سيكولوجية المرأة (زكريا إبراهيم)



• مهما كان حظنا من الذكورة فإن من المؤكد أننا نحمل في ثنايا تكويننا الجسماني والنفسي قسطًا قل أو كبر من الأنوثة! ص13
• الغريزة الجنسية، مثلها في ذلك كمثل سائر الغرائز الأخرى، تقوم على "بناء تحتي" بيولوجي"، و "بناء فوقي" اجتماعي، وهي في هذا إنما تستجيب لتلك العملية المعقدة التي تدفعها إلى التسامي بميولها روحيًا واجتماعيًا. ص15
• حقًا إن الفتاة "المسترجلة" قد لا تتخلى عن أنوثتها، بل هي قد تعمد أحيانًا إلى اتخاذ "الإغراء" أداة عدوان، بحيث أن الفتاة لتبدو في هذه الحالة أقرب ما تكون إلى "غانية" صغيرة تتقاذقها نوازع الأنوثة بما فيها من إغراء وتبرج، ونوازع الرجولة بما فيها من عدوانٍ وتحدٍ. ص49
• إن الأنوثة لترتبط في ذهن الفتاة بتلك العادة الشهرية الأليمة، فنراها سرعان ما تنطوي في نظرها على معاني الألم والمرض والموت! وحينما تجد الفتاة نفسها أسيرة لعادة شهرية تعاني خلالها الكثير من الآلام، فإن فكرة الأنوثة قد تقترن في نظرها بفكرة "الجسم الدامي"، وفكرة "النزيف الباطني". ص74
• ليس من شكٍ في أن كثيرا من هواجس المراهِقة إنما ترتبط بفكرة البراءة والطُهر: إذ تشعر الفتاة بأن المجتمع يضطرها إلى الرياء والنفاق، ما دام يطلب إليها النقاء المطلق والعفاف التام، بينما هي تحس في قرارة نفسها بأن حوافز الجنس تعمل عملها في صميم وجودها باعتبارها فتاة.. ص90
• الواقع أن "العانس" لا زالت محتقرة في معظم المجتمعات، لأن (الزواج) هو في نظر الكثيرين طريقة المرأة الوحيدة في كسب عيشها، فضلًا عن أن "الإشباع الجنسي" يكاد يكون محرمًا على الفتاة في غير نطاق الزواج. ص96
• الجماع عند الرجل بداية ونهاية، بينما هو عند المرأة عملية نفسية ليس لها بداية محددة، وقلما تنتهي بشكلٍ حاسم واضع المعالم. ص103
• إننا لا ننكر أن "المازوشية" تلعب دورا كبيرًا في حياة المرأة الجنسية، ولكننا نعتقد أنه إذا لم ينجح الزوج في أن يمنح زوجته ما تحتاج إليه من حبٍ ورقة وحنان، فإنها لن تستجيب مطلقًا لسائر المهيجات الجنسية. ص104
• إن الأمومة تنطوي على عمليات صراعٍ مختلفة تتم في نفس المرأة بين مطالب الذات وخدمة النوع. ص148

===========================
▬ يمكننا أن نقول أنه لما كان من الضروري للمرأة أن تتحمل الألم وتتقبل التضحية، بحكم وظيفتها التناسلية، فقد تكفلت الطبيعة بتزويدها بسلاح قوي من "المازوشية" حتى تستطيع بذلك أن تتكيف مع الواقع. ولما كانت هناك أخطار كثيرة تتهدد حياة المرأة منذ البداية حتى النهاية، باعتبارها خادمة للنوع، فقد كان لابد لها من أن توحد بين مازوشيتها الأنثوية وقلقها الإنساني وتبعًا لذلك فقد وجدت المرأة نفسها مضطرة إلى أن توفق بشكل ما من الأشكال بين اهتمامها الفردي بالحصول على اللذة، واهتمام النوع من خلالها بتحقيق مآربه حتى ولو ترتب على ذلك القدر الكثير من الألم بالنسبة لها. ومثل هذا التوافق لا يمكن أن يتم إلا إذا اكتسب الألم المقترن بالعملية الجنسية والوظيفة التناسلية طابع اللذة. والواقع أن استعداد المرأة السيكولوجي للوظيفتين الجنسية والتناسلية لا بد من أن يقترن بالكثير من الأفكار المازوشية. ولعل هذا هو السبب في أن فكرة الجماع لا بد من أن تقترن في نظر المرأة بعملية فض البكارة؛ وهذه بدورها تقترن بفكرة الاعتداء عليها ونفاذ عضو الذكر إلى صميم جهازها التناسلي. صــ 19

▬ وربما كان الأصل في هذا الارتباط الوثيق بين الألم واللذة في حياة المرأة، براجعٍ إلى وظيفتها التناسلية. وليس من شك في أن عملية الحمل والولادة تقترن منذ البداية في حياة المرأة بالكثير من النوازع المازوشية. وقد تنحرف هذه المازوشية عن سبيلها السوي فتطغى آلام الحمل والولادة، ومتاعب الوضع والأمومة، على سرور الأم بوليدها نفسه. وهكذا تكتسب كل الوظيفة التناسلية لدى المرأة طابعًا مازوشيًا مَرَضيًا. ولكن مهما يكن من شيء، فإن المازوشية تلعب دورًا كبيرًا في حياة المرأة الجنسية والتناسلية معًا: لأنها من جهة تقترن منذ البداية بعقدة الخصاء، والخوف من الحيض، وعملية فض البكار، كما تقترن من جهةٍ أخرى بآلام الحمل والوضع والولادة والأمومة. وإذا كان من شأن هذه المازوشية أن تعين المرأة على التوافق مع الواقع بتقبل كل ما يجيء مع وظيفتها الأنثوية من آلام، فإنها إذا زادت عن الحد قد تثير لدى المرأة ضربًا من (الدفاع) فتعتمد المرأة إلى الفرار من أخطاء المازوشية الزائدة بأن تتهرب من وظيفتها وتتنكر لأنوثتها. وسنرى فيما بعد إلى أي حد يتوقف مصير المرأة كله على تحقيق ضرب من التوافق الانسجامي أو التكامل والتآزر بين نوازعها النرجسية ونوازعها المازوشية. صــ 20، 21

▬ الظاهر أن معظم تجارب الفتيات الصغيرات المتعلقة بالقضيب إنما ترتبط بوظيفته البولية، خصوصًا وأن البنات سرعان ما يدركن قلة مقدرتهن على ضبط أجهزتهن البولية، بعكس الولد الذي يستطيع إلى حدٍ كبير أن يتحكم في ضبط جهازه البولي. هذا إلى أن عضو التبول لدى الولد عضو خارجي يسهل عرضه، بينما يستحيل على البنت أن تستكشف عضوها البولي أو أن تقوم بعرضه! وكل هذه الاعتبارات قد تجعل للقضيب أهمية خاصة في نظر الطفلة، باعتباره أداة طيعة يتحكم فيها الولد كيفما شاء. ولكننا نعود فنقول أن الملابسات الخاصة هي التي تعمل على زيادة اهتمام الطفلة بعضو الذكر؛ وأما في الحالات العادية فإ، الامتياز الذي يتمتع به الولد من حيث طريقته في التبول قد يبقى أمرًا ثانويًا لا يتسبب عنه تولد أي شعور بالنقص لدى البنت. صـ 43

▬ وعلى الرغم من أن البنت قد تجد لذة كبرى في أن تشترك مع الأولاد في ألعابهم، نظرًا لما لديها من نزعة مازوشية قد تجعلها تستعذب ضرباتهم ومظاهر احتقارهم، فإن المربين مع ذلك كثيرًا ما يحولون بينها وبين إشباع هذه النزعة الأنثوية الطبيعية. وإذن فقد يكون من الخطأ أن ننكر على البنت كل نشاط "إيجابي"، ولكن ربما كان من الخطأ أيضًا أن نخلط بين "فاعلية" الولد" و "فاعلية" البنت. والحق أن الفتاة لا تميل إلى مشاركة الفتيان في ألعابهم، مع ما يستتبع ذلك من تحمل للكثير من الآلام والضربات ومظاهر العنف المختلفة، لمجرد رغبتها في القيام بنشاط إيجابي؛ وإنما الملاحظ أن ميلها إلى النشاط الإيجابي لا يكاد ينفصل عن نزعتها المازوشية. صــ 47

▬ وقد قام كاتب هذه السطور بإجراء "استخبار" على بعض تلميذات المدارس المصرية والسودانية البالغات من العمر ما بين الثامنة والثانية عشرة، وجه فيه إليهن السؤال التالي: "هل ترغبين في أن تصبحي ولدا؟ ولماذا؟"، فكانت نسبة عدد البنات اللائي يرغبن في تغيير جنسهن حوالي 78%. وقد تنوعت أسباب التفضيل لدى البنات، فكانت إجابة الصغيرات منهن منحصرة في القول بأن ألعاب الأولاد أكثر تشويقًا من ألعاب البنات، أو أن ملابس الأولاد أكثر ملاءمة للجسم من ملابس النساء، أو أن حرية الأولاد أكبر من حرية البنات. وأما الكبيرات منهن فقد أبدين أسبابًا أخرى للتفضيل، منها قولهن أن الرجال لا يتألمن كالنساء، أو أن مستقبل الرجل من مستقبل المرأة، أو أن الرجال أقدر من النساء على العمل...إلخ. وقد وردت بين الإجابات المختلفة أسبابًا أخرى متفرقة منها قول إحداهن "أنني أفضل أن أشابه والدي"، وقول أخرى: "أنني أريد أن أخيف البنات!"...إلخ. وهذا الاستخبار إن دل على شيء، فإنما يدل على أن عددًا كبيرًا من الفتيات - حتى في هذه السن المبكرة - يشعرن بسوء مركز "المرأة"، ويرغبن في التنازل عن "أنوثتهن". أما إذا قمنا بعمل استخبار عكسي، فسنرى بوضوح - كما يظهر من الإحصائيات التي قام بها هافلوك آليس - أن واحدًا فقط من بين مائة ولد، هو الذي يرغب في أن يصبح فتاة! صــ 53، 54

▬ وإذا كانت الفتاة كثيرًا ما تريد أن تثأر لنفسها من والدتها، فذلك لشعورها بأن أمها قد أخفت عنها الكثير من الحقائق إبان الطفولة، خصوصًا ما يتعلق بمسائل الحمل والوضع وولادة طفلٍ جديد. وهذه الحاجة إلى إخفاء الأسرار قد تتخذ صورة عجيبة، فنجد الفتاة تفضي بسرها إلى رفيقة طالبة منها كتمان الأمر عن باقي الزميلات مستحلفة إياها ألا تذيعه بين الأخريات، وهلم جرا! وقد تتولد عن هذه الحاجة نزعة منحرفة تميل معها الفتاة إلى خلق الأسرار واختراع الأنباء، حينما تعز الأحداث، أو حينما يقفهر الواقع؛ وتلك نزعة قد تبقى لدى كثير من البالغات، فتجد الواحدة منهم ولوعة بالأسرار، كلفة بالأقصايص، حتى لتكاد تخلط بين الواقع والخيال! ولعل هذا هو السر فيما اشتهر عن النساء من ميلٍ إلى الكذب، وولع باختلاق الأساطير! صــ 58

▬ لا يفوتنا أن نشير إلى أهمية الصداقة في هذا الدور، فإن علاقات "ما قبل البلوغ" حينما تتخذ صورة "علاقة سادية - مازوشية" فإنها قد تترك آثارًا سيئة في الحياة النفسية للفتاة "المازوشية" على وجه الخصوص. وقد لوحظ أن عجز بعض الفتيات عن مواصلة الدراسة، أو متابعة نشاطهن العادي، قد يرجع أحيانًا إلى انشغال الفتاة بعلاقة من هذا القبيل من فتاة "سادية". ومثل هذه العلاقات التي تجيء عادةً مع بوادر "البلوغ" هي التي ستحدد مصير الفتاة في مرحلة المراهقة. وحينما تنضج إحدى الصديقتين جنسيًا قبل أن يكون نمو الأخرى قد اكتمل، فإن الفتاة المتخلفة قد تنزع بحكم الغيرة أو التقمص الوجداني إلى مجاراة الأخرى في نشاطها الجنسي الغيري (Heterosexual)، دون أن يكون قد تهيأ لها النضج السيكولوجي اللازم. وعندئذ قد تتعرض شخصية الفتاة للاضطراب، فنراها تستسلم للضعف أو الانحراف أو الجريمة. وربما كانت معظم حالات الدعارة أو الجريمة لدى الفتيات الصغيرات براجعة إلى إصابتهن أثناء مرحلة ما قبل البلوغ بتوقف مفاجئ، مما يترتب عليه انصرافهن عن العلاقات الجنسية المثلية التي لا ضرر فيها، إلى علاقات جنسية غيرية هن لم يؤهلن لها بعد. صــ 60، 61

▬ قد يولد العشق الذاتي لدى الفتاة الكثير من أحلام اليقظة، فنراها تلتمس في تلك الأحلام سبيلًا إلى امتلاك ذاتها على نحوٍ شعريٍ خيالي! وحينما تجد الفتاة نفسها وحيدة في غرفتها، أو حينما تتاح لها الفرصة لأن توجد في مجتمعات الرجال والنساء، فإنها قلما تفصل بين رغبتها في الجنس الآخر وعشقها لذاتها. والظاهر أن الفتاة لا تسعى لتجميل نفسها حتى تأسر الرجل فحسب، وإنما هي تسعى أيضًا للظفر بإعجاب الرجل حتى تؤكد لنفسها أنها جميلة وفاتنة!.. ولهذا فقد تكون شخصية "المحبوب" خيالية محضة، بدليل أن الفتاة قد تكتبُ خطابات غرام ترسلها إلى نفسها، أو هي قد تنهمك في علاقة غرامية موهومة، فتتصور أنها عشيقة لشخصٍ لم تتح لها الفرصة يومًا لأن تتحدث إليه وجهًا لوجه!  صــ 83، 84

▬ حينما يشتد الصراع في نفس الفتاة بين أحلام اليقظة ومطالب الواقع، فإنها قد تستسلم لنوبات اليأس والحزن والبكاء. وإذا كانت "الدموع" شيئا مألوفا مستحبا لدى النساء، فذلك لأن البعض منهن قد يستبقى من دور المراهقة هذه الحاجة الطبيعية إلى المازوشية، وتلك الرغبة الملحة في الاستسلام لدواعي الألم والصراع والهبوط النفسي. وقد لا يخفف من حدة هذه الحالة سوى ظهور عامل "الجنسية المثلية" الذي يجيء فيضاف إلى عوامل "النرجسية" و "المازوشية" التي سبق أن لاحظناها لدى معظم المراهقات. وهكذا تظهر "الصداقة" بين الفتيات، فنرى الواحدة منهن تبادل صديقتها سرًا بسر، وتطلعها على خباياها الجنسية ودواخل حياتها العاطفية وقد تتخذ هذه "الصداقة" طابعًا جنسيًا صريحًا، فتكتشف بعض الفتيات عن عريهن أمام البعض الآخر، وتقارن الواحدة منهن بين صدرها وصدر زميلتها، وقد تنتشر فيما بينهن عادات الملاطفة الجنسية، ومظاهر الاتصال الموضعي أو الملامسة المنتشرة على سطح الجسم كله. وهنا يذهب بعض علماء النفس إلى أن الاتصالات الجنسية فيما بين الفتيات تكاد تكون ظاهرة عامة هي أكثر انتشارا مما قد تتوهم. ولكننا نميل إلى الاعتقاد - بناءً على بعض الإحصائيات والمراجعات التي لا تخلو من دقة علمية - بأن الصداقة التي تتم بين الكثير من المراهقات لا تتخذ بالضرورة طابعًا جنسيًا صريحًا. حقًا إن انتشار مثل هذه الصلات الجنسية بين الفتيات يختلف باختلاف البيئات والأجناس والعادات، ولكن ربما كان في استطاعتنا أن نقول بصفةٍ عامة أن الأصل في  معظم صلات "الجنسية المثلية" هو حافز الاتصال بالأم. فالفتاة التي تتعلق بصديقة لها إنما تعبر عن حاجاتها اللاشعورية إلى الحب الأنثوي، ذلك الحب الرقيق الذي عرفته الفتاة إبان عهد الطفولة. ولا يجب أن ننسى أن الميول الجنسية التي نجدها لدى الفتيات قد لا تنفصل عن ميولهن النرجسية: فإن إعجاب الفتاة بمفاتن جسم زميلتها إنما هو بمثابة انعكاس لإعجابها بنفسها، وتأكيد لعبادة الأنثى بصفةٍ عامة. صــ 86، 87

▬ وبينما تتخذ الرغبة الجنسية لدى الفتى صورة إيجابية عدوانية، نرى الفتاة لا تحلم قط بالاعتداء والاستيلاء، وإنما هي تحلم بالارتماء والاستسلام. وكثيرا ما يبدو "الجسم" للفتاة شيئًا هشًا ضعيفًا معرضًا للخطر في كل لحظة، فنراها تشعر بأنها مهددة في صميم كيانها، وأنها مجعولة للرجل يمتلكها ويسيطر عليها وينفذ إلى صميم وجودها! وإذ تحس الفتاة بأنها أنثى كاملة يمكن أن تصبح "امرأة"، فإنها قد تجزع لفكرة "الاتصال الجنسي" بشخصٍ من الجنس  الآخر. ولاشك أن معظم مخاوف الفتيات إنما ترتبط بفكرة "فض البكارة" و "نفاذ" عضو الرجل في صميم جهاز المرأة، وامتلاكه التام لجسدها باعتباره "موضوعًا يسيطر عليه ويتحكم فيه. وإذا كانت الفتاة تجزع لفكرة فض بكارتها، فما ذلك لأنها تعرف أن هذه العملية تقترن بجرحٍ وألم، ولكن لأنها تخشى هذا الجرح وذلك الألم باعتبارهما مفروضين عليها "من الخارج". وهذا ما عبرت عنه إحدى الفتيات بقولها "إنه لمن المفزع حقا أن تفكر الفتاة في أنه لا بد للرجل من أن "يخترقها" وإذن فإن ما تخشاه الفتاة ليس هو عضو الرجل في ذاته، بل فكرة "الاختراق" أو "النفاذ" باعتبارها منطوية على معاني الضعة والخضوع والانهيار! صــ 89

▬ بيد أن الفتاة سرعان ما تتقبل وضعها باعتبارها "أنثى" مجعولة للرجل، وبالتالي فإنها لن تلبث أن تفهم أن "الزواج" هو غايتها الوحيدة، وأنه لابد لها يومًا أن تلتقي بفتى أحلامها! حقًا إن الشاب هو الآخر كثيرا ما يفكر في "فتاة" أحلامه، ولكن الحب النسبة إلى الشاب ليس سوى مجرد رغبة جامحة تطوف به وتلح عليه، بينما هو بالنسبة إلى الفتاة صميم "وجودها" باعتبارها امرأة قد جعلت للزواج والأمومة. وهذا ما عبر عن نيتشه بقوله: "إن كل ما في المرأة لغز، وليس لهذا اللغز سوى الولادة... ليس الرجل للمرأة إلا وسيلة، أما الغاية فهي دائمًا: الولد... لقد خُلِقَ الرجلُ للحرب والقتال، وأما المرأة فإنه ليس ثمة لديها شيء سوى الحب والطفل... وتبعا لذلك فإن سعادة الرجل هي: "أنا أريد"، وأما سعادة المرأة فهي "هو يريد"." صــ 91

▬ لا زال كثير من علماء النفس يأخذون بالرأي القائل بأنه ليس ثمة أي فارق جنسي أصيل بين الرجل والمرأة من حيث شدة الحافز الجنسي. ولكن هذا لا يمنعنا من القول بأنه لما كان للفعل الجنسي بالنسبة إلى المرأة نتائج أخطر مما له بالنسبة إلى الرجل، فإن من الطبيعي للفتاة أن تكون أكثر ترددًا وأبطأ اختيارًا من الشاب، حينما يكون عليها أن تتخذ شريكا لها في الحياة.. صــ 97

▬ تربية الفتاة الدينية قد تصور لها الحياة الجنسية بصورة حيوانية، فتظل تعاني الكثير من المخاوف لشعورها بأن مجرد الاستمتاع بالعملية الجنسية هو اثم منكر، أمكننا أن نتصور لماذا كان "تكيف" المرأة مع الحياة الزوجية عملية عسيرة. وقد يحدث أحيانًا أن تظن الفتاة أن "الفعل الجنسي" هو من جانبها مجرد "خدمة" تؤديها للرجل، فسرعان ما يحول هذا الشعور بينها وبين "المتعة الجنسية"، خصوصًا إذا لم يوفق الزوج في أن يحقق لزوجه المتعة التي يحققها لنفسه. هذا إلى أن زواج الفتاة قد لا يكون وليد "حب" أو " علاقة عاطفية"، بل قد يكون مجرد "صفقة تجارية" أو لمجرد التخلص من "العزوبة" أو على سبيل كسب العيش بطريقة شريفة! صــ 100

▬ ربما كانت الصعوبة في دور الرجل براجعة إلى أنه في حاجةٍ إلى أن يمزج القوة باللطف، وأن يتغلب على مقاومة المرأة بالرفق، وأن يستعمل معها الأدب والذوق دون أن ينسيه الاحترام حرارة الحب! ونحن نعلم أن موقف المرأة في العادة خليط من المتناقضات: فهي تريد ولا تريد، وهي ترغب ولا ترغب، وهي تقاوم ولكنها لا تلبث أن تستسلم. وكل هذه العوامل النفسية المتناقضة تزيد من صعوبة مهمة الرجل، وتجعل "اللباقة" شرطًا أساسيا للزواج الناجح. صــ 103

▬ إن  فترة الحمل هي مرحلة العواطف المتناقضة، وهي الفترة التي تكثر فيها المخاوف النفسية، سواءً أكان مصدرها هو الشعور بالإثم، أم وجود بعض اضطرابات مازوشية في نفس المرأة تحول بينها وبين ترقب الطفل بسرور، أم تأثير بعض الرغبات القديمة المرتبطة بالمحارم Incest. ولما كان الرجل هو الشريك الطبيعي للمرأة في عملية إنجاب النسل، فإن كل ما يرتبط بالزواج من حب أو كراهية سرعان ما يمتد إلى شخصية الطفل، فتستنزل المرأة اللعنات على ذلك الوليد المسكين (مثلا) لمجرد أنه نتاج اتصال جنسي تم في ظروف أليمة، أو لمجرد أنها لم تستطع أن تتخلص منه حتى تمحو آثار صلة غير مشروعة...إلخ. صــ 138

▬ وهنا، في مرحلة سن اليأس، قد يتغير سلوك المرأة، فنراها تحاول أن تثبت في عنادٍ أنها لازالت شابه، وأن كل ما طرأ عليها من تغيرٍ لم يستطع أن ينفذ إلى صميم حياتها الجنسية! وإذا كان البعض قد سمى سن اليأس باسم "العهد الخطير"، فذلك لأن المرأة فيه قد تصبح مدعاة للسخرية، خاصًا حينما تأبى أن تعترف بالأمر الواقع، فتحاول أن تقلد الفتيات في سن المراهقة، كما يبدو بوضوح من سلوك هذا النوع من "النساء" المسنات اللائي دأب أصحاب "الفن الهزلي" على السخرية منهن بقسوة على خشبة المسرح. صــ 153

▬ هناك نساء أخريات لا يجدن في سن اليأس أي عزاء اللهم إلا بالالتجاء إلى حصن "الدين". وهنا قد تظهر المرأة اهتمامًا كبيرًا بمشاكل المصير والخلود وما بعد الموت، فتعود إلى قراءة الكتب المقدسة، وتهتم بممارسة الفروض والعبادات، وتلتجئ إلى رجال الدين تلتمس عندهم المعونة والنصح والقيادة الروحية. وقد لا تجد المرأة لديها من "الروح النقدية" ما تستطيع معه التمييز بين الغث والسمين، أو بين رجال الدين وأهل الشعوذة والمحتالين، فنراها تقع فريسة سهلة في يد بعض الأفاكين، خصوصًا وأنها لا تريد المنطق والحجة والدليل، بل هي تريد الإلهام والمعجزة والرؤى الخاصة! وليس من النادر أن تتحول المرأة المستهترة في سن الشيخوخة إلى عابدة زاهدة، فلا يعود لسانها يكف عن التمتمة بالأدعية ولصلوات، ولا تصدر في مختلف تصرفاتها إلا عن دوافع التضحية وبذل الذات. وهكذا يكون "سن اليأس" في هذه الحالة بمثابة حد فاصل بين فترتين هامتين من حياة المرأة: فترة التبرج والاستهتار، وفترة التعبد والاستغفار! صــ 155

▬ والواقع أن "سن اليأس" كثيرا ما يكون مصحوبًا ببعض أعراض التهيج الجنسي، خصوصًا لدى النساء المتزوجات، حيث قد يزيد من خطورة الموقف فتور النشاط الجنسي لدى الرجل، مما قد يترتب عليه عجزه عن إشباع تلك الحمية الجنسية التي تظهر فجأةً لدى زوجته. وحينما تجد المرأة نفسها بإزاء زوج فاتر خامد العاطفة، فقد تشتعل "الغيرة" في نفسها، إذ يخيل إليها أن زوجها قد انصرف عنها، أو أنه قد اتجه بعاطفته نحو امرأةٍ أخرى! صــ 157

▬ وهناك حصنٌ آخر قد تلتجئ إليه المرأة للاحتماء من صدمات "سن اليأس"، ألا هو "النشاط الاسترجالي". والحق أن "الذكورة" تقوم دائمًا في حياة المرأة بدور "صخرة الخلاص"، لأن التسامي العقلي الذي تقوم به المرأة حينما تلتجئ إلى احتراف مهنة هو الذي يحميها في هذه السن من تأثير كل صدمة بيولوجية. ولعل هذا السبب في أن سن اليأس قد يكون في حياة الكثيرات بمثابة لعهد ذهبي مليء بالنشاط والإنتاج. وهنا قد تكتسب المرأة بعض الصفات الرجلية، فنجدها تظهر الكثير من الوضوح، والموضوعية، والاعتدال في أساليب تفكيرها، كما قد تقترب في سلوكها من "رجال الأعمال" فتصبح عاملة حازمة لبقة ذات روح اجتماعية...إلخ، وليس أدل على تزايد النشاط العقلي للمرأة في هذه السن، من أن نساء كثيرات لم ينبغن في مجال تخصصهن إلا بعد بلوغهن لسن الستين. ولا شك أن تفرغ المرأة للكثيرة من ضروب النشاط الاجتماعي في هذه السن هو وليد انصرافها عن مشاغل الجنس وهموم البيت، بعد أن زالت عنها تبعات النوع! صــ 160

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

العقل واللغة والمجتمع (جون سيرل - ترجمة: سعيد الغانمي)


• نحن نبتكر الكلمات لوصف الوقائع وتسمية الأشياء، لكن هذا لا يعني أننا نبتكر الوقائع أو الأشياء. ص43
• الشعور تسببه عمليات دماغية وهو سمة من مستوى أعلى للمنظومة الدماغية. ص87
• بالرغم أن الشعور هو ظاهرة بيولوجية كأية ظاهرة أخرى، فإن أنطولوجيته الذاتية، الحضورية، تجعل من المستحيل اختزاله إلى ظواهر غيابية موضوعية بالطريقة نفسها التي تُختزَل بها الظواهر الغيابية الأخرى كالهضم والصلابة.. ص9

===============================
▬ يكمن إغراء المثالية في أنها تزيل الفجوة بين الواقع والمظهر، وهي الفجوة التي تجعل من الشكية ممكنة. فالواقع يتكون من مظاهر نسقية. ولكن يجب أن أعترف بأنني أعتقد أن هناك سببًا أعمق يدعو إلى استمرار الاحتكام للنزعة المضادة للواقعية، وقد اتضح ذلك في القرن العشرين: فهي ترضي الدافع الأساسي للقوة. إذ يبدو من المقرف جدًا، نوعًا ما، أن نضطر إلى أن نكون تحت رحمة "العالم الواقعي". ويبدو من القبيح جدًا أن تُضطر تمثيلاتنا إلى الخضوع لمساءلة أي شيء سوانا. وهذا هو السبب في أن الناس الذين يصرون على الصورة المعاصرة من النزعة المضادة للواقعية ويرفضون نظرية المطابقة مع الحقيقة يسخرون في العادة من النظرة المقابلة لها. على سبيل المثال، يشير ريتشارد رورتي باستهزاء إلى "الواقع كما هو في ذاته". صــ 35

▬ يبدو لي أنه لا الثنائية، سواءً أكانت ثنائية الجوهر أو الخاصية، ولا المادية في أي شكل من أشكالها المتعددة تمتلك فرصة أن تكون صحيحة. وكوننا نستمر في طرح هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها بالألفاظ القديمة والمهجورة عن "العقلي" و "الفيزيائي" و "العقل" و "الجسم" ينبغي أن يكون مؤشرًا على أننا نرتكب بعض الأخطاء المفهومية الجسيمة حول كيفية صياغة الأسئلة وأجوبتها. فمن ناحية، تجعل الثنائية في كلا شكليها من وضع الشعور ووجوده أمرًا مُلغزًا بحق. على سبيل المثال، كيف ينبغي أن نفكر بأي نوع من التفاعل السببي بين الشعور والعالم الفيزيائي؟ إذا بمجرد أن يفترض الثنائي وجود عالم عقلي منفصل، فإنه لا يستطيع أن يفسر كيف يرتبط بالعالم المادي الذي نعيش فيه جميعًا. ومن ناحية أخرى، تبدو المادية واضحة الزيف: فهي تنتهي بنكران وجود الشعور وبالتالي بنكران وجود الظاهرة التي تتسبب بوجود السؤال في المحل الأول. هل هناك من مخرج؟ هل هناك من بديل عن هجير الثنائية ورمضاء المادية؟ أعتقد أن هناك بديلًا. صـ 76، 77

▬ لا أعتقد أننا مضطرون إما إلى ركوب الثنائية أو المادية. والنقطة التي يجب تذكرها هي أن الشعور هو ظاهرة بيولوجية شأنها شأن أية ظاهرة أخرى. صحيح أنه يتميز ببعض السمات الخاصة، ولا سيما سمة الذاتية، كما رأينا، غير أن ذلك لا يمنع الشعور من أن يكون سمة على مستوى أعلى للدماغ، تمامًا كما أن الهضم سمة على مستوى أعلى للمعدة، أو أن السيولة سمة على مستوى أعلى لمنظومة الجزئيات التي تشكل الدم. بوجيز العبارة، تتمثل الطريقة في الرد على المادية في الإشارة إلى أنها تتجاهل الوجود الفعلي للشعور. وتتمثل الطريقة في دحض الثنائية بمجرد رفض القبول بمنظومة المقولات التي تجعل من الشعور شيئًا لا بيولوجيًا، وليس جزءًا من العالم الطبيعي. صــ 83

▬ يتطلب نموذج الرؤية تمييزًا بين فعل الإدراك والشيء والمُدرَك. إذا رأيت هذا الكرسي، إذًا ففي الإدراك هناك تمييزًا بين الكرسي وتجربة الإدراك التي أدرك بها الكرسي... لكن حين أحسُّ بالألم، فلا أستطيع أن أميز الألم عن إحساسي بالألم. بعبارة أخرى، لا أستطيع أن أجري التمييز الذي يبيح لنموذج الرؤية أن يعمل، وهو التمييز بين تجربة الإدراك والشيء المدرك. لهذا السبب يبدو لي من الخطأ أن نفترض أن الطريقة الصحيحة لفهم حلاتنا الشعورية وكيفية معرفتنا تعتمد على نموذج الرؤية عن طريق ملكة خاصة بالإدراك الداخلي نسميها بـ "الاستبطان". صـ 111

▬ تركز الجزء الأكبر في نقاشنا للعقل، حتى الآن، على الشعور، وقد يوحي هذا التركيز بالانطباع أن العقل في جوهره ميدان للذاتية مغلق على ذاته. ولكن الدور التطوري الأساسي للعقل، على العكس من ذلك، يتمثل في ربطنا بطرق معينة بالبيئة، وبالناس الآخرين على وجه الخصوص. تربطني حالاتي الذاتية ببقية العالم، والاسم الذي يطلق على تلك العلاقة هو "القصدية". وتشمل هذه الحالات الشعورية الاعتقادات والرغبات، والقاصد والإدراكات، وكذلك ضروب الحب والمكاره، والمخاوف والآمال. فـ"القصدية"، إذا شئنا التكرار، هي المصطلح العام لجميع الأشكال المختلفة التي يمكن أن يتوجه بها العقل، أو يتعلق، نحور الأشياء أو الحالات الفعلية في العالم. صــ 128

▬ هناك واقع موضوعي يوجد بمعزلٍ عنا بالكامل، توجد فيه الأشياء على نحوٍ مستقل عن الملاحِظ، وتكون أحكامنا على ذلك الواقع حقيقية أو زائفة استنادًا إلى الطريقة التي نمثل بها كيف توجد الأشياء بدقة. ويتألف ذلك الواقع من دقائق فيزياوية في حقول القوة. وتنتظم الدقائق في العادة في منظومات أكبر. وإحدى تلك المنظومات هي منظومتنا الشمسية الصغرى، بما فيها كوكبنا الأرضي بوصفه نظامًا فرعيًا. وعلى سطح الكوكب الذي نعيش فيه، فإن الأنظمة التي تتكون في الغالب من نويات قائمة على الكاربون هي الأنظمة الحية التي تشكل أعضاءً للأنواع التي تطورت وارتقت عبر حقب زمنية طويلة. بعض هذه الأنظمة الحية هي الحيوانات، وبعض الحيوانات لديها أجهزة عصبية، وبعض الأجهزة العصبية يمكن أن تتسبب في الشعور وتغذيته. وفي العادة فإن الحيوانات الشعورية الواعية تمتلك القصدية.. وبمجرد أن يكون نوع معين قادرًا على الشعور والقصدية، فإن القصدية الجمعية ليست بالخطوة البعيدة. وإني ليذهب بي التخمين إلى أن جميع الأنواع الحيوانية الواعية القصدوية تمتلك صورة من صور القصدية الجمعية، غير أني لا أعرف ما يكفي عن الإثنولوجيا والبيولوجيا الحيوانية، لكي أجعل ذلك أكثر من مجرد تخمين. ومع القصدية الجمعية يمتلك النوع تلقائيًا وقائع اجتماعية وواقعًا اجتماعيًا. فالشعور والقصدية جزءان واقعيان مستقلان عن الملاحظ من العالم الواقعي، لكنهما يعطيان القدرة على خلق ظواهر تعتمد على الملاحظ. وتكمن الوظائف بين هذه الظواهر التي تعتمد على الملاحظ. ويمتلك كثير من الأنواع القدرة على إسناد الوظائف للأشياء. لكن القدرة التي يتفرد بها الإنسان هي القدرة على فرض وظائف الوضع، وبالتالي على خلق الوقائع المؤسساتية. وتتطلب وظائف الوضع وجود اللغة أو في الأقل وجود قدرة على الترميز شبيه باللغة. صــ 198، 199

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

علم النفس التطوري (دافيد باس)، ترجمة (مصطفى حجازي)


 

  • السبب الأساسي الذي أدى إلى تنمية دافع للحصول على مكانة لدى الرجال يكمن في أن المكانة الأعلى توفر فرصًا جنسية متزايدة. ص41

• أرى في المستقبلِ البعيد مجالاتٍ مفتوحة لأبحاثٍ أكثرَ أهمية. وسيقومُ علمُ النفسِ على أساسٍ جديد يتمثل في ضرورةِ اكتساب كل قوةٍ عقلية وكل كفاءة بالتدريج. (تشارلز داروين، 1859) ص49

• مع أفول بعض افتراضات "السلوكية" وبزوغ الثورة المعرفية أصبح من الجدير بالاحترام النظر "داخل رأس" الإنسان. لم يعد طرح حالات وعمليات ذهنية داخلية يعتبر "غير علمي". وإنما على العكس أصبح يعتبر ضروري حتمًا. ص101

• على الرغم من أن التطور بالانتقاء الطبيعي يُسمى نظرية، فإن مبادئها الأساسية قد تمَّ إثباتها عددًا كبيرًا من المرَّات - ولم يتم أبدًا إثبات بطلانها - بحيث إنها تُعتَبر من قِبَل معظم علماء البيولوجيا بمثابة واقعة فعلية. ص115

• التطور من خلال الانتقاء الطبيعي هو النظرية العلمية الوحيدة المعروفة التي بإمكانها تفسير التنوع المذهل للحياة التي نراها حولنا راهنًا. ص115

• تتشكل التكيفات بتأثيرٍ من عملية الانتقاء. في كل جيل، يعمل الانتقاء وكأنه مُنخُل، مستبعدًا الملامح التي لا تُسهم في الانتشار، ومبقيًا على تلك التي تُسهم فيه. ص117

• الآلية النفسية المتطورة هي عبارة عن طاقم من الإجراءات داخل المتعضي مصممة لتلقي شريحة خاصة من المعلومات وتحويلها من خلال قواعد اتخاذ القرار إلى مخرجات ساعدت تاريخيًا في حل مشكلة تكيفية. توجد الآلية النفسية في المتعضيات الراهنة لأنها أدت عمومًا إلى حلول ناجحة لمشكلات تكيفية نوعية جابهها أسلاف هذه المتعضيات. ص139

• يكشف تحليل أسنان أسلافنا من البشر، على سبيلِ المثال، معلومات حول طبيعة نظامهم الغذائي. كما يكشف تحليل كسور الهيكل العظمي معلومات حول كيفية موت أسلافنا. حتى بإمكان العظام أن توفر مفاتيح حول أنواع الأمراض التي أصابتهم.. ص 164

• توفر آلياتنا النفسية الراهنة نوافذ لرؤية طبيعة المشكلات التكيفية التي أصابت أسلافنا. ص165

• يدعم تفوق النساء في ذاكرة مواقع الأشياء والمعرفة الواقعية حول النباتات، الفرضية القائلة بأن النساء قد طورن تكيفات متخصصة لجمعِ الطعام - وهي تكيفات تعكس تقسيمًا راسخًا للعمل بين الجنسين. ص203

• ألا يمكن أن نشك بأن مخاوف الأطفال، المستقلة تمامًا عن الخبرة هي الآثار الموروثة للأخطار الواقعية خلال الزمن الوحشي الغابر؟ (داروين) ص212

• تحدد حالات الولع الممكنة للجنس المستثمر - أي الإناث - وإلى درجة خارقة للعادة وجهة تطور النوع. إذ إن الأنثى هي الحَكَم النهائي لتحديد متى ستقترن وبأي وتيرة ومع من. (سارة بلافر هردي) ص237

• لقد تطورت العديد من الرغبات النوعية، نتيجة لمميزات البقاء والتكاثر القوية التي تم إنضاجها من قبل أولئك الأسلاف الذين اختاروا أقرانهم بحكمة. وباعتبار أن البشر المحدثين يمثلون ذرية أولئك الرابحين في اليانصيب التطوري، فإنهم ورثوا طاقمًا نوعيًا من تفضيلات الأقران. ص237

• حين تُعطى الصدارة لدوافع الاقتران من خلال التعرض لصور نساء شابات جاذبات، يحدث شلال من التغيرات النفسية في الرجال بحيث إنهم يثمنون بالتحديد ما تريده النساء ويستعرضونه، وبالتالي فإنهم يستعرضون ما يحتاجه الرجال للنجاح في التنافس على القرين. ص289

• ليس من النادر أن تهرب [النساء] بعيدًا مع عاشق مفضل.. وهكذا نرى أن النساء لسن فعلًا في حالة بالغة الإذلال في ما يتعلق بالزواج كما تقرر افتراضه غالبًا. بمقدورهن غواية الرجال الذين تفضلنهم، وبمقدورهن كذلك رفض أولئك الذين لا يرغبن فيهم، سواء قبل الزواج أم بعده. (تشارلز داروين، 1871) ص351

• تقول أمي إنه أبي. ولكن في ما يخصني، فأنا لا أعرف ذلك. إذ إنه لا يوجد امرؤ يعرف (على وجه اليقين) من أنجبه. (تيليماك بن أدوديسيوس - من ملحمة الأوديسة لهوميروس) ص401

• لماذا توفر الأمهات، في العديد من الأنواع، بما فيها البشرية، رعاية والدية أكبر بما لا يُقاس من رعاية الآباء؟ ص404

• مع أن عدم التأكد من الأبوة لا يحول دون تطور رعاية الذكر الأبوية، إلا أنه يبقى أحد الأسباب الصامدة لنزوع الإناث واسع الانتشار للاستثمار في الذرية أكثر مما يستثمر الذكور فيها. ص406

• تشكل القرابة الجينية منبئًا قويًا بالاستثمار الوالدي وبإساءة معاملة الأطفال. يستثمر الرجال المزيد في تربية أولادهم الجينيين مما يستثمرونه في أولادهم غير الجينيين، ويستثمرون أقل في الأطفال عندما يكون هناك بعض الشك في أبوتهم لهؤلاء الأطفال. ص423

• كيف أصبح بالإمكان أن تتطور الغيرية بين غير الأقارب، بوجود التصميمات الأنانية التي تنزع إلى أن تنتج عن الانتقاء الطبيعي؟ هذا ما يدعوه علماء البيولوجيا التطورية مشكلة الغيرية. ص520

• تقرر نظرية الغيرية المتبادلة بأن التكيفات المكرسة لتوفير فوائد لغير الأقارب، يمكن لها أن تتطور طالما أن تقديم مثل هذه الفوائد سيكون متبادلًا في لحظة ما في المستقبل. ص521

• السببُ الرئيس للعنف، من وجهة نظر تطورية، هي الذكورة. (روبرت رايت، 1995) ص569

• من ضمن أكثر من عشرة ملايين نوع من أنواع الحيوانات الموجودة، بما فيها أربعة آلاف من الرئيسات، تم توثيق نوعين فقط يبديان ائتلافات منسقة بمبادرة من الذكور، تغير على المجالات الحيوية المجاورة، وينتج عنها تهجمات مميتة على أعضاء من نوعهما ذاته وهما: الشمبانزي والبشر. ص570

• يلجأ الذكور أكثر من الإناث، لدى البشر، إلى العدوان الجسدي بغية الاستيلاء على موارد الآخرين. يبرز الفارق بين الجنسين في استعمال القوة الجسمية في سنٍ مبكرة تبدأ من عمر ثلاث سنوات. ص572

• يحط كل من الرجال والنساء من قدر مزاحميهم من الجنس نفسه، طاعنين بمكانتهم وسمعتهم بقصد جعلهم أقل مرغوبية من قبل أعضاء الجنس الآخر. ص573

• الحرب هي نشاط يُمارَس حصريًا من قبل الرجال. ويكون الرجال الآخرون هم الضحايا المستهدفين في معظم الأحيان، ولو أن النساء غالبًا ما يعانين أيضًا. ومع أن حروبًا قليلة تُشَن لمجرد النية الصريحة في أَسرِ النساء، إلا أن كسب المزيد من إمكانات الجماع تعتبر في الأعم الغالب بمثابة مغنم مرغوب للنجاح في الانتصار على العدو. ص600

• سيكون هناك دومًأ معركة بين الجنسين لأن كلًا من الرجال والنساء يريدون أشياء مختلفة. الرجال يريدون النساء، والنساء تريد الرجال. (جروج بورنز) ص625

• معركة الجنسين في كلِ عمر هي إلى حدٍ بعيد معركة حول الجنس.(دونالد سايمونز، 1979) ص625

• قد تكون الخلافات حول تكرار ممارسة الجنس وتوقيته أكثر مصادر الصراع شيوعًا بين الرجال والنساء. ص629

• يتمثل أحد مصادر الصراع الكبرى في أن الرجال يستنتجون أحيانًا اهتمامًا جنسيًا من قِبَل المرأة في حين أنه ليس موجودًا. ص630

• يؤول الرجال إشارات الود البسيط ومجرد الابتسام من قِبَل النساء على أنها تدل على قدر أكبر من الاهتمام الجنسي مما تراه النساء اللواتي يشاهدن الأحداث ذاتها بالضبط. ص630

• يُصَرِّح الرجال عبر كلِ الثقافات بمعاناة أكبر من النساء في الاستجابة لسيناريو الخيانة الجنسية، وتصرح النساء عبر كل الثقافات بمعاناة أكبر في الاستجابة لسيناريو الخيانة العاطفية أو خيانة الحب. ص654

• يتعارك الشمبانزي على السيطرة ويكسب الذكر المسيطر نمطيًا إمكانات وصول جنسي إلى الإناث أكثر مما يكسبه الذكر الخاضع. ص688

• الرجال ذوو المكانة العالية غالبًا متعددي  الزوجات، وذلك عبر التاريخ والثقافات، مما يكسبهم وصولًا جنسيًا إلى نساء متعددات على شكلِ زوجات، وعشيقات، وخليلات. ص696

• قد تؤدي المستويات المرتفعة من التستوسرون لدى الرجال إلى سلوكيات مسيطرة تؤدي بدورها في بعض الثقافات  النوعية إلى مكانة عالية، وفي المقابل يؤدي الارتفاع في المكانة إلى ارتفاع مستويات التستوسترون. ص718

• تتمثل أكثر مظاهر علم النفس التطوري إثارة في أنه يبشر بإطار لتكامل الأدلة والتفسيرات من كل من البيولوجيا، والأنثروبولوجيا وعلم النفس وعلوم السلوك الأخرى في وصف موحد للسلوك الإنساني.  (بوتر وهيكهاوسن، 2000) ص735

• يبدو علم النفس التطوري أنه ما فوق النظرية الوحيدة القابلة للحياة والتي تتمتع بما يكفي من القوة بحيث تُكامِل كل هذه المذاهب الفرعية. إنها ما فوق النظرية التي تهدف إلى تقديم فهم مُوَحَّد لآليات العقل المميزة لهذا النوع الغريب من الرئيسات منتصبة القامة. ص737

• "اللغة هي قدرة ذات أحجام مذهلة: "إذ بمجرد عمل ضوضاء من خلال أفواهنا، يمكننا بثقة توليد تراكيب دقيقة من الأفكار التي تبرز في أذهان بعضنا بعضًا. ص751

• هل اللغة تَكَيُّف أم مُنتَج ثانوي ؟ ص751

• قد يكون لدى النساء "نظرية في أذهان الرجال" تختلفُ عن "نظريتهن في أذهان النساء" نظرًا لاختلاف أنواع المشكلات التكيفية التي تجابههن تبعًا لما إذا كُنَّ يتفاعلن مع رجلٍ أو امرأة. ص771

• تكشف نماذج الثقافة التي نبدعها ونستهلكها سيكولوجية التطور البشري، ولو أنها ليست تكيفًا بحد ذاتها. ص802

 

◘ ينكبُّ علمُ النفس التطوري على دراسة العقل البشري وآليات عمله. ويهتمُّ، بالمنظور الأكثر اتساعًا، بالإجابة عن أسئلة أساسية من مثل: لماذا يعمل العقل بالطريقة التي يعمل بها؟ وما هي الوظائف التي يقوم بها العقل بناءً لآلية عمله؟ وكيف يتفاعل عمل هذه الآلية مع مدخلات البيئة والمحيط، ووفق أي سياقات وشروط ومثيرات، كي تنتج السلوك البشري الملاحَظ؟ [..] يقوم علم النفس التطوري على مجموعة من المقدمات والمسلمات قال بها كل من دافيد باس، كوسميدس وتوبي. قدّم باس خمسًا منها: 1) يتوقف السلوك الظاهري على آليات نفسية ضمنية، أي أدوات معالجة معلومات يحتويها الدماغ، على صلةٍ تفاعلية مع مدخلات كل من البيئة العضوية الداخلية، والبيئة الإيكولوجية المحيطة التي تطلق نشاط هذه الآليات. تذهب هذه المقدمة على عكس النظرية السلوكية ذات النزعة البيئية المفرطة التي ترد كل سلوك إلى مبادئ التعلم. وهي بالمقابل تُعلي من شأن علم النفس المعرفي وآليات عمل الدماغ البشري. 2) التطور بالانتقاء هو العملية السببية الوحيدة المعروفة القادرة على خلق هكذا آليات عضوية معقدة. 3) تتخصص الآليات النفسية المتطورة وظيفيًا في حل مشكلات تكيفية نوعية جابهها البشر خلال تاريخ التطور المديد. 4) صمم الانتقاء معالجة المعلومات الخاصة بكل هذه الآليات النفسية بحيث تتأثر تكيفيًا بفئات نوعية من معلومات البيئة. 5) يتكون علم النفس البشري من عدد وافر من هذه الآليات النفسية المتطورة والتخصصية التي تكون كل منها حساسة لأشكال خاصة من مدخلات البيئة، وبحيث تنسّق هذه الآليات نشاطها فيما بينها وتتمازج كي تنتج السلوك الظاهري [..] يرى علماء النفس التطوري أن العقلَ البشري الراهن بداراته العصبية وآلياته النفسية المتطورة هو نتاج العصر البلايستوسيني الذي ابتدأ قبل مليون وثماني مائة ألف من السنين وانتهي قبل 12000 سنة خلت، وما جابهه الأسلاف من تحديات بقاء وتكاثر تطلبت نشأة آليات تكيفية لحلِّ مشكلاتها [..] يتفاعل التطور الوراثي المكون للآليات النفسية وداراتها العصبية مع التطور الثقافي الشائع لدى الإنسان العاقل. إنهما متلازمان في تطورهما. وعلى عكس الرأي الشائع في العلوم الاجتماعية، فالثقافة ليست كيانًا مفروضًا من الخارج على الفرد، بل هي مكون أساسي من مكونات الدماغ البشري... تولد الآليات الجينية شروطًا ثقافية قابلة للانتقال بالتعلم من خلال تحديدها لما يمكن أن يتعلمه الإنسان، وكيفية تعلمه تبعًا لبنية الدماغ وداراته العصبية. وبالتالي فهي تحدد قدرة الدماغ على التعلم الاجتماعي والتخزين الثقافي. إلا أن الثقافة ثؤثر بدورها على الموروثات من خلال مبدأ الانتقاء الطبيعي ذاته. فثقافة الرعي وتربية الماشية واستهلاك ألبانها، على سبيل المثال، أدت إلى انتقاء الموروثات التي تسمح بامتصاص اللاكتوز. وبالتالي حين تتشكل هذه الآليات تعود فتحدد بدورها الإدراك الانتقائي لمثيرات البيئة، كما تحدد إمكانات التعلم. فالبشر مثلًا لديهم دارات لتعلم اللغة تسمح للمحيط بتعليمهم لغة نوعية، ولكن ليس لديهم دارات للطيران جسميًا. وهكذا إذًا يتلازم تطور الموروثات والثقافة عبر المسار الوجود البشري. [ملخص مقدمة المترجم ص24 إلى ص31]

 

▬ يُشكل فهم آليات العقل/الدماغ البشري من منظور تطوري هدف الفرع العلمي الجديد الذي يطلق عليه إسم علم النفس التطوري.. يركز علم النفس التطوري على أربعة أسئلة مفتاحية: 1) لماذا صُمِّمَ العقل بالطريقة التي هو عليها - أي ما هي العمليات السببية التي ولِدَ العقل البشري وصممته أو شكلته في شكله الراهن؟ 2) ما هو تصميم العقل البشري - أي ما هي آلياته أو أجزاؤه المكونة له، وما هي طريقة تنظيمها؟ 3) ما هي وظائف أجزائه المكونه له، وما هي بنيتها التنظيمية - أي ما هي الأشياء التي صُمِّمَ العقل للقيامِ بها؟ 4) كيف تتفاعل مدخلات البيئة الراهنة مع تصميم العقل الإنساني، كي تنتج السلوك المُلاحَظ؟ صــ 50

 

▬ مثَّلَ افتقار داروين لنظرية فاعلة في التوريث حجر عثرة كبير بالنسبة للعديد من علماء البيولوجيا. توفرت هذه النظرية حين تم الاعتراف بأعمال غريغور مندل، وتم توليفها مع نظرية داروين في الانتقاء الطبيعي في حركة أُطلقَ عليها تسمية التوليف الحديث. تبعًا لهذه النظرية، لا يتضمن التوريث المزج بين خصائص كلا الوالدين، وإنما هو توريث دقائقي. أي أن، الموروثات، وهي الوحدة الأساسية في التوريث، تأتي على شكل مجموعات متمايزة لا تتمازج مع غيرها (من الوالد الآخر) وإنما تُمرَر بدون تعديل من أسلاف الوالدين إلى الطفل. وفرَّت نظرية التوريث الدقائقي العنصر المفقود في نظرية داروين في الانتقاء الطبيعي. صــ 103

 

▬ البشر هم ثدييات نشأت منذ ما يزيد على 200 مليون سنة خلت. نحن جزء من خط الرئيسات الذي بدأ منذ 85 مليون سنة خلت. أصبح أسلافنا يقفون على ساقين منذ 4.4 مليون سنة خلت، وطوروا أدوات حجرية بدائية منذ 2.5 مليون سنة خلت، وقد يكونون بدأوا اكتشاف النار وإشعالها منذ 1.6 مليون سنة خلت. ومع توسع أدمغة أسلافنا، بدأنا نطور أدوات وتقنيات أكثر إتقانًا، كما بدأنا باستعمار عدة أجزاء من العالم. هناك نظريتان متنافستان حول أصول الإنسان الحديث هما: نظرية استمرارية تعدد المناطق، ونظرية الخروج من أفريقيا. يجادل البعض بأن الأدلة التشريحية، والأحفورية والجينية تدعم نظرية الخروج من أفريقيا، والتي تذهب إلى القول بأن البشر المحدثين أتوا على الغالب من أصل أفريقي، وهاجروا لاحقًا إلى آسيا وأوروبا، حالِّين بذلك محل كل الأجناس البشرية الأخرى بما فيها النياندرتال. بينما يعتقد منظرون آخرون بأن الدليل الجيني يتلاءم مع كلا النظريتين، وأن الأدلة الجينية الأحدث قد ترجح الكفة من جديد نحو تعدد المناطق. ومع أن النايدرتال ازدهر في أوروبا لما يزيد على 170 ألف سنة، إلا أنهم انقرضوا من 30 ألف سنة خلت، مما يتطابق مع قدوم البشر المحدثين على الصعيد التشريحي. ويظل الانقراض المفاجئ للنياندرتال لغزًا علميًا. صــ 105

 

▬ لو تجولتَ حافي القدمين لأسبايع قليلة فإنك ستنمي طبقة ثنفية Calluses على أخمص قدميك تنشط آليات إنتاج الثفن - التي تصنع العديد من الخلايا الجلدية الجديدة عند تكرار احتكاك الجلد بمادة صلبة - لحماية البنى التشريحية والفسيولوجية لقدميك من الأذى. ولكن لو تجولت بسيارتك لعدة أسابيع، فإن عجلات سيارتك لن تزداد سماكة. لماذا يا تُرى ؟ تخضع كل من قدميك وعجلات السيارة لقوانين الفيزياء. فالاحتكاك يؤدي إلى تآكل الأشياء، وليس بنائها. إلا أن، قدميك على العكس من عجلاتك، تخضعان لطاقم آخر من القوانين - أي قوانين الانتقاء العضوي الطبيعي. تمتلك قدماك آليات إنتاج - ثفن بسبب الانتقاء الطبيعي. فالتطور بالانتقاء هو عملية خلاقة؛ وآليات إنتاج الثفن هي المنتجات التكيفية لتلك العملية الخلاقة. وهي توجد الآن، لأن من كانوا ينزعون في الماضي، لامتلاك موروثات، ولو بدرجة متدنية، تهيئهم لتنمية سماكة جلد إضافية نتيجة للاحتكاك، كان لديهم ذلك العنصر الإضافي الذي يساعد في بقائهم، وبالتالي فهم عاشوا كي يتوالدوا أكثر من أولئك الذين يفتقرون إلى هذا الاستعداد المفيد لبقائهم. وباعتبارنا ذرية هؤلاء الأسلاف الناجحين، فإننا نحمل تلك الآليات التكيفية التي أدت إلى نجاحهم. صــ 113

 

▬ هناك ثلاثة منتجات للعملية التطورية: 1- التكيفات، وهي خصائص موروثة ونامية أتت إلى الوجود من خلال الانتقاء الطبيعي، لأنها ساعدت في حل مشكلات في البقاء أو التكاثر أفضل من تصميمات بديلة كانت موجودة لدى أفراد النوع خلال فترة تطورهم؛ الحبل السُري، على سبيل المثال. 2- المنتجات الثانوية، وهي خصائص لا تحل مشكلات تكيف، كما لا تمتلك تصميمًا وظيفيًا؛ وإنما هي حُمِّلَت مع الخصائص التي كان لها تصميم وظيفي، لأنه حدث أن اقترنت مع تلك التكيفات؛ من مثل سُرّة البطن. 3- التشويش، وهي آثار عشوائية ناتجة عن قوى من مثل الطفرات بالصُدفة، من نوع التغيرات المفاجئة وغير المسبوقة في البيئة، أو آثار الصدفة خلال النمو؛ من مثل: الشكل الخاص لُسرة بطن شخصٍ ما. صــ 116

 

▬ لا يُعني مظهر التكيفات النامي بشكلٍ موثوق، أن التكيف يتعين أن يظهر عند الميلاد. إذ تنمو معظم التكيفات، في الواقع، بعد الميلاد بوقتٍ طويل. فالمشي هو خاصية نامية بموثوقية لدى البشر، إلا أن معظمهم لا يبدأ المشي إلا بعد مضي سنة كاملة من العمر بعد الميلاد. كما أن الثديان هما خاصية نامية بموثوقية لدى النساء، إلا أنهما لا ينموانِ إلا عند البلوغ. أما الخصائص العابرة، والمؤقتة، والتي تختل بسهولة بفعل البيئة أو التي لا تظهر إلا لدى قلة من أفراد نوعٍ معين، فإنها ليست نامية بموثوقية، وبالتالي لا تستوفي المعايير التعريفية للتكيفات. صــ 117

 

▬ تُحيل بيئة قابلية التكيف أو EEA إلى التركيبة الإحصائية لضغوطات الانتقاء التي تحدث خلال مرحلة التكيف التطوري المسؤولة عن إنتاج التكيف. وبصيغةٍ أخرى فإن EEA أي بيئة قابلية التكيف التطورية تحيل على صعيد كل تكيف إلى انتقاء القُوى أو المشكلات التكيفية، التي كانت مسؤولة عن تشكيلها، خلال زمن تطوري مديد. على سبيل المثال تحيل EEA العين إلى ضغوط الانتقاء النوعية التي شكل كلًا من مكونات النظام البصري عبر مئات ملايين السنين. بينما تتضمن EEA للتحرك على ساقين ضغوطًا انتقائية ذات مدى زمني قصير، إذ تعود إلى حوالي 4.4 مليون سنة خَلَت. تتمثل النقطة المفصلية في أن EEA لا تحيل إلى زمن أو مكان محددين، وإنما إلى قُوى الانتقاء المسؤولة عن تشكيل التكيفات. وبالتالي فإن كل تكيف يمتلك EEA الفريدة الخاصة به. وتحيل مدة تطور التكيف إلى المدى الزمني الذي تكون خلاله، قطعة قطعة، حتى انتهى إلى أن يميز التصميم الكوني الخاص بالنوع. صــ 118، 119

 

▬ [الآلية النفسية المتطورة هي طاقم من العمليات داخل المُتعضي تمتلك الخصائص التالية: من ص135 إلى ص139]

 

1- توجد الآلية النفسية المتطورة بالشكل التي هي عليه لأنها حلّت تكرارًا مشكلة نوعية في البقاء والتكاثر خلال التاريخ التطوري.

2- الآلية النفسية المتطورة مصممة كي تتلقى شريحة ضيقة من المعلومات فقط.

3- تُعْلِم مدخلات الآلية النفسية المتطورة المتعضي بالمشكلة التكيفية الخاصة التي يواجهها.

4- تتحول مدخلات الآلية النفسية المتطورة من خلال قواعد اتخاذ القرار إلى مخرجات.

5- إما أن تكون مخرجات الآلية النفسية المتطورة إما نشاطًا فسيولوجيًا، أو إعلام آليات نفسية أخرى أو سلوكًا ظاهرًا.

6- تكون مخرجات الآلية النفسية المتطورة موجهة نحو حل مشكلة تكيفية نوعية.

 

▬ هناك توافق واضح على أن أسلاف البشر كانوا يأكلون كل شيء، وأن كلًا من اللحم والنباتات المجمعة كانت تشكل مكونات مهمة من نظامهم الغذائي، وذلك على الرغم من عدم حسم الخلاف حول الموضوع حتى الآن. يوفر الانتشار العالي للصيادين الذكور، والجامعات الإناث بين المجتمعات التقليدية، حتى ولو لم يكن دليلًا نهائيًا، مؤشرًا إضافيًا على أن كلا النشاطين يشكلان جزءًا من النمط البشري في توفير الطعام. صــ 200

 

▬ يغلب أن يطور البشر مخاوف من أخطار كانت حاضرة في بيئة الأسلاف، أكثر من المخاوف من الأخطار في البيئة الراهنة. فالثعابين على سبيل المثال تمثل مشكلة فعلًا. وهكذا بالكاد نسمع عن مخاوف من السيارات، الأسلحة النارية، ومخارج التيار الكهربائي، والسجائر، حيث أنها أخطار جديدة من الناحية التطورية - أي أنها جد حديثة بالنسبة للانتقاء كي يطور مخاوف نوعية بصددها. إن واقعة ذهاب عدد أكبر من ساكني المدن إلى الطبيب العقلي بسبب خوفهم من الثعابين والغرباء أكثر من خوفهم من السيارات ومخارج التيار الكهربائي، تقدم نافذة على أخطار بيئة أسلافنا. صــ 212

 

▬ الانتقاء يكون أكثر زخمًا في مرحلة مبكرة من الحياة لأن أي حدث يحدث مبكرًا يمكن أن يؤثر في مجمل مدى سنوات الشخص المُنجِبة. إلا أنه مع تقدم الناس في العمر، تضعف قوة الانتقاء. وفي الحالة القصوى، فإن ما يحدث لك في سن الشيخوخة وقبل أن تتوفى من المرجح ألا يكون له أثر على قدرتك الإنجابية. مما يعني أن الانتقاء سوف يعطي الأفضلية للتكيفات التي توفر آثارًا مجزية في مرحلة مبكرة من العمر حتى ولو كانت ذات تكاليف عالية في مراحل لاحقة. تتراكم هذه التكاليف في سن الشيخوخة، مما ينتج عنه تدهور في كل أجزاء الجسم في الوقت نفسه تقريبًا. ولهذا المعنى يمكن القول إن المتعضيات "مصممة" كي تموت. صــ 224

 

▬ توفر النتائج من باحثين مستقلين مستقلين دعمًا أوليًا لنظرية دي كاتازارو التطورية في الانتحار. وهناك حاجة لإجراء اختبارات أكثر دقة، وقد تتمثل الخطوة التالية في دراسة استشرافية للناس الذين ينتحرون فعلًا. وعلى كل حال يمكننا بانتظار ذلك، الاستنتاج، ولو نظريًا، بأن هناك شروطًا يمكن أن تدفع إلى انتقاء آليات نفسية قد تحض الشخص على الانتحار. تتمحور هذه الشروط حول الفشل في الاقتران مع الجنس الآخر، وفي تشكيل عبء على الأقرباء الأقربين. ويرجح أن تحدث أفكار الانتحار عندما يجابه الناس هذه السياقات الاجتماعية المهددة للياقة الشخصية. صــ 227

 

▬ لا ينتهي استثمار النساء المبدئي الأكبر في كل مشيج في البويضة. يحدث الإخصاب والحمل، وهما مكونان محوريان من مكونات الاستثمار البشري الوالدي، في أرحام النساء. يمكن لفعل جماع واحد، لا يتطلب من الذكر إلا حدًا أدنى من الاستثمار، أن يُنتج استثمارًا إلزاميًا ومستلهكًا للطاقة لدى المرأة يمتد لتسعة أشهر، ويمنع فرص اقتران أخرى. ويضاف إلى ذلك، انخراط النساء وحدهن في نشاط الإرضاع (الرضاعة من الثدي) التي قد تمتد إلى أربع سنوات في بعض المجتمعات.. ليس هناك قانون بيولوجي في العالم الحيواني يفرض أنه يتعين على الإناث الاستثمار أكثر من الذكور. في الحقيقة يوظف الذكور واقعيًا أكثر من الإناث في بعض الأنواع من مثل جُدْجُدْ مورمون، وفرس البحر الأنبوبي، وذكور الضفادع النشابة السامة. ينتج ذكر جُدجُد المورمون أكياسًا منوية مليئة بالمغذيات. تصبح هذه الأكياس المنوية الكبير نسبيًا ثمينة جدًا بالنسبة للأنثى في المناطق التي يندر فيها الطعام، إلا أنه يصبح من العسير على الذكر إنتاج الكثير منها لأنها تتطلب استهلاكًا مفرطًا للطعام. تتنافس الإناث في ما بينها للوصول إلى الذكور ذوي الاستثمار العالي الذين يحملون هذه الأكياس المنوية الكبيرة. تكون الذكور أكثر انتقائية في الاقتران من الإناث في هذه الأنواع المسماة "ذات الدور الجنسي المعكوس". صــ 239، 240

 

▬ موجز القول، ينجم عن نظرية ترايفرز (1972) في الاستثمار الوالدي والانتقاء الجنسي تنبؤان عميقان: يتمثل أولهما في أن الجنس الذي يستثمر أكثر في الذرية (وهن النساء خصوصًا، وإن لم يكن دائمًا) سيكون أكثر تمييزًا أو انتقائية بصدد التزواج؛ ويتمثل ثانيهما في أن الجنس الذي يستثمر أقل في الذرية سيكون أكثر تنافسية للوصول الجنسي إلى الجنس ذي الاستثمار الأعلى. فلكي تنجب المرأة طفلًا واحدًا يتعين عليها معاناة تسعة أشهر من الحمل، بينما يمكن للرجل أن ينجب هذا الطفل ذاته بقليل من الاستثمار لا يعدو دقائق معدودة. وأما حين يتعلق الأمر بالاقتران طويل المدى أو الزواج، فإنه من الواضح بالقدر ذاته أن كلًا من الرجال والنساء يستثمرون في الأطفال بكثافة، ولذلك تتنبأ نظرية الاستثمار الوالدي بأنه يتعين على كلا الجنسين أن يكونا جد انتقائيين وتمييزيين. صــ 241

 

▬ ورثت النساء الحديثات عن الجدات الأوائل الناضجات الحكمة الخاصة بالرجال الذين توافقن على الاقتران بهم. النساء الجدات اللواتي تزاوجن من دون أي تمييز كن على الأرجح أقل نجاحًا على صعيد التكاثر من أولئك النساء اللواتي مارسن حسن الاختيار. يجلب الاقتران على المدى الطويل معهم كنزًا نفسيًا من الموارد الاقتصادية الملائمة هو مسعى معقد بشكل استثنائي. إنه يتضمن عددًا من التفضيلات التمييزية التي تطابق كل منها مع مورد يساعد النساء على حل مشكلات تكيفية حرجة. قد يبدو بديهيًا أن تبحث النساء عن الموارد في شريك زوجي. ولأنه لا يمكن دومًا تمييز الموارد مباشرةً إلا أن تفضيلات الاقتران لدى النساء مربوطة بصفات أخرى تدل على أرجحية ملكية الموارد، أو الحصول المستقبلي عليها. في الحقيقة، قد تكون النساء أقل تأثرًا بالنقود بحد ذاتها، بل هي قد تتأثر بالصفات التي تؤدي إلى الموارد، من مثل الطموح، الذكاء، والعمر الأكبر سنًا.. تتحرى النساء هذه الصفات الشخصية بعناية كبيرة لأنها تفصح عن إمكانات الرجل. صــ 289، 291

 

▬ ما زالت هناك حاجة لإجراء دراسات حاسمة ونهائية حول ما إذا كان الرجال قادرون على رصد متى تبيض النساء. الدليل المتوفر كافٍ للإحياء بأن هناك تغيرات جسمية ممكنة قابلة للملاحظة على مستوى جسد المرأة وجلدها حين تبيض - وهي تغيرات معروف أنها جذابة جنسيًا للرجال. سنكون قادرين خلال السنوات القليلة القادمة على تحديد ما إذا كانت الحكمة المتعارف عليها - والقائلة بأن الرجال لا يستطيعون رصد متى تبيض النساء - صحيحة أم خاطئة. صــ 324 ، 325

 

▬ [..] أما المشكلة التكيفية الكبرى الثانية فهي مشكلة عدم التأكد من الأبوة. الرجال الذين كانوا لا مبالين تجاه هذه المشكلة التكيفية، عبر تاريخ البشر التطوري، تعرضوا لخطر تنشئة أبناء رجل آخر، وهو ما كان يمكن أن يكون له تكاليف هائلة على صعيد النجاح التكاثري. يُثمِّن الرجال في العديد من البلدان البكارة في العرائس الممكنة، إلا أن ذلك ليس كونيًا. أمَّا الحل الكوني الأكثر ترجيحًا فيتمثل في إعطاء الصدارة لمؤشرات الوفاء الزوجي - أي ترجيح اقتصار إقامة المرأة للعلاقة الجنسية مع الزوج حصريًا. صــ 348

 

▬ تؤكد أربعة مصادر من البيانات السلوكية الفرضية القائلة بأن تفضيلات الرجال للقرين تؤثر على سلوك الاقتران الفعلي. أولها أن الرجال الذين يستجيبون للإعلانات الشخصية يبدون معدلات استجابة أعلى للنساء اللواتي يدعين أنهن شابات وجاذبات جسميًا. وثانيها، أن الرجال عبر العالم يتزوجون فعليًا من نساء يصغرنهم بحوالي ثلاث سنوات؛ وأما الرجال الذين يطلقون ويتزوجون ثانية، فيميلون إلى الزواج من نساء أصغر منهم سنًا، حيث يبلغ الفرق خمس سنوات للزواج الثاني، وثماني سنوات للزواج الثالث. أما ثالثًا، فهو أن النساء يكرسن الكثير من الجهد لتحسين مظهرهن الجسمي للتفضيلات التي يعبر عنها الرجال. وأما رابعها فيتمثل في أن النساء ينزعن إلى الحط من قدر غريماتهن من خلال تبخيس مظهر هاته الغريمات الجسمي، واتهامهن بالإباحية - وهي تكتيكات ذات فاعلية في جعل الغريمات أقل جاذبية للرجال لأنها تتنافى مع التفضيلات التي يتبناها الرجال بالنسبة لقرين على المدى الطويل. صــ 349

 

▬ حجم خصيتي الرجل، بالنسبة لوزن جسمه، هو أكبر بما لا يقاس من حجم خصيتي الغوريلا والأورانج أوتانغ. تبلغ خصيتا الذكر 0.018 في المئة من وزن جسم الغوريلا، و 0.048 في المئة من وزن جسم الأورانج أوتانغ. وعلى النقيض من ذلك، تبلغ خصيتا الذكر البشري 0.079 في المئة من وزن جسم الرجال، أو ما يعادل 60 في المئة أكثر من النسبة لدى الأورانج أوتانغ، وأكثر من أربعة أضعاف النسبة لدى الغوريلا، مقارنة بحجم الجسم. يوفر كبر حجم خصيتي الرجال النسبي أحد الأدلة على أن النساء مارسن أحيانًا خلال تاريخ البشر التطوري، الجنس مع أكثر من رجل واحد خلال فترة أيام معدودة. ولم يكن من المرجح أن يتطور حجم الخصيتين هذا إلا إذا كان هناك تنافس منوي. وهو ما يشير إلى أن كلا الجنسين قد قاما باقتران قصير المدى لبعض الوقت. على أن البشر لا يمتلكون حجم الخصيتين الأكبر من بين كل الرئيسات. حجم خصيتي البشر أصغر بشكل بيّن من حجمها لدى الشمبانزي الذي يتصف بإباحية جنسية عالية، والذي تبلغ نسبة خصيته 0.29 في المئة من وزن جسمه، أي بما يقدر بثلاثة أضعاف النسبة المئوية لدى الرجال. تشير هذه المعطيات إلى أن أسلافنا من البشر نادرًا ما وصلوا إلى حالات الشمبانزي المتطرفة من الانخراط في الجنس العشوائي نسبيًا. صــ 359 ، 360

 

▬ حصلت عدة فرضيات حول الوظائف المتطورة لاقتران النساء قصير المدى على بعض السند التجريبي: (1) تبديل الأقران، (2) استخدام الاقتران قصير المدى لغايات بعيدة المدى، (3) اكتساب موارد، و(4) الحصول على موروثات جيدة أو موروثات أبناء جذابين جنسيًا. وليس هناك ما يلزم بأن يكون لاقتران النساء قصير المدى وظيفة واحدة وحيدة فقط بل يمكن أن يكون له عدة وظائف. فالنساء المقترنات حاليًا برجال ذوي قيمة اقترانية متدنية، على سبيل المثال، قد يستخدمن الاقتران قصير المدى بغية تقدير وتقويم رجل معين كإمكانية مستقبلية طويلة المدى، أو هي تضاجعه بغية تحويل الأمر إلى علاقة أكثر التزامًا. قد تستخدم النساء اللواتي يعشن ظروفًا تتسم بندرة الموارد، أو النساء غير القادرات على اجتذاب قرين طويل المدى، الاقتران قصير المدى للحصول على موارد حيوية. كما أن النساء المقترنات حاليًا برجال ذوي نوعية جينية متدنية، يمكنهن استخدام الاقتران قصير المدى لتأمين موروثات أفضل، وخصوصًا في فترة الإباضة. صــ 388

 

▬ الأمهات، في كل المملكة الحيوانية هن عمومًا "متأكدات" بدرجة 100 في المئة من إسهامهن الجيني في ذريتهن. من الضروري وضع كلمة "متأكدات" بين مزدوجين لأنه لا لزوم لاعتراف واعٍ بتأكدهن من والديتهن. عندما تضع الأنثى مولودًا، أو تبيض بيضة ملقحة، ليس هناك شك بأن ذريتها تتضمن 50 في المئة من مورثاتها. أما الذكور فلا يمكنهم أبدًا أن يكونوا "متأكدين". تعني مشكلة عدم التأكد من الأبوة، أنه من منظور الذكر هناك دومًا بعض الاحتمال أن يكون ذكر آخر قد لقَّح بيوض الأنثى. صــ 405

 

▬ حين يكرس الرجل جهدًا للوالدية، فإنه قد يُستخدم بمثابة تكتيك اقتران أكثر من كونه وسيلة للمساعدة على بقاء الطفل - وهي فرضية تم تطويرها على يد عالمي الرئيسات باربرا سموتس وديفيد غوبرينك (1992). درس مارك فلن (1992) على سبيل المثال، التوظيف الوالدي الذكوري في قرية ريفية في ترنيداد. وجد أنه حين تكون المرأة عازبة ولديها طفل، يتفاعل الرجال مع طفل المرأة بدرجة أكبر قبل زواجهم مما يفعلونه بعد الزواج، وهو ما يوحي بأن الرجال قد يوجهون الجهد نحو الطفل في محاولة لاجتذاب المرأة. صــ 442

 

▬ القرابة الجينية تشكل عامل تنبؤ محوري بالاستثمار من قبل الأقارب. وكلما توثقت القربى، كان الاستثمار أضخم. عندما تكون القرابة الجينية أكيدة يكون الاستثمار في أعلى مستوياته، مع تساوي كل الاعتبارات الأخرى. يتناقص الاستثمار عندما تتعرض القرابة الجينية للشبهة من خلال انعدام يقين الأبوة، أو من خلال وجود والد غير أصيل (زوج أم أو زوجة أب). تحمل نظرية اللياقة المتضمنة عواقب عميقة على فهم سيكولوجية القرابة والعائلة، بدأ الباحثون للتو في استكشافها. صــ 513

 

▬ مفارقة المصرفي: يواجه المصرفيون الذين يقرضون المال معضلة: إذ إن عدد الناس الذين يطلبون قروضًا هو أكبر مما لدى أي مصرف من المال للإقراض. يتعين على المصرفيين أن يتخذوا قرارات صعبة لمن يتعين عليهم إقراض المال. يشكل بعض الناس مقترضين جيدين ويبرهنون عن احتمال عالٍ بأن يسددوا المال المُقتَرَض. بينما أن أُناسًا آخرين يشكلون مقترضين سيئين، وقد لا يكونون قادرين على السداد. تتمثل مفارقة المصرفي في التالي: أولئك الذين هم في أمس الحاجة إلى الاقتراض هم تحديدًا الناس ذاتهم الأقل قدرة على السداد، بينما أن أولئك الأقل حاجة إلى المال هم أفضل المستدينين، وهكذا ينتهي بالمصرف إلى إقراض المال لأولئك الأقل حاجة إليه، ويمنع الاقتراض عن الأكثر حاجة إليه.. تتشابه هذه المعضلة مع مشكلة تكيفية عميقة واجهت أسلافنا. فلدى كل شخص كمية محدودة من العون الذي يمكن تقديمه للآخرين. فعندما يكون أحدهم في أمس الحاجة إلى المساعدة، فإن ذلك يتطابق مع أسوأ إمكانات السداد، لأن من غير المرجح أن يكون قادرًا على المعاملة بالمثل. وعلى سبيلِ المثال، فإذا جُرِحَ أحد أسلافِنا أو مَرِضَ، فإن ذلك هو تحديدًا الوقتُ الذي يكون فيه في أمس الحاجة إلى المساعدة، إلا أنه من غير المرجح أن يكون هو الشخص الذي يجدر أن نصرف عليه وقت مساعدتنا المحدود. وهكذا جابه أسلافنا معضلة شبيهة بمعضلة المصرفي. كان يتعين عليهم اتخاذ قرارات حرجة بصدد من يمدونه بالعطاء، ومتى يمدون الأفراد الآخرين بعطائهم. وكما أن بعض الناس هم أفضل المستدينين تحديدًا بالنسبة للمصارف، كذلك فإن بعض الناس هم أكثر جذبًا لنا بمثابة موضوعات لقدرتنا الطبيعية المحدودة على تقديم العون. صـ 544، 545

 

▬ تم القيام ببعض الأعمال حول وظائف الصداقة من خلال استكشاف منافعها وتكاليفها المدركة. يكون كل من الرجال والنساء صداقات مع الجنس نفسه، وكذلك صاداقات مع الجنس الآخر، إلا أن الدليل يشير إلى وجود فروق جنسية في وظائف الصداقة. يدرك الرجال أكثر مما تدرك النساء أن الحصول على الجنس على المدى القصير يشكل إحدى فوائد الصداقة مع الجنس الآخر. بينما تدرك النساء أن الحماية تشكل إحدى منافع الصدافة مع الجنس الآخر، أكثر مما يدركه الرجال. يدرك كلا الجنسين أن المعلومات عن الجنس الآخر تمثل منفعة مهمة من منافع الصداقة. يتمثل أحد أعباء الصداقة مع الجنس نفسه في التنافس الجنسي الممكن. ويبدو التنافس الجنسي أكثر شيوعًا بين الأصدقاء الذكور عمّا هو بين الصديقات الإناث، مما يمكن أن يرجع إلى رغبة الرجال الأقوياء في الاقتران على المدى القصير، وهو ما يمكن أن يلقي بهم في حمأة الصراع بشكل أكثر تكرارًا. صــ 564 ، 565

 

▬ الرجال هم ضحايا العدوان أكثر بما لا يقاس من النساء، لأن الرجال هم في حالة تنافس مع الرجال في المقام الأول. الرجال الآخرون هم من يشكلون المصادر الأولية للتعارض الاستراتيجي، والرجال الآخرون هم من يعيقون حصولهم على الموارد اللازمة لاجتذاب النساء، والرجال الآخرون هم من يحاولون صد حصولهم على النساء. تذهب الغنائم للمنتصرين. ويبقى الخساسرون بلان قرين يعانون من الجروح، أو حتى الموت المبكر. تنخرط النساء أيضًا في العدوان، وضحاياهن كذلك نموذجيًا من أعضاء جنسهن، ففي الدراسات حول العدوان اللفظي من خلال الحط من قدر المنافسات، على سبيلِ المثال، تشوه النساء من سمعة مزاحماتهن من خلال الطعن في مظهرهن الجسمي وبالتالي في قيمتهن الإنجابية. إلا أن أشكال العدوان المرتكب من قبل النساء، هي نموذجيًا أقل جذرية، وأقل عنفًا، وبالتالي أقل خطورة من العدوان المرتكب من قبل الرجال - وهي وقائع تجد تعليلها في نظرية الاستثمار الوالدي والانتقاء الجنسي. في الحقيقة قد يعمل الانتقاء ضد النساء اللواتي يقدمن على الأخطار الجسمية التي تندرج عن العدوان. تجادل عالمة النفس التطوري آن كامبل بأن النساء تحتجن إلى إعطاء قيمة أعلى لحياتهن الذاتية مما يفعل الرجال تجاه حياتهم، نظرًا لكون المواليد الصغار يعتمدون على الرعاية الأموية أكثر من اعتمادهم على الرعاية الأبوية. وهكذا يتعين أن تعكس سيكولوجية النساء التطورية مخاوف أكبر من الوضعيات التي تشكل تهديدًا جسيمًا متمثلًا في الجروح الجسدية - وهو تنبؤ يجد له سندًا جيدًا من المعطيات التجريبية. صــ 581 ، 582

 

▬ تمثل الغيرة الجنسية كذلك مفتاحيًا للقتل الزوجي، وتشكل على ما يبدو السبب الأكثر شيوعًا عبر الثقافات. فاالرجال الذين يقتلون زوجاتهم أو عشيقاتهم يقومون بذلك نموذجيًا في واحد من ظرفين محوريين: إما ملاحظة خيانة جنسية أو الشك فيها، وكذلك حين تقدم المرأة على إنهاء العلاقة. يمثل أولهما حالة الرجل الديوث (الذي تخونه زوجته)، التي تضعه في خطر استثمار موارده المحدودة في ذرية لا تمت إليه بصلة. ويمثل ثانيهما خسارة امرأة ذات قيمة إنجابية لصالح غريم - وهي أيضًا خسارة مباشرة في سوق اللياقة. لا يحضر هذا المنطق التكيفي بالطبع في أذهان الرجال. إلا أن الرجال يحملون معهم الآليات النفسية التي أدت إلى نجاحات أسلافهم، وتغذي مجموعة من مثل هذه الآليات الغيرة الجنسية والنزعة التملكية للقرينات، وكلتاهما يمكن أن تؤدي إلى العدوان. صــ 597

 

▬ تنبأ علماء النفس التطوري بالصراع بين الجنسين، ولكن ليس لأن الرجال والنساء يتنافسون على موارد التكاثر ذاتها. وإنما، يمكن رد العديد من مصادر الصراع بين الجنسين إلى فوارق متطورة على صعيد الاستراتيجيات الجنسية. يمت واحد من أهم الفروق إلى استراتيجيات الاقتران قصير المدى. فلقد طور الرجال، أكثر بكثير من النساء، رغبة أعمق في التنوع الجنسي. تفضح هذه الرغبة عن نفسها بأشكال متعددة، من ضمنها البحث عن الوصول الجنسي الأسرع، وبشكلٍ أكثر إصرارًا وأكثر عدوانية مما ترغب فيه النساء عادةً. وفي المقابل، تطورت النساء كي تكن أكثر تمييزًا في الاقتران قصير المدى، بحيث تؤخرن نمطيًا الجماع الجنسي إلى أبعد مما يرغب فيه الرجال عادةً. ومن المواضح، أن الجنسين لا يستطيعان إنجاز هذه الرغبات الجنسية المتعارضة في الآن عينه. وهو ما يشكل مثالًا على ظاهرة تُدعى التعارض الاستراتيجي [...] يمثل التحرش الجنسي أحد أشكال التعارض الاستراتيجي في موقع العمل. الخداع في مجال المواعدة هو شكل آخر من التعارض الاستراتيجي. فالرجل الذي يخدع امرأة ما بصدد وضعه الزوجي والمرأة التي تخدع رجلًا ما بصدد سنها يخرقان كلاهما رغبة الجنس الآخر ويمثلان بالتالي أشكالًا من التعارض الاستراتيجي. وتمثل الخيانة الجنسية في نطاق الزواج شكلًا آخر من التعارض الاستراتيجي لأنها تخرق رغبات الزوج الآخر. يشكل كل من الضبط القسري، والتهديدات، والعنف، والشتائم، ومحاولات الحط من التقدير الذاتي للشريك أشكالًا أخرى من التعارض الاستراتيجي في العلاقات طويلة المدى [..] تقوم نظرية التعارض الاستراتيجي على مسلمتين أساسيتين: أولاهما، أنه يتوقع أن يحدث التعارض الاستراتيجي في كل مرة يعتدي فيها أحد الجنسين على رغبات الجنس الآخر؛ كان بإمكان هكذا تعارض أن يمنع تاريخيًا أجدادنا من الإنجاز الناجح لاستراتيجية جنسية مفضلة، وبالتالي كان بإمكانه أن يحد من نجاحهم التكاثري. ثانيًا، تمثل الانفعالات "السلبية" من مثل الغضب، الغيظ، والأسى حلولًا متطورة لمشكلات التعارض الاستراتيجي، حيث تنبه الناس إلى مصادر التعارض، وتطلق أفعالًا مصممة لمجابهتها. صــ 627 : 629

 

▬ ينشد الرجال أحيانًأ الوصول إلى الجنس بالحد الأدنى من الاستثمار. يُضِن الرجال غالبًا بمواردهم، وهم انتقائيون بشكلٍ غير اعتيادي بصدد من سيستثمرون فيه هذه الموارد. إنهم "متحفظون في مواردهم" وغالبًا ما يحتفظون باستثمارهم من أجل القرينات على المدى البعيد. ولأن النساء يتبعن غالبًا استراتيجية جنسية على المدى البعيد، فإنهن غالبًا ما ينشدن الحصول على الاستثمار، أو علائم الاستثمار، قبل قبولهن بممارسة الجنس. ومع ذلك فإن الاستثمار الذي تتوق النساء إليه هو تحديدًا الاستثمار الذي يحرص الرجال على عدم التفريط فيه بأقصى ما يمكنهم. صــ 630

 

▬ في الغزل البشري، تقع أعباء التعرض للخداع بصدد موارد قرين ممكن والتزامه بشكل أشد وطأة على عاتق النساء. فالرجل من الأسلاف الذي قام بخيار رديء لشريك جنسي يتعرض فقط لخسارة شطر ضئيل من وقته، وطاقته، وموارده، ولو أنه يمكن أن يثير غضب زوج غيور أو أب حامٍ. إلا أن المرأة من الأسلاف التي قامت بخيار رديء لقرين عابر، تاركة نفسها تتعرض للخداع بصدد نيّات الرجل على المدى البعيد أو رغبته في تكريس موارده لها، تكون قد عرضت نفسها في نهاية المطاف للحمل ولتربية طفل من دون أي عون. صــ 633

 

▬ يشكو الرجال دومًا من امتناع النساء الجنسي عليهم، ومما يترجم من خلال أفعال من مثل الغواية الجنسية المصحوبة بالامتناع، ورفض الجماع، واستدراج الرجل ومن ثم صده. ينزعج كلا الجنسين من الامتناع الجنسي، وينزعج الرجال بشكل دال أكثر من النساء. يقوم الامتناع الجنسي بعدة وظائف ممكنة بالنسبة للمرأة. تتمثل إحداها في الاحتفاظ بقدرتهن على اختيار رجال ذوي قيمة عالية ممن يرغبون في الالتزام العاطفي والاستثمار المادي. تمتنع النساء جنسيًا عن بعض الرجال وتخصصه بشكل انتقائي لآخرين من اختيارهن. وفوق ذلك، فإن قيام النساء بالامتناع الجنسي يزيد من قيمته؛ حيث يحولنه إلى مورد نادر. وتزيد الندرة من الثمن الذي يرضى الرجال بدفعه للحصول على الجنس. فإذا تمثل السبيل الوحيد لتمكن الرجال من الحصول على الجنس، في الاستثمار المكثف، فإنهم يقومون عندها بهذا الاستثمار. ففي ظروف الندرة الجنسية، من يفشل من الرجال في الاستثمار سيفشل في تأمين النكاح. وهو ما يولد صراعًا آخر بين الرجل والمرأة: إذ يعيق امتناعها استراتيجيته في الوصول الجنسي المبكر مع ما يرتبط بذلك من قيود عاطفية. صــ 637

 

▬ دان بعض علماء النفس التعارض الزائف بين "الثقافة" و "البيولوجيا، وكأن الإثنين كانا بمعنىً ما متنافسين سببيًا. تعكس الأطروحات القائلة بأن "الثقافة تتجاوز البيولوجيا" وأن "لدى الحيوانات غرائز، ولدى البشر ثقافة" هذه الثنائية الزائفة. يوفر علم النفس التطوري موقفًا تفاعليًا حقيقيًا بين أسباب زيف هذه التعارضات. . لا يمكن النظر إلى "الثقافة" بمثابة سبب منفصل لأنها تقوم على أساس من الآيات النفسية المتطورة. صــ صــ 792 ، 793

 

▬ تستجيب كل الآليات المتطور للشروط البيئية: تمثل قزحيات العيون، غدد التعرق، الإثارة الجنسية، والغيرة أمثلة قليلة واضحة. تحيل الثقافة المُستَحضَرة (وهل بخلاف الثقافة المنقولة) إلى ظواهر تنطلق في بعض الجماعات أكثر من سواها بسبب اختلاف الظروف البيئية. يعكس لون الجلد الأكثر سمرة سكان كاليفورنيا من جلد سكان أوريغون، على سبيل المثال، اختلاف مستويات التعرض لضوء الشمس. تفسر مثل هكذا "فروقات ثقافية" ببساطة من خلال استحضار آلية متطورة مشتركة كونيًا متمازجة مع فروق محلية جماعة وأخرى تلعب دور المدخلات على تلك الآلة الكونية. صــ 794

 

▬ تقوم الثقافة المنقولة كذلك على أساس من الآليات النفسية المتطورة التي تحدد ما هي الأفكار التي تكون موضع اهتمام، وترميزها واستعادتها من الذاكرة، ونقلها إلى الأفرد الآخرين. وكما استنتجه بت ريتشاردسون وروب بويد "لا شيء مما يخص الثقافة يكتسب معنى إلا على ضوء التطور" صــ 798

 

▬ لماذا ينخرط الناس في هذا العدد الكبير من الأنشطة التي تبدو أنها ليست على أي صلة كانت مع البقاء والتطور؟ لماذا يصرف الناس الساعات، الأيام، الشهور، والسنوات في خلق الفن، الأدب، الموسيقى، والأحداث الرياضية، واستهلاكها؟ تستحوذ هذه "الهوايات التافهة" ظاهريًا على كامل حياة بعض الناس مما تستدعي هذه النماذج تفسيرًا. تبنى علماء النفس التطوري مقاربتين قاعدتين للإجابة عن هذه الألغاز. يمكن تسمية المقاربة الأولى "فرضية التباهي". تشكل الثقافة، تبعًا لهذه الفرضية، "ظاهرة ناشئة ناجمة عن التنافس الجنسي بين أعداد وفيرة من الأفراد الذين يتابعون استراتيجيات اقتران مختلفة في حلبات اقتران مختلفة" (ميللر، 1998). ينزع الرجال على وجه الخصوص إلى إبداع الفن والموسيقى واستعراضها بمثابة استراتيجية لإذاعة استعراضات التودد إلى تنوع كبير من النساء: "وكما يعرفه كل مراهق، ويتناساه معظم علماء النفس، يزيد الاستعراض الثقافي من قِبَل الذكور من إمكانات الوصول الجنسي.. يمكن لفرضية التباهي أن تعلل العديد من الوقائع المعروفة حول تنميط الاستعراضات الثقافية. يمكنها أولًا أن تعلل الفروق بين الجنسين في إنتاج المنتجات الثقافية. فلقد أنتج الرجال، تاريخيًا، المزيد من الفن، الموسيقى، الأدب أكثر مما أنتجته النساء عبر تنوع واسع من الثقافات. تبعًا لهذا المنطق، لدى النساء الأقل كي تكسبه من الاستعراض الثقافي وذلك ببساطة لأن السعي وراء المزيد من الوصول الجنسي على المدى القصير نادرًا ما يُشكل هدفًا بالنسبة إليهنَّ. يمكن لفرضية التباهي أن تعلل أيضًا التوزيع العمري للاستعراضات الثقافية. العديد من الأعمال الكبرى في الفن والموسيقى أبدعها رجال في حداثة الرشد - أي في الفترة التي يكون فيها الرجال الأشد انخراطًا في التنافس الجنسي ضمن الجنس الواحد. باختصار تبدو فرضية التباهي قادرة على تعليل التوزيع الجنسي والعمري للإنتاج الثقافي. إلا أن فرضية التباهي لا تستطيع تفسير العديد من الوقائع الأخرى حول الفن، الموسيقى، والأدب. أولًا، لا تستطيع أن تفسر محتوى هذه المنتجات الثقافية. لماذا يجد الناس بعض الأغاني مثيرة للمشاعر، ولكنهم يبدون لا مبالاة تجاه أخرى غيرها؟ لماذا تبدو مسرحيات شكسبير ساحرة بالنسبة للبعض، بينما تبدو العديد من المسرحيات الأخرى مملة؟ ولماذا تجتذب بعض الأفلام ملايين المشاهدين، بينما يخبو نجم غيرها في الظلمة؟ يتعين أن تفسر النظرية الكاملة في الثقافة محتويات المنتجات الثقافية، وليس مجرد توزيعها تبعًا للسن والجنس. ثانيًا، لا يمكن لرفضية التباهي أن تعلل كون بعض الناس يصرفون كميات غير اعتيادية من الوقت في الاستماع الانفرادي بالفن، الموسيقى، والأدب، في سياقات لا تتضمن استعراضًا بيِّنًا... يقترح بنكر في مقاربة ثانية لتفسير الثقافة، جوابًا عامًا على هذه الألغاز،  مع أنه جواب تخميني. إنه يجادل بأن الجواب لا يكمن في تكيفات نوعية للفن، الموسيقى، والأدب، وإنما بالأحرى في آليات الذهن المتطورة لأغراض "تدفع الناس إلى الاستمتاع بالأشكال، والألوان، والأصوات، والنكات والقصص والأساطير". يمكن لآلية إبصار اللون المصممة لتحديد موقع الثمار الناضجة، على سبيلِ المثال، أن تنشط بمتعة من خلال إبداع اللوحات الفنية التي تُحاكي هذه النماذج. يمكن استغلال التفضيلات النفسية لمؤشرات خصوبة الإناث في الرسم الزيتي، التصور الفوتوغرافي، السينما، والمجلات الإباحية، بغية لذة محاكاة النماذج التي صممت الآليات في الأصل للاهتمام بها وطلبها. وكما أن المخدرات الاصطناعية يمكن أن تُصَنَّع كي "تحرك" مراكز اللذة لدينا، بالإمكان إبداع الفن، الموسيقى، والأدب كي "تحرك" تنوعًا من الآليات النفسية المتطورة. تعلم البشر أن ينشطوا اصطناعيًا الآليات الموجودة من خلال اختراع منتجات ثقافية تُحاكي المثيرات التي صُممت الآليات من أجلها في الأصل. وباختصار، ليست هذه الأنشطة الثقافية تكيفات، وإنما هي بالأحرى منتجات ثانوية لاتكيفية.. يصوغ بنكر منطقًا مماثلًا للموسيقى: "يخامرني شعور بأن الموسيقى هي عبارة عن حلوى سمعية، حلوى مرهفة معمولة لدغدغة النقاط الحساسة لست على الأقل من ملكاتنا العقلية. من ضمن هذه الملكات العقلية اللغة (من مثل الأغاني الشاعرية)، تحليل المشاهد السمعية (حيث يتعين، مثلًا أن نعزل الأصوات الآتية من مختلف المصادر، على غرار نداء الحيوان في غابة مليئة بالضجيج)، النداءات الانفعالية (من مثل النحيب، البكاء، العويل، الصياح، والُهتاف التي تُستَعمل بمثابة مجازات لوصف المقاطع الموسيقية)، انتقاء السكن (من مثل إمكانية إشارة الرعد، والماء المنهمر، والهدير، وأصوات أخرى إلى البيئات الآمنة أو غير الآمنة)، والضبط الحركي الذي تحتاجه مختلف المهمات، بما فيها الجري والتسوق، العلامات الدالة على النوعية من مثل الحالة الطارئة، التكاسل، والثقة(. وتبعًا لهذه الفرضية، فإن النماذج الموسيقية المولدة للسرور، هي تلك التي تُحاكي اصطناعيًا المثيرات الطبيعية التي صممت آلياتنا المتطورة لمعالجتها [..] وكما لاحظ بنكر "أنه حين نكون مستغرقين في كتاب أو فيلم، نتطلع لرؤية مناظر خلابة، نتسامر مع أناس مهمين، نقع في حب رجال ونساء فاتنين، نحمي أحباءنا، نبلغ أهدافًا مستحيلة، ونهزم الأعداء الأشرار. ليس كل ذلك صفقة سيئة مقابل سبعة دولارات وخمسين سنتًا!". أظهر تحليل لست وثلاثين قصة أساسية شائعة في أعمال أدبية، أنها تندرج ضمن واحد من أربعة مواضيع: الحب، الجنس، التهديد الشخصي، أو تهديد أقارب بطل القصة. تكشف نماذج الثقافة التي نبدعها ونستهلكها سيكولوجية التطور البشري، ولو أنها ليست تكيفًا بحد ذاتها. صــ 798 : 802

 

▬ يمكن تَوَقُّع أن يقوم علم النفس التطوري في نهاية المطاف بإذابة هذه الحدود المذهبية التقليدية. إذ لا يمكن تجزئة الكائنات البشرية بشكل واضح إلى عناصر خفية من مثل الشخصية، الاجتماعي، النمائي والمعرفي. فلقد أُتْبِعَت الفروق الفردية المستقرة تقليديًا إلى فروع شخصية، إلا أنها غالبًا ما تضمنت توجهات اجتماعية، وكان لها سوابق نمائية خاصة، كما أنها منغرسة في آليات معرفية خاصة. ولقد اعتبر التفاعل الاجتماعي والتبادلية تقليديًا بأنهما يمتّان إلى علم النفس الاجتماعي. إلا أن الآليات الكامنة وراءهما تتمثل في أدوات معالجة المعلومات ذات المسارات النمائية. كانت التغيرات السريعة التي تحدث أثناء البلوغ تشكل دائرة النفوذ التقليدية لعلماء نفس النمو. إلا أن الأفراد يتفاوتون في بداية البلوغ، كما أن العديد من أكثر التغيرات أهمية خلال البلوغ هي اجتماعية. إنّ العديد من الحدود المذهبية التقليدية من منظور علم النفس التطوري، ليست اعتباطية فقط، بل هي مضللة، ومعيقة للتقدم العلمي. إنها تتضمن حدودًا تفصم الآليات بأساليب اعتباطية وغير طبيعية. بينما توفر دراسة السيكولوجية البشرية من خلال المشكلات التكيفية وحلولها - مما يمثل المبدأ الناظم لهذا الكتاب - وسائلًا أكثر طبيعية "لربط الطبيعة عند مفاصلها" ، وبالتالي اختراق الحدود المذهبية الراهنة. صــ 802، 803

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

فلسفةُ العلومِ الاجتماعية (إسماعيل عبد العزيز)


 

• يشير مصطلح العلوم الاجتماعية أو ألإنسانية إلى مجموعة العلوم التي تتخذ الإنسان موضوعًا للدراسة، بهدف الكشف عن أبعاده المختلفة، النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، أو التي تشكل الظواهر الإنسانية مجال بحثها. ص2

• هل يمكن صياغة خطاب علمي حول الإنسان، وبالتالي التنبؤ بسلوكه والوصول إلى قوانين عامة حوله؟ وإلى أي حد يمكن أن تكون مناهج العلوم الطبيعية صالحة لاستخدامها كنموذج لتفسير الظواهر الاجتماعية؟ وبأي معنى نتحدث عن موضوعية في ظل وضع يكون الدارس فيه طرف في الظاهرة المدروسة؟ ص72

• إلى أي حد يمكن تطبيق المنهج التجريبي في العلوم الاجتماعية؟ ألا تطرح عوائق ابتسمولوجية عندما نكون أمام السلوك الإنساني الذي يتميز بالوعي؟ وكيف نتحدث عن موضوعية في ظل صعوبة عزل الذات عن الموضوع في مثل هذه الدراسة؟ ص73

• ألا يؤدي تَشَيُّء الظواهر الإنسانية، سواءً كانت اجتماعية أو إنسانية، إلى افتقارها وإفراغها من محتواها الحقيقي؟ أليس لهذه الظواهر أسباب باطنية وذاتية، مثلما أن لها أسباب خارجية وموضوعية؟ ألسنا في حاجة إلى تفهم الظواهر الإنسانية بدلًا من الاكتفاء بتفسيرها؟ ص129

 

▬ إذا كان من الممكن أن تختلف العلوم الاجتماعية عن بعضها في  زاوية المعالجة التي ينظر إليها أي متخصص، وفي كيفية الحل والعلاج، إلا أن العلوم الاجتماعية لا تنفصل عن علم الاجتماع، الذي اخذ في التطور، بعد أن حقق استقلاله الذاتي، بفعل تعقد الحياة الاجتماعية. فتشعب إلى ميادين متعددة، يشمل كل منها جانبًا من جوانب الحياة الاجتماعية. وفي نطاق هذا التخصص لم يفقد علم الاجتماع ارتباطه الوثيق بالعلوم الاجتماعية الأخرى، فبقيت بينه وبينها اهتمامات مشتركة، وموضوعات متماثلة، نظرًا لاهتمامه بدراسة السلوك الاجتماعي الإنساني. ويعتبر علم الاجتماع من  أكثر العلوم اتصالًا وتداخلًا مع غيره من العلوم الاجتماعية الأخرى. ويشبه علم الاجتماع في أهميته للعلوم الاجتماعية أهمية الرياضيات بالنسبة للعلوم الطبيعية. لذا فإنه إذا كانت العلوم الاجتماعية تشترك في دراسة سلوك الإنسان في المجتمع، فمن الطبيعي أن يكون هناك بعض التشابه والتداخل بين مجال الدراسة في علم الاجتماع ومجالات الدراسة في  العلوم الاجتماعية الأخرى مثل؛ علم النفس، والأنثروبولوجيا، وعلم الاقتصاد، وعلم السياسة.. صــ 13 ، 14

 

▬ وتأكيدًا على أهمية الفلسفة بالنسبة للعلوم الاجتماعية أو الإنسانية ذهب الفيلسوف ميرلوبونتي إلى "عدم وجود أي عداوة بين المعرفة العلمية والمعرفة الميتافيزيقية؛ نظرًأ لأن الثانية تضع الأولى أمام المهام المكلفة بها. فالعلم بدون الفلسفة يجهل ما يتحدث عنه، والفلسفة بدون دراسة منهجية للظواهر، لن تصل سوى إلى حقائق صورية أو شكلية". ولذلك يقول لوسيان غولدمان: "إن الفلسفة تقدم بالفعل حقائق عن طبيعة الإنسان، وكل محاولة ترمي إلى إقصائها من مجال  المعرفة، لابد أن نعكس سلبًا على فهم الظواهر الإنسانية. وفي هذه الحالة سيكون لزامًا على العلوم الإنسانية، أن تصبح فلسفية بالضرورة كي تكون علمية". ولهذا يصعب على من ينشغل بنشأة وتطور العلوم الإنسانية أو الاجتماعية في الغرب، أن يعثر على عالم واحد في هذا الميدان، سوءا كان من الرواد الأوائل أم المعاصرين، لا ينطلق في فرضياته ونظرياته وأبحاثه العلمية، من رؤية فلسفية معينة. صــ 18

 

▬ إذا كانت العلوم الاجتماعية تدرس في نطاق اختصاصها الظاهرة فقط، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو قانونية، فإن علم الاجتماع يدرس العلاقات المتبادلة وأشكال التفاعل بين هذه الظواهر.  فعلم الاجتماع لا يهتم بالظاهرة الاقتصادية في حد ذاتها، بل يهتم بها بوصفها ظاهرة اجتماعية توجد في المجتمع، وأنها ترتبط بغيرها من الظواهر الأخرى بأشكال من التفاعل والعلاقات المتبادلة. وبالتالي  تسعى فلسفة العلوم الاجتماعية إلى تجاوز تقسيم الواقع الاجتماعي إلى أجزاء منعزلة، وهو التقسيم الذي تصطنعه العلوم الاجتماعية المحدودة. ولذلك فإنه إذا كان هذا التقسيم للعلوم الاجتماعية قد فرضته ظروف التخصص، فإن المهمة الاساسية لفلسفة العلوم الاجتماعية، تصبح متمثلة في إعادة الربط والتأليف بين ظواهر الحياة الاجتماعية المختلفة. صــ 41

 

▬ هناك العديد من التعريفات التي تحاول أن تصف بدقة الظواهر الاجتماعية، وتحاول وضع مفهوم محدد لها. ومن هذه التعريفات ما ذهب إليه "دور كايم" في تعريفه للظاهرة الاجتماعية، حيث يعرفها بأنها "كل سلوك يجب أن يعم المجتمع بأسره". وهذا يعني أن الظاهرة الاجتماعية عبارة عن نماذج من العمل والتفكير والإحساس التي تسود مجتمعنا، ويجد الأفراد أنفسهم مجبرين على اتباعها في أعمالهم وتفكيرهم، بل وتفرض أيضًا على أحاسيسهم؛ مثل اللغة، والعادات الاجتماعية، والنظم الاقتصادية والدينية.. صــ 42

 

▬ ولهذا فإنه إذا كانت السوسيولوجيا مثلًا استطاعت تقليد النموذج التجريبي، فإنها اصطدمت بخصوصية الظاهرة الاجتماعية المتميزة بتفردها وتعدد أبعادها، ويأتي على رأسها بعد الحرية، الذي يعتبر نقيضًا للحتمية، فضلًا عن وجود مجموعة من العوائق التي تحول دون نجاح مناهج العلوم الطبيعية بالنسبة للعلوم الاجتماعية، وعلى رأسها صعوبة تحقيق الموضوعية، نظرًا لأن مسألة الملاحِظ والموضوع الملاحَظ في العلوم الطبيعية ليس هي نفسها في العلوم الاجتماعية، نتيجة لتدخل الوعي، ولهذا يقول ليفي شتراوس "إن الوعي هو بمثابة العدو الخفي لعلومِ الإنسان". صــ 73، 74

 

▬ على الرغم من صعوبة الإحاطة بالتطورات الدقيقة للنظرية الاجتماعية وبروادها، إلا أنه لو أن النظرية توقفت عند حدود التيار الوضعي التقليدية، لما أمكن لها أن تتقدم قيد أنملة، لا سيما في ضوء العولمة ومنتجاتها من التقنية المعلوماتية الهائلة، والتي تمثل تحديًا غير مسبوق للعلوم الاجتماعية، فالمجتمع الذي نعيش فيه هو مجتمع يشهد تغيرات في الدقيقة وليس في الحقب أو السنوات، فهو مجتمع سريع التطور والتغير والتبدل، ولذلك فإننا لا ندري كيف يتأتى للنظرية الاجتماعية أن تتولد بهذه السرعة من التغير، ولو كان بمقدورنا أن نصف على الأقل نمط الحياة الذي نعيش فيه لما استطعنا أن نفعل ذلك.. ومن خلال ما سبق يمكن القول أن هناك مشكلات تواجه الدارسين للنظرية الاجتماعية سواء كان ذلك على مستوى التطبيق أو التغيير والتحليل ويمكن أن يكون العامل الرئيس في ذلك هو أن بعض النظريات تحاول أن تصل إلى المستوى الذي وصلت إليه النظرية في العلوم الطبيعية من حيث الدقة والتحديد والتجريب والتنبؤ والعمومية، علاوة إلى أن النظرية في علم الاجتماع مازالت تعاني من مشكلات أيديولوجية ومنهجية وليس هناك اتفاق عام حول نظرية اجتماعية شاملة... فالخصائص الجوهرية للظواهر الطبيعية تتصف بالعمومية والديمومة رغم التفاوت في الزمان والمكان، أما الظواهر الاجتماعية فليس لها خصائص جوهرية ثابتة، وذلك نتيجة للمتغيرات التي تؤثر فيها. والتي تؤثر بالتالي على دراسات الباحثين في العلوم الاجتماعية، وقضية تبنيهم للنظرية الملائمة للموضوع. صــ 86، 87

 

▬ يرى فوكو أن ما منع العلوم الإنسانية من التحول إلى علوم حقيقية، على شاكلةِ العلومِ التجريبية، هو عجزها عن إنتاج معرفة وضعية تجريبية حول الإنسان، فصحيح أن هذه العلوم لم تنشأ إلا لحظة خضوع الإنسان لأول مرة لإمكانية معرفة وضعية، أي بالتزامن مع ميلاد ونشأة العلوم التجريبية، إلا أنه على الرغم من هذه النشأة المتزامنة، وعلاقة الجوار مع بقية العلوم، لم تستطع العلوم الإنسانية إنتاج معرفة وضعية حول الإنسان. لذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه علينا الآن هو؛ إذا كانت العلوم الإنسانية علمًا حقيقيًا، وإذا لم تكن فلسفة صريحة فماذا عساها أن تكون إذن؟ صــ 120

 

▬ يعتبر ميرلوبونتي أن التجربة الذاتية ذات أهمية كبرى في دراسة الظاهرة الإنسانية، بحيث أن كل معرفة يتوفر عليها الفرد ويكونها عن العالم، إنما هي معرفة ناتجة عن احتكاك الذات بهذا العالم، ومدى تفاعلها داخله، والذي يختلف من شخصٍ لآخر حسب التجربة الفردية. ولهذا يخلص ميرلوبونتي إلى اعتماد المنهج التجريبي في دراسة الظاهرة الإنسانية هو حذف ونسيان للعالم المعيش، وللتجربة الذاتية ولذلك ينبغي العودة إلى الإنسان واعتباره مولدًا للمعنى. ونتيجة لهذا كله، تساءل البعض عن المنهج الذي يمكن للعلوم الاجتماعية أو الإنسانية أن تتنازل من خلاله موضوعها. إذا كان موضوعها هو الظاهرة الاجتماعية أو الإنسانية، وهي ظاهرة فريدة ومتميزة عن الظاهرة الطبيعية، فهل يمكن للعلوم الاجتماعية الإنسانية أن تدرس موضوعها باستخدام منهج التفسير السائد في العلوم التجريبية، أم أنها مطالبة بابتكار منهج يلائم خصوصية الظاهرة الاجتماعية الإنسانية؟ وهل المنهج الملائم للظاهرة الإنسانية هو منهج التفسير أم منهج الفهم؟ وما هي المرتكزات والخصائص التي تميز كلا المنهجين؟ صــ 127 ، 128

 

▬ إذا كان منهج التفسير يسمح برصد المحددات الموضوعية، فإن المحددات والعوامل الذاتية تحتاج إلى منهج آخر مغاير هو الذي يُسمى بمنهج الفهم. وهذا ما يتجلى في عبارة ديلتاي الشهير: "إننا نفسر الطبيعة، لكننا نفهم ظواهر الروح". لذا فإنه إذا كان الموضوع في العلوم الطبيعية ماديًا ومعزولًا عن الذات فإن الموضوع في العلوم الاجتماعية الإنسانية مرتبط بالذات وجزء لا يتجزأ منها. ولهذا يبدو أنه لا يمكن تفسير الظواهر الاجتماعية أو الإنسانية وإجراء التجارب عليها، بل لا بد من تفهمها عن طريق منهج الفهم الذي يعتمد على الحدس والاستبطان والتأويل والفهم. ومن هنا فهدف المنهج التفهمي هو إدراك دلالات الأفعال عن طريق ربطها بالمقاصد والنوايا الذاتية لأصحابها والفاعلين لها، ولذك فهو منهج يعتمد على البداهة والحدس؛ فنحن نفهم بعض الحوادث بالبداهة كأن ندرك أن الشخص يكون غاضبًا حينما يتم الاعتداء عليه، أو أن نتبين رفضه من خلال قسماته الجسدية. فما يكون بديهيًا يكون واضحًا ويحتم إدراكه بشكل مباشر، دون الحاجة إلى تفسيره بالاعتماد على طراق وإجراءات موضوعية. صــ 130



▬ إن الخاصية الأساسية لما بعد الحداثة هي التعددية، والتي تتمثل في تعددية الثقافات والتقاليد المجتمعية، والأيديولوجيات، وصور الحياة، والنظريات، والأنساق الفكرية، والمعايير...إلخ. حيث تتسم الأشياء في عالم ما بعد الحداثة بطبيعة تعددية، ولا يمكن ترتيبها في تسلسل زمني تطوري، كما يظهر بعضها على أنه متفوق على البعضِ الآخر، كذلك لا يمكن تصنيف بعض الأشياء باعتبارها صحيحة أو خاطئة، أو باعتبارها حلولًا صحيحة أو خاطئة لمشكلات معينة، أي بمعنى أنه لا يمكننا بل يستحيل تقييم أي معرفة خارج سياق الثقافة، والتقليد، والتي تعطي لهذه المعرفة معنى، وبالتالي ليس ثمة محاكاة ومعايير للصحة  والصدق تصلح للتطبيق خارج سياقها الأصلي، ولهذا تصبح مشكلة عالم ما بعد الحداثة هي تحقيق الاتصال والفهم المتبادل بين الثقافات، والتأكيد على النسبية وتبديد أحلام العمومية الحداثية. صــ 184

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS