‏إظهار الرسائل ذات التسميات منطق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منطق. إظهار كافة الرسائل

مبادىء التفكير النقدي (عصام زكريا جميل)


• يتمثل التفكير الإنساني في النشاط العقلي والمعرفي أو التصور الذهني للأحداث والأشياء والأشخاص والخبرات الماضية والحالية والمتوقعة. ويعتمد التفكير على فهم الرموز الصادرة عن الآخرين أو التعبير بالرموز للآخرين عن المعاني التي نريد إبلاغها إياها.
• هناك علاقة حميمة وجدلية بين التفكير والشعور والإرادة؛ فكل واحد منهم يؤثر على الإثنين الأخرين بشكل مستمر. أنا أفكر، إذن فأنا أشعر، إذن فأنا أريد.
• إن التفكير والشعور والرغبة يعملون معاً بشكل متواصل لتشكيل السلوك.
• رغم أن كلّ من التفكير والشعور والرغبة يؤدي دوراً لا يختلف في الأهمية عن الآخر في العقل كما يتأثر كل منهم بالآخر، ويؤثر فيه باستمرار، إلا أن التفكير يعد السبب في التحكم والسيطرة على الشعور والرغبة.
• تتمثل خطوات التفكير في : 1- تحديد المشكلة (الاهتمام) 2- تحليل المشكلة (الانتباه) 3- وضع الحلول الممكنة (الاقتراح) 4- تحليل الحلول (الاستدلال) 5- اختيار الحل (النتيجة) 6- الاختبار.
• إن النزعة العقلية عند الإنسان تتسم بعدم التحيز والتطور الذاتي، بينما تتسم النزعة اللاعقلانية أو ما نطلق عليه أحياناً "الأنانية" بالعمل على إثبات الذات، كما تعمل من منطلق خداع الذات؛ بينما يسير معظم الفكر العقلي وفقا لعمليات واعية.
• التفكير الناقد يهدف إلى تحليل الإعتقادات وتقييمها لتمييز ما هومقبول منها وما هو غير مقبول وفقا لمعايير عقلية خالصة.
• مكونات التفكير الناقد هي : القاعدة المعرفية، الأحداث الخارجية، النظرية الشخصية، الشعور بالتناقض أو التباعد، حل التناقض.
• ليست لديّ مهارة معينة، إلا أنني مفرط في تساؤلاتي. (آينشتاين)
• إن أكبر معوق أمام التعليم العلمي هو مفاهيمنا المسبقة. فنحن وأثناء مرحلة النمو نكون قد وضعنا تصوراتنا حول العالم المادي - إلا أن بعضها زائف.
• إن أصحاب التلاعب ذوي المهارات يحرصون دوماً على الظهور بمظهر المعتنقين عن القيم والمباديء التي يتبعها من يتحايلون عليهم، ويرجع ذلك إلى أنهم لا يهتمون كثيراً بالنهوض بالقيم الفكرية والعقلية، يل يهتمون في المقام الأول بالوصول إلى أهدافهم.
• يُسمي بيكون قواعد التجريب بـ "صيد بان" و بان pan هو إله الصيد عن الإغريق، وتبدو براعة هذه التسمية واضحة جلية، فهي تحمل تمثيلاً لهاجس الطبيعة المسيطر على الأذهان، وبيكون يقصد منها أن ممارسة المنهج التجريبي تغتنم معارف تُماثل ما يغتنمه إله الصيد حين يمارس صيده.

=========================================
▬ إن التفكير والشعور والرغبة على قدر واحد من الأهمية؛ فالتفكير هو السبيل الوحيد لسيطرتنا على عقولنا وبيان ما هو خطأ في تفكيرنا، كما نستطيع أيضاً من خلاله بيان كيفية التعامل مع عواطفنا المدمرة وتحويل الرغبات غير المثمرة إلى أخرى مثمرة. فالعقل هو الذي يمقدوره تحريرنا من الاسترقاق الفكري. فإذا قمنا بفهم عقلنا ووظائفه، وقمنا بمواجهة العوائق التي تمثلها الميول الأنانية لأدى ذلك إلى الإرتقاء بحياتنا وتطورها، وإذا قمنا بالاعتماد على عقلنا بصفة يومية، لاستطعنا اتخاذ الخطوات والإجراءات التي تمكننا من أن نصبح مفكرين. صــ 12

▬ إن فهم طبيعة المشكلة يعد أمراً غاية في الأهمية. فالمفكر يصبح واعياً بالمشكلة مهتماً بها. وهذه المرحلة - التي يستثار فيها اهتمام المفكر - هي مرحلة تمهيدية ضرورية لكل تفكير غرضي، فلا يكفي مجرد حب الاستطلاع ليستثير التفكير البنائي، بل إن الاهتمام أيضاً هو سر الملاحظة المؤثرة: فهو يضيف شيئاً إلى ما نراه، فوجود الاهتمام مسبقا أمر ضروري لاكتساب أي معرفة جديدة ولضمان بقائها. صــ 28

▬ إن الناجحين من أصحاب النفوذ والسلطة غالباً ما تنطبق عليهم صفة الذكاء وانعدام الضمير في آن واحد، ولا يجرؤون دائما على الاعتراف علانية بالألاعيب التي يتبعونها من أجل إحراز نجاحات على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، كما يعملون باستمرار على إبطال أي دليل يظهرهم بمظهر حرج. ومن ناحية أخرى، إننا نرى أصحاب العقل الحقيقيين هم الذين يحترمون حقوق الآخرين ويراعون حاجاتهم، كما يمتازون بالمرونة واتساق الأفق، والإنصاف، كما يتمتعون بسلامة الفكر جنباً إلى جنب من المثابرة والتواضع الفكري. ليس ذلك فقط، بل إن من أهم ما يميزهم هو ثقتهم الكبيرة بالعقل واتباعهم لطريقه، وعلاوة على التسلل إلى داخل الآخرين عن طريق التفهم والشعور بهم، فهم لا يسيئون استعمال اللغة: فيقولون ما يعنون ويعنون ما يقولون. صــ 33

▬ نقرأ احياناً أن التفكير الناقد تحليل للمعرفة وتقييم لها للحكم عليها في النهاية بالصدق أوالكذب. وهذا القول مجانب للصواب تماماً؛ إذ إن المعرفة لا يتم تقييمها للحكم عليها بالصدق أو بالكذب، لأن المعرفة دائماً هي معرفة بالحقائق. ولا يجوز أن نطلق على معلومة بأنها تشكل معرفة إلا إذا سبق لنا تحليلها وتقييمها بأنها صادقة بالفعل. وإلا ما كان يجب أن نطلق عليها "معرفة". والواقع أن ما نحلله ونقيمه للحكم عليها بالصدق أو بالكذب إنما هو "الاعتقاد"، فالاعتقاد لا يشكل معرفة، فلو قلت: "أعتقد أن الزيادة السكانية في مصر قد جاوزت 3% هذا العام". أو نقول: "أعتقد أنني قد قمت بتسديد فاتورة الهاتف عن الشهر الماضي. فمثل هذه الاعتقادات هي التي يجوز فيها الصدق أو الكذب، لأنها لا تشكل معارف "بل مجرد اعتقادات"، ولكي تتحول إلى معارف لابد من توافر شرطين، هما: الصدق والتسويغ، فإذا ما ثبت أن الاعتقاد مطابق للواقع، يكون بذلك معتقداً صادقاً؛ كان هذا معناه أنني قد عرفت الأمر على حقيقته، يتحول الاعتقاد إلى معرفة بهذا الأمر. لكن صدق الاعتقاد وحده لا يكفي لأن يشكل معرفة، بل لا بد من ذكر الطريقة التي عرفت بها صدق المعتقد، كأن أقول: "إنني عثرت على "الفاتورة" التي تدل على سدادي المبلغ المطلوب مني، أو أنني عرفت نسبة الزيادة السكانية من تصريحات المسئولين نتيجة للبيانات المتوفرة لديهم. وهذا هو تسويغ المعتقد. أي الطريقة التي على أساسها أصبح المعتقد صادقاً. وبالتالي فقد أصبح يشكل جزءاً من معرفتي. وعلى ذلك فإن التفكير الناقد إنما يتعامل مع الاعتقادات لمعرفة صدقها أو كذبها، لا مع المعارف التي هي بحكم تعريفها صادقة [..] ولكن ألا يفترض هذا الموقف أن معارفنا حقائق لا تقبل الشك، ولا تتعرض لخطأ، لذلك استبعدناها من التقييم من زاوية الصدق والكذب. أو بعبارة أخرى، ألا يثير هذا الموقف مسألة تتعلق بطبيعة المعرفة: هل هي مطلقة أم نسبية ؟ لقد قيل: إن الثقافة اليونانية في عصر ربيع الفكر اليوناني كانت ثقافة تقوم على الحقائق المطلقة، التي لا تتغير، بل تظل ثابتة بغض النظر عن زمانها ومكانها، فالعلم الجدير بهذا الاسم لا بد أن يكون علماً بالحقائق المطلقة الثابتة. لذلك كانت الرياضيات هي المثال الذي يحتذى به بالنسبة للعلوم، والحقائق الرياضياتية صادقة صدقاً مطلقاً ولا يجوز عليها التغير أو تصور الخطأ. إلا أن مثل هذا الرأي لا يمكن الدفاع عنه في العلوم المختلفة، وحتى في مجال الرياضيات من وجهة  نظر معينة. وكان ظهور جماعة السفسطائيين في المجتمع اليوناني القديم، والشكاك في العصر الهللينستي، وما ترتب على ذلك من آثار عند كثير من الفلاسفة والعلماء على مر القرون - قد أدى إلى القول بنسبية معارفنا، إلى الحد الذي جعل الفيلسوف البريطاني المعاصر برتراند راسل (ت 1972) يقول : بأن جميع معرفنا غير يقينية وغير ثابتة [..] وهنا قد يقول قائل: لماذا إذن رفضنا القول بالتفكير الناقد في مجال المعرفة في زاوية صدقها أو كذبها، ما دامت كل معارفنا معرضة للخطأ؟ وما الفرق إذن بين الاعتقاد والمعرفة؟ أليس ما قلناه هنا يزيل الفوارق بينهما؟ أقول" إن الفرق بين الاثنين: الاعتقاد والمعرفة - مازال قائماً. فالاعتقاد تخمين أو افتراض لسنا منذ البداية على ثقة في كونه مطابقاً للواقع. أما المعرفة - حتى على فرض أنها تقبل التغيير، وليست مطلقة - فقد تثبت لدينا بالدليل أنها صادقة، وليس هناك حتى الآن أي دليل على كذبها. فهي بالنسبة لنا حقيقة ثابتة إلى أن يأتي دليل ضدها. وهذا الدليل قد يأتي وقد لا يأتي، ولذلك فهي متميزة عن الاعتقاد بالشرطين السابقين: الصدق والتسويغ (أو التبرير). وربما كان التفكير الناقد هنا هو الذي يقرر لنا ما نعده معرفة عما لا نعده كذلك [..] ولكن ليس معنى هذا أن المعارف لا تخضع للتفكير النقدي، يحللها ويقيمها، بل يمكن تحليلها وتقييمها من زوايا أخرى غير زاوية الصدق والكذب، فقد نقيمها من حيث ملاءمتها أو عدم ملاءمتها لهذه الأشكال أو ذاك، أو مدى حاجتنا إليها في هذا الوقت أو ذاك، إلى غير ذلك من زوايا. صــ 58 : 60

▬ المكونات الثلاثة الرئيسية للتفكير العلمي والنقدي: يقوم التفكير العلمي والنقدي على ثلاثة أمور: استخدام الدليل التجريبي (المذهب التجريبي)، وممارسة التدليل المنطقي (المذهب العقلي)، وامتلاك اتجاه شكي (المذهب الشكي) تجاه المعرفة المفترضة التي تقود إلى تساؤل ذاتي، التوصل إلى نتائج مجربة (مؤقتة) وإنها غير تزمتية (الاستعداد لتغيير اعتقاد المرء). هذه الأبعاد الثلاثة هي كلية في جميع مراحل العلم. وبدونها لا يكون هناك تفكير علمي أو نقدي. صــ 108

▬ يعتقد الكثيرون أن الشاكين أصحاب أذهان مغلقة، فلو حدث وكانت لديهم معرفة موثوق بها لقاموا بتغيير مواقفهم، ولكن العكس هو الصحيح تماماً. فإن الشاك يسلم بأن اعتقاداته مؤقته وذهنه متفتح أمام دليل جديد وحجج عقلية عن تلك الاعتقادات. والشاكون غير متزمتين، أي لديهم الاستعداد لتغيير آرائهم، ولكن على ضوء دليل جديد موثوق به أو أسباب صحيحة تدفع المرء إلى فعل ذلك. فالشاكون أصحاب عقول متفتحة، ولكن ليست متفتحة لدرجة قبول أي شيء، إنهم يقاومون الاعتقاد بشيء ما منذ الوهلة الأولى بدون دليل مناسب أو سبب مناسب، وهذه الصفة يستحقون الثناء عليها. صــ 111

▬ المغالطة هي حجة تبدو سليمة مع أنها في الواقع ليست كذلك. والمغالطة في معناها الدقيق، هي صورة غير صحيحة لحجة ما. وتختلف المغالطة أو عدم الصحة في التفكير الاستدلالي عن "الكذب"، فالكذب قول من الأقوال أو اعتقاد من الاعتقادات يتعارض مع الواقع الفعلي، بينما المغالطة تكون في الانتقال من مقدمة أو مجموعة من المقدمات إلى نتيجة معينة، فإذا لم يكن هذا الانتقال مسوغاً كانت المغالطة. كما تختلف المغالطة عن السفسفطة، فهذه الأخير هي استخدام مقصود لتفكير استدلالي غير سليم، بينما لا تكون المغالطة مقصودة، وبعبارة أخرى فإن المغالطة التي تستخدم بغرض الخداع أو كسب حجة بلا حق، أو محاولة الإقناع بلا تسويغ، أو إبطال مناقشة حقيقية، ومن ثم تصبح المغالطة في هذه الحالة حيلة سفسطائية. صــ 116

▬ على الرغم من تمجيد الغزالي العقل بأن جعله مصدراً للمعرفة اليقينية، وأداة لقطع الريب والظنون، إلا أنه يقر بعجزه عن معرفة الحق في الأمور الغيبية مثل المعرفة الحقيقية بالذات تعالى، وبصفاته وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة. والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان ومعنى لفظ الملائكة. ومن موضوعات الغيب التي يعجز العقل أيضاً عن معرفتها، معنى لقاء الله عزل وجل، والنظر إلى وجهه الكريم، ومعنى القرب منه والنزول إلى جواره. لقد رأى الغزالى أن الفلاسفة والمتكلمين حاولوا معرفة موضوع الغيب، دون جدوى، لأنهم لم يتخذوا إليه السبيل الصحيح، الذي اتخذه الغزالي وهو نور النبوة. صــ 158


