعو الإنسان أن يصيغ حضارته بصورة بسيطة تلعب فيها الطبيعة الدور الرئيسي؛ الحضارة السليمة إذن وفقًا للفلسفة الكلبية هي الحضارة التي يكون للإنسان وسعادته الكلمة الأولى والأخيرة.. الأديانُ جميعها عند الكلبيين هي نتاج للعادات الإنسانية والتقاليد أكثر من كونها مقدسة؛ وفي حقيقة أن الكون بأكمله محكوم بعقل إلهي لا يمكن أن تمثله تلك الديانات الموروثة أو تعبر عنه؛ لأنه ببساطة لا يوجد شيء يشبهه أو يمكن أن يمثله على الأرض. وأن الآلهة المختلفة باختلاف الأوطان ما هي إلا رموز تحاول التعبير عن العقل الإلهي.. الفردُ في المذهب الكلبي إذن هو مركز الحضارة ويجب تهذيب الوعي الإنساني والتحكم فيه بحيث لا يخضع لأي مؤثر خارجي؛ فوعي الإنسان مسألة ذاتية تخص الإنسان وحده؛ فالحكومات، والتقاليد الموروثة ووجهات النظر، والعادات التي تتناقلها الأجيال والقوانين الوضعية التي تعبر عن الحضارات المختلفة كلها أمور خارجية لا يجب أن تؤثر في وعي الإنسان إلا تحت سيطرته الكاملة لكل ما يتلقاه؛ وإلا لأصبح الإنسان مجرد وعاء يُملأ ويُفرَغ في أي وقت دون أخذ رأيه. صــ 33، 34

▬ جاءت الفلسفة الأبيقورية لتؤكد على البعد العقلي (الإنساني) في الحضارة ولا تعير الجانب المادي - مثلها مثل الفلسفة الكلبية - أي اهتمام؛ وتدخل مفهوم الصداقة وتعلي من قيمته كدعامة أولى للحوار الإنساني والحضاري؛ فالصداقهُ تجمع بين أعضاء المدرسة الفلسفية على اختلاف أعمارهم وثقافتهم هكذا وضعت الفلسفة الأبيقورية بمفهوم الصداقة الخطوط الأولى للحوار الحضاري القائم على التفاهم والمشاركة؛ وربما كان مفهوم الصداقة الأبيقوري البذرة الأولى لمفهوم المحبة في القرونِ الأولى للمسيحية. صــ 35

▬ إذا كان أفلاطون يقدم العقل كنقيض للحتمية الطبيعية ويعتقد في أن المادة عائق أمام كمال الكون، ووصفها بأنها أقل درجة من العقل (النوس) وعليها أن تخضع له وتنفذ أوامره، فإن فلاسفة الرواق قد قدموا الطبيعبة والعقل (لوغوس) كمبدأين متساويين للكون لا يمكن أن يوجد أحدهما بدون الآخر. في نفس الوقت تصل الفلسفة عندهم إلى ذروتها عندما يتوافق الإنسان مع الطبيعة ونظامها الذي هو دائمًا صائب وحكيم؛ فهل دعت الرواقية إلى توافق الحضارة المادية والحضارة العقلية واعتبرتهما وجهين لنفس العملة؟ [..] فالراقية وضعت لأول مرة الإشكال الفلسفي وحاولت معالجته؛ ونقصد توافق الإرادة الإنسانية مع النظام الطبيعي والقوانين الموروثة. بمعنى آخر ألقت الرواقية الضوء على المعضلة السُفسطائية فيما يتعلق بتعارض الحضارة مع الطبيعة الإنسانية وحاولت أن تقدم إجابة على تلك المعضلة عندما دعت إلى التوافق مع القانون الطبيعي في مقابل القوانين الموضوعة بواسطة الحضارات المختلفة. صــ 37

▬ الإسكندر الأكبر هو أول من نجح في توحيد شعوب الحضارات المختلفة وحقق المزج بين الثقافات المتباينة بكل ما فيها من سياسات وديانات وتقاليد؛ فلقد نجح بدايةً في توحيد المدن اليونانية التي كانت قد اسهلكت في الحروب الأهلية، ثم أسس بعد ذلك قيادة عالمية، تمثل المدن اليونانية أحد أعضائها، كما رفض وحارب القول اليوناني الشهير: كل من ليس يونانيًا هو بربري؛ واستبدل بالقول: كل من يملك الحضارة اليونانية هو يوناني. وبالرغم من معارك الإسكندر الأكبر العسكرية التي توصف في بعض الأحيان بالعنف، يُذكر له احترامه لخصوصيات الشعوب الواقع تحت هيمنته؛ فكان بذلك أول فيلسوف فعلي للحضارة! صــ 40

▬ يقدم زينون الرواقي في جمهوريته مجتمعًا مختلفًا عن المجتمع الكائن في عصره، بل عن ذلك الذي نعرفه، فعمله هذا يعتبر اقتراحًا يوتوبيًا لحضارة مثالية من الصعبِ تطبيقه في عصره لاستحالة شروطه التي تتطلب إلغاء دولة المدينة وتشكيل حضارة واحدة - مدينة العالم - يكون المواطنون فيها سواء، حضارة تلغي الفوارق بين النساء والرجال، اليوناني والبربري وبين الأحرار والعبيد؛ وفي جمهورية زينون لا مكان لدور القضاء حيث لا يعيش فيها أشرار أو مذنبون، فالجميع حكماء يعيشون وفقًا للطبيعة؛ فما يجمع المواطنين داخل الحضارة العالمية الواحدة عند زينون هو الحكمة وليست القوانين الصارمة الموضوعة ولا مكان أيضًا لدور العبادة في تلك الحضارة المثالية؛ فالإله يوجد داخل الممتازين والحكماء، وليست هناك حاجة لأي وساطة خارجية والمتمثلة في دور العبادة؛ فيظهر زينون لاغيًا للفوارق العرقية والدينية والجنسية وهي ركائز الهوية للشعوب المختلفة ويدعو إلى حضارة واحدة تقوم على أساس الحكمة والمساواة والصداقة. صــ 47، 48

▬ والفنُ كأول أبعاد الإدراك الإنساني يعكس الواقع في علاقته بالإنسان، فيصور الإنسان من خلاله عالمه الداخلي - كما يصوره متفلسفًا بعد المرور بأبعاد الدين والعلم - وعلاقاته بالآخرين ويعبر عن مهارته الذهنية في تفاعله مع العالم المحيط به.. لا شك في أن الافن يأتي في المرتبة الأولى للعناصر المشكلة لوعي الإنسان وإدراكه؛ فلقد جاء الفن إلى حيز الوجود منذ بدء الخليقة. فالإنسانُ منذ بداياته الأولى غازلَ جمال الطبيعة فأصبح شاعرًا ورسامًا وعازفًا. ومن اللهيب النار عند الطهي والتدفئة أدرك مفهوم التغير والفناء وأثرى خياله. ارتبط الفن إذن بحياة الإنسان منذ البداية.. والفنُ هو النشاط الإنساني الذي يشحذ ويجذب جميع الحواس، ويشارك فيه العقل والعاطفة. هو التعبير الإبداعي ضمن مشروع يعكس الروح الجماعية للحضارة، وتجتمع فيه رؤية الفنان والتي تتشابك فيها المشاعر، والأفكار، والخيال. صــ 56

▬ الفكر الأسطوري هو نتاج معرفي جماعي يجسد مواقف معرفية مختلفة للإنسان البدائي، وعن طريقه يمكننا دراسة تطور الثقافة والفكر لدى شعب من الشعوب، فهو بنية مركبة من فن ودين، علم وفلسفة، وبالتالي فإن له قدرة على الاستمرار في الحاضر والمستقبل. والإنسان ينجذب للأساطير وذلك لأن هناك حنينًا إلى الماضي؛ فالماضي يكمن دائمًا في دائرة اللاوعي، وكلما حاولنا التخلص منه فإنه سرعان ما يعود إلينا بشكل أو آخر.. لعبت الأسطورة في الحضارات القديمة والمجتمعات التقليدية نفس الدور الذي لعبه الدين في الثقافات المتطورة. وقد قدمت مناسك وعبادات تدور حول نفس المفاهيم الدينية بمعناها المعاصر وكانت تهدف بطريقة رمزية إلى خلاص الإنسان وسعادته. قديمًا كان هدف الأسطورة والدين واحد، لكنهما يختلفان في الطريقة أو الصياغة؛ فالأسطورة كانت تلجأ إلى مخاطبة الإنسان عن طريق الصور المليئة بالألوان والأحداث الجذابة بواسطة الملاحم وقصص الأبطال لتعظه وتهديه إلى الطريق السديد على حين يخاطب الدين القلوب عن طريق النص الديني والرمز. صــ 60


▬ انحصرت الاختلافات الأساسية بين الإغريق والرومان بعد فتوحات الإسكندر الأكبر في الاختلافات الاجتماعية فقط؛ وربما كان الفارق الأساسي هو أن اليونان كانوا عقولاً فلسفية؛ على حين كان الرومان عقولاً حربية. وقد اهتم الرومان أنفسهم بالفلسفة اليونانية اهتمامًا كبيرًا أدى بهم إلى محاكاتها وحتى عندما وقعت اليونان تحت السيطرة الرومانية كانت النخبة من المجتمع الروماني يبعثون أبناءهم إلى اليونان للدراسة. ومما يثر الدهشة أيضًا أنه بعد خضوع اليونان للسيطرة الرومانية تبنت الرومان الحضارة والثقافة اليونانية؛ فوصلت الحضارة اليونانية بذلك - عن طريق الأمبراطورية الرومانية - إلى جميع أرجاء العالم. ويلخص الشاعر الروماني كوينتس هوارتيوس فلاكس أو هوراس حقيقة العلاقة بين اليونان والرومان بقوله: "لقد انتصر الرومان على اليونان بسلاحهم على حين انتصرت اليونان على الرومان بحضارتها". صــ 109

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

0 التعليقات:

إرسال تعليق