إتجاهات الفلسفة الأوروبية المعاصرة (غادة الإمام)

▬ يقول كارناب: "إن الفيلسوف الميتافيزيقي هو فريسة سهلة لوهمٍ بالغ، لأنه يصوغ عباراته في قالب منطقي، محاولًا أن يقيمها على أسس برهانية، فيتوهم أن أداته هي العقل والتفكير، لا الخيال والعاطفة بينما الصحيح أن تأملاته كلها لا تخرج عن كونها أحلام شاعرٍ ضل سبيله". ويضيف كارناب أيضًا: "إن موضوع أبحاث مدرسة فيينا، هو العالم، سواء باعتباره واحدًا أو فروعًا مختلفة. ويتعلق الأمر هنا بالمفاهيم والقضايا والبراهين والنظريات التي تلعب فيه دورًا ما، مع العناية بالناحية المنطقية، أكثر من الاهتمام باعتبارات التطور التاريخي أو الشروط التطبيقية السوسيولوجية والسيكولوجية. إن هذا الميدان من البحث لم يحظ لحد الآن باسمٍ خاص بهـ وبالإمكان تمييزه أن نطلق عليه اسم نظرية العلم. وبعبارة أخرى أدق منطق العلم ونعني بالعلم هنا، مجموعة العبارات المعروفة، ليس فقط التي يصوغها العلماء، بل أيضًا تلك التي نصادفها في الحياة الجارية، لأنه من غير الممكن فصل هذه عن تلك بوضع حدود دقيقة بينهما... إن المنطق، منطق العلم، قد أصبح ناضجًا لكي يتحرر من الفلسفة ويتفرد بميدان علمي منضبط، يركز العمل فيه على منهج علمي صارم يسد الباب نهائيًا في وجه البحث عن معرفة أكثر عمقًا أو أكثر سموًا.. وسيكون هذا في تقديري آخر عصن ينتزع من الجذع. ذلك أنه ماذا سيبقى بعد الفلسفة؟ لن يبقى لديها إلا تلك المشاكل العزيزة على الميتافيزيقيين، مثل: ما السبب الأول للعالم؟ وماهية العدم؟ ولكن هذه ليست سوى مشاكل زائفة خالية من كل محتوى علمي". صــ 34، 35

▬ في عام 1913 نشر هوسرل كتابه باسم "أفكار حول الفينومينولوجيا الخالصة" حيث كان بحثًا عن بدايات أولى؛ إذ تريد الفينومينولوجيا أن تبدأ مما تركه العلم بلا توضيح، أي مما ينظر إليه العلم على أنه وقائع جاهزة؛ وبديهيات واضحة بذاتها، تتأسس فوقها حقائق ومعارف. إنها تريد أن تبدأ من الخبرة المباشرة بالعالم والأشياء. فالفينومينولوجيا ترى أن افتقاد العلم للأسسِ الإنسانية وأبعاد ما بعد الوعي الإنساني يُمثل خطرًا مختلفًا للعلم، طريق يبدأ من معنى أو ماهية الأشياء كما تبدو في خبرتي، وليس باعتبارها وقائع مستقلة عني، إنه طريق يقوم على أساس أن التجربة الحية أو الخبرة المعاشة هي المدخل الوحيد للعلم. وهذا يُعني أن الاتجاه الفينومينولوجي يريد أن يؤسس نفسه كعلم للماهيات يمد العلوم بأساس تقوم عليه، وذلك بأن تصف وتحلل ماهية الموضوعات والمفاهيم التي تفترضها العلوم بوصفها وقائع مؤسسة جاهزة وتحلل ماهية الموضوعات والمفاهيم التي تفترضها العلوم بوصفها وقائع مؤسسة جاهزة مثل: افتراض المادي، والجسم، والبدن والأنا.. صــ 41، 42

▬ إن  عالِم الفيزياء يطرح التساؤلات عن الواقع، منظمًا إياها في طرائق معينة كي يبلغ لإجابته، عن طريق ذلك الواقع الذي يثير فضوله في المقام الأول، أي الذي يحفزه ويستفزه على طرح تساؤلاته. وهنا يرسم باشلار مسار المعرفة؛ حيث يندهش العالم إزاء ما في الواقع يثير فضوله ويدفعه لطرح تساؤلاته التي يحاول البلوغ لإجابات عنها. ويثير الواقع عن طريق إعطاء أو منح الإجابة فضولاً جديدًا؛ ولذلك فإنه يغير الذات العارفة. فالذات تتحول ليس عن طريق ذاتها، وإنما عن طريق الآخر المتعالي الذي يشتبك مع الذات في مجادلة دائمة أو لا نهاية لها. فالذات تٌبدِع و تٌبدَع عن طريق معرفتها للواقع الخارجي؛ ذلك الذي يصفه باشلار هنا بوصفه "المعادلة المختلفة للحركة الإبستمولوجية". والحقيقة أنه منذ تأكيد باشلار على الطابع الشاعري والمجادل للمعرفة العلمية، الذي يجعل الذات تُبدِع وتُبدَع، سواء كانت ذات العالِم أو ذات الحالِم، فهذا الطابع يعد نوعًا من تعميق العلاقة بين العلم والفن؛ إذ أنه جعل العالِم والحالِم في علاقة جدلية مع ما يُبدِعه [..] إن رَحِم فكر باشلار هو علم القرن العشرين، أي "العقل العلمي الجديد". فكتبه الإثنا عشر عن العلم الحديث تفحص تأثيره (أي العلم) على الفلسفة، مُبينة كيف أن العلم قد قوض نظريتنا المعرفية المألوفة؛ لأنه (لا العقلانية) ولا "الواقعية)،  و (لا المثالية) و (لا المادية) تعد فلسفات ملائمة لعلم القرن العشرن بعد. فالعالم 1905 شهد قطيعة ليس فقط مع كل علم سابق، ولكن مع كل فلسفة سابقة أيضًا.... فلقد أخفق العديد من الباحثين في أن يروا أن هذه القطيعة الإبستمولوجية تجلب النزعة الإنسانية في مجرى نزعة إنسانية، والتي بدورها تنفصل عن النزعة الإنسانية التقليدية، وأهم من ذلك أن الأساس العقلي للعلم الحديث قد أحدث قطيعة مع العقل كما نستخدمه ليس فحسب في المعرفة المألوفة؛ وإنما أيضًا في الاستنباط والإستدلال. صــ 123، 124، 125


▬ في حين أن باشلار يرى الإنسان باعتباره كائنًا خلاقًا يتمتع بسمة أساسية هي إضفاء المعاني، ويتشكل سلوكه في إطار وعيه. إذن، إن نظريات العلم في أية مرحلة ليست سوى حلقة في السلسلة اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة. ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن طبيعة بحد ذاتها. علوم الطبيعة - إذن - تفترض سلفًا وجود الإنسان. ومن ثم، فإن كلاً من ديكارت وكانط فَهِما "الذات العاقلة (المفكرة)" في إطار النظر للعقل بوصفه قَبَليًا واستدلاليًا. فإذا كان العقل في العالم ليس على هذا النحو؛ فإن هذا نتاج أن الذت المفكرة ليست كما تصورها ديكارت وكانط، فإنها ليست المركز الثابت لكل معرفة وخبرة. وبناء على ذلك، يدعونا باشلار أن ننصرف على تلك الواحدية المثالية؛ كي نتحرر من هيمنة وسطو العقل؛ وكي نؤكد على الحوار المستمر بين العقل والواقع لا يوجد شيء مُعطى، فكل شيء يكون مسؤسسًا. وهذا ما كان باشلار حريصًا على التأكيد عليه منذ كتابه "رسالة في المعرفة التقريبية" بقوله: "إن الشيء المُعطَى ينبغي أن نتلقاه." صــ 126

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

0 التعليقات:

إرسال تعليق