▬ لقد رأي الغزالي أن المعرفة على المستوى الصوفي (المعرفة الإلهامية) هي معرفة وثيقة ومباشرة بين الإنسان والله، ومن هنا كانت طريقة الصوفية، في الاتصال المباشر بالحقيقة، أصوب الطرق، إذ أن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يُستضاء به. ويعتمد طريق الصوفية، على الكشف والذوق، والذي هو في حقيقته، نور إلهي يُشرق على النفس فيضيء أمامها الطريق، لتدرك الغيبيات، وتعرف اليقين، وهو بهذا يتميز عن طريق الحواس وطريق العقل. صــ 161

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

مهزلة العقل البشري (علي الوردي)


|| أُهدي هذا الكتاب إلى القراء الذين يفهمون ما يقرأون. أما أُولئك الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم. إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوا بأخيه "وعَّاظ السلاطين" من قبل، إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم ثم ساروا بها في الأسواق صارخين.... لقد آن لهم أن يعلموا أن زمن الصراخ قد ولَّى، وحل محله زمان التروي والبحث الدقيق.||

• إننا لا ننكر ما للسفور من مساويء ولكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بمساويء الحجاب أيضا. فليس في هذه الدنيا ظاهرة اجتماعية تخلو محاسن أو مساويء. ولعل هذا القول لا يريد أن يفهمه أرباب المنطق القديم.
• إن الإتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً.
• إن التجديد في الأفكار هو الذي يخشاه مشايخ الدين لا الأفكار ذاتها. فهم لا يخشون كروية الأرض بقدر ما يخشون الجدل الذي تثيره هذه الفكرة في عقول الناشئين.
• إن الذين يمارسون المنطق القديم في هذا العصر يشبهون أولئك الأبطال، من طراز عنترة العبسي، الذين يهجمون بالسيف على جندي حديث يحمل بيده رشاشاً سريع الطلقات. فهم مهما تفننوا في إبداء ضروب البسالة والشجاعة فإن الرشاش يحصدهم في أرجح الظن، حيث لا ينفعهم آنذاك بسالة ولا حماسة.
• المتدين المؤمن بعقيدة من العقائد لا يستطيع، مهما حاول، أن يتجرد من عاطفته المذهبية وقد يظن المؤمن أنه متجرد من العاطفة، ولكن ذلك من قبيل الأوهام التي لا أساس لها من الحقيقة.
• يذهب بعض المفكرين إلى القول بوجوب حجر المرأة في البيت وتشديد الحجاب عليها وذلك بحجة أنها ذات عقل ناقص لا تستطيع به أن تحمي نفسها من نزوات العاطفة، نسوا أن عقلها لم ينقص إلا من جراء الحجاب. فهم سببوا ضيق عقلها بالحجاب، ثم أرادوا حجابها بدعوى ضيق عقلها. خلقوا السبب بالأمس ويريدون اليوم أن يتخذوا نتيجة هذا السبب حجة له.
• لا يكفي في الفكرة أن تكون رائعة وجميلة بحد ذاتها. إنها يجب أن تكون عملية قبل كل شيء.
• يعتقد إبن رشد أن الفلاسفة إذا إختلفوا في شيء ردوه حالاً إلى دليل العقل وحجة المنطق فتفاهموا وخضعوا للرأي الذي يرونه معقولاً. على زعم إبن رشد، يستنيرون بنور العقل والمنطق. وليس هنا سخافة أبشع من هذه التي يقول بها إبن رشد وأمثاله من المفكرين الطوبائيين.
• عيب إخواننا الطوبائيين أنهم يصعدون بمثلهم العليا فوق السحاب، ولا ينزلون بها قريباً من الأرض التي يعيشون عليها. ولذا فمثلهم العليا لا تُجدي في تحفيز المجتمع نحو الحركة.
• لقد أخطأ أرسطوطاليس عندما قال: "الإنسان مدني بالطبع". والصحيح أن الإنسان وحشي بالطبع ومدني بالتطبع.
• من مهازل القدر أن نرى الحقيقة النسبية الآن مسيطرة على البحوث الطبيعية، هذا بينما أصحابنا لا يزالون يؤمنون بالحقيقة المطلقة حتى في بحوثهم الإجتماعية والفكرية الخالصة.
• لقد فطنت الشعوب في القرون الحديثة إلى خطأ هذه النظرية الأفلاطونية في مفهوم العدل، وأخذت تميل قليلاً أوكثيراً نحو النظرية السوفسطائية فيه. وبهذا صار مفهوم العدل هو ما ترتأيه أكثرية الناس. فالناس أعرف بحاجاتهم ومشكلاتهم من ذلك المتحذلق الأفلاطوني الذي يتأمل في أمر العدل وهو قابع في برجه العاجي.
• الواقع أن السفسطة كانت فلسفة ذات أهمية إجتماعية لا يُستهان بها. ومن سوء حظها وحظ البشرية، أنها غُلبت أو قُتلت في مهدها، فأصبحت محتقرة. والمغلوب محتقر دائماً. ولذا أخذ المفكرون ينسبون إليها كل نقيصة، ويجردونها من المحاسن.
• يبدو أن أفلاطون كان فيثاغورثياً أكثر مما كان سقراطياً. وهو إنما حرف مباديء سقراط لكي يجعلها ملائمة للمباديء التي كان المذهب الفيثاغورثي يدعو إليها.
• حاول الأفلاطونيون أن يقيسوا البشر بمقياس الأرقام. ونسوا أن المجتمع البشري بحر مواج تتلاطم فيه شتى النزعات والميول، وأن دراسته تستلزم منهجاً خاصاً به يختلف عن منهج الحساب والجمع والطرح إختلافاً أساسياً.
• من مهازل العقل البشري أن وجدنا العامة في بلاد الإغريق يكرهون منطق السفسطة كما كرهها أفلاطون. ومشلكة العامة في معظم الأحيان أنهم يندفعون مع المترفين فيما يناقض مصلحتهم. وهم كما وصفهم الإمام علي: "ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح".
• كان التنازع في عهد عثمان يدور حول مباديء العدالة والمساواة. ولكن معاوية قلبه بعد ذلك  فجعله يدور حول علي وعمر: أيهما أفضل؟ وبهذا نسي الناس كفاح علي ضد معاوية وانشغلوا بالفضائل الشخصية، وكل فريق يأتي لصاحبه من الفضائل ما يكسف بها فضيلة زميله.

===========================================
▬ يحاول بعض المتحذلقين من رجال الدين إدعاء التجديد فيما يكتبون ويخطبون. وتراهم لذلك يحفظون بعض الألفاظ والمصطلحات الحديثة يتلقفونها من المجلات والجرائد المحلية، ثم يكررونها في كلامهم اذ يحسبون أنهم بهذا قد صاروا "مجددين". ويحلو للبعض أن يقال عنه أنه جمع بين القديم والحديث، ثم يرفع أنفه مغروراً بهذا العلم العجيب الذي وعاه في صدره. ومثله في هذا كمثل ذلك القروي الساذج الذي أراد أن "يتمدن" في كلامه، فضيع المشيتين مع الأسف الشديد. ينبغي أن يفهم هؤلاء أن التجديد في الفكر لا يُعني التمشدق بالمصطلحات الحديثة. انه بالأحرى تغيير عام في المقاييس الذهنية التي يجري عليها المرء في تفكيره. صــ9

▬ عندما احتك المسلمون بالحضارة الغربية إنجرفوا بتيارها، وصاروا مجبرين على اقتباس ما جاءت به حسناً كان أم سيئاً. ومن غرائب ما ارتآه الواعظين في هذا الأمر أن قالوا: خذوا من الغرب محاسنه واتركوا مساوئه. كأن المسألة أصبحت انتقاءً طوع الارادة كمن يشتري البطيخ. إن الحضارة جهاز مترابط لا يمكن تجزئته أو فصل أعضائه بعضها عن بعض. فالحضارة حين ترد تأتي بحسناتها وسيئاتها. وليس في الإمكان وضع رقيب على الحدود يختار لنا منها الحسن ويطرد السيء. ومعنى هذا أنها تيار جارف لا يمكن الوقوف في وجهه. صــ16

▬ لقد جاءت المدنية للإنسان بخير عظيم ولكنها جاءت له أيضاً بشر أعظم منه، فهي قد أطلقت الفكر من حبسه فأخذ يجوب الفضاء ويستفهم عن كل شيء وهي مع ذلك قد سارت بالفكر في طريق القلق والإلتياث والعصيان. إنها قد أطمعت البشر من معرفة الخير والشر، على حد تعبير التوراة. وهي بذلك قد أذاقتهم من ويلات الخير والشر قسطاً كبيراً. لقد كان البشر قبل المدنية لا يفكرون وكانوا أيضاً لا يقلقون، وقد يصح أن نقول: أن التفكير والقلق صنوان لا يفترقان. صــ30

▬ كنت ذات يوم في مجلس ضم جماعة من رجال الدين. وقد أجمع هؤلاء الرجال أثناء الحديث على أن سكان الأرض كلهم ملزمون بأن يبحثوا عن الدين الصحيح، فإذا وجدوه اعتنقوه حالاً. فكل إنسان في نظر هؤلاء مجبور أن يترك أعماله ويذهب سائحاً في الأرض ليبحث عن دين الحق. قلت لهم: "لماذا لم تسيحوا أنتم في الأرض للسعي وراء الحق؟". قالوا وهم مندهشون لهذا السؤال السخيف: "إننا لا نحتاج إلى السعي وراء الحق لأن الحق عندنا!". صــ45

▬ كتب ابن طفيل، الفيلسوف الأندلسي المعروف، قصية فلسفية بعنوان "حي ابن يقظان". وكان يقصد من كتابة هذه القصة أن يشرح للقاري طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو. وقد تخيل ابن طفيل فيها انساناً وُلد وترعرع في جزيرة منعزلة، حيث أرضعته ظبية، وظل ينمو في تلك الجزيرة وحيداً حتى بلغ مبلغ الرجال. يقول ابن طفيل: ان عقل هذا الإنسان أخذ ينمو بنمو بدنه حتى تم نضوجه في تلك الجزيرة. واستطاع أن يفكر ويستنتج حتى توصل بتفكيره المجرد إلى كثير من الحقائق الكونية التي توصل إليها الفلاسفة العظام من قبل. يريد ابن طفيل بهذا أن يبين للقاريء أن العقل البشري جهاز فطري وأنه ينمو من تلقاء ذاته، فلا حاجة به إلى التدريس والتلقين. ويبدو أن ابن طفيل يرى بأن العقل البشري حين ينمو بعيداً عن سخافات المجتمع وأباطيله يصبح أسلم تفكيراً وأصح إستنتاجاً. وهو بذلك يحبذ للمفكرين أن يبتعدوا في تأملاتهم عن الناس ويتسامون عن عنجهياتهم. إنه بعبارة أخرى، يدعو المفكرين إلى الصعود إلى البرج العاجي. ولا ريب أن هذا الرأي هو رأي الفلاسفة القدماء جميعاً، فابن طفل إذن لم يأت بشيء جديد. وليس له من الفضل في هذا إلا ابتداعه لقصه شيقة حيث عرض فيها ذلك الرأي القديم في قالب جديد. وقد لاقت قصة "حي ابن يقظان" هذه رواجاً عظيماً بين المفكرين وتُرجمت إلى كثير من اللغات، وحاول تقليدها والإقتباس منها فلاسفة وكتاب من مذاهب شتى. والغريب أن كثيراً من كتابنا ومفكرينا لا يزالون حتى يومنا هذا متأثرين بهذه القصة ويعتبرونها الكلمة الأخيرة في قضية العقل البشري. إنهم لا يزالون يؤمنون بأن العقل موهبة طبيعية تنمو من تلقاء ذاتها سواء أعاش الإنسان في مجتمع أم عاش منذ ولادته وحيداً منعزلاً. أما الأبحاث العلمية الحديثة فهي تكاد تجمع على خطأ هذا الرأي. حيث ثبت اليوم أن العقل البشري صنيعة من صنائع المجتمع، وهو لا ينمو أو ينضج إلا في زحمة الاتصال الاجتماعي. فإذا ولد الإنسان وترعرع بين الحيوانات فإنه يمسى حيواناً مثلهم. وما قصة "حي ابن يقظان" التي إبتدعها خيال فيلسوفنا الرائع إلا وهم أو خرافة لا وجود لها في عالمنا الذي نعيش فيه. صــ132 : 133


▬ كنت أتحدث مع أحد الأمريكيين حول هذا النزاع الرقيع. فسألني الأمريكي عن علي وعمر: "هل هما يتنافسان الآن على رئاسة الحكومة عندكم كما تنافس ترومن وديوي عندنا" فقلت له: "إن عليا وعمر كانا يعيشان في الحجاز قبل ألف وثلاث مئة سنة. وهذا النزاع الحالي يدور حول أيهما أحق بالخلافة!". فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد يستلقي على قفاه. وضحكت معه ضحكاً فيه معنى البكاء. وشر البلية ما يضحك!. والغريب أني نقلت هذه القصة إلى أحد رجال الدين عندنا فقال لائماً: "ولماذا تفضحنا أمام الأجانب؟!". إنه يرتكب الفضيحة ولا يُبالي ثم يتألم حين يسمع بها الأجانب. والأغرب من هذا أن يُعلق الرجل على هذه القصة فيقول: "إن الأجانب عندهم من الفضائح أكثر مما عندنا". وعذره هذا أبشع من ذنبه. صــ247

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الفلسفة واللغة (الزواوي بغوره)


• لولا هؤلاء السوفسطائيين لما بذل سقراط وأفلاطون وأرسطو جهودهم في حقل الفلسفة.
• الإنسان هو الحيوان الذي يمتلك اللوغوس أو اللغة بصورة طبيعية، ليس بمعنى اللغة/الحديث أي "ملكة التعبير أو الإيصال عموماً"، ولكن بمعنى واضح وهو : ملكة التعبير والإيصال بواسطة مفاهيم وقضايا.
• تعد الوضعية المنطقية بمثابة النموذج المجسد للمنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، لأنها حولت التحليل اللغوي-المنطقي إلى واقع فلسفي قائم، وحصرت الفلسفة في مهمة التحليل اللغوي، واعطت الأولوية للغة على الفكر.
• شكلت الوضعية المنطقية أو التجريبية المنطقية أو حلقة فيينا، المنعطف اللغوي الأول في تاريخ الفلسفة المعاصرة، المنعطف الذي اشتهر واذع، انتشهر وهيمن لفترة زمنية غير قليلة.
• أكدت على أن التقريرات الميتافيزيقية ذات معنى، وعلى واقعة مؤداها أنني نفسي ميتافيزيقي واقعي. ليس هذا فحسب بل أيضاً قمت بتحليل الدور التاريخي المهم الذي لعبته الميتافيزيقا في تشكيل النظريات العلمية. (كارل بوبر)
• إن من مفارقات المنعطف اللغوي، أن إحدى دعائمه المؤسّسة له، هي التي ستعمل على الخروج منه، وتلك هي دلالة المساهمة التي تقدم بها فتجنشتاين في كتابه بحوث فلسفية.
• إذا كانت طبيعة اللغة  عند فتجنشتاين قد تغيرت من اللغة الإصطناعية إلى اللغة الطبيعية العادية، فإن علاقة اللغة بالفكر لم تتغير، إذ أنه ذهب كذلك في كتابه بحوث فلسفية إلى الإقرار بأن اللغة هي الفكر.
• لا تكمن أهمية اللغة في بنيتها التركيبية ولكن في دورها التوسطي كمجال للإتفاق.
• إن التأويلية الحديثة والمعاصرة، التي بدأت تقريباً حوالي عام 1750م، تؤكد على أن جميع النصوص غامضة، وهذا ما استوجب قيام تأويلية شاملة أو كلية.
• إن الإنسان لا يوجد في المطلق، بل يوجد في الزمان والتاريخ؛ يوجد حيث يفكر، ويفكر حيث هو موجود. ولا يمكن فهم الذات من دون توسط اللغة والعلامة والرمز والنص.
• ليس بإمكان صوت لغوي أن يؤدي وظيفة تمايزية إلا بمقدار ما يكون مضاداً لصوت آخر. (تروبتسكوي)
• لقد كانت "حلقة براغ" أو ل من استعمل كلمة بنية Structure كمفهوم جديد، وذلك في عام 1928م، حيث أصبحت البنية تعني "دراسة العلاقات داخل لغة من اللغات".
• إذا كانت حلقة براغ تشكل جانباً أساسياً من جوانب النظرية البنيوية في اللسانيات، فإن المدرسة الأمريكية بزعامة نعوم تشومسكي تشكل تطويراً ونقداً للسانيات البنيوية، بل وخروجاً على النموذج البنيوي القائم على دراسة النسق اللغوي بطريقة تزامنية بعيدة عن المتغيرات التاريخية والإجتماعية.
• تستمد البنيوية أصلها المعرفي من كتاب فرديناند دي سوسير في كتابه محاضرات في اللسانيات العامة، حيث ذهب فيه إلى أنه يجب دراسة اللغة بوصفها نظاماً قائماً بذاته.
• لا يهتم تحليل الخطاب بالتأويل، ولكن بالوجود المتمظهر أو الظاهري للمنطوقات بوصفها ممارسة تخضع لقواعد التحول والوجود والتعايش. وبالتالي، فإن هدف تحليل الخطاب هو إيجاد قواعد التشكل أو التكون.
• الكائن الذي يمكن أن يُفهم هو الكائن اللغوي، وان اللغة هي الفهم وهي التي تحدد بشكل أساسي كل علاقة بين الإنسان والعالم. (جادامير)
• نحن اليوم في بحث عن فلسفة كبيرة للغة تعني وتهتم بمختلف الوظائف الدلالية للإنسان وعلاقته المتبادلة... وانني لأشك في أن يقوم بهذا شخص واحد. (بول ريكور)
• فلسفة اللغة هي استفهام حول المعنى والوجود.
• لم تصبح اللغة موضوعاً مركزياً في الفلسفة الحديثة والمعاصرة إلا بعد تطورات أساسية أهمها ما حصل على مستوى دراسة اللغة كعلم وثانياً ظهور المنطق الرياضياتي والتحليلات المنطقية الرياضياتية والممارسات التأويلية الناجمة عن التفسير القديم.
• تعتبر مسألة الجانب الفطري والمكتسب في اللغة، من المسائل التي لا تزال موضع نظر عند علماء الأحياء وعلماء النفس وعلماء اللغة الذين انقسموا حولها إلى أكثر من فريق.

=================================================
▬ هناك فكرة متداولة في الدراسات الفلسفية اللغوية مفاداها أن اللغة أصبحت موضوع الفلسفة منذ نهاية الفلسفة الحديثة وبداية الفلسفة المعاصرة، وتحديداً منذ نيتشه والمدرسة التحليلية الإنجليزية وما تبعها من إتجاهات وتيارات في الفلسفة الأنجلوسكسونية. إلا أن الدراسات الألسنية وخاصة عند تشومسكي، بينت أهمية بعض المسائل التي سبق للفلاسفة أن طرحوها وخاصة مشكلة الإصطلاح في اللغة وعلاقة اللغة بالفكر، إلى ما هناك من مسائل سبق إلى طرحها العديد من الفلاسفة وخاصة أرسطو الذي تناولها بالدراسة في كتب النفس والعبارة والخطابة والسياسيات والأخلاق إلى نيقوماخوس، وهي مسائل لها امتدادات في تاريخ الفلسفة، سواء عند الفارابي وابن رشد في الفلسفة الإسلامية، أم عند ديكارت ولوك في الفلسفة الغربية الحديثة، أم عند تشومسكي في الألسنية التحويلية..صــ7

▬ إن امتلاك اللوغوس ليس فقط امتلاك لملكة التواصل والتبليغ والإعلام والإخبار، فالصوت يسمح بذلك، والحيوانات كذلك تقدرعلى ذلك، ولكن التواصل والتبليغ بواسطة المفاهيم وتبادل القضايا، ملكة انسانية تقوم على التجريد، وتجعل من بعض القيم الإجتماعية المجردة ممكنة، مثل الخير والشر والعدل والجور أو الظلم الذي يشكل موضوع السياسية. صــ28

▬ ولعل أول إشارة تستدعي الإنتباه والتنويه هي أن علم اللغة العربية قد تطور تطوراً كبيراً، وخاصة ً بعد عملية تدوين العلوم العربية وذلك منذ سنة 143 للهجرة، حيث تمت صياغة العلوم الدينية والعلوم اللغوية. كما أنه من المعلوم، في تاريخ الفلسفة العربية-الإسلامية، أنه قد سبق ابن رشد إلى تلخيص أعمال أرسطو معظم فلاسفة الإسلام وخاصة الفارابي وابن سينا وابن باجة، واننا نجد اهتماماً خاصاً وتقديراً وتفضيلاً خاصاً لشروحات الفارابي عند ابن رشد، وذلك بناء على ما يذكره الدارسون والباحثون والمحققون. صــ35

▬ [..] لكن هذه الفلسفة ستواجه من جديد مشكلة لغوية، لا تزال قائمة إلى أيامنا هذه، وتتمثل هذه المشكلة في "إشكالية الدلالة". ولا يزال اللسانيون وعلماء النفس والفلاسفة يملكون آراء مختلفة في الموضوع، ولم تتمكن الفلسفة إلا بحل مفاده أنه من غير علاقة الهوية بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، فإن فعل المعرفة لا يمكن تفسيره. لقد قالت بهذا المبدأ مختلف التيارات الفلسفية سواء أكانت مثالية أم واقعية، طبعاً مع اختلافهما في تطبيق هذا المبدأ. صــ65

▬ لا تقوم اللغة بالدور المنطقي فقط، وإنما تقوم بدور اجتماعي مرتبط بالظروف الإجتماعية الخاصة بالمجموعة اللغوية. إن هذه القاعدة تتجاوز النتائج التي توصل إليها كارناب في كتابه التركيب المنطقي للغة. وإذا كانت اللسانيات تعترف بإتساع وتعقد حقل اللغة، فإن الفلاسفة منذ ليبنتز يعملون على فكرة التوحيد وإيجاد لغة عالمية واحدة بغرض إقامة علم عام. ويعمل لمنطق الرمزي على تحقيق هذه الغاية. صــ76

▬ إن الإنسان لا يعيش في علاقة مباشرة مع الواقع، لأن الواقع المادي يتراجع كلما تقدم النشاط الرمزي للإنسان، كما لا يستطيع الإنسان أن يعرف نفسه من دون الوسائط الرمزية. إنه محاط دائماً ومن جميع الجهات بأشكال رمزية إما لغوية أو دينية أو فنية أو علمية. وإن ما يجعل الإنسان يضطرب أمام الأشياء الجديدة، كما قال الفيلسوف إبكتات قديماً، ليس الأشياء في حد ذاتها وإنما الأفكار التي يحملها عن تلك الأشياء. صــ80

▬ شكلت الفلسفة التحليلية طريقة جذرية في الممارسة الفلسفية الحديثة والمعاصرة، وحولت موضوع الفلسفة برمته إلى موضوع خاص باللغة، ومثلت - مع الوضعية الجديدة أو المنطقية أو التجريبية حسب السياقات والمسوغات - وفق مؤلف كتاب فلسفة اللغة في القرن العشرين (يقصد كارل بوبر)، النموذج المهيمن على المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، وذلك لأسباب وعوامل عدة منها: استعمال المنطق الرياضي واتخاذ موقف تجريبي جذري، والسعي نحو إنشاء لغة عالمية صورية واصطناعية. صــ84

▬ انتقد بول ريكور المقاربة الوضعية للغة وتساءل في مقالة "فلسفة اللغة" قائلاً:"بأي حق يتم التمييز بين القضايا العلمية والقضايا الميتافيزيقية؟ أليس الإنحيار المناويء للميتافيزيقا هو الذي تكلم، طالما أن الإمكان يبقى قائماً بأن الجمل الأخيرة تستند إلى معنى آخر غير إدارك الشيء؟". إن هذا التساؤل وغيره، هو الذي دفع بفلاسفة ما بعد الوضعية المنطقية، كارل بوبر ولكاتوس وفيرابند، إلى القيام بنقد شامل للأسس العلمية والفلسفية واللغوية التي قامت عليها الوضعية الجديدة. صــ92

▬ تلعب اللغة جوراً أساسياً في ظهور المعرفة الموضوعية، على أن هذا الدور يتطلب معرفة طبيعة اللغة عنده ومكوناتها ومميزاتها. وفي هذا السياق فإن كارل بوبر يعتمد على نتائج أبحاث أستاذه كارل بوهلر، ومضمونها أن اللغة هي التي تميز الإنسان عن الحيوان، لا لأن الحيوان لا يملك لغة، فهناك لغة الحيوانات، كلغة النحل على سبيل المثال، ولكن لأن لغة الإنسان تملك وظائف تتجاوز وظائف لغة الحيوان. صــ99

▬ إن نظرية أفعال الكلام تجسد موقفاً مضاداً للإتجاه الوضعي المنطقي الذي ركز على التحليل المنطقي للعبارات، مجردة من سياقها اللغوي الإجتماعي والتاريخي. في حين أن الأقوال اللغوية تعكس نمطاً ونشاطاً اجتماعياً أكثر منها أقوالاً تتصف بالصدق والكذب التي ألفها الفلاسفة. إن هذه الخطوط العامة لنظرية أوستين هي التي ستشكل صلب نظرية أفعال الكلام أو الخطاب التي أسسها سيرل. صــ107

▬ عمل هيدجر على رفع الصفة النفسية للفهم، ليدخله في مسألة لغوية. لماذا؟ "لأن الفهم الذي يحصل لكائن ما عن وضعه وعن مشاريعه لا يمكن أن يُفسّر، وبالتالي أن يؤؤّل إلا في وسط التكلم باللغة". وهنا يظهر الطابع الأنطولوجي الذي أعطاه هيدجر للغة عندما قال إنها "بيت الإنسان"، وأن "ماهية اللغة هي لغة الماهية"، وأن علينا أن "نحيا تجربة اللغة بحيث تعبِّر عن نفسها بنفسها، فاللغة تتميز بأننا نعيش فيها ونألفها من دون أن ننتبه لها في العادة أو نحاول تركيز أبصارنا عليها". من هنا لجأ إلى الشعر، ليبين مقاصده الوجودية من اللغة. صــ114

▬ لقد لخص الفيلسوف باسكال إنجل، في دراسة هامة بعنوان "التأويلية، اللغة والحقيقة"، معالم هذه التأويلية الفلسفية مؤكداً على النقاط التالية: 1- تقوم الدلالة على التأويل، وكل ظاهرة هي نتاج التأويل، ولا وجود لها إلا بالنسبة للممارسة التأويلية. 2- الواقع وطبيعة الكائن يظهران من خلال التأويل. 3-التأويل ليس منهجاً، بل ممارسة. 4- يقوم التأويل على الفهم. 5- الفهم هو نوع من الإتفاق. صــ117

▬ إن إحدى المهام التي يجب على الفلسفة عموماً وفلسفة اللغة خصوصاً أن تشغل نفسها بها، هي الحفاظ على الإستخدامات المتعددة للغة، والمسافة بين هذه الإستخدامات التي تتراوح في تنوعها بين لغة العلم مروراً باللغة السياسية واللغة العادية وإنتهاء باللغة الشعرية. وأن الملمح الأساسي للغة هو تعدد الدلالة والمعنى، وأن الكلمة الواحدة يقابلها أكثر من معنى، وهو ما يعد مصدراً لسوء الفهم، ولكن في الوقت ذاته مصدراً لإثراء اللغة، ويسمح للمرء بأن يتلاعب بالمعاني المرتبطة بكلمة واحدة، بعكس اللغة العلمية التي تقوم بإختزال هذه التعددية..صــ127

▬ إن المفهوم تجريد، والتجريد يعني غياب الحياة، وبالتالي فإن مفهوم الوجود وهو المفهوم الأول في الفلسفة يصبح الشبح الأكبر، والفلسفة تصبح في مثل هذه الحال "مجموعة من الأشباح أو مجموعة من الإستعارات الميتة". والحل في نظره (نيتشة) يكمن في استعمال استعارات حية أو مجاز حي، استعارات تعكس الحياة أو إرادة القوة. صــ131

▬ إن الدال هو الترجمة الصوتية لتصور ما، في حين أن المدلول هو الجانب الذهني للدال، وتتضح وحدتهما البنيوية في إطار العلامة. ذلك ان العلامة "عبارة عن اتحاد لصورة صوتية ألا وهي "الدال"، بتمثل ذهني أو تصور ألا وهو "المدلول". وعلى حين أن الدال يندرج تحت النظام الذهني، تكون العلامة عبارة عن ذلك الكل المتآلف من دال ومدلول، وأن الدلالة هي مجرد علاقة تتحقق من تآلف هذين العنصرين". ومعنى هذا أن الدال هو الجانب الصوتي والمادي من العلامة، في حين أن المدلول هو الجانب المعنوي والذهني من العلامة، وأن اتحادهما يؤلف بنية الدلالة رغم كون العلاقة التي تربط بينهما مجرد علاقة اعتباطية Arbittaire. صــ135

▬ إن الفونولوجيا عبارة عن "مجموع الدراسات التي تبحث في تنظيمات الفونومات الخاصة باللغات المعروفة". فالشيء الجوهري في الدراسة الفونولوجية هو الصوت، ليس كعنصر معزول أو جزئي، بل في علاقته مع مجموع الأصوات. لذلك فعلم الفونولوجيا يختلف عن علم الفونتيكا، الذي هو "مجموع الدراسات التي تعالج أصوات اللغة وكيفية النطق بها وطبيعتها الفيزيائية". صــ136

▬ يرى فوكو أن علم اللغة الحديث أو الألسنية لا ينفصل عن النحو العام، وأنه سواء تعلق الأمر بالنحو العام أو بمحاضرات دي سوسير، فإن الموضوع واحد من حيث المرجعية، مرجعية نظرية العلامة وتحليل اللغة، كحالة خاصة ومعقدة. وهي "نفس المحاولة لتحديد شروط عمل اللغات، ونفس الأفضلية المعطاة للتنظيم، لتنظيم اللغات، ونفس الإدارة في تحليل النحو العام على أساس النظام أو النسق. صــ145

▬ هناك مشكلة عادة ما يطرحها الباحثون الإجتماعيون، وهي مشكلة التاريخ مقارنة بالألسنية التي تعتمد التزامن والوصف. فإذا كان صحيحاً أن الألسنية البنيوية تعتمد على التزامن، فإن هذا في نظر فوكو لا يجعلها مناهضة أو مضادة للتاريخ. إن العلاقة بين التاريخ والتزامن في الألسنية، تتحدد فقط بصورة مغايرة، شريطة أن لا نفهم من التاريخ التسلسل فقط بل التسلسل والتزامن في نفس الوقت. كما أن تحليلات الألسنيين ليست تحليلات للثبات، بل هي تحليلات لشروط التحول. صــ149

▬ لقد حاولت البنيوية أن تحلل البنى اللاشعورية للظواهر الثقافية والإجتماعية، أو بتعير آخر، يخضع الإنسان لبنى إجتماعية وثقافية يتعين على البنيوية تحليلها ودراستها. من هنا تركيز البنيوية على البنى وإعتمادها على التحليل البنيوي القائم على الوصف التزامني أو الأفقي، تاركة الجانب التاريخي والذاتي في الإنسان. وهو ما شكّل باعثاً على نقد البنيوية من قبل العديد من الإتجاهات الفلسفية والعلمية للبنيوية، ولا سيما الوجودية والماركسية. صــ154

▬ يشكل دريدا وليوتار ودولوز وكذلك فوكو التيار الثاني المسمى بما بعد البنيوية أو البنيوية الجديدة، بوصفها حركة فكرية جديدة، ولكنها في ترابط وتداخل كبيرين مع التيار البنيوي. وفي تقديرنا، فإن الفارق بين ما يسمى بالبنيوية وما بعد البنيوية يجب البحث عنه في موضوع اللغة، لأنها مصدر وأساس مختلف الإتجاهات. فإذا كانت اللغة في المنظور البنيوي عبارة عن نسق مغلق، وإذا كانت العلاقة بين الدالة والمدلول تتميز بطابعها الإعتباطي والإتفاقي، فإن ما بعد البنيوية ترى أن استعمال الكلمة هو مصدر المعنى والدلالة التي تظهر وتبرز من خلال الإختلافات. ولقد مثل هذا الطرح خير تمثيل ميشيل فوكو في مفهومه للخطاب. صــ155

▬ إن الحديث عن سوق لغوية يعني كذلك الحديث عن علاقات القوى. "فللسوق اللغوية قوانين تكوين للأثمان تفرض بطريقتها ألا يكون المنتجون اللغويون والمنتجون للأقوال متساويين. بيد أن علاقات القوة التي تسود تلك السوق والتي تفرض أن يكون لبعض المنتجين وبعض المنتجات امتياز فوري، تفترض أن السوق اللغوية كموحدة نسبياً". ففي السوق اللغوية، تعمل أشكال من السيطرة لها منطق نوعي. وكما هي الحال في كل سوق للأموال الرمزية، هناك أشكال من السيطرة النوعية ليست قابلة إطلاقا للإختزال إلى السيطرة الإقتصادية بالمعنى الدقيق، لا في نمط فعلها ولا في الأرباح التي تدرّها. صــ184

▬ إن طرح كروتشه يدور حول الطبيعة الجمالية للغة، وأن حقيقتها تظهر في الشعر. وبحسب نظرية الوظائف اللغوية لرومان ياكوبسن، فإن اللغة في نظر كروتشه تحقق الوظيفة الشعرية. وبالتالي، فإن المقصود بفلسفة اللغة هو المجال الفني أو الجمالي حيث تتم دراسة اللغة دراسة جمالية، وحيث يكون الشعر هو الشكل الأمثل للتعبير. وقد قام الفيلسوف الماركسي انطونيو غرامشي بنقد هذا الفهم، مؤكداً على الجوانب الإجتماعية والسياسية للغة. على أن أول لكتاب كامل صدر في فلسفة اللغة، هو كتاب ألبرت دوزيه عام 1920م، حلل فيه المميزات العامة للغة وقوانين تطورها ومناهجها المختلفة. صــ196

▬ ليست التفكيكية منهجاً أو نظرية تسمح بالكشف عن البنى الخفية للأشياء، وإنما هي ممارسة ونشاط وعملية انتباه ويقظة وحذر دائم. التفكيك ليس نظاماً فلسفياً واضح المعالم ولا منهجاً يقوم على قواعد وخطوات معلومة، وإنما هو عبارة عن توجه فلسفي في قراءة النصوص وطرح القضايا، خلفيته المباشرة نقرؤها عند الفيلسوف الألماني هيدجر الذي قال بالهدم. على أن دريدا رغم صعوبة التعريف ولبس المقولة، حاول مرتين على الأقل الإجابة على السؤال عن معنى التفكيك. المرة الأولى كانت في كتابه مذكرات من أجل بول دي مان، حيث قال:"التفكيك بإختصار شديد، سأقول ذلك من دون جملة، إنه أكثر من لغة". صــ206


▬ لقد توسع هابرماس في نظرية الفعل التواصلي، واقترح نظرية في "أخلاق المحادثة" معتمداً في ذلك على مساهمة زميله كارل أوتو آبل القائمة على تداولية متعالية". تقوم هذه المحادثة على قاعدتين أساسيتين هما: القاعدة الديمقراطية ومضمونها أن "أي قاعدة أو معيار لا يملك الصلاحية، إلا إذا كان المعنيون به على اتفاق فيما بينهم، أو يمكن لهم الإتفاق عليه، بوصفهم شركاء في المحادثة العملية بشأن تلك القاعدة أو المعيار"، وسمى هذه القاعدة بالقاعدة الديمقراطية ويرمز لها بالحرف "D". والقاعدة الكونية ومنطوقها أن "كل قاعدة، لكي تكون صالحة، يجب أن تستوفي الشروط سواء من حيث نتائجها أم من حيث آثارها بالجانبية، وأن تلقى القبول من كل الأشخاص الذين لهم علاقة بها"، وهو ما يسميه بالقاعدة الكلية أو الكونية أو العالمية، ويمز لها بالحرف "U". صــ211

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

أصول المنطق الرياضي (محمد ثابت الفندي)


• إننا نجد الدقة بادية في كل مراحل الرياضيات بحيث تتوقف كل قضية لاحقة على قضايا سابقة تم برهانها وبحيث لا تقبل قضية لم تبرهن بالإستنباط مما سبق برهانه من قضايا هذا العلم أو من مقدماته الأولى.
• واضح أن هناك فرقاَ شاسعاً بين استعمال اللغة العادية والرموز في الرياضيات، وكذلك الأمر في المنطق.
• لقد ضلل اشتراك علمي النفس والمنطق في موضوعاتهما علماء المنطق حين جعلهم يلتجئون دائماً في دراساتهم المنطقية إلى علم النفس بحيث يبدو المنطق بدون مبالغة فصلاً متمماً لذلك العلم، وهذا ما يعيبه مناطقة آخرون بما فيهم راسل.
• إذا كانت نزعة الوجسيسم عيباً في علم النفس فإن نزعة السيكولوجسم عيب في المنطق أيضاً، ثم انها فوق هذا كما يتضح من كلام داجوربرت ريونز عيب يتجاوز حدود المنطق ويمتد حتى يشمل مسائل الفلسفة كلها.
• المنطق شيء مجرد وصوري بينما ينصب علم النفس على شيء مشخص، فالحياة الفكرية بحذافيرها وفي وجودها المشخص هي موضوع لعلم النفس. فإذا ما جردناها عن محتوياتها فنحن في مجال المنطق.
• إن حقائق المنطق تظل قائمة حتى ولو لم يكن هناك فكر أو عقل ولا أيضاً عالم واقعي إذ تظل قائمة في عوالم ممكنة كتلازم بين قضايا بعضها ابتدائية وبعضها الآخر مشتق منها. (برتراند راسل)
• المنطق الرياضياتي لا يمكن ان يعتبر مستقلاً عن الميتافيزيقا كما يريد أنصاره، شأنه شأن المنطق دائماً لا غنى له عن أرضية ميتافيزيقية يستند إليها مهما كان الأمر.
• يبدو لنا أن المنطق في أية صورة له، رياضياتياً كان أم غير رياضياتي، هو جوهر الفلسفة ولا سبيل إلى التفلسف بدون منطق.
• من أهم خصائص اللوجستيقا أنه لا يؤكد فقط أنه نظرية رياضياتية وإنما يؤكد أساساً أن الرياضيات البحتة كلها من المنطق الصوري في هيئته الرياضياتية هذه وانما امتداده لحدوده وقضاياه فهي صورية مثله ولا شيء فيها غير المنطق الصوري.
• لقد درج هلبرت على تسمية الأبحاث الأكسيوماتيكية بــ "ما بعد المنطق" Metalogic أحياناً، وبــ "ما بعد الرياضيات Metamathematics أحياناً أخرى.
• اصطلاح المنطق الرياضياتي قد يؤدي إلى التباس لأنه يوهم منذ البداية بأنه منطق خاص بالرياضيات وحدها، في حين أن المقصود هو المنطق نفسه أصبح في ذاته نظرة رياضياتية..
• اننا نفهم الآن أفلاطون أكثر مما فهم نفسه، فهو كثيراً ما أساء فهم نظريته في المُثُل بل وكثيراً ما عبر عنها بنقيض ما أراد. (كانط)
• إن أهمية طريقة الجدوال تجيء في الواقع من أنها تسمح بأن نتبين دفعة واحدة، أعني بدون حاجة إلى معرفة توتولوجيات أخرى، إذا كانت القضية التي هي موضع النظر قانوناً أم لا.

=================================================
▬ [..] فأما الأسباب العلمية فمنها التطلع إلى ما هو جديد وعلمي بل ورياضياتي بالذات في مجال كمجال المنطق الذي كان أبعد الأشياء عن الدقة الرياضياتية - مع شدة حاجته إليها - نظراً لإلتصاقه الطويل العريق باللغة وألفاظها حتى لكأنه علم من علوم اللغة، وفي الواقع رايى ديكارت لهذا السبب نفسه ان المنطق أشبه بالبلاغة، ومن ثم فقد بحث عن منهج جديد للكشف عن الحقيقة غير المنطق، مع أنه من المفروض أن يكون بالذات أدق العلوم وأضبطها. أما الاسباب الفلسفية فمنها التطلع إلى مضامين فلسفية جديدة لأنواع الحساب المنطقي الكثيرة من حيث أن هذه الانواع ربما كان لها أثرها في فكرة "الحقيقة" Truth وفي تكييف وتقويم جديدين لها في الفكر الفلسفي. وهذا ما تؤكده بعض الأوساط الفلسفية المنتصرة للمنطق الرياضياتي الحديث والتي تجعل منه أساساً للفلسفة من وجهة نظرها أو حتى تجعل منه الفلسفة بحذافيرها إبتداء من مدرسة مُنشيء المنطق الرياضياتي برتراند راسل وتلاميذه في انجلترا (من أمثال فتجنشتين) إلى المدرسة المعروفة الآن بالتجريبية الجذرية في أمريكا (عند أمثال كرناب و ريشنباخ ومروراً بفلاسفة دائرة فينّا من أمثال شليك وهانز هان وكذلك فلاسفة متفرقين من أمثال تشيوستك في بولندة ولورنتز في ألمانيا وغيرهم). هؤلاء وآخرون معهم لا يرون فارقاً جوهرياً بين منطقهم الرياضياتي الجديد وموضوع الفلسفة من وجهة نظرهم، فهم على أساسه يفلسفون وفي ضوئه ينادون بفلسفة علمية وفهم علمي للحقيقة. صــ15

▬ المنطق في صورته الرياضياتية أصبح كالهندسة أو الجبر نسقاً استنباطياً صرفاً، أي يُبَرهن قضاياه جميعها، اللاحقة منها استناداً إلى السابقة، والجميع استناداً إلى المقدمات الإبتدائية (المسلمات) المقبولة في أول هذا العلم. ولا يمكن أن يوسف حينئذ كما لا توصف الهندسة أو الجبر بالمعيارية. وهذا يتفق مع ما نفهمه من رأي كانط الذي يقول أن موضوع المنطق "محدد للغاية وهو استعراض وبرهان القواعد الصورية لكل تفكير..." وإن كان كانط لم يحدد مغزى كلامه هذا..صــ40

▬ إذا كان هناك مأخذ من وجهة نظر المنطق الرياضياتي المعاصر على منطق أرسطو فيما يختص بموضوع المنطق فليس ذلك إن من ناحية حصر ارسطو لموضوع المنطق في الإستنباط وقوانينه، وإنما هو فقط في حصر الإستنباط نفسه في قواعد القياس الضيقة وحسب، فلم ينتبه ارسطو إلى ضرورة التوسع في تتبع قوانين الإستنباط بحيث تشمل قوانين أخرى لا تمت إلى القياس اللغوي بصلة، وتلك هي قوانين الإستنباط التي تمارسها الرياضيات، وأوسع العلوم الإستنباطية، والتي يعرفها تماماً اللوجستيقاً. صــ42

▬ يقول برتراند راسل: "مهما تكن اهمية الإستقراء كطريقة للبحث فإنه فيما يبدو لا يستطيع أن ينهض وحده بالبحث. ألا يجعلنا العلم الذي يبلغ كماله أن تعتقد أنه يجب ان يكون استنباطياً بحتاً ؟ وإذا نهض الإستقراء ببحث - وهذا أمر عسير - فهو لا ينهض به إلا على اعتبار أنه مبدأ من المباديء التي يتأدى بها الإستنباط. ومن ثم يظهر أن إدخال الطريقة الإستقرائية لا يعتبر ابتداعاً لنوع جديد من الإستدلال ... وإنما هو توسيع في ميدان الإستنباط بوسيلة استنباطية هي بلا شك غير القياس ولا تدخل في حدود المنطق القديم." صــ75

▬ فائدة الرموز في كل من المنطق والرياضيات فائدة مزدوجة، سيكولوجية وعلمية. فمن الناحية السيكولوجية تعفي الرموز الذهن من تأمل الصلات بين المعاني اللغوية وتصرف الذهن كله إلى تأمل العلاقات الصورية أو الرياضياتية وحدها. ومن الناحية العلمية تكسب الرموز العلم دقة وتجريداً وعموماً. والرمز ليس مستحدثاً في المنطق ولكن الرياضيات أحوج إليه ومستحيلة بدونه في حين قد يستغني المنطق عنها اكتفاء باللغة كما يدل عليه التاريخ الطويل للمنطق التقليدي. صــ92

▬ في السنوات القليلة التي تلت ظهور الكتاب الذي اشترك فيه راسل مع وهويتهد كان هناك قمة من قمم الرياضيات الحديثة هو ديفد هلبرت لا يوافق راسل على أن تكون الرياضيات منطقاً صورياً صرفاً، وأخذ يطور فكرة في أصل الرياضيات والمنطق معاً سماها "النظرية الأكسيوماتيكية" Axiomatic theory. ورغم أن النظرية اللوجستيقية في صلة العلمين وجدت أنصاراً كباراً من أمثال كواين وتشيوستك إلا أن الأبحاث في الخمسين سنة الأخيرة نحت في اغلبها النظرية الأكسيوماتيكية هذه التي عمقت فكرة "المسلمات" في الرياضيات والمنطق وبحثت شروط قيامها وتأسيسها. وديفد هلبرت أستاذ الرياضيات بجامعة برلين حتى نهاية الحرب العالمية الثانية لا يرى في المنطق فرعاً من الرياضيات، ولا في الرياضيات فرعاً من المنطق، وإنما يرى أنهما شيئان نبعاً معاً متحاذيين أو متوازيين من منبع واحد أبعد منهما هو الطريقة الأكسيوماتيكية أو الصورية الصرفة Pure formalism التي هي الأساس الأول والبعيد لعلمي الرياضيات والمنطق معاً. صــ105

فقرة عن النظرية الحدسية في الرياضيات..

▬ وما المنطق والأكسيوماتيك في نظر هؤلاء (أي الحدسيين) إلا الوسيلة العلمية "اللاحقة" "لإستعراض" أو "شرح" أو "بسط" تلك الكشوف والتجارب الرياضياتية الأصيلة في صورة واضحة يفهمها الآخرون الذين لم يكتشفوها. فهناك إذن فرق واضح بين منابع الرياضيات وبين بسط الرياضيات وتقديمها إلى الآخرين، فالمنابع تجريبية أو حدسية، أما العرض اللاحق للتجربة أو الحدس فهو منطقي أو أكسيوماتيكي ولا فرق بينهما هنا. صــ109

▬ إن تخصيص رموز الثوابت المنطقية أكسب قدرة على التحول إلى الحساب. ومع أن المنطق التقليدي كان يعرف أكثر هذه الثوابت (ولو كانت معرفة خاطئة) منذ الرواقية إلا أنه لم يستطع أن يتحول إلى حساب لأنه إما أنه كان يعبر عن تلك الثوابت بألفاظ اللغة وإما أنه كان يفترض معرفتها معرفة ضمنية دون أن يعبر عنها، وفي الحالتين يمتنع الحساب. خذ مثلاً السلب في القضية الآتية:"إن الفدائي لم يقتل أمس في المعركة"، وتأمل اللبس الذي يحدث عند الإمعان في صورتها اللغوية فهي تحتمل أن الفدائي لم يُقتل أبداً، أو أنه قُتِل فعلاً ولكن ليس بالأمس، أو أنه قتل فعلاً بالامس ولكن ليس في المعركة. وكل هذه الإحتمالات تورط اشد تورط في الإستنباطات. صــ125

▬ إن إنتباه الوراقيين إلى مثل هذه القضايا (المتصلة، المنفصلة،الشرطية...) يُفصح عن عقلية تبحث عن الصلات بين الأحداث والوقائع لا بين الأفكار والتصورات. يقول اميل برهييه:"تلك لغة مناطقة استقرائيين تؤدي بنا إلى رؤية عالم مكون من وقائع يتسلسل بعضها من بعض ويخالف بالمرة العالم الارسطى [عالم التصورات الكلية]". ولقد ضم المناطقة اللاحقون تلك القضايا الرواقية إلى المنطق الموروث عن أرسطو، وأطلقوا اسم القضية الحملية على القضايا التي عالجها أرسطو تمييزاً لها عن القضايا الرواقية. ولكن هذا التمييز ظاهري فحسب إذن أنهم عاملوا القضايا الرواقية معاملة الحملية سواء بسواء..صــ129

▬ في جبر بول إذا تآلف رمزان أو أكثر مثل: أ ب (أو) أ ب جـ... فإن التركيب الحادث يدل على صنف فئة Class مركبة تنتظم في آن واحد أفراد (أ) وأفراد (ب) في الصيغة الأولى، أو أفراد (أ) وأفراد (ب) وأفراد (جـ) في الصيغة الثانية. فيقول بول إذا كان (أ) يعني "خرافاً" (والمثال من بول نفسه)، (ب) تعني "أبيض" فإن المركب (أ ب) يعني خرافاً بيضاء. للنظر عن قرب في هذه الصيغة فسنلحظ فوراً أن ترتيب رموزها لا يغير شيئاً لأننا إذا جئنا أولاً بفئة الخراف لنؤلف منها فيما بعد فئة "الخراف البيضاء" أو إذا جئنا بفئة "الأبيض" لنؤلف منها فيما بعد فئة "الأبيض في محيط الخراف" فإن النتيجة واحدة بعينها..صــ139

▬ [..] وكما قُلنا كانت التعريفات المشتقة من التضمن ثقيلة وغير سهلة الألفة لأن فكرة التضمن ليست هينة التناول إذا أُتُخِذت حداً ابتدائياً، كما أن اتخاذها حداً إبتدائياً بالمعنى الموضوع لها إصطلاحاً يفترض معرفة سابقة بالنفي والفصل كما هو واضح من الإصطلاح وهذا لما يجعل اشتقاق العمليتين المذكورتين من التضمن شيئاً ثقيلاً أيضاً. وإلى هذا يضاف أن استعمال الكتاب الذي كنا بصدده لألفاظ اللغة يجعل متابعة المسائل أمراً شاقاً. لهذا كله عدل راسل في كتابه المشترك مع هويتهد وهو PM عن التضمن، واتخذ النفي والفصل حدين ابتدائيين يعرِّف بهما كل الحدود المشتقة واستعمل الرموز مما يجعل متابعة التنسيق الإستنباطي في هذا الكتاب أكثر يسراً ووضوحاً. صــ173

▬ هل توجد طريقة أخرى للبرهان على توتولوجيات حساب القضايا الإبتدائية أكثر سهولة في التطبيق ؟ لقد أجاب على هذا السؤال بالإيجاب كل من الفريد تارسكي ولوكازيفتش البولونيين وذلك بإيجاد طريقة جديدة سهلة سمياها طريقة الجدوال Matrix method اتضح من تطبيقها على منطق راسل أنها مرنة جداً بحيث أدت إلى ظهور أنواع لا حصر لها من المنطق غير ذلك المنطق المشترك بين أرسطو وراسل الذي يستند إلى قيمتين اثنتين فقط هما الصدق والكذب. وهذا جانب من جوانب كثيرة من تطور المنطق بعد راسل. صــ188

▬ نوع خاص من تعميم طريقة الجدوال التي تقوم على التوسع في إدخال القيم الجديدة التي قد تذهب إلى أبعد حد، هو المنطق التوبولوجي الذي ذهب إليه كارل همبل عام 1937 وهو نوع خاص من المنطق لا ينظر في قيم محددة كالتي يعالجها منطق المدرسة البولونية وإنما ينظر في موازنات عامة بين تلك القيم المحددة: فإذا فرضنا مثلاً عدداً من القيم المحددة التي يعالجها المنطق من وجهة نظر تارسكي ولوكازيفتش مثل صادق، ومتوسط الصدق، وكاذب، فإن منطق كارل همبل يعالج ما يمكن أن ينشأ من علاقات عامة بين تلك القيم مثل كون بعضها "أكثر صحة" من بعضها الآخر، أو "أقل صحة" أو "يساوي في الصحة" إلى آخر ما هنالك من موازنات عامة ممكنة. صــ204

▬ ينبغي ألا يؤدي بنا تعدد أنواع المنطق المعاصر أو اختلاف منطق ذي قيم متعددة عن منطق آخر له نفس العدد من القيم، أو تفكك وحدة المنطق على هذا النحو، ينبغي ألا يؤدي بنا كل ذلك إلى التشكك في المنطق من حيث هو سند اليقين الأخير، لأننا يجب أن نكون قد تهيأنا بعد ذلك الشوط الذي سلكناه إلى هنا في دراسة وإستعراض المنطق أن نفهم من لفظ المنطق نظرية استنباطية فحسب كغيرها من النظريات الإستنباطية الكثيرة المعروفة والتي تشترك جميعها في طبيعة واحدة هي أن صدق القضايا فيها يتوقف لا على المطابقة بينها وبين حقائق خارج الذهن أو فيه، وإنما فقط على اشتقاقها من العناصر الأولية حدوداً كانت أو مسلمات، تلك العناصر التي يبدأ منها استنباط القضايا المشتقة والتي تختلف من منطق إلى آخر وفقاً لإختيار الحدود والمسلمات، وهذه بدورها وفقاً لهذه النظرية العلمية أو لتلك مما يراد أن يؤسس منطقياً. فإختيار عناصر أولية بعينها يؤدي بالضرورة إلى نوع معين من المنطق يختلف عن غيره من الأنواع دون أن يفقد مع ذلك المنطق "وحدته" من حيث أن تلك الوحدة إنما هي في المنهج العام الذي هو النسق الإستنباطي. صــ206


▬ كون المنطق الكثير القيم منطقاً للتوجيه أو للإحتمال ينشأ عنه أن الحقائق المنطقية التي يعبر عنها منطق كثير القيم يختلف عما يعبر عنه منطق أقل عدداً أو أكثر في القيمة، بحيث إذا حدث أن إنساناً درج على أن يفكر دائماً بالمنطق الثلاثي القيم، أعني مثلاً بعبارات "أكيدة الصحة" V و "ممكن الصحة" ½ و "أكيدة البطلان". (صفر) فإنه يسخر قطعاً من منطقنا الثنائي ويقول لنا جاداً: اذا كنتم تقصدون بـ V ما هو ثابت حقيقة ففي أي شيء تختلف قيمتكم تلك عن عبارتي "أكيدة الصحة" وإذا كنتم لا تقصدون ذلك فأنتم اذن تقرون حقيقة لا حق لكم في اقرارها، بل أنتم كالسُفسطائيين انما تغالطون أنفسكم حين تثبتون ما ليس لكم به علم أكيد. أعطوني مثالاً واحداً لحقيقتكم غير الاكيدة وبينوا لي كيف تفترق عن مجرد "امكان الصحة" عندي ؟ وواضح من مثل هذه المناقشة أن عقلية ذلك الشخص الإفتراضي لا تستطيع أن تفكر إلا في حدود منطق ثلاثي القيم. وهكذا تكون أيضاً عقليات تفكر في نطاق قيم أكثر. صــ217

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

الرياضيات في حياتنا (زلاتكاشبورير)


• يمكن تعريف الرياضيات بأنها المادة التي يصعب دوماً أن نعرف الشيء الذي يدور الحديث حوله، ويصعب معرفة ما إذا كان ما نقوله صحيحاً أو غير صحيح. (برتراند راسل)
• الرياضيات لعبة نلعبها وفق قواعد بسيطة مستخدمين لذلك رموزاً ومصطلحات ليس لها - بحد ذاتها - أي أهمية. (جلبرت)
• الرياضيات هي علم اللانهايات. (ويل)
• حقاً أنا مستعد للتصريح بأنه يستحيل أن نتصور تعليماً للرياضيات بدون نظرية المجموعات رغم أن الرياضياتيين مستعدون للإعتراف - كنفد ذاتي - بأنهم قليلاً ما اهتموا بالمجموعات و.....
• إن الرياضياتيين يؤكدون أن نظرية المجموعات ظهرت إلى الوجود في 7/12/1873م أي منذ أكثر من مائة عام.
• إن نظرية المجموعات المبسطة (الساذجة) هي التي لا يوجد في أساسها أي مسلمات، أي ندرسها دون أن نضع مسلمات نظرية المجموعات في أساسها.
• نلجأ فيها للرسوم (أي المجموعات) كوسيلة مساعدة لملاحظة المجموعة وفهمها بسهولة وليس أكثر من ذلك..
• لا يمكن الحديث عن تساوي شكلين هندسيين عندما يوجد الشكلان في مجموعتين مختلفتين .. يمكن فقط أن نتحدث عن تطابق الأشكال الهندسية أو عن تكافئها.
• الرياضياتيون يؤكدون على أن لغة الرموز أكثر دقة من لغتنا التي نتحدث بها، وأن الكلمات الكثيرة غالباً ما تشوش المعنى الذي نريده.
• إن هذه المجموعة (الخالية) لها بعض الصفات المشوقة وإنطلاقاً من هذه الصفات نستطيع أن نشكل عدداً من المجموعات الجديدة المختلفة.
• نقول عن مجموعتين إنهما متكافئتان بالقدرة فيما إذا أمكن إيجاد تقابل فيما بينهما.
• إن محور الأعداد وجملة الإحداثيات هي جسر خاص يربط ما بين الأعداد والنقاط، أي جسر خاص وهام يربط ما  بين الحساب والهندسة [..] إنها لا تلعب دوراً هاماً فحسب، بل يعد اكتشافها (أو ابتكارها) بداية عهد جديد في الرياضيات.
• إن (الحاصل) الديكارتي للمجموعتين س ، ع هي مجموعة جميع الأزواج المرتبة، (أو الثنائيات) (ب، جـ) التي يكون فيها المسقط الأول ب عنصراً في الجموعة س ، والمسقط الثاني جـ عنصراً في المجموعة ع.
• إن عناصر المجموعة يمكن أن تكون أشياء مختلفة: كلمات ، ذرات، أعداد، توابع، نقاطاً، زوايا،... وغيرها. ولذلك فقد كان واضحاً منذ البداية التوسع الكبير الذي تتميز فيه نظرية المجموعات وإمكانية استخدامها في مجالات كثيرة للمعرفة (في الرياضيات والكيمياء والفيزياء و.... (نِقولا لوزين)
• نقول عن المجموعة س انها مرتبة فيما إذا أمكن معرفة تسلسل العناصر فيها: أي أنه إذا أُعطينا عنصرين ب،جـ من هذه المجموعة تستطيع أن تحدد تماماً أي عنصر يقع قبل الآخر.
• المجموعة المرتبة جيداً هي تلك المجموعة التي تكون كل مجموعة جزئية منها غير فارغة ولها عنصر أصغر.
• إن الأعداد الطبيعية تستحق اهتماماً أكبر بكثير مما تعتقد حتى وإن كان لها عمر طويل تحسد عليه.
• الأعداد الطبيعية بقدمها وبساطتها تذكرنا بأهرام مصر (والحق يقال اننا لا نعرف إلا الشيء القليل عن هذه الأهرام رغم الكثير من الكشوف وحل الألغاز المتصلة بها.
• لقد سمى افلاطون الرياضيات علم خواص الأعداد الفردية والزوجية.
• تكون الجموعة لانهائية إذا وفقط إذا كان بالإمكان إيجاد تقابل ثنائي بينها وبين جزء حقيقي منها.
• كل جملة من المسلمات يجب أن يتحقق فيها الشرطان الأساسيان التاليان أولهما: يجب أن تكون تامة وغير متناقضة في داخلها. وثانيهما: أن تكون جملة المسلمات تامة في حالة احتوائها على كل ما هو ضروري لبناء رياضياتي نظري معين تنتمي إليه.
• قواعد اللعب (الموضوعات) موجودة، أما كيفية استخدامها فهذا مرتبط بمقدرتنا ومهارتنا في استعمالها.
• ليس من الضروري أن يصبح الطفل الذي يتقن العمليات الحسابية رياضياتياً جيداً في المستقبل والعكس أيضاً صحيح.
• إن مجموعة الأعداد الطبيعية مجموعة مغلقة بالنسبة لعمليتي الجمع والضرب، بينما هي مجموعة غير مغلقة بالنسبة لعمليتي الطرح والقسمة.
• لا ينتمي الصفر إلى أي من المجموعتين (الموجبة أو السالبة). بل هو يقع على الحدود ويشغل هناك مكاناً مرموقاً. فالصفر إذن هو شخصية أو عنصر متميز، وبعبارة أخرى فالصفر هو صفر.!
• المنطق الرياضياتي هو علم التفكير، أو العلم الذي يبحث بتدريس أشكال التفكير النطقي والعلاقة بينهما، والعمليات التي تساعد على تحقيقها. أما أشكال التفكير المنطقي فهي المفاهيم والقضايا.
• العمليات على القضايا ليست تماماً نفس العمليات على الأعداد، ولكن يوجد بعض التشابه بينهما.
• وظيفة الجبر الحديث تتلخص في كشف البنى المتماثلة للمجموعات ذات العناصر المختلفة.
• الرسوم قد تكون مفيدة أحياناً وموضحه، ولكنها تقود - في أحيان أخرى - إلى طريق خاطيء.
• لو لم تكن نظرية المجموعات معروفة لكان من الضروري أن نبتكرها..
• المجموعات تكون قابلة للعد فقط إذا كان هناك تقابل بينها وبين مجموعة الأعداد الطبيعية.
• في الحالة العامة تكون المجموعات غير القابلة للعد ذات عناصر أكثر من المجموعات القابلة للعد.
• في هندسية ريمان نجد أنه من نقطة خارج مستقيم لا يمكن رسم أي ماوزٍ لهذا المستقيم. أما في هندسة لوباتشفسكي فنجد أنه من نقطة خارجة مستقيم يمكن رسم مستقيمين موازيين لهذا المستقيم.
• في هندسة لوباتشفسكي: مجموع قياس زوايا المثلث الداخلية أصغر من قائمتين. وفي هندسة ريمان: مجموع قياس زوايا المثلث الداخلية أكبر من قائمتين. أما في هندسة إقليدس: فمجموع زوايا المثلث الداخلية يساوي قائمتين.

=================================================
▬ أنا أكتب الكتاب لك، وقد قصدت ذلك بكل جدية. فالكتاب مكتوب بحق لك ومهدى إليك. والسبب الرئيس لكتابة هذا الكتاب وهذا الإهداء هو انك مضطر لدراسة الرياضيات رغم أنك لا تحبها، فليس هناك أي صف في المدرسة - وحتى معظم فروع الجامعة - يمكنك أن تمر به دون استخدام الرياضيات. إذن عليك أن تتعامل مع الرياضيات - إذا رغبت - تماماً كما تتعامل مع شر لابد منه، والذي لا يمكن التخلص منه في وقتنا الحاضر في المدرسة الخاصة. وكل شر لابد منه يجب أن ندرسه. وهذا مبدأ رائع يجب أن يكون رائدنا حتى في الحرب. فنحن نكره العدو ونحاربه كما يتعين علينا في الوقت نفسه أن ندرسه بأفضل شكل ممكن لكي نتمكن من الإنتصار عليه. صــ15

▬ بالتأكيد لا يمكن أن ندرس الرياضيات بدونها (أي نظرية المجموعات)، وبإمكان الرياضياتيين إعطاء مختلف التعليلات لهذه الموضوعة، فهم يؤكدون - مثلاً - أنه بفضل المجموعات أصبحت لغة الرياضيات أكثر بساطة ونقاء ووضوحاً، وأصبحت الصياغات الرياضياتية أكثر دقة. وبإستخدام المجموعات يمكن - بنظرة واحدة - أن نلم بأصعب بناء رياضياتي. ولقد برهن العلماء على أن المجموعات موجودة في أساس الرياضيات المعاصرة، وأن المجموعات يمكن استخدامها في كل مكان، وأنها مفيدة لدرجة أنه يمكن أن ندرس بها مختلف اللانهائيات، وأن...صــ22

▬ إن الرياضياتيين يسعون دائماً لإستخدام أقل عدد ممكن من الرموز لإعطاء أكبر قدر من المعلومات - وعندما تتحول أبسط الأشياء إلى لغة الرموز والمصطلحات نتصور دوماً أنها قد أصبحت أشياء غير مفهومة. وإذا سألت الرياضياتي بدهشة عما تعنيه هذه الرموز والمصطلحات ولماذا يستخدمها في كتابته. فلن يجيبك الرياضياتي بأكثر من ابتسامة غامضة...فما رأيك بهذه الإجابة؟ إنهم يستمتعون بلغة الرموز هذه...أما نحن فعلينا أن نناقش طويلاً "وبملل" هذه الرموز حتى نستطيع أن نقرأ ونفهم كل ما يكتبون. صــ28

▬ والآن نستطيع أن نسأل - ذلك الرياضياتي - السؤال التالي: هل يوجد مجموعة جميع المجموعات؟ ومهما يكن جوابه - التأكيد أو النفي - تظاهر أمام هذا "العالِم" بإحترامك الشديد له لإتساع معارفه في نظرية المجموعات، ذلك أنني أشك في فهمه لجوهر السؤال. فهذا السؤال قد طرحه الفيلسوف والرياضياتي الإنجليزي برتراند راسل (1872 - 1970) ولا يوجد له حتى الآن جواب محدد ووحيد حتى عند الرياضياتيين أنفسهم. صــ29

▬ هناك جملة من المشاكل تبرز أثناء تمثيل المجموعات بالرسوم، ولذلك فإن الرياضياتيين يتهربون منها. وإليك أمثلة من هذه المشاكل: • غالباً ما نمثل عناصر المجموعة أثناء الرسم بنقاط متماثلة، وبدوائر صغيرة متماثلة أو بمثلثات، ولكننا نعلم أنه لا يوجد في المجموعة عناصر متماثلة!! أي أن جميع عناصر المجموعة تكون مختلفة ومتمايزة. • هناك بعض المجموعات - مثل مجموعة النقاط في المستوى - لا يمكن أن نحيطها بخط مغلق. • إضافة لذلك عليك ان تكون حذراً - وبصورة خاصة - عندما تريد أن تشير إلى مجموعة واقعة داخل مجموعة والتي نسميها مجموعة جزئية، ذلك أن هذه المجموعة الجزئية يمكن أن تفهم وكأنها عنصر من المجموعة الأصلية. فإذا صادفنا مثل هذه الحالة - مجموعة داخل مجموعة فإن بعضهم سوف يؤكد على أن هذا عنصر من المجموعة وليس مجموعة جزئية والآخرون يؤكدون على أنها مجموعة جزئية. • ويمكن أن تجد أيضاً من يريد أن يشير إلى المجموعة الخالية فيأخذ قطعة ورقة نظيفة على أنها تمثل المجموعة الخالية... صــ33

▬ [..] إذن إذا وجد تقابل بين مجموعتين، فإن لهاتين المجموعتين نفس العدد من العناصر. وهذه الخاصة الصحيحة بالنسبة للمجموعات ذات العناصر المنتهية. قد وسعها كانتور لتشمل المجموعات ذات العناصر غير المنتهية. ومن الجدير بالذكر أن الرياضياتيين يولون أهمية بالغة لهذا التوسيع إلى المجموعات غير المنتهية. ومن يرفض هذا التوسيع فإنهم ينظرون إليه نظرة.... (لا أحب أن أصفها) صــ66

▬ يمكن التأكد على أن الرياضيات والفلسفة في كل الأزمنة قد استخدمت وبشكل واعٍ محاكمات نظرية المجموعات بشكل أو بآخر. غير أنه - وعبر تاريخ تطور نظرتهم إلى هذه المادة (نظرية المجموعات) لابد من التمييز بدقة بين الأسئلة المرتبطة بمفاهيم الأعداد الرئيسة (والمرتبطة بصورة خاصة بمفاهيم اللانهاية) وبين الاسئلة المرتبطة فقط بمفاهيم الإنتماء والإحتواء. فمفاهيم الإنتماء والإحتواء قابلة للفهم بالبداهة والحدس، ولذلك فهي تبدو أنها لم تمر أبداً بطور من المناقشة والجدل حولها. وحتى نهاية القرن التاسع عشر لم يتعمق أحد في تعريف المجموعة. وعندما نشر كانتور تعريفه الشهير للمجموعة لم يلاقِ هذا التعريف أي معارضة. ولكن ما إن انضمت مفاهيم الأعداد والمقادير لمفاهيم المجموعات حتى تغير الوضع جذرياً، فمسألة التقسيم اللانهائي للفراغ قد أدت - كما هو معروف - إلى تعقيدات ملحوظة في الفلسفة. ثم إنه لم يكن بإستطاعة الرياضيات والفلسفة إزالة ذلك التناقض الظاهري حول المقادير المنتهية والمؤلفة من عدد لا نهائي من النقط ذات المقادير المعدومة. (من كتاب نيكولا بور باكن "نبذة من تاريخ الرياضيات" موسكو 1963 ، ص37-38") صــ92:93

▬ عندما زار طاليس مصر أُعجبَ به الكهنة المصريون، وأُعجبوا بطريقته المبتكرة في حل المسائل التي عرضوها عليه. ولكي يختبروا حكمة هذا الضيف اليوناني قرروا أن يطرحوا عليه مسألة رياضياتية حقيقية فأخذوه إلى أكبر الأهرام في الصحراء وطلبوا منه قياس ارتفاعه. كان الكهنة متأكدين من أن هذا العاِلم الغريب لن يتمكن من حل المشكلة. ولكن الرياضياتي اليوناني لم يرتبك. بعد تفكير قصير طلب منهم أن يحضروا له عصا. أحضر الكهنة العصا للضيف اليوناني معتقدين أنه سوف يتسلق الهرم ويبدأ بقياس ارتفاعه بشكل عملي مستخدماً لذلك العصا التي طلبها. ولكن طاليس لم يخطر بباله مثل هذا العمل ابداً، فقد أخذ العصا وغرزها بالرمل ثم قال للكهنة: عندما يصبح طول ظل العصا مساوياً لطولها، قيسوا طول ظل الهرم وسوف تحصلون على طول ارتفاعه! دهش الحكماء المصريون من بساطة وذكاء هذه الطريقة التي اتبعها طاليس في حل مسألة صعبة ومعقدة مثل مسألة قياس ارتفاع الهرم مما اضطر الكهنة المصريين للإعتراف بأن اليونانيين رياضياتيون ممتازون. وفي واقع الأمر فإن رياضياتي اليوناني قد أغنوا رياضيات ذلك العصر بمعارفهم الكثيرة. صــ103

▬ إن بإعطائنا هذا المفهوم - اللانهاية - الأهمية الكافية نتـأكد من أنه يجب عدم الإعتماد دوماً على "تفكيرنا السليم" فقط "ذلك التفكير الذي نفتخر به ولم نشك في وجوده" ويجب، كذلك، عدم الإقتصار على البراهين المبنية على الملاحظة فقط والمؤسسة وفق المبدأ التالي "أصدق فقط ما أراه". صـ109

▬ يمكن أن نصل إلى النتيجة التالية : كل المجموعات اللانهائية لها نفس العدد من العناصر، والجزء منها يساوي الكل (الجزء اللانهائي). لا يمكن أن نفعل أي شيء، ولا يوجد أحد يستطيع أن يتهمنا أننا لم نحاول انقاذ "تفكيرنا السليم". وبما أن الأمر كذلك في الجموعات اللانهائية فلنحاول هنا الترفيه عن أنفسنا على حساب هذه الخاصة الغريبة (وغير العادية) للانهايات. صــ115 //الصحيح هنا القول بأن "الجزء يكافيء الكل" لا يساويه إذ ان للمجموعات المتساوية معنى محدداً، ولكننا غضضنا الطرف هنا عن القول بأن "الجزء يساوي الكل" وذلك لأن هذا التعبير كان مستخدماً في الماضي قبل كانتور الذي أعطى معنى محدداً للتساوي والتكفاء. [المحرر] ، يمكنك مطالعة (فندق هِلبرت وعالم اللانهايات) , (هل اللانهاية في الرياضيات مفارقة ؟)//

▬ قال جلبرت:"الرياضيات ليست إلا لعبة يلعبونها وفق قواعد بسيطة مستخدمين في ذلك رموزاً ومصطلحات ليس لها أهمية بحد ذاتها". (مثلاً الحرف ز هو أحد أحرف اللغة وليس له أهمية بحد ذاته أكثر من كونه حرفاً، ولكننا إذا رمزنا بــ (ز) للزمن فإنه يصبح أحد رموز اللعبة الرياضياتية أو الفيزيائية) [...] المسلمات في الرياضيات الحديثة أبعد ما تكون عن الوضوح والبداهة. حتى أن بعضهم يؤكد أن المسلمات ليست صحيحة دوماً [..] لنعتبر إذن المسلمات موضوعات أو مصادرات. ومن يستخدم هذه الموضوعات لا يُطلب منه تقديم تقرير حول السبب الذي دعاه لإختيار هذه الموضوعة بالذات لأن هذا شأنه وحده، وهو حر في اختيار الموضوعة التي يريدها، أو جملة الموضوعات التي يريدها ويبني على أساسها نظريته. ولكن إذا تبين أنه يوجد في جملة المسلمات التي يستخدمها الرياضياتي شيء ما (غير عادي) أو تناقض، فإن الرياضياتيين سوف يدعون السِّياق ويصدرون قراراً بإعدام هذه الجملة. صــ120 : 121

▬ إن إحدى الألعاب المحببة إليهم (الرياضياتيون) هي ما يل: تؤخذ جملة مسلمات ثم تُبنى على أساسها مختلف النظريات وعلاقة الترابط المساعدة (ليما Lemma) والتعاريف.... ثم ينظر ماذا يمكن استنتاجه من كل هذا البناء. ويعد أفضل اللاعبين ذلك اللاعب الذي يتمكن من بناء نظرية صعبة وتشمل أوسع مجال من مجالات المعرفة. وكلما كانت النتائج التي يتوصل إليها أكثر، والمسلمات التي يستخدمها أقل كلما كان لاعباً أفضل. صــ125


▬ إن القوانين الرياضياتية لا يمكن مقارنتها في أي شيء مع قوانين المحاكم والقضاء العام (إلا بالإسم فقط). فالمحامي يحاول دائماً ايجاد مخرج من قوانين الحاكم (قوانين الحقوقيين). أما القوانين الرياضياتية فهي صارمة جداً ولا تتغير بإستمرار بالمقارنة مع قوانين أخرى، وهي باقية في قوتها وتأثيرها. مئات بل آلاف السنين وتطبيقاتها واحدة في جميع أنحاء العالم وهذا يُعني أنه إذا أردنا أن ندرس الرياضيات يجب علينا أن نحترم هذه القوانين دون النظر إلى المكان الذي نعيش فيه: سورية أو اليابان أو أميركا أو الهند.... صــ140

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

النظرة العلمية (برتراند رسل)


• قد استنفد طاقته، بل لعل  من السخف أن نظن أنه بلغ ذروته. فأغلب الظن أن العلم سيستمر قروناً ليحدث تغييرات تزيد سرعتها على الأيام.
• الذي يعنينا ليس هو تتبع سقطات رجال العلم، فإنما نحن نحاول أن نصف الطريقة العلمية. فالراي العلمي هو ما يوجد سبباً للإعتقاد بصحته، والرأي غير العلمي هو ما يقبل لسبب غير احتمال صحته.
• العبقرية الإغريقية كانت عبقرية قياسية أكثر مما كانت استقرائية، ولذلك لاءمتها الرياضيات كل الملاءمة.
• لم يكن الصدام بين جاليليو ومحكمة التفتيش مجرد صدام بن الفكر الحر والتعصب، أو بين العلم والدين، فإنه صدام بين روح الإستقراء وروح القياس.
• ان العالم الحديث ما كان ليوجد لو أن مئة من رجال القرن السابع عشر قد قتلوا في طفولتهم، وعلى رأس هؤلاء جاليليو.
• إن المعرفة على خلاف أوهام تحقيق الرغبة، أمر عسير المنال. وأيسر اتصال بالمعرفة الحقة يُضعف من شهوة تقبل الأوهام.
• كان نيوتن رجلاً عصبياً، يميل إلى الشجار ويخاف من المعارضة. وكان يكره النشر لأنه يعرضه للنقد. وكان لا بد من أن يحمله أصدقاءه على النشر حملاً..
• لم توضع الجاذبية في مكانها الملائم من الإطار العام لعلم الطبيعة، إلا بفضل نظرية أينشتين العامة في النسبية (1915)، وعندئذ وُجِد أنها أقرب إلى الهندسة منها إلى الطبيعة بالمعنى القديم.
• اصطدم داروين باللاهوت كما فعل جاليليو، وإن كانت نتائج صدامه أقل إفجاعاً. وداروين رجل جليل الخطر في تاريخ الثقافة، وإن كان من الصعب تقدير أهميته من الوجهة العلمية البحتة.
• أرسطو - كما ينبغي أن يُقال - كان من ضمن الكوارث الكبرى التي نزلت بالبشر. فقد ظل تعليم المنطق في معظم الجامعات حتى يومنا هذا مليئاً باللغو الذي مرده إلى أرسطو. (طبعاً يقول ذلك تهكماً، وإلا فأرسطو معروف قدره، وإن أخطأ)
• لقد أخطأ داروين في قوانين الوراثة، فغيرتها نظرية مندل تغييراً كلياً..
• رجل العلم إنما يبحث عن الحقائق ذات المغزى، من حيث تأديتها إلى قوانين عامة، وتكون هذه الحقائق في الأغلب خالية خلواً تاماً من الأهمية الذاتية.
• النظام القياسي مكانه الكتب، أما النظام الإستقرائي فمكانه المعمل.
• إن أعظم الظواهر فائدة قد تكون أمنعها على الملاحظة.
• إن العلم الدقيق تسيطر عليه فكرة التقريب. فإن أخبرك أحد الناس أنه يعرف الحقيقة الدقيقة عن أي شيء، فثق بأنه رجل غير دقيق.
• إن الدور الذي تلعبه الأقيسة والكم في العلم دور كبير جداً، ولكني أظن أنه يبالغ في تقديره أحياناً. إن الأسلوب الرياضياتي أسلوب قوي، ورجال العلم يتلهفون بطبيعة الحال على إمكان تطبيقه أينما وجدوا إلى ذلك سبيلاً..
• واضح إنك لكي تصدق شيئاً خارجاً عن تجاربك الشخصية، ينبغي أن يكون لديك مبرر لتصديقه. والمبرر عادة هو رأي الثقات.
• اللغة العادية غير ملائمة مطلقاً للتعبير عما تقرره الطبيعة حقيقةً، لأن ألفاظ الحياة اليومية غير كافية التجريد.
• إن قوة الإيمان الكاثوليكي حين تدهورت في عصر النهضة، مال القوم إلى أن يملؤوها بالتنجيم والإتصال بأرواح الموتى. وعلى هذا النحو يجب أن نتوقع أن تدهور العقيدة العلمية سيؤدي إلى بعث خرافات ما قبل العلم.
• إني أظن أن الآلات ستبقى بعد إنهيار العلم، كما قد بقي القسيسون بعد إنهيار الدين، ولكن سيكف الناس عن النظر إليها بعين المهابة والجلال.
• بينما العلم من حيث هو بحث عن المقدرة تزداد انتصاراته زيادة مستمرة، فإن العلم من حيث  هو بحث عن الحق قد قتله الشك الذي أنجبته مهارة العلم.
• إنه لتهور طائش أن تُقيم صرحاً للفقه الديني على قطعة من الجهل لعلها لا تلبث أن تُعلم، وإن آثار هذا العمل، إن كانت له آثار، لهي ضارة لا محالة، لأنها تعقد أمل الناس بعدم استحداث كشف جديد في المستقبل.
• قد يكون مبدأ العلية صحيحاً وقد يكون غير صحيح، ولكن الشخص الذي يبتهج بعدم صحته لم يفطن إلى ما يتضمنه عدم صحته من معان. وهو في العادة يستبقي التسليم بكل القوانين التي تلائمه [..] بينما يرفض كل القوانين التي لا تلائمه. ولكن هذه سذاجة، وأي سذاجة..
• الرياضيات البحتة لا تتوقف مطلقاً على الملاحظة، بل هي تختص بالرموز، وبإثبات أن مجموعات مختلفة من الرموز لها نفس المعنى.
• لقد كنت أعرف يوماً فقيهاً دينياً سلفياً متزمتاً ممتاز المعارف فقال لي: "إنه بفضل طول دراسته قد أصبح قادراً على فهم كل شيء عدا السبب في أن الله قد خلق العالم."
• وبوصفي عالماً فأنا أصدق أن نظام الأشياء الحالي لم يبدأ على حين بغتة؟ وإذا تخليت عن صفتي العلمية شعرت كذلك بعدم تقبل لما يتضمنه ذلك من عدم اطراد في الطبيعة الإلهية. ولكن ليس لدي اقتراح يهدي إلى الخروج من هذه الورطة.
• لو صح أن العالم الذي نعيش فيه قد خُلِق وفق خطة، فقد وجب أن نعد نيرون قديساً إذا قورن براسم هذه الخطة.
• لعل الله هو الذي صنع العالم، ولكن هذا لا يعني أننا لا نصنعه من جديد. وهذا الموقف قد اصطدم بالدين التقليدي اصطداماً شديداً  أشد بكثير مما فعلت أي حجج عقلية.
• إن كل التفكير العلمي الحديث - كما ذكرنا - هو في أساسه تفكير في المقدرة، أي أنه لا يستثير من الدوافع الإنسانية الأساسية غير حب التسلط، أو بعبارة أخرى رغبة الإنسان في أن يكون علة لأكثر وأضخم معلومات ممكنة.
• وكان التفكير اليسوعي بطبيعته تفكير تسلط، ولكن على نحو بالغ السذاجة والبساطة، أما التفكير العلمي الحق ففيه دافع التسلط مهذب رفيع.
• العلم بوجه عام شجرة تنمو في تربة الإيمان الحيواني، ولكن يشذبها مقص العقل.
• إن العرب الذين ارتضوا دين محمد لم يكادوا يغيرون من عاداتهم أكثر مما فعل الأمريكيون حين قبلوا قانون فولستيد وحين قررت عشيرة محمد المرتابة أن تؤيده، كان مرجع ذلك إلى قلة ما يطلبه من التغيير.
• إن من أصعب المشاكل التي تواجه الديمقراطية مشكلة إقامة علاقة صحيحة بين العلم والسياسة، وبين المعرفة والسلطة، أو بتعبير أدق بين العامل في حقل العلم، وإدارة حياة المجتمع..
• للتربية هدفان: تكوين العقل وإعداد المواطن. وقد ركز الأثينيون عنايتهم في الهدف الأول، وركز الأسبرطيون عنايتهم في الثاني. وانتصر الأسبرطيون، ولكن خُلِّد ذكر الأثينيين.
• لم يكد العلم يقبض بقوة على التنظيم الإجتماعي، حتى يقبض كذلك غالباً على تلك الجوانب البيولوجية للحياة البشرية، تلك الجوانب التي تركت حتى الآن للتوجيه المشترك بين الدين والغريزة.
• لقد اعتمد الدين التقليدي على الإحساس بعجز الإنسان في وجه القوى الطبيعية، بينما المنهج العلمي يغري بالإحساس بعجز القوى الطبيعية أمام ذكاء الإنسان.
• ... وإن علماء الطبيعة المساكين، وقد هلعوا من الخراب الذي كشفت عنه نظرياتهم، ليدعون الله أن يلهمهم العزاء، ولكن لا بد أن الله على شاكلة خلقه، مجرد وهم من الأوهام..
• لا يكاد يُدرك فشل العلم من حيث هو ميتافيزيقياً، حتى لا يستطاع الحصول على المقدرة التي يمنحها العلم من حيث هو منهج، إلا بشيء شبيه بعبادة الشيطان، أعني بالتخلي عن الحب..

==================================================
▬ لئن بدت الطريقة العلمية معقدة في شكلها النهائي المهذب، فهي في جوهرها غاية في البساطة. فهي تتلخص في ملاحظة تلك الحقائق التي تُمكِّن من يلاحظها من اكتشاف قوانين عامة تسري على حقائق من نفس النوع. فالمرحلتان، وهما الملاحظة أولاً، واستنتاج قانون ثانياً، كلتاهما ضروريتان، وكلتاهما قابلتان للتهذيب إلى غير حد تقريباً، ولكننا نجد أن أول رجل قال (النار تحرق) إنما كان يستخدم الطريقة العلمية في جوهرها، إن كان قد سمح لنفسه بأن يحرق عدة مرات. فهذا الرجل قد مر فعلاً بمرحتلي الملاحظة والتعميم. ومع ذلك فليس لديه ما يتطلبه النهج العلمي، وهو من جهة الإختيار البصير للحقائق ذات الدلالة، ومن جهة أخرى الوسائل المختلفة للوصول إلى القوانين عن طريق التعميم وحده. فالرجل الذي قال إن الأجسام التي لا مسكها شيء في الهواء تسقط فهو إنما قد عمم فحسب، وعرّض قوله لأنه يكذبه المنطاد والفراشة والطائرة، بينما الرجل الذي يفهم نظرية سقوط الأجسام يعرف كذلك لماذا لا تسقم بعض الأجسام استثناء من القاعدة. صــ11

▬ كان العرب أميل إلى التجريب من الإغريق، وبخاصة في الكيمياء، فقد كانوا يأملون أن يحيلوا المعادن الرخصية إلى ذهب، وأن يكتشفوا حجر الفلاسفة، وأن يركبوا إكسير الحياة. وكان هذا من أسباب إقبالهم على البحوث الكيميائية. وقد حمل العرب تقاليد المدنية طوال عصور الظلام، وإليهم مرجع كثير من الفضل في أن بعض المسيحيين أمثال روجور بيكون قد حصّلوا كل المعارف العلمية التي تهيأت للشطر الأخير من العصور الوسطى. ولكن كانت بالعرب آفة تختلف عن آفة الإغريق. فقد كانوا ينشدون الحقائق المنفصلة أكثر مما ينشدون المباديء العامة. ولم يكن لديهم المقدرة على استخلاص قوانين عامة من الحقائق التي اكتشفوها. صــ17

▬ صعد جاليليو ذات صباح إلى قمة برج بيزا المائل، ومعه كرة تزن عشرة أرطال وأخرى تزن رطلاً واحداً. وبينما الاساتذة ذاهبون في وقار وخمول على قاعات محاضراتهم في حضور طلبتهم، إذا استرعى جاليلو انتباههم، ثم ألقى بالثقلين من قمة البرج إلى أقدامهم. فوصل الثقلان في نفس اللحظة تقريباً بيد أن الأساتذة اعتقدوا أن أعينهم قد خدعتهم لا محالة، لأن أرسطو لا يجوز عليه الخطأ [..] كان الرأي الجامعي يمقت اكتشافاته مقتاً شديداً ..   صار جاليليو رجلاً مكروها، وصار يُهزأ به في محاضراته.. وهو مصير ذاقه أينشتين في برلين. فقد صنع منظاراً مقرباً، ودعا الأساتذة لأن ينظروا من خلاله إلى أقمار عطارد. فرفضوا، لأن أرسطو لم يذكر هذه التوابع، فمن ظن أنه رآها فهو خاطيء لا محالة. صــ19 : 20

▬ يبدأ كتاب المبادي الأساسية لنيوتن (principia) بالطريقة الإغريقية الجليلة: فهو يفسر النظام الشمسي كله بإستنباط قياسي رياضياتي بحت من قوانين الحركة الثلاثية وقانون الجاذبية. جاء كتاب نيوتن باهر الجلال، إغريقي الكمال، على عكس أبرع كتبنا في العصر الحديث. وأقرب تواليف العصر الحديث شبهاً بالكمال الإغريقي نظرية النسبية، وإن كانت نظرية النسبية ذاتها لا تصبو إلى نفس هذه المنزلة من الكمال، لأن التقدم يسير في سرعة لا تسمح به..صــ32

▬ إننا لكي نصل إلى قانون علمي يجب أن نمر بثلاث مراحل رئيسية: الأولى ملاحظة الحقائق ذات الدلالة، والثانية الوصول إلى فرض يفسر هذه الحقائق إن صح، والثالثة أن نستنبط من هذا الفرض بطريق القياس نتائج يمكن إختبارها بالملاحظة. فإذا تبينت صحة النتائج. قُبل الفرض مؤقتاً على أنه فرض صحيح، وإن كان ف العادة يحتاج إلى إجراء تعديل فيه فيما بعد، نتيجة لكشف حقائق جديدة. صــ51

▬ الهندسة كانت عند الإغريق، كما ظلت عند المحدثين قبل المائة سنة الأخيرة، دراسة أولية، شأنها كشأن المنطق الصوري، ولم تكن علماً تجريبياً يعتمد على الملاحظة. وقد أوضح لوباشفيسكي في عام 1829 أن هذا وضع خاطيء. وأبان أن صحة هندسة إقليدس إنما يمكن إثباتها بالملاحظة لا بالمنطق. ومع أن هذا الرأي قد وجد فروعاً جديدة في الرياضيات البحتة، فإنه لم يؤتِ ثمره في الطبيعة حتى كان عام 1915 حين تضمنته نظرية أينشتين العامة في النسبية. فظهر الآن أن نظرية فيثاغورث ليست تامة الصحة، وأن الحقيقة التي توحي بها، تتضمن قانون الجاذبية كعنصر من عناصرها أو نتيجة من نتائجها. صــ54

▬ لو أن تلميذاً يتعلم التاريخ فرفض الإيمان بوجود نابليون، لأُنزِلَ به العقاب في غالب الظن، ولعل هذا في نظر صاحب التفكير البراجماتي دليل على وجود هذا الرجل في الماضي، ولكن التلميذ إن لم يكن براجماتياً فقد يقول في نفسه أن مدرِّسه لو كان لديه أي مبرر لإعتقاده بوجود نابليون، لأمكن الإفصاح عن هذا المبرر. وما أقل مدرسي التاريخ الذين أرى أنهم يستطيعون تقديم دليل طيب يثبت أن نابليون لم يكن خرافة. وأنا لا أقول بعدم مثل هذه البراهين، بل أقول إن معظم الناس لا يعرفون ماذا تكون هذه البراهين. صــ65

▬ قد تكون هناك أسس سليمة للإيمان بالإستقراء، والواقع أن أحداً منا لا يتمالك أن يؤمن به، ولكن يجب أن يسلّم - من الجهة النظرية - بأن الإستقراء لم يزل مشكلة منطقية بغير حل. ولكن ما دام هذا الشك يؤثر في كل معارفنا تقريباً، فلنتجاوزه، ولنعترف على الأساس البراجماتي بأن الطريقة الإستقرائية - مع التحفظات اللازمة - طريقة مقبولة. صــ70

▬ إن التجريد البالغ في علم الطبيعة الحديث يجعله صعب الفهم، ولكنه يمنح من يستطيع إدراكه فهماً للعالم من حيث هو كل، وعرفاناً بتركيبه وميكانيكيته، لم يكن يستطيع منحها جهازاً أقل تجريداً. إن المقدرة على استخدام التجريدات هي لباب العقل وكلما زاد التجريد، عظمت إنتصارات العلم العقلية. صــ76

▬ من عجيب الأمور أن رجل الشارع لم يكد يؤمن بالعلم إيماناً كلياً، حتى بدأ رجل المعمل يفقد إيمانه به. فقد كان معظم علماء الطبيعة أيام شبابي لا يخامرهم أدنى شك في أن قوانين الطبيعة تعطينا معلومات حقة عن حركات الأجسام. وأن العالم المادي، يحتوي فعلاً على الوحدات التي تظهر في معادلات رجل الطبيعة. صحيح أن الفلاسفة قد شككوا في هذه النظرة، ولم يزالوا يشككون فيها منذ أيام بركلي، ولكن نقدهم لم ينصب على أية نقطة في عمليات العلم المفصلة، ولذلك أمكن للعلماء أن يتجاهلوا هذا النقد، ولقد تجوهل فعلاً. أما الآن فالأمور تتغير تغيراً تاماً، فقد أتت الآراء الثورية في الفلسفة علم الطبيعة من جانب علماء الطبيعة أنفسهم، وجاءت نتيجة لتجارب أجريت بعناية. والفلسفة الجديدة لعلم الطبيعة فلسفة متواضعة متلعثمة، بينما الفلسفة السابقة كانت متكبرة متسلطة. صــ77

▬ الحق أن العلم يؤدي دورين متميزين تمام التمييز: من حيث هو ميتافيزيقياً من جهة ومن حيث هو إدارك عام مثقف من جهة أخرى. أما من حيث هو ميتافيزيقياً فقد قوضت دعائمه بما أحرز من نجاح. فالأسلوب الرياضياتي في البحث قد بلغ من القوة حداً يستطيع معه أن يجد قانوناً لأشد العوالم تقلباً وتنقلاً. لقد كان أفلاطون وسير جيمس يظنان أنه لما كانت الهندسة تنطبق على العالم، فلا بد أن الله قد صنع العالم على أنموذج هندسي، ولكن رجل المنطق الرياضياتي يظن أن الله ما كان ليستطيع صنع عالم يحتوي أشياء كثيرة، دون عرض على مهارة عالم الهندسة. صــ88

▬ لقد قيل لي أن العذاب إنما يُرسل تطهيراً من الخطيئة، ولكني أجد من العسير عليّ أن أعتقد أن طفلاً في عامه الرابع أو الخامس قد أوغل في الظلم بحيث استحق العقاب الذي ينزل بعدد غير قليل من الأطفال، ويستطيع قديسونا المتفائلون أن يروهم في أي يوم يشاؤون، وهم يقاسون تباريح الألم في مستشفيات الأطفال. وقد قيل لي كذلك أن الطفل وإن لم يكن قد ارتكب خطئاً فاحشاً، فإنه يستحق العذاب عقاباً على آثام والديه [..]  لا يوجد لحسن الحظ برهان على الخطة الإلهية، فهذا على الأقل هو ما لا بد أن نستنتجه من أن المؤمنين بهذه الخطة لم يقيموا عليها أي دليل. وبذلك فقد كفينا مؤونة الوقوف موقف الكراهية العاجزة، الذي كان على كل رجل شجاع رحيم أن يقفه من الطاغية الجبار. صــ120

▬ زارني مرة رجل، وقال لي أنه يرغب في دراسة فلسفتي ولكنه اعترف أنه من كتابي الوحيد الذي قرأه، لم يفهم غير عبارة واحدة، وهو غير موافق على هذه العبارة. فسألته ماذا تكون هذه العبارة، فأجاب بأنها القائلة "بأن يوليوس قيصر قد مات". فسألته طبعاً لماذا هو غير موافق على هذه العبارة، فشد جسمه وأجاب في روح لا تخلو من جفاف "لأني أنا يوليوس قيصر". ولما لم يكن معه سواي في الشقة، فقد عولت على الوصول إلى الشارع بأسرع ما يمكن، لأنه ظهر لي أن رأيه في الغالب غير مستمد من دراسة موضوعية للحقيقة. وهذا الحادث يصور الفرق بين عقائد العقل وعقائد الجنون، فعقائد العقل هي التي توحي بها رغبات تتفق مع رغبات الآخرين والعقائد المجنونة هي التي تؤحي بها رغبات تصطدم برغبات الآخرين. فكلنا يود أن يكون يوليوس قيصر، ولكننا نعترف بأنه لو كان أحد الناس يوليوس قيصر، فغيره من الناس ليس كذلك، لذا يغضبنا الرجل الذي يظن نفسه يوليوس قيصر، فنعتبره مجنوناً، وكلنا يود أن يكون مخلداً لا يموت. ولكن خلود أحد الناس لا يصطدم بخلود غيره، لذا فالرجل الذي يظن أنه خالد، ليس بمجنون، فالأوهام هي تلك العقائد العاجزة عن تحقيق التكيف الإجتماعي الضروري، وغاية التحليل النفسي هي تحقيق التكيف الإجتماعي الذي يحمل على نبذ هذه الأوهام. صــ166

▬ إن العلم يزيد من قدرتنا على عمل الخير والشر جميعاً. لذلك تزيد الحاجة معه إلى كبح الدوافع الهدامة. وإذا قدر البقاء لعالم علمي، فلا بد أن يصبح الناس أسلس قياداً مما كانوا دائماً. فالمجرم البارع يجب ألا يظل ممثلاً أعلى، والخضوع يجب أن يحمد كما يحمد في الماضي. وفي كل ذلك سيكون كسب، وستكون خسارة، وليس في مقدور الإنسان سوى أن ينصب لهما الميزان. صــ198

▬ كان القرن التاسع عشر يقاسي تناقضاً عجيباً بين آرائه السياسية، وسيرته الإقتصادية. فهو في السياسية ينفذ الآراء الحرة للوك وروسو، التي هُيئت لمجتمع من صغار الملاك الزراعيين. وكان شعاره الحرية والمساواة، ولكنه كان في نفس الأثناء يبتكر المنهج العلمي الذي يؤدي الآن بالقرن العشرين إلى أن يدمر الحرية، ويبدل المساواة صوراً جديدة من العظامية. صــ199

▬ إن النزعة إلى البناء العلمي نزعة طيبة إن هي لم تتعارض مع غيرها من النزعات الكبرى التي تضفي القيمة على الحياة، ولكن إذا أُتيح لها أن تكبت كل شيء إلا نفسها، أصبحت صورة قاسية من صور الطغيان. وعندي أن هناك خطراً حقيقياً من أن يتعرض العالم لطغيان من هذا النوع، ولذلك فإني لم أجفل من رسم الجوانب المظلمة من العالم الذي يتوق العلم إلى خلقه، لو انفرد بالسلطة ولم يكن عليه معقب. صــ239

▬ الرغبة في المعرفة لها صورة أخرى، تنتمي إلى مجموعة من العواطف تختلف عن تلك التي أسلفنا تمام الإختلاف. فالصوفي والعاشق والشاعر كلهم ينشد المعرفة - ولعلهم ليسوا من الباحثين النجاحين، ولكن هذا لا يجعلهم أقل جدارة بالإحترام. ففي كل صور الحب نريد معرفة من نحب، لا طلباً للسيطرة، بل التماساً للنشوة التي يبعثها الأمل. "وحياتنا الخالدة إنما تكون بمعرفة الله"، ولكن ليس مرد هذا إلى أن معرفتنا بالله تمنحنا سيطرة عليه. فحيثما ابتعث فينا شيء من الأشياء نشوة أو سروراً أو طرباً، رغبنا معرفة هذا الشيء...لا معرفة علمية قصد إحالته شيئاً آخر، بل معرفة عن طريق البصيرة الجمالية، لأنه بنفسه ولنفسه يُضفي السعادة على العاشق. ويوجد الباعث على هذا النوع من المعرفة في الحب الجنسي كما في صور الحب الأخرى، هذا ما لم يكن الحب جسدياً عملياً خالصاً. وهذا يمكن استخدامه بحق آية على الحب القيم ذي القيمة: فالحب ذو القيمة يشتمل على باعث إلى ذلك النوع من المعرفة الذي ينبت منه الإتحاد الصوفي. صــ240 : 241


▬ لقد كان الإنسان حتى الآن مروضاً لخضوعه للطبيعة. فلما حرر نفسه من هذا الخضوع، بدت عليه نقائص العبد الذي صار سيداً. إن الأمر بحاجة إلى نظرة خلقية جديدة يحل فيه الإحترام لخير ما في الإنسان محل الخضوع لقوى الطبيعة، وإنما يكون المنهج العلمي خطراً حيث يختفي هذا الإحترام. إن العلم الآن وقد أنقذ الإنسان من عبوديته للطبيعة، يستطيع في أن  يشرع في استنقاذه من الجانب الوضيع من نفسه الذي ورثه عن عهد العبودية لقوى الطبيعة. إن الأخطار قائمة، ولكن تفاديها مستطاع، والعقل يقدر أن المستقبل سيضيئه نور الأمل وتشرق عليه شمس الرجاء، على الأقل إلى الحد الذي يخشى معه في المستقبل ظلمة الخوف ورهبة الشر. صــ247

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